ويكي مصدر
arwikisource
https://ar.wikisource.org/wiki/%D8%A7%D9%84%D8%B5%D9%81%D8%AD%D8%A9_%D8%A7%D9%84%D8%B1%D8%A6%D9%8A%D8%B3%D9%8A%D8%A9
MediaWiki 1.47.0-wmf.22
first-letter
ميديا
خاص
نقاش
مستخدم
نقاش المستخدم
ويكي مصدر
نقاش ويكي مصدر
ملف
نقاش الملف
ميدياويكي
نقاش ميدياويكي
قالب
نقاش القالب
مساعدة
نقاش المساعدة
تصنيف
نقاش التصنيف
بوابة
نقاش البوابة
مؤلف
نقاش المؤلف
صفحة
نقاش الصفحة
فهرس
نقاش الفهرس
نص زمني
نقاش النص الزمني
وحدة
نقاش الوحدة
فعالية
نقاش فعالية
ميدياويكي:Gadgets-definition
8
12302
627478
619108
2026-10-04T17:34:58Z
حبيشان
52457
627478
wikitext
text/x-wiki
<noinclude><div class="mw-content-ltr small" style="overflow: auto;direction: ltr;"></noinclude>
== hidden ==
* SettingsManager [dependencies=mediawiki.user, user.options, mediawiki.api, mediawiki.util |hidden] |SettingsManager.js
* libJQuery [hidden] |libJQuery-ui.js |libJQuery.css
== template-gadgets ==
* countdown-timer [default |hidden |dependencies=mediawiki.language |categories=Gadget-Countdown] |countdown-timer.js
* DigitalKhatt [default |hidden |type=styles |categories=Font-DigitalKhatt] |DigitalKhatt.css |AyaNum.css
* Abyat [default |hidden |categories=Gadget-Abyat] |Abyat.js
== editing-tools ==
* TemplatePreloader [default |actions=edit |namespaces=0, 1, 102] |TemplatePreloader.js
* charinsert [actions=edit ] |charinsert.js
* charinsert-core [hidden |dependencies=jquery.textSelection, user, mediawiki.storage] |charinsert-styles.css |charinsert-core.js
* summaryButtons [default |type=general |dependencies=ext.visualEditor.desktopArticleTarget.init, mediawiki.ui.button, mediawiki.util |actions=edit] |summaryButtons.js |summaryButtons.css
* BiDiEditing [actions=edit |contentModels=text,wikitext,proofread-index,proofread-page] |BiDiEditing.js
* HotCat [contentModels=wikitext] |HotCat.js
* wikEd [dependencies=mediawiki.storage |contentModels=text,wikitext] |wikEd.js
* BandeauxPortails [namespaces=0] |BandeauxPortails.js
* Cat-a-lot [dependencies=mediawiki.util |namespaces=14] |Cat-a-lot.js
* DotsSyntaxHighlighter [dependencies=jquery.client |actions=edit] |DotsSyntaxHighlighter.js
* archive [rights=move |dependencies=mediawiki.util, mediawiki.api, oojs-ui-core, oojs-ui-windows |namespaces=3, 4, 5, 7, 9, 11, 13, 15, 101, 829] |Archiver.js
* autocomplete [default |dependencies=jquery.ui, jquery.textSelection |actions=edit] |autocomplete.js
* QuickEdit |QuickEdit.js |QuickEdit.css
* decodesummary [default |dependencies=jquery.lengthLimit| actions=edit] |decodesummary.js
== editing-tools-for-Index-namespace ==
* transclusion-check [default |dependencies=mediawiki.util, mediawiki.api |actions=view |namespaces=106] |transclusion-check.js| transclusion-check.css
* mark-proofread [default |type=styles |namespaces=106 |actions=view] |mark-proofread.css
== editing-tools-for-Page-namespace ==
* GoogleOCR [default |actions=edit |namespaces=104] |GoogleOCR.js
* Easy_LST [default |hidden |actions=edit |namespaces=0,104 ] |Easy_LST.js
== browsing ==
* directLinkToCommons [default |dependencies=mediawiki.util] |directLinkToCommons.js
* Popups [dependencies=mediawiki.api, mediawiki.user, mediawiki.util, user.options, mediawiki.jqueryMsg |type=general] |Popups.js
* userinfo [targets = desktop |dependencies=mediawiki.util |namespaces=2, 3] |userinfo.js
* XTools-ArticleInfo |XTools-ArticleInfo.js
* WikidataTab [skins=vector, vector-2022, monobook, timeless] |WikidataTab.js |WikidataTab.css
* Linkscount [namespaces=-1] |Linkscount.js |Linkscount.css
== interface ==
* Site [default |hidden |top |dependencies=mediawiki.util |peers=Site-styles] |DisplayFooter.js
* Site-styles [hidden |type=styles] |Site.css |SiteHeader.css |DisplayFooter.css
* PageNumbers [default |hidden |namespaces=0, 2, 4 |contentModels=wikitext] |PageNumbers.js
* PageNumbers-core [hidden |dependencies=mediawiki.util, user, mediawiki.cookie] |PageNumbers-core.js |PageNumbers-core.css
* WMP-icons [default |type=styles |skins=vector-2022] |WMP-icons.css
* UTCLiveClock [ type=general |dependencies=mediawiki.util, mediawiki.api, mediawiki.user |peers=UTCLiveClock-pagestyles] |UTCLiveClock.js |UTCLiveClock.css
* UTCLiveClock-pagestyles [hidden |skins=vector, monobook] |UTCLiveClock-pagestyles.css
* Purgetab [dependencies=mediawiki.util, mediawiki.api |default |rights=edit, autoconfirmed] |Purgetab.js
* Check-Fonts [dependencies= mediawiki.storage |hidden |default |contentModels=wikitext] |Check-Fonts.js
* Font-Amiri [default |hidden |type=styles] |Font-Amiri.css
* interwiki-transclusion [default |hidden |dependencies=mediawiki.util, mediawiki.api] |interwiki-transclusion.js
* dark-mode-toggle [ dependencies=mediawiki.util, mediawiki.api, mediawiki.storage |peers=dark-mode-toggle-pagestyles] |dark-mode-toggle.js
* dark-mode-toggle-pagestyles [hidden |skins=vector, vector-2022, minerva, monobook] |dark-mode-toggle-pagestyles.css
* dark-mode [supportsUrlLoad |skins=vector, vector-2022, monobook, modern, minerva, timeless] |dark-mode.css
* footnote-tip [ default |contentModels=wikitext] |footnote-tip.js
* exlinks [dependencies=mediawiki.util] |exlinks.js
* Font-Hafs [hidden |supportsUrlLoad |type=styles] |Font-Hafs.css
* AncreTitres [contentModels=wikitext |dependencies=mediawiki.util, mediawiki.user] |AncreTitres.js
== test ==
* Urgent-fixes [default |type=styles] |Urgent-fixes.css
* Fill_Index[namespaces= 106 |actions=edit] |Fill_Index.js
* EasternNumbers-Switch[actions=edit] |EasternNumbers-Switch.js |EasternNumbers-Switch.css
<noinclude></div></noinclude>
qf7t40qt9426zd4uxboe8z4gwpqq123
تفسير ابن كثير/سورة البقرة
0
25460
627501
287750
2026-10-05T11:58:10Z
يزن البلوي
69953
ازالة مسافات زائدة
627501
wikitext
text/x-wiki
{{رأسية
| عنوان = [[تفسير ابن كثير|تفسير القرآن العظيم]]
|مؤلف = ابن كثير
|باب= سورة البقرة
|سابق= → [[../سورة الفاتحة|سورة الفاتحة]]
|لاحق = [[تابع تفسير ابن كثير]] ←
|ملاحظات=
}}يارب ارحم كل من يريد لقائك اللهم ألهم كل طالب علم الاحساس بالقرآن واغفر وارحم علماء الاسلام الاموات منهم والاحياء وارحم كل حيران متردد فى الدين خطا له الشيطان خطوات التشكك فى الحق *قال تعالى(افلا يتدبرون القرآن ام على قلوب أقفالها )القران نعمه يااخوتى ياطالبين وجه الرحمن اسف على التطفل من عبديريد الدعاء له بأن يقبله الله ان يكون خادم للدين ويكون عبدا حقا لله حتي يلقي الله ويكون الله عنه راض دعاءلاخوكم هشام محروس وادعو لكم لقاء الرحمن دون حساب
== الم (1) ==
وقال ابن مَرْدُويه : حدثنا محمد بن مَعْمَر ، حدثنا الحسن بن علي بن الوليد [الفارسي] (1) حدثنا خلف بن هشام ، حدثنا عُبيس (2) بن ميمون ، عن موسى بن أنس بن مالك ، عن أبيه ، قال : قال رسول الله {{ص}} : " لا تقولوا : سورة البقرة ، ولا سورة آل عمران ، ولا سورة النساء ، وكذا القرآن كله ، ولكن قولوا : السورة التي يذكر فيها البقرة ، والتي يذكر فيها آل عمران ، وكذا القرآن كله " (3).
هذا حديث غريب لا يصح رفعه ، وعيسى بن ميمون هذا هو أبو سلمة الخواص ، وهو ضعيف الرواية ، لا يحتج به. وقد ثبت في الصحيحين (4) ، عن ابن مسعود : أنه رمى الجمرة من بطن الوادي ، فجعل البيت عن يساره ، ومنى عن يمينه ، ثم قال (5) : هذا مقام الذي أنزلت عليه سورة البقرة. أخرجاه (6).
وروى ابن مَرْدُويه ، من حديث شعبة ، عن عقيل بن طلحة ، عن عتبة بن فرقد (7) قال : رأى النبي {{ص}} في أصحابه تأخرًا (8)، فقال: " يا أصحاب سورة البقرة " (9). وأظن هذا كان يوم حنين، حين ولوا مدبرين أمر العباس فناداهم : " يا أصحاب الشجرة " ، يعني أهل بيعة الرضوان. وفي رواية : " يا أصحاب البقرة (10) " ؛ لينشطهم بذلك ، فجعلوا يقبلون من كل وجه (11). وكذلك يوم اليمامة مع أصحاب مسيلمة ، جعل الصحابة يفرون لكثافة حَشْر (12) بني حنيفة ، فجعل المهاجرون والأنصار يتنادون : يا أصحاب سورة البقرة ، حتى فتح الله عليهم (13). رضي الله عن أصحاب رسول الله أجمعين.
{ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم الم 1 }
قد اختلف المفسرون في الحروف المقطعة التي في أوائل السور ، فمنهم من قال : هي مما استأثر الله بعلمه ، فردوا علمها إلى الله ، ولم يفسروها [حكاه القرطبي في تفسيره عن أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وابن مسعود رضي الله عنهم به ، وقاله عامر الشعبي وسفيان الثوري والربيع بن خثيم ، واختاره
__________
زيادة من جـ ، ط ، ب ، أ ، و.
في هـ : "عيسى".
رواه الطبراني في الأوسط برقم (3450) "مجمع البحرين" والبيهقي في شعب الإيمان برقم (2582) من طريق عُبيس بن ميمون ، عن موسى بن أنس به ، وقال البيهقي : "عُبيس بن ميمون منكر الحديث : وهذا لا يصح ، وإنما روى عن ابن عمر من قوله".
ف جـ ، ط ، ب ، أ ، و : "الصحيح".
في و : "يقول".
صحيح البخاري برقم (1747) وصحيح مسلم برقم (1296).
في هـ : "مربد" وهو خطأ.
في جـ : "تأخرا في أصحابه".
ورواه الطبراني في المعجم الكبير (17/133) من طريق علي بن قتيبة عن شعبة عن عقيل بن أبي طلحة به ، وجاء من حديث أنس ، رواه أبو يعلى في مسنده (6/289) من طريق عمرو بن عاصم عن أبي العوام عن معمر عن الزهري عن أنس رضي الله عنه.
في ب : "سورة البقرة".
جاء من حديث العباس ، رواه مسلم في صحيحه برقم (1775) من طريق الزهري ، عن كثير بن عباس عن أبيه العباس رضي الله عنه.
في جـ ، ط ، ب ، و : "حبيش".
رواه ابن أبي شيبة في المصنف (12/502) من طريق هشام بن عروة ، عن أبيه قال : "كان شعار أصحاب النبي {{ص}} يوم مسيلمة : "يا أصحاب سورة البقرة".
(1/156)
أبو حاتم بن حبان (1) ] (2).
ومنهم من فسَّرها ، واختلف هؤلاء في معناها ، فقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم : إنما هي أسماء السور [قال العلامة أبو القاسم محمود بن عمر الزمخشري في تفسيره : وعليه إطباق الأكثر ، ونقله عن سيبويه أنه نص عليه] (3) ، ويعتضد هذا بما ورد في الصحيحين ، عن أبي هريرة : أن رسول الله {{ص}} كان يقرأ في صلاة الصبح يوم الجمعة : الم السجدة ، وهل أتى على الإنسان (4).
وقال سفيان الثوري ، عن ابن أبي نَجِيح ، عن مجاهد : أنه قال : الم ، وحم ، والمص ، وص ، فواتح افتتح الله بها القرآن.
وكذا قال غيره : عن مجاهد. وقال مجاهد في رواية أبي حذيفة موسى بن مسعود ، عن شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عنه ، أنه قال : الم ، اسم من أسماء القرآن.
وهكذا قال قتادة ، وزيد بن أسلم ، ولعل هذا يرجع إلى معنى قول عبد الرحمن بن زيد : أنه اسم من أسماء السور (5) ، فإن كل سورة يطلق عليها اسم القرآن ، فإنه يبعد أن يكون "المص" اسما للقرآن كله ؛ لأن المتبادر إلى فهم سامع من يقول : قرأت "المص" ، إنما ذلك عبارة عن سورة الأعراف ، لا لمجموع القرآن. والله أعلم.
وقيل : هي اسم من أسماء الله تعالى. فقال الشعبي : فواتح السور من أسماء الله تعالى ، وكذلك قال سالم بن عبد الله ، وإسماعيل بن عبد الرحمن السدي الكبير ، وقال شعبة عن السدي : بلغني أن ابن عباس قال : الم اسم من أسماء الله الأعظم. هكذا رواه ابن أبي حاتم من حديث شعبة.
ورواه ابن جرير عن بُنْدَار ، عن ابن مَهْدِي ، عن شعبة ، قال : سألت السدي عن حم وطس والم ، فقال : قال ابن عباس : هي اسم الله الأعظم.
وقال ابن جرير : وحدثنا محمد بن المثنى ، حدثنا أبو النعمان ، حدثنا شعبة ، عن إسماعيل السدي ، عن مُرَّة الهمداني قال : قال عبد الله ، فذكر نحوه [وحكي مثله عن علي وابن عباس] (6).
وقال علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس : هو قسم أقسم الله به ، وهو من أسماء الله تعالى.
وروى ابن أبي حاتم وابن جرير من حديث ابن عُلية ، عن خالد الحذاء ، عن عكرمة أنه قال : الم ، قسم.
ورويا (7) - أيضًا - من حديث شريك بن عبد الله ، عن عطاء بن السائب ، عن أبي الضُّحَى ، عن ابن عباس : الم ، قال : أنا الله أعلم.
وكذا قال سعيد بن جبير ، وقال السُّدِّي عن أبي مالك ، وعن أبي صالح ، عن ابن عباس - وعن
__________
تفسير القرطبي (1/154).
زيادة من جـ ، ط ، أ ، و.
زيادة من جـ ، ط ، أ ، و.
صحيح البخاري برقم (891) وصحيح مسلم برقم (880).
في ط ، ب ، أ ، و : "السورة".
زيادة من جـ ، ط ، ب ، أ ، و.
في جـ : "وروي".
(1/157)
مرّة الهمذاني عن ابن مسعود. وعن ناس من أصحاب النبي {{ص}} : الم. قال : أما الم فهي حروف استفتحت من حروف هجاء أسماء الله تعالى.
وقال أبو جعفر الرّازي ، عن الرّبيع بن أنس ، عن أبي العالية في قوله تعالى : { الم } قال : هذه الأحرف الثلاثة من التسعة والعشرين حرفًا دارت فيها الألسن كلها ، ليس منها حرف إلا وهو مفتاح اسم من أسمائه ، وليس منها حرف إلا وهو من آلائه وبلائه ، وليس منها حرف إلا وهو في مدة أقوام وآجالهم. قال عيسى ابن مريم ، عليه السلام ، وعَجب ، فقال : وأعْجَب أنهم ينطقون بأسمائه ويعيشون في رزقه ، فكيف يكفرون به ؛ فالألف مفتاح اسم الله ، واللام مفتاح اسمه لطيف (1) والميم مفتاح اسمه مجيد (2) فالألف آلاء الله ، واللام لطف الله ، والميم مجد الله ، والألف (3) سنة ، واللام ثلاثون سنة ، والميم أربعون [سنة] (4). هذا لفظ ابن أبي حاتم. ونحوه رواه ابن جرير ، ثم شرع يوجه كل واحد من هذه الأقوال ويوفق بينها ، وأنه لا منافاة بين كل واحد منها وبين الآخر ، وأن الجمع ممكن ، فهي أسماء السور ، ومن أسماء الله تعالى يفتتح بها السور ، فكل حرف منها دَلّ على اسم من أسمائه وصفة من صفاته ، كما افتتح سورا كثيرة بتحميده وتسبيحه وتعظيمه. قال : ولا مانع من دلالة الحرف منها على اسم من أسماء الله ، وعلى صفة من صفاته ، وعلى مدة وغير ذلك ، كما ذكره الرّبيع بن أنس عن أبي العالية ؛ لأن الكلمة الواحدة تطلق على معان كثيرة ، كلفظة الأمة فإنها تطلق ويراد به الدين ، كقوله تعالى : { إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ } [الزخرف : 22 ، 23]. وتطلق ويراد بها الرجل المطيع لله ، كقوله : { إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ } [النحل : 120] وتطلق ويراد بها الجماعة ، كقوله : { وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ } [القصص : 23] ، وقوله : { وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولا} [النحل : 36] وتطلق ويراد بها الحين من الدهر كقوله : { وَقَالَ الَّذِي نَجَا مِنْهُمَا وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ } [يوسف : 45] أي : بعد حين على أصح القولين ، قال : فكذلك هذا.
هذا حاصل كلامه موجهًا ، ولكن هذا ليس كما ذكره أبو العالية ، فإن أبا العالية زعم أن الحرف دل على هذا ، وعلى هذا ، وعلى هذا معًا ، ولفظة الأمة وما أشبهها (5) من الألفاظ المشتركة في الاصطلاح ، إنما دل في القرآن في كل موطن على معنى واحد دل عليه سياق الكلام ، فأما حمله على مجموع محامله إذا أمكن فمسألة مختلف فيها بين علماء الأصول ، ليس هذا (6) موضع البحث فيها ، والله أعلم ؛ ثم إن لفظ الأمة تدل على كل (7) معانيه في سياق الكلام بدلالة الوضع ، فأما دلالة الحرف الواحد على اسم يمكن أن يدل على اسم آخر من غير أن يكون أحدهما أولى من الآخر في التقدير أو الإضمار بوضع ولا بغيره ، فهذا مما لا يفهم إلا بتوقيف ، والمسألة مختلف فيها ، وليس فيها إجماع حتى يحكم به.
__________
في جـ : "اسمه اللطيف" ، وفي أ : "اسم لطيف".
في جـ : "المجيد".
في جـ ، ط ، ب ، أ ، و : "فالألف".
زيادة من جـ ، ط ، ب.
زيادة من جـ ، ط ، ب ، أ ، و : "وما أشبهه".
في أ : "هنا".
في ط ، ب : "كل من".
(1/158)
وما أنشدوه من الشواهد على صحة إطلاق الحرف الواحد على بقية الكلمة ، فإن في السياق ما يدل على ما حذف بخلاف هذا ، كما قال الشاعر :
قلنا قفي لنا فقالت قاف... لا تَحْسَبِي أنا نَسينا الإيجاف (1)
تعني : وقفت. وقال الآخر :
ما للظليم عَالَ كَيْفَ لا يا... ينقَدُّ عنه جلده إذا يا (2)
قال ابن جرير : كأنه أراد أن يقول : إذا يفعل كذا وكذا ، فاكتفى بالياء من يفعل ، وقال الآخر :
بالخير خيرات وإن شرًا فا... ولا أريد الشر إلا أن تا (3)
يقول : وإن شرًا فشر ، ولا أريد الشر إلا أن تشاء ، فاكتفى بالفاء والتاء من الكلمتين عن بقيتهما ، ولكن هذا ظاهر من سياق الكلام ، والله أعلم.
[قال القرطبي : وفي الحديث : "من أعان على قتل مسلم بشطر كلمة" (4) الحديث. قال شقيق : هو أن يقول في اقتل : اق] (5).
وقال خصيف ، عن مجاهد ، أنه قال : فواتح السور كلها "ق وص وحم وطسم والر" وغير ذلك هجاء موضوع. وقال بعض أهل العربية : هي حروف من حروف المعجم ، استغنى بذكر ما ذكر منها في أوائل السور عن ذكر بواقيها ، التي هي تتمة الثمانية والعشرين حرفًا ، كما يقول القائل : ابني يكتب في : ا ب ت ث ، أي : في حروف المعجم الثمانية والعشرين فيستغني بذكر بعضها عن مجموعها. حكاه ابن جرير.
قلت : مجموع الحروف المذكورة في أوائل السور بحذف المكرر منها أربعة عشر حرفًا ، وهي : ا ل م ص ر ك هـ ي ع ط س ح ق ن ، يجمعها قولك : نص حكيم قاطع له سر. وهي نصف الحروف عددًا ، والمذكور منها أشرف من المتروك ، وبيان ذلك من صناعة التصريف.
[قال الزمخشري : وهذه الحروف الأربعة عشر مشتملة على أنصاف أجناس الحروف يعني من المهموسة والمجهورة ، ومن الرخوة والشديدة ، ومن المطبقة والمفتوحة ، ومن المستعلية والمنخفضة ومن حروف القلقلة. وقد سردها مفصلة ثم قال : فسبحان الذي دقت في كل شيء حكمته ، وهذه الأجناس المعدودة ثلاثون بالمذكورة منها ، وقد علمت أن معظم الشيء وجله ينزل منزلة كله] (6).
__________
البيت في تفسير الطبري (1/212).
البيت في تفسير الطبري (1/213).
البيت في تفسير الطبري (1/213) وينسب إلى القيم بن أوس كما ذكره المحقق الفاضل.
تفسير القرطبي (1/156) والحديث رواه ابن ماجة في السنن برقم (2620) من طريق يزيد بن أبي زياد ، عن الزهري ، عن سعيد ، عن أبي هريرة رضي الله عنه به مرفوعا ، وقال البوصيري في الزوائد (2/334) : "هذا إسناد ضعيف ، يزيد بن أبي زياد الدمشقي قال فيه البخاري وأبو حاتم : منكر الحديث".
تنبيه : وقع في بعض النسخ المساعدة : قال سفيان ، بدل شقيق ، والذي في تفسير القرطبي موافق لما هاهنا ، وقد روي هذا القول عن سفيان الأصبهاني في الترغيب والترهيب برقم (2329).
زيادة من جـ ، ط ، أ ، و.
زيادة من جـ ، ط ، ب ، أ ، و.
(1/159)
ومن هاهنا لحظ (1) بعضهم في هذا المقام كلامًا ، فقال : لا شك أن هذه الحروف لم ينزلها سبحانه وتعالى عبثًا ولا سدى ؛ ومن قال من الجهلة : إنَّه في القرآن ما هو تعبد لا معنى له بالكلية ، فقد أخطأ خطأ كبيرًا ، فتعين أن لها معنى في نفس الأمر ، فإن صح لنا فيها عن المعصوم شيء قلنا به ، وإلا وقفنا حيث وقفنا ، وقلنا : { آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا } [آل عمران : 7].
ولم يجمع العلماء فيها على شيء معين ، وإنما اختلفوا ، فمن ظهر له بعض الأقوال بدليل فعليه اتباعه ، وإلا فالوقف حتى يتبين. هذا مقام.
المقام الآخر في الحكمة التي اقتضت إيراد هذه الحروف في أوائل السور ، ما (2) هي ؟ مع قطع النظر عن معانيها في أنفسها. فقال بعضهم : إنما ذكرت لنعرف بها أوائل السور. حكاه ابن جرير ، وهذا ضعيف ؛ لأن الفصل حاصل بدونها فيما لم تذكر فيه ، وفيما ذكرت فيه بالبسملة تلاوة وكتابة.
وقال آخرون : بل ابتدئ بها لتُفْتَحَ لاستماعها أسماعُ المشركين - إذ (3) تواصوا بالإعراض عن القرآن - حتى إذا استمعوا له تُلي عليهم المؤلَّف منه. حكاه ابن جرير - أيضًا - ، وهو ضعيف أيضًا ؛ لأنه لو كان كذلك لكان ذلك في جميع السور لا (4) يكون في بعضها ، بل غالبها ليس كذلك ، ولو كان كذلك - أيضًا - لانبغى (5) الابتداء بها في أوائل الكلام معهم ، سواء كان افتتاح سورة أو غير ذلك. ثم إن هذه السورة والتي تليها أعني البقرة وآل عمران مدنيتان ليستا خطابًا للمشركين ، فانتقض ما ذكروه بهذه الوجوه.
وقال آخرون : بل إنما ذكرت هذه الحروف في أوائل السور التي ذكرت فيها بيانًا لإعجاز القرآن ، وأن الخلق عاجزون عن معارضته بمثله ، هذا مع أنه [تركب] (6) من هذه الحروف المقطعة التي يتخاطبون بها.
ولهذا كل سورة افتتحت بالحروف فلا بد أن يذكر فيها الانتصار للقرآن وبيان إعجازه وعظمته ، وهذا معلوم بالاستقراء ، وهو الواقع في تسع وعشرين سورة ، ولهذا يقول تعالى : { الم * ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ } [البقرة : 1 ، 2]. { الم * اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ * نزلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ } [آل عمران : 1 - 3]. { المص * كِتَابٌ أُنزلَ إِلَيْكَ فَلا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ } [الأعراف : 1 ، 2]. { الر كِتَابٌ أَنزلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ } [إبراهيم : 1]{ الم * تَنزيلُ الْكِتَابِ لا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ } [السجدة : 1 ، 2]. { حم * تَنزيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ } [فصلت : 1 ، 2]. { حم * عسق * كَذَلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ } [الشورى : 1 - 3] ، وغير ذلك من الآيات الدالة على صحة ما ذهب إليه هؤلاء لمن أمعن (7) النظر ، والله أعلم.
__________
في ب ، و : "لخص" ، وفي جـ ، ط : "يخص".
في ط : "وما".
في ط : "إذا".
في ب : "ولا".
في جـ ، ط : "لا ينبغي".
زيادة من جـ ، ط ، ب.
في ط : "أنعم".
(1/160)
وأما من زعم أنها دالة على معرفة المدد ، وأنه يستخرج من ذلك أوقات الحوادث والفتن والملاحم ، فقد ادعى ما ليس له ، وطار في غير مطاره ، وقد ورد في ذلك حديث ضعيف ، وهو مع ذلك أدل على بطلان هذا المسلك من التمسك به على صحته. وهو ما رواه محمد بن إسحاق بن يسار ، صاحب المغازي ، حدثني الكلبي ، عن أبي صالح ، عن ابن عباس ، عن جابر بن عبد الله بن رئاب ، قال : مر أبو ياسر (1) بن أخطب ، في رجال من يهود ، برسول الله {{ص}} ، وهو يتلو فاتحة سورة البقرة : { الم * ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ [ هدى للمتقين] (2) } [البقرة : 1 ، 2 ] فأتى أخاه حيي بن أخطب في رجال من اليهود ، فقال : تعلمون - والله - لقد سمعت محمدا يتلو فيما أنزل الله عليه : { الم * ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ } فقال : أنت سمعته ؟ قال : نعم. قال : فمشى حيي بن أخطب في أولئك النفر من اليهود (3) إلى رسول الله {{ص}} : فقالوا : يا محمد ، ألم يذكر أنك تتلو فيما أنزل الله عليك : { الم * ذلك الكتاب لا [ريب] } (4) ؟ فقال رسول الله {{ص}} : "بلى". فقالوا : جاءك (5) بهذا جبريل من عند الله ؟ فقال : "نعم". قالوا : لقد بعث الله قبلك أنبياء ما نعلمه (6) بين لنبي منهم ما مدة ملكه وما أجل أمته غيرك. فقام (7) حيي بن أخطب ، وأقبل على من كان معه ، فقال لهم : الألف واحدة ، واللام ثلاثون ، والميم أربعون ، فهذه إحدى وسبعون سنة ، أفتدخلون في دين نبي ، إنما مدة ملكه وأجل أمته إحدى وسبعون سنة ؟ ثم أقبل على رسول الله {{ص}} ، فقال : يا محمد ، هل مع هذا غيره ؟ فقال : "نعم" ، قال : ما ذاك ؟ قال : "المص" ، قال : هذا أثقل وأطول ، الألف واحدة ، واللام ثلاثون ، والميم أربعون ، والصاد سبعون (8) ، فهذه إحدى وثلاثون (9) ومائة سنة. هل مع هذا يا محمد غيره (10) ؟ قال : "نعم" قال : ما ذاك (11) ؟ قال : "الر". قال : هذا (12) أثقل وأطول ، الألف واحدة ، واللام ثلاثون ، والراء مائتان. فهذه إحدى وثلاثون ومائتا سنة. فهل مع هذا يا محمد غيره ؟ قال : "نعم" ، قال : ماذا ؟ قال : "المر". قال : فهذه أثقل وأطول ، الألف واحدة ، واللام ثلاثون ، والميم أربعون ، والراء مائتان ، فهذه إحدى وسبعون ومائتان ، ثم قال : لقد لبس علينا أمرك يا محمد ، حتى ما ندري أقليلا أعطيت أم كثيرا. ثم قال : قوموا عنه. ثم قال أبو ياسر (13) لأخيه حيي بن أخطب ، ولمن معه من الأحبار : ما يدريكم ؟ لعله قد جمع هذا لمحمد كله إحدى وسبعون وإحدى وثلاثون (14) ومائة وإحدى وثلاثون ومائتان وإحدى وسبعون ومائتان ، فذلك سبعمائة وأربع سنين (15). فقالوا : لقد تشابه علينا أمره ، فيزعمون أن هؤلاء الآيات نزلت فيهم : { هُوَ الَّذِي أَنزلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ } [آل عمران : 7] (16).
__________
في جـ : "أبو إياس".
زيادة من جـ.
في جـ ، ط : "من يهود".
زيادة من ب.
في جـ ، ط : "أجاءك".
في جـ : "ما نعلمهم".
في أ : "فقال".
في جـ : "تسعون" ، وفي ط ، ب ، أ ، و : "ستون".
في جـ : "إحدى وستون".
في جـ ، أ ، و : "هل مع هذا غيره يا محمد".
في جـ ، ط ، ب ، و : "ماذا".
في جـ ، ط ، ب : "هذه".
في جـ : "أبو إياس".
في جـ : "إحدى وستون".
في جـ : "أربع وثلاثين سنة".
ورواه البخاري في التاريخ الكبير (2/208) والطبري في تفسيره (1/217) من طريق ابن إسحاق ، وأطنب العلامة أحمد شاكر في الكلام عليه في حاشية تفسير الطبري.
(1/161)
== ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (2) ==
فهذا مداره على محمد بن السائب الكلبي ، وهو ممن لا يحتج بما انفرد به ، ثم كان مقتضى هذا المسلك إن كان صحيحًا أن يحسب ما لكل حرف من الحروف الأربعة عشر التي ذكرناها ، وذلك يبلغ منه جملة كثيرة ، وإن حسبت مع التكرر فأتم وأعظم (1) والله أعلم.
{ ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (2) }
قال ابن جُرَيج : قال ابن عباس : "ذَلِكَ الْكِتَابُ" : هذا الكتاب. وكذا قال مجاهد ، وعكرمة ، وسعيد بن جبير ، والسديّ ومقاتل بن حيان ، وزيد بن أسلم ، وابن جريج : أن ذلك بمعنى هذا ، والعرب تقارض بين هذين الاسمين من أسماء الإشارة فيستعملون كلا منهما مكان الآخر ، وهذا معروف في كلامهم.
و { الْكِتَابُ } القرآن. ومن قال : إن المراد بذلك الكتاب الإشارة إلى التوراة والإنجيل ، كما حكاه ابن جرير وغيره ، فقد أبعد النَّجْعَة وأغْرق (2) في النزع ، وتكلف ما لا علم له به.
والرّيب : الشك ، قال السدي عن أبي مالك ، وعن أبي صالح عن ابن عباس ، وعن مرة الهَمْدانيّ عن ابن مسعود ، وعن أناس (3) من أصحاب رسول الله {{ص}} : { لا رَيْبَ فِيهِ } لا شك فيه.
وقاله أبو الدرداء وابن عباس ومجاهد وسعيد بن جبير وأبو مالك ونافع مولى ابن عمر وعطاء وأبو العالية والربيع بن أنس ومقاتل بن حيان والسدي وقتادة وإسماعيل بن أبي خالد. وقال ابن أبي حاتم : لا أعلم في هذا خلافًا.
[وقد يستعمل الريب في التهمة قال جميل :
بثينة قالت يا جميل أربتني... فقلت كلانا يا بثين مريب...
واستعمل - أيضًا - في الحاجة كما قال بعضهم (4) :
قضينا من تهامة كل ريب... وخيبر ثم أجمعنا السيوفا] (5)
ومعنى الكلام : أن هذا الكتاب - وهو القرآن - لا شك فيه أنه نزل (6) من عند الله ، كما قال تعالى في السجدة : { الم * تَنزيلُ الْكِتَابِ لا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ } [السجدة : 1 ، 2]. [وقال بعضهم : هذا خبر ومعناه النهي ، أي : لا ترتابوا فيه] (7).
ومن القراء من يقف على قوله : { لا رَيْبَ } ويبتدئ بقوله : { فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ } والوقف على قوله تعالى : { لا رَيْبَ فِيهِ } أولى للآية التي ذكرنا ، ولأنه يصير قوله : { هُدًى } صفة للقرآن ، وذلك أبلغ من كون : { فِيهِ هُدًى }.
و { هُدًى } يحتمل من حيث العربية أن يكون مرفوعًا على النعت ، ومنصوبًا على الحال.
__________
في و : "أطم وأعظم" ، وفي أ : "أعظم وأعظم".
في جـ ، : "أغرب".
في جـ ، ط : "ناس".
هو كعب بن مالك ، والبيت في اللسان ، مادة "ريب".
زيادة من جـ ، ط ، أ ، و.
في جـ ، ط ، ب : "منزل".
زيادة من جـ ، ط.
(1/162)
وخصّت الهداية للمتَّقين. كما قال : { قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ } [فصلت : 44]. { وَنُنزلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلا خَسَارًا } [الإسراء : 82] إلى غير ذلك من الآيات الدالة على اختصاص المؤمنين بالنفع بالقرآن ؛ لأنه هو في نفسه هدى ، ولكن لا يناله إلا الأبرار ، كما قال : { يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ } [يونس : 57].
وقد قال السدي عن أبي مالك ، وعن أبي صالح عن ابن عباس ، وعن مرة الهمداني ، عن ابن مسعود ، وعن أناس من أصحاب رسول الله {{ص}} : { هُدًى لِلْمُتَّقِينَ } يعني : نورًا (1) للمتقين.
وقال الشعبي : هدى من الضلالة. وقال سعيد بن جبير : تبيان للمتَّقين. وكل ذلك صحيح.
وقال السدي : عن أبي مالك ، وعن أبي صالح ، عن ابن عباس ، وعن مرة الهمداني ، عن ابن مسعود ، وعن ناس من أصحاب رسول الله {{ص}} : { هُدًى لِلْمُتَّقِينَ } قال : هم المؤمنون (2).
وقال محمد بن إسحاق ، عن محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت ، عن عكرمة أو سعيد بن جبير ، عن ابن عباس : { لِلْمُتَّقِينَ } أي : الذين يحذرون من الله عقوبته في ترك ما يعرفون من الهدى ، ويرجون رحمته في التصديق بما جاء به.
وقال أبو رَوْق ، عن الضحاك ، عن ابن عباس : { لِلْمُتَّقِينَ } قال : المؤمنين الذين يتَّقون (3) الشرك بي ، ويعملون بطاعتي.
وقال سفيان الثوري ، عن رجل ، عن الحسن البصري ، قوله : { لِلْمُتَّقِينَ } قال : اتَّقوا ما حرّم الله عليهم ، وأدوا ما افترض عليهم.
وقال أبو بكر بن عياش : سألني الأعمش عن المتَّقين ، قال : فأجبته. فقال [لي] (4) سل عنها الكلبي ، فسألته فقال : الذين يجتنبون كبائر الإثم. قال : فرجعت إلى الأعمش ، فقال : نرى أنه كذلك. ولم ينكره.
وقال قتادة { لِلْمُتَّقِينَ } هم الذين نعتهم الله بقوله : { الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ } الآية والتي بعدها [البقرة : 3 ، 4].
واختار ابن جرير : أن الآية تَعُمّ ذلك كله ، وهو كما قال.
وقد روى الترمذي وابن ماجه ، من رواية أبي عقيل عبد الله بن عقيل ، عن عبد الله بن يزيد ، عن ربيعة بن يزيد ، وعطية بن قيس ، عن عطية السعدي ، قال : قال رسول الله {{ص}} : "لا يبلغ العبد أن يكون من المتَّقين حتى يدع ما لا بأس به حذرًا مما به بأس (5). ثم قال الترمذي : حسن غريب (6).
__________
في جـ ، ب : "نور".
في جـ : "يعني نورا للمؤمنين".
في جـ : "يتعوذون".
زيادة من جـ ، ط ، ب.
في ب : "البأس".
سنن الترمذي برقم (2451) وسنن ابن ماجه برقم (4215).
(1/163)
== الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (3) ==
وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي ، حدثنا عبد الله بن عمران ، حدثنا إسحاق بن سليمان ، يعني الرازي ، عن المغيرة بن مسلم ، عن ميمون أبي حمزة ، قال : كنت جالسًا عند أبي وائل ، فدخل علينا رجل ، يقال له : أبو عفيف ، من أصحاب معاذ ، فقال له شقيق بن سلمة : يا أبا عفيف ، ألا تحدثنا عن معاذ بن جبل ؟ قال : بلى سمعته يقول : يحبس الناس يوم القيامة في بقيع واحد ، فينادي مناد : أين المتَّقون ؟ فيقومون في كَنَفٍ من الرّحمن لا يحتجب الله منهم ولا يستتر. قلت : من المتَّقون ؟ قال : قوم اتَّقوا الشرك وعبادة الأوثان ، وأخلصوا لله العبادة ، فيمرون إلى الجنة (1).
وأصل التقوى : التوقي مما يكره لأن أصلها وقوى من الوقاية. قال النابغة :
سقط النصيف ولم ترد إسقاطه... فتناولته واتقتنا باليد...
وقال الآخر :
فألقت قناعا دونه الشمس واتقت... بأحسن موصولين كف ومعصم...
وقد قيل : إن عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، سأل أبيّ بن كعب عن التقوى ، فقال له : أما سلكت طريقًا ذا شوك ؟ قال : بلى قال : فما عملت ؟ قال : شمرت واجتهدت ، قال : فذلك التقوى.
وقد أخذ هذا المعنى ابن المعتز فقال :
خل الذنوب صغيرها... وكبيرها ذاك التقى...
واصنع كماش فوق أر... ض الشوك يحذر ما يرى...
لا تحقرن صغيرة... إن الجبال من الحصى...
وأنشد أبو الدرداء يومًا :
يريد المرء أن يؤتى مناه... ويأبى الله إلا ما أرادا...
يقول المرء فائدتي ومالي... وتقوى الله أفضل ما استفادا...
وفي سنن ابن ماجه عن أبي أمامة قال : قال رسول الله {{ص}} : "ما استفاد المرء بعد تقوى الله خيرًا من زوجة صالحة ، إن نظر إليها سرته ، وإن أمرها أطاعته ، وإن أقسم عليها أبرته ، وإن غاب عنها حفظته في نفسها وماله" (2).
{ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ (3) }
قال أبو جعفر الرازي ، عن العلاء بن المسيب بن رافع ، عن أبي إسحاق ، عن أبي الأحوص ، عن عبد الله ، قال : الإيمان التصديق.
__________
تفسير ابن أبي حاتم (1/33) وفي إسناده ميمون القصاب ضعيف.
سنن ابن ماجة برقم (1857) من طريق عثمان بن أبي العاتكة عن علي بن زيد عن القاسم ، عن أبي أمامة رضي الله عنه ، وقال البوصيري في الزوائد (2/70) : "هذا إسناد فيه علي بن زيد بن جدعان وهو ضعيف ، وعثمان بن أبي العاتكة مختلف فيه".
(1/164)
وقال علي بن أبي طلحة وغيره ، عن ابن عباس ، { يُؤْمِنُونَ } يصدقون.
وقال مَعْمَر عن الزهري : الإيمان العمل.
وقال أبو جعفر الرازي ، عن الربيع بن أنس : { يُؤْمِنُونَ } يخشون.
قال ابن جرير وغيره : والأولى أن يكونوا موصوفين بالإيمان بالغيب قولا واعتقادًا وعملا قال : وقد تدخل الخشية لله في معنى الإيمان ، الذي هو تصديق القول بالعمل ، والإيمان كلمة جامعةٌ للإقرار بالله وكتبه ورسله ، وتصديق الإقرار بالفعل. قلت : أما الإيمان في اللغة فيطلق على التصديق المحض ، وقد يستعمل في القرآن ، والمراد به ذلك ، كما قال تعالى : { يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ } [التوبة : 61] ، وكما قال إخوة يوسف لأبيهم : { وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ } [يوسف : 17] ، وكذلك إذا استعمل مقرونا مع الأعمال ؛ كقوله : { إِلا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ } [الإنشقاق : 25 ، والتين : 6] ، فأما إذا استعمل مطلقًا فالإيمان الشرعي المطلوب لا يكون إلا اعتقادًا وقولا وعملا.
هكذا ذهب إليه أكثر الأئمة ، بل قد حكاه الشافعي وأحمد بن حنبل وأبو عُبَيد وغير واحد إجماعًا : أن الإيمان قول وعمل يزيد وينقص. وقد ورد فيه آثار كثيرة وأحاديث أوردنا (1) الكلام فيها في أول شرح البخاري ، ولله الحمد والمنة.
ومنهم من فسره بالخشية ، لقوله تعالى : { إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ } [الملك : 12] ، وقوله : { مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ } [ق : 33] ، والخشية خلاصة الإيمان والعلم ، كما قال تعالى : { إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ } [فاطر : 28].
وأما الغيب المراد هاهنا فقد اختلفت عبارات السلف فيه ، وكلها صحيحة ترجع إلى أن الجميع مراد.
قال أبو جعفر الرازي ، عن الربيع بن أنس ، عن أبي العالية ، في قوله : { يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ } قال : يؤمنون بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر ، وجنته وناره ولقائه ، ويؤمنون بالحياة بعد الموت وبالبعث ، فهذا غيب كله.
وكذا قال قتادة بن دعامة.
وقال السدي ، عن أبي مالك ، وعن أبي صالح ، عن ابن عباس ، وعن مرة الهمداني عن ابن مسعود ، وعن ناس من أصحاب النبي (2) {{ص}} : أما الغَيب فما غاب عن العباد من أمر الجنة ، وأمر النار ، وما ذكر في القرآن.
وقال محمد بن إسحاق ، عن محمد بن أبي محمد ، عن عِكْرِمة ، أو عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس : { بِالْغَيْبِ } قال : بما جاء منه ، يعني : مِنَ الله تعالى.
وقال سفيان الثوري ، عن عاصم ، عن زِرّ ، قال : الْغَيْب القرآن.
__________
في جـ ، ط : "وأفردنا".
في جـ ، ط : "رسول الله".
(1/165)
وقال عطاء بن أبي رباح : من آمن بالله فقد آمن بالغيب.
وقال إسماعيل بن أبي خالد : { يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ } قال : بغيب الإسلام.
وقال زيد بن أسلم : { الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ } قال : بالقدر. فكل هذه متقاربة في معنى واحد ؛ لأن جميع هذه المذكورات من الغيب الذي يجب الإيمان به.
وقال سعيد بن منصور : حدثنا أبو معاوية ، عن الأعمش ، عن عمارة بن عمير ، عن عبد الرحمن بن يزيد (1) قال : كنا عند عبد الله بن مسعود جلوسًا ، فذكرنا أصحَاب النبي {{ص}} وما سبقوا به ، قال : فقال عبد الله : إن أمر محمد {{ص}} كان بينا لمن رآه ، والذي لا إله غيره ما آمن أحد قط إيمانا أفضل من إيمان بغيب ، ثم قرأ : { الم * ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ } إلى قوله : { الْمُفْلِحُونَ } [البقرة : 1 - 5] (2).
وهكذا رواه ابن أبي حاتم ، وابن مَرْدُويه ، والحاكم في مستدركه ، من طرق ، عن الأعمش ، به (3).
وقال الحاكم : صحيح على شرط الشيخين ، ولم يخرجاه.
وفي معنى هذا الحديث الذي رواه [الإمام] (4) أحمد ، حدثنا أبو المغيرة ، أخبرنا الأوزاعي ، حدثني أسيد (5) بن عبد الرحمن ، عن خالد بن دُرَيك ، عن ابن مُحَيريز ، قال : قلت لأبي جمعة : حدثنا حديثا سمعته من رسول الله {{ص}} قال : نعم ، أحدثك حديثًا جيدًا : تغدينا (6) مع رسول الله {{ص}} ومعنا أبو عبيدة بن الجراح ، فقال : يا رسول الله ، هل أحد (7) خير منا ؟ أسلمنا معك وجاهدنا معك. قال : "نعم" ، قوم من بعدكم يؤمنون بي ولم يروني" (8).
طريق أخرى : قال أبو بكر بن مَرْدُويه في تفسيره : حدثنا عبد الله بن جعفر ، حدثنا إسماعيل عن عبد الله بن مسعود ، حدثنا عبد الله بن صالح ، حدثنا معاوية بن صالح ، عن صالح بن جُبَيْر ، قال : قدم علينا أبو جمعة الأنصاري ، صاحب رسول الله {{ص}} ببيت المقدس ، ليصلي فيه ، ومعنا يومئذ رجاء بن حيوة ، فلما انصرف (9) خرجنا نشيعه ، فلما أراد الانصراف قال : إن لكم جائزة وحقا ؛ أحدثكم بحديث سمعته من رسول الله {{ص}} ، قلنا : هات رحمك الله قال : كنا مع رسول الله {{ص}} ومعنا معاذ بن جبل عاشر عشرة ، فقلنا : يا رسول الله ، هل من قوم أعظم أجرًا منا ؟ آمنا بك واتبعناك ، قال :
__________
في أ : "زيد".
سنن سعيد بن منصور برقم (180) تحقيق د. الحميد.
تفسير ابن أبي حاتم (1/34) والمستدرك (2/260).
زيادة من جـ ، ط ، ب ، أ ، و.
في هـ : "أسد".
في جـ : "فعدنا".
في جـ : "أأحد".
المسند (4/106) قال الحافظ ابن حجر في الإصابة (4/33) : "واختلف فيه على الأوزاعي ، فقال الأكثر : عن أسيد عن خالد بن دريك عن ابن محيريز. وقال ابن شماسة : عن الأوزاعي عن أسيد عن صالح بن محمد حدثني أبو جمعة به" وقال في فتح الباري (7/6) : "إسناده حسن".
في جـ : "انصرفنا".
(1/166)
"ما يمنعكم من ذلك ورسول الله بين أظهركم يأتيكم بالوحي من السماء ، بل قوم من بعدكم يأتيهم كتاب بين لوحين يؤمنون به ويعملون بما فيه ، أولئك أعظم منكم أجرا" مرتين (1).
ثم رواه من حديث ضَمْرَة بن ربيعة ، عن مرزوق بن نافع ، عن صالح بن جبير ، عن أبي جمعة ، بنحوه (2).
وهذا الحديث فيه دلالة على العمل بالوِجَادة التي اختلف فيها أهل الحديث ، كما قررته في أول شرح البخاري ؛ لأنه مدحهم على ذلك وذكر أنهم أعظم أجرًا من هذه الحيثية لا مطلقا.
وكذا الحديث الآخر الذي رواه الحسن بن عرفة العبدي : حدثنا إسماعيل بن عياش الحمصي ، عن المغيرة بن قيس التميمي ، عن عمرو بن شعيب ، عن أبيه ، عن جده ، قال : قال رسول الله {{ص}} : "أي الخلق أعجب إليكم إيمانا ؟". قالوا : الملائكة. قال : "وما لهم لا يؤمنون وهم عند ربهم ؟". قالوا : فالنبيون. قال : "وما لهم لا يؤمنون والوحي ينزل عليهم ؟". قالوا : فنحن. قال : "وما لكم لا تؤمنون وأنا بين أظهركم ؟". قال : فقال رسول الله {{ص}} : "ألا إن أعجب الخلق إليّ إيمانا لَقَوْمٌ يكونون من بعدكم يَجدونَ صحفا فيها كتاب يؤمنون بما فيها" (3).
قال أبو حاتم الرازي : المغيرة بن قيس البصري منكر الحديث.
قلت : ولكن قد روى أبو يعلى في مسنده ، وابن مردويه في تفسيره ، والحاكم في مستدركه ، من حديث محمد بن أبي حميد ، وفيه ضعف ، عن زيد بن أسلم ، عن أبيه ، عن عمر ، عن النبي {{ص}} ، بمثله أو نحوه. وقال الحاكم : صحيح الإسناد ، ولم يخرجاه (4) وقد روي نحوه عن أنس بن مالك مرفوعًا (5) ، والله أعلم.
وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي ، حدثنا عبد الله بن محمد المسندي ، حدثنا إسحاق بن إدريس ، أخبرني إبراهيم بن جعفر بن محمود بن سلمة الأنصاري ، أخبرني جعفر بن محمود ، عن جدته تويلة (6) بنت أسلم ، قالت : صليت الظهر أو العصر في مسجد بني حارثة ، فاستقبلنا مسجد إيلياء (7) ، فصلينا سجدتين ، ثم جاءنا من يخبرنا : أن رسول الله {{ص}} قد استقبل البيت (8) الحرام ، فتحول النساء مكان الرجال ، والرجال مكان النساء ، فصلينا السجدتين الباقيتين ، ونحن مستقبلون (9) البيت الحرام.
قال إبراهيم : فحدثني رجال من بني حارثة : أن رسول الله {{ص}} حين بلغه ذلك قال : "أولئك قوم
__________
ورواه الطبراني في المعجم الكبير (4/23) عن بكر بن سهل عن عبد الله بن صالح به.
ورواه الطبراني في المعجم الكبير (4/23) من طريق ضمرة بن ربيعة به.
جزء الحسن بن عرفة برقم (19).
مسند أبي يعلى (1/147) والمستدرك (4/85) وتعقب الذهبي الحاكم فقال : "بل ضعفوه".
رواه البزار في مسنده (2840) "كشف الأستار" من طريق سعيد بن بشير ، عن قتادة ، عن أنس رضي الله عنه ، وقال : "غريب من حديث أنس".
في هـ : "نويلة".
في جـ : "المسجد الأقصى".
في جـ ، ط : "بيت الله".
في طـ ، ب ، أ ، و : "مستقبلوا".
(1/167)
آمنوا بالغيب" (1).
هذا حديث غريب من هذا الوجه.
{ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ ومما رزقناهم ينفقون 3 }
قال ابن عباس : أي : يقيمون الصلاة بفروضها.
وقال الضحاك ، عن ابن عباس : إقامة (2) الصلاة إتمام (3) الركوع والسجود والتلاوة والخشوع والإقبال عليها فيها.
وقال قتادة : إقامة (4) الصلاة المحافظة على مواقيتها ووضوئها ، وركوعها وسجودها.
وقال مقاتل بن حيان : إقامتها : المحافظة على مواقيتها ، وإسباغ الطهور فيها (5) وتمام ركوعها وسجودها (6) وتلاوة القرآن فيها ، والتشهد والصلاة على النبي {{ص}} ، فهذا إقامتها.
وقال علي بن أبي طلحة ، وغيره عن ابن عباس : { وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ } قال : زكاة أموالهم.
وقال السدي ، عن أبي مالك ، وعن أبي صالح ، عن ابن عباس ، وعن مرة عن ابن مسعود ، وعن أناس من أصحاب رسول الله (7) {{ص}} { وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ } قال : هي نفقة الرجل على أهله ، وهذا قبل أن تنزل الزكاة.
وقال جُوَيْبر ، عن الضحاك : كانت النفقات قربات (8) يتقربون بها إلى الله على قدر ميسرتهم وجهدهم ، حتى نزلت فرائض الصدقات : سبعُ آيات في سورة براءة ، مما يذكر فيهن الصدقات ، هن الناسخات المُثْبَتَات.
وقال قتادة : { وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ } فأنفقوا مما أعطاكم الله ، هذه الأموال عواري وودائع عندك يا ابن آدم ، يوشك أن تفارقها.
واختار ابن جرير أن الآية عامة في الزكاة والنفقات ، فإنه قال : وأولى التأويلات وأحقها بصفة القوم : أن يكونوا لجميع اللازم لهم في أموالهم مُؤَدّين ، زكاة كان ذلك أو نفقة مَنْ لزمته نفقته ، من أهل أو عيال وغيرهم ، ممن تجب عليهم نفقته بالقرابة والملك وغير ذلك ؛ لأن الله تعالى عم وصفهم ومدحهم بذلك ، وكل من الإنفاق والزكاة ممدوح به محمود عليه.
قلت : كثيرًا ما يقرن الله تعالى بين الصلاة والإنفاق من الأموال ، فإن الصلاة حق الله وعبادته ، وهي مشتملة على توحيده والثناء عليه ، وتمجيده والابتهال إليه ، ودعائه والتوكل عليه ؛ والإنفاق هو
__________
تفسير ابن أبي حاتم (1/36) وفي إسناده إسحاق بن إدريس قال البخاري : "تركه الناس". وقال ابن معين : "يضع الحديث". ورواه الطبراني في المعجم الكبير (24/207) من طريق إبراهيم بن حمزة الزبيري ، عن إبراهيم بن جعفر عن أبيه به نحوه.
في جـ ، ط : "إقام".
في جـ ، ط ، ب : "تمام".
في طـ : "إقام".
في جـ : "لها".
في جـ : "وإتمام الركوع والسجود".
في جـ : "النبي".
في جـ ، ط ، ب : "قربانا".
(1/168)
الإحسان إلى المخلوقين بالنفع المتعدي إليهم ، وأولى الناس بذلك القرابات والأهلون والمماليك ، ثم الأجانب ، فكل من النفقات الواجبة والزكاة المفروضة داخل في قوله تعالى : { وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ } ولهذا ثبت في الصحيحين عن ابن عمر : أن رسول الله {{ص}} قال : "بُنِيَ الإسلام على خمس : شهادة أن لا إله إلا الله ، وإقام الصلاة ، وإيتاء الزكاة ، وصوم رمضان ، وحج البيت" (1). والأحاديث في هذا كثيرة.
وأصل الصلاة في كلام العرب الدعاء ، قال الأعشى :
لها حارس لا يبرحُ الدهرَ بَيْتَها... وإن ذُبحَتْ صلى عليها وزَمْزَما (2)
وقال أيضًا (3) وقابلها الريح في دَنّها... وصلى على دَنّها وارتسم (4)
أنشدهما ابن جرير مستشهدا على ذلك.
وقال الآخر - وهو الأعشى أيضًا - :
تقول بنتي وقد قَرَّبتُ مرتحلا... يا رب جنب أبي الأوصابَ والوَجَعَا...
عليكِ مثلُ الذي صليتِ فاغتمضي... نوما فإن لِجَنب المرء مُضْطجعا...
يقول : عليك من الدعاء مثل الذي دعيته لي. وهذا ظاهر ، ثم استعملت الصلاة في الشرع في ذات الركوع والسجود والأفعال المخصوصة في الأوقات المخصوصة ، بشروطها المعروفة ، وصفاتها ، وأنواعها [المشروعة] (5) المشهورة.
وقال ابن جرير : وأرى أن الصلاة المفروضة سميت صلاة ؛ لأن المصلي يتعرض لاستنجاح طلبتَه من ثواب الله بعمله ، مع ما يسأل ربه من (6) حاجته (7).
[وقيل : هي مشتقة من الصلَوَيْن إذا تحركا في الصلاة عند (8) الركوع ، وهما عرقان يمتدان من الظهر حتى يكتنفا (9) عجب الذنب ، ومنه سمي المصلي ؛ وهو الثاني للسابق في حلبة الخيل ، وفيه نظر ، وقيل : هي مشتقة من الصلى ، وهو الملازمة للشيء من قوله : { لا يَصْلاهَا } أي : يلزمها ويدوم فيها { إِلا الأشْقَى } [الليل : 15] وقيل : مشتقة من تصلية الخشبة في النار لتقوّم ، كما أن المصلي يقوّم عوجه بالصلاة : { إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ } [العنكبوت : 45] واشتقاقها من الدعاء أصح وأشهر ، والله أعلم] (10).
وأما الزكاة فسيأتي الكلام عليها في موضعه ، إن شاء الله.
__________
صحيح البخاري برقم (8) وصحيح مسلم برقم (16).
البيت في تفسير الطبري (1/242).
في ب : "الآخر".
البيت في تفسير الطبري (1/242).
زيادة من ط.
في جـ ، ط ، ب ، أ ، و : "فيها".
في أ ، و : "حاجاته".
في أ : "في".
في أ : "يكشفا".
زيادة من جـ ، ط ، ب ، أ ، و.
(1/169)
== وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآَخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (4) ==
{ وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (4) }
قال ابن عباس : { وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزلَ مِنْ قَبْلِكَ } أي : يصدقون بما جئت به من الله ، وما جاء به مَنْ قبلك من المرسلين ، لا يفرقون بينهم ، ولا يجحدون ما جاؤوهم به من ربهم { وَبِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ } أي : بالبعث والقيامة ، والجنة ، والنار ، والحساب ، والميزان.
وإنما سميت الآخرة لأنها بعد الدنيا ، وقد اختلف المفسرون في الموصوفين هاهنا : هل هم الموصوفون بما تقدم من قوله تعالى : { الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ } [البقرة : 3] ومن هم ؟ على ثلاثة أقوال حكاها ابن جرير :
أحدهما (1) : أن الموصوفين أوّلا هم الموصوفون ثانيًا ، وهم كل مؤمن ، مؤمنو العرب ومؤمنو أهل الكتاب وغيرهم ، قاله مجاهد ، وأبو العالية ، والربيع بن أنس ، وقتادة.
والثاني : هما واحد ، وهم مؤمنو أهل الكتاب ، وعلى هذين تكون الواو عاطفة صفات على صفات ، كما قال تعالى : { سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلَى * الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى * وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى * وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى * فَجَعَلَهُ غُثَاءً أَحْوَى } [الأعلى : 1 - 5] وكما قال الشاعر :
إلى الملك القَرْم وابن الهُمام... وليثِ الكتيبة في المُزْدَحَم...
فعطف الصفات بعضها على بعض ، والموصوف واحد.
والثالث : أن الموصوفين أولا مؤمنو العرب ، والموصوفون ثانيا بقوله : { وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزلَ مِنْ قَبْلِكَ } الآية مؤمنو (2) أهل الكتاب ، نقله السدي في تفسيره ، عن ابن عباس وابن مسعود وأناس من الصحابة ، واختاره ابن جرير ، ويستشهد لما قال بقوله تعالى : { وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنزلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنزلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ } الآية [آل عمران : 199] ، وبقوله تعالى : { الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ * وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ * أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ } [القصص : 52 - 54]. وثبت في الصحيحين ، من حديث الشعبي عن أبي بردة عن أبي موسى : أن رسول الله {{ص}} قال : "ثلاثة يؤتون أجرهم مرتين : رجل من أهل الكتاب آمن بنبيه وآمن بي ، ورجل مملوك أدى حق الله وحق مواليه ، ورجل أدب جاريته فأحسن تأديبها ثم أعتقها وتزوجها" (3).
وأما ابن جرير فما استشهد على صحة ما قال إلا بمناسبة ، وهي أن الله وصف في أول هذه السورة المؤمنين والكافرين ، فكما أنه صنف الكافرين إلى صنفين : منافق وكافر ، فكذلك المؤمنون صنفهم إلى عربي وكتابي.
قلت : والظاهر قول مجاهد فيما رواه الثوري ، عن رجل ، عن مجاهد. ورواه غير واحد ، عن
__________
في جـ ، ط ، ب ، أ ، و : "أحدها".
في جـ ، ط ، ب : "لمؤمني".
صحيح البخاري برقم (97) وصحيح مسلم برقم (154).
(1/170)
أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (5)
ابن أبي نَجِيح ، عن مجاهد أنه قال : أربع آيات من أول سورة البقرة في نعت المؤمنين ، وآيتان في نعت الكافرين ، وثلاث عشرة في المنافقين ، فهذه الآيات الأربع عامة في كل مؤمن اتصف بها من عربي وعجمي ، وكتابي من إنسي وجني ، وليس تصح واحدة من هذه الصفات بدون الأخرى ، بل كل واحدة مستلزمة للأخرى وشرط معها ، فلا يصح الإيمان بالغيب وإقام الصلاة والزكاة إلا مع الإيمان بما جاء به الرسول {{ص}} ، وما جاء به مَنْ قبله من الرسل والإيقان بالآخرة ، كما أن هذا لا يصح إلا بذاك ، وقد أمر الله تعالى المؤمنين بذلك ، كما قال : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نزلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنزلَ مِنْ قَبْلُ } الآية [النساء : 136]. وقال : { وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنزلَ إِلَيْنَا وَأُنزلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ } الآية [العنكبوت : 46]. وقال تعالى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ آمِنُوا بِمَا نزلْنَا مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ } [النساء : 47] وقال تعالى : { قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالإنْجِيلَ وَمَا أُنزلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ } [المائدة : 68] وأخبر تعالى عن المؤمنين كلهم بذلك ، فقال تعالى : { آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ } الآية [البقرة : 285] وقال : { وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ أُولَئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ } [النساء : 152] وغير ذلك من الآيات الدالة على أمْر جميع المؤمنين بالإيمان بالله ورسله وكتبه. لكن لمؤمني أهل الكتاب خصوصية ، وذلك أنهم مؤمنون بما بأيديهم (1) مفصلا فإذا دخلوا في الإسلام وآمنوا به مفصلا كان لهم على ذلك الأجر مرتين ، وأما غيرهم فإنما يحصل له الإيمان ، بما تقدم مجملا كما جاء في الصحيح : "إذا حدثكم أهل الكتاب فلا تصدقوهم ولا تكذبوهم ، ولكن قولوا : آمنا بالذي (2) أنزل إلينا وأنزل إليكم" (3) ولكن قد يكون إيمان كثير من العرب بالإسلام الذي بعث به محمد {{ص}} أتم وأكمل وأعم وأشمل من إيمان من دخل منهم في الإسلام ، فهم وإن حصل لهم أجران من تلك الحيثية ، فغيرهم [قد] (4) يحصل له من التصديق ما يُنيف ثوابه على الأجرين اللذين حصلا لهم ، والله أعلم.
== { أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (5) } ==
يقول الله تعالى : { أُولَئِكَ } أي : المتصفون بما تقدم : من الإيمان بالغيب ، وإقام الصلاة ، والإنفاق من الذي رزقهم الله ، والإيمان بما أنزل الله إلى الرسول ومَنْ قبله من الرسل ، والإيقان بالدار الآخرة ، وهو يستلزم الاستعداد لها من العمل بالصالحات وترك المحرمات.
{ عَلَى هُدًى } أي : نور وبيان وبصيرة من الله تعالى. { وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ } أي : في الدنيا والآخرة.
__________
في جـ : "بما في أيديهم".
في طـ ، ب ، أ ، و : "بما".
صحيح البخاري برقم (4485 ، 7362) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
زيادة من طـ ، ب.
(1/171)
وقال محمد بن إسحاق ، عن محمد بن أبي محمد ، عن عِكْرِمة أو سعيد بن جُبَيْر ، عن ابن عباس : { أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ } أي : على نور من ربهم ، واستقامة على ما جاءهم ، { وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ } أي : الذين أدركوا ما طلبوا ، ونجوا من شر ما منه هربوا.
وقال ابن جرير : وأما معنى قوله : { أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ } فإن معنى ذلك : أنهم على نور من ربهم ، وبرهان واستقامة وسداد ، بتسديد الله إياهم ، وتوفيقه لهم وتأويل قوله : { وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ } أي المُنْجِحون المدركون ما طلبوا عند الله بأعمالهم وإيمانهم بالله وكتبه ورسله ، من الفوز بالثواب ، والخلود في الجنات ، والنجاة مما أعد الله لأعدائه من العقاب (1).
وقد حكى ابن جرير قولا عن بعضهم أنه أعاد اسم الإشارة في قوله تعالى : { أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ } إلى مؤمني أهل الكتاب الموصوفين بقوله تعالى : { وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزلَ إِلَيْكَ } الآية ، على ما تقدم من الخلاف. [قال] (2) وعلى هذا فيجوز أن يكون قوله تعالى : { وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزلَ إِلَيْكَ } منقطعا (3) مما قبله ، وأن يكون مرفوعًا على الابتداء وخبره { [ أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَ] أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ } (4) واختار أنه عائد إلى جميع من تقدم ذكره من مؤمني العرب وأهل الكتاب ، لما رواه السدي عن أبي مالك ، وعن أبي صالح ، عن ابن عباس ، وعن مرة الهمداني عن ابن مسعود ، وعن أناس من أصحاب رسول الله {{ص}} : أما الذين يؤمنون بالغيب ، فهم المؤمنون من العرب ، والذين يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك هم المؤمنون من أهل الكتاب. ثم جمع الفريقين فقال : { أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ } وقد تقدم من الترجيح أن ذلك صفة للمؤمنين عامة ، والإشارة عائدة عليهم ، والله أعلم. وقد نقل هذا عن مجاهد ، وأبي العالية ، والربيع بن أنس ، وقتادة ، رحمهم الله.
وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي ، حدثنا يحيى بن عثمان بن صالح المصري ، حدثنا أبي ، حدثنا ابن لَهِيعة ، حدثني عبيد الله بن المغيرة عن أبي الهيثم واسمه سليمان بن عبد ، عن عبد الله بن عمرو ، عن النبي {{ص}} وقيل له : يا رسول الله ، إنا نقرأ من القرآن فنرجو ، ونقرأ من القرآن فنكاد أن نيأس ، أو كما قال. قال : فقال : "أفلا أخبركم عن أهل الجنة وأهل النار ؟". قالوا : بلى يا رسول الله. قال : " { الم * ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ } " إلى قوله تعالى : { الْمُفْلِحُونَ } هؤلاء أهل الجنة". قالوا : إنا نرجو أن نكون هؤلاء. ثم قال : " { إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ } " إلى قوله : { عَظِيمٌ } هؤلاء أهل النار". قالوا : لسنا هم يا رسول الله. قال : "أجل " (5).
__________
تفسير الطبري (1/249).
زيادة من جـ ، ب ، أ ، و.
في جـ ، ط ، ب ، أ ، و : "مقتطعا".
زيادة من جـ ، ط ، ب.
تفسير ابن أبي حاتم (1/40).
(1/172)
== { إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (6) } ==
يقول تعالى : { إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا } أي : غَطوا الحق وستروه ، وقد كتب الله تعالى عليهم ذلك ، سواء عليهم إنذارك وعدمه ، فإنهم لا يؤمنون بما جئتهم به ، كما قال تعالى : { إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ * وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الألِيمَ } [يونس : 96 ، 97] وقال في حق المعاندين من أهل الكتاب : { وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ } الآية [البقرة : 145] أي : إن من (1) كتب الله عليه الشقاوة فلا مُسْعِد له ، ومن أضلَّه فلا هادي له ، فلا تذهب نفسك عليهم حسرات ، وبلّغهم الرّسالة ، فمن استجاب لك فله الحظ الأوفر ، ومن تولى فلا تحزن عليهم ولا يُهْمِدَنَّك ذلك ؛ { فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ } [الرعد : 40] ، و { إِنَّمَا أَنْتَ نَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ } [هود : 12].
وقال علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس ، في قوله تعالى : { إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ } قال : كان رسول الله {{ص}} يحرصُ أن يؤمن جميع النَّاس ويُتَابعوه على الهدى ، فأخبره الله تعالى أنه لا يؤمن إلا من سبق له من الله السعادةُ في الذكر الأوّل ، ولا يضل إلا من سبق له من الله الشقاوة في الذكر الأوّل.
وقال محمد بن إسحاق : حدثني محمد بن أبي محمد ، عن عكرمة ، أو سعيد بن جبير ، عن ابن عباس : { إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا } أي : بما أنزل إليك ، وإن قالوا : إنَّا قد آمنا بما جاءنا قبلك { سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ } أي : إنهم قد كفروا بما عندهم من ذكرك ، وجحدوا ما أخذ عليهم من الميثاق ، فقد (2) كفروا بما جاءك ، وبما عندهم مما جاءهم به غيرك ، فكيف يسمعون منك إنذارًا وتحذيرًا ، وقد كفروا بما عندهم من علمك ؟!
وقال أبو جعفر الرّازي ، عن الرّبيع بن أنس ، عن أبي العالية ، قال : نزلت هاتان الآيتان في قادة الأحزاب ، وهم الذين قال الله فيهم : { أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ * جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا } [إبراهيم : 28 ، 29].
والمعنى الذي ذكرناه أوّلا وهو المروي عن ابن عباس في رواية علي بن أبي طلحة ، أظهر ، ويفسر (3) ببقية الآيات التي في معناها ، والله أعلم.
وقد ذكر ابن أبي حاتم هاهنا حديثًا ، فقال : حدثنا أبي ، حدثنا يحيى بن عثمان بن صالح المصري ، حدثنا أبي ، حدثنا ابن لَهِيعة ، حدثني عبد الله بن المغيرة ، عن أبي الهيثم (4) عن عبد الله بن عمرو ، قال : قيل : يا رسول الله ، إنَّا نقرأ من القرآن فنرجو ، ونقرأ فنكاد أن نيأس ، فقال : "ألا أخبركم" ، ثم قال : { إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ } هؤلاء أهل النار". قالوا : لسنا منهم يا رسول الله ؟ قال : "أجل" (5).
__________
في جـ : "إلا أنه من".
في جـ ، ط ، ب : "وقد".
في جـ : "وتفسيره" ، وفي طـ ، ب : "ويفسره".
في جـ : "القسم".
تفسير ابن أبي حاتم (1/42).
(1/173)
خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (7)
[وقوله : { لا يُؤْمِنُونَ } محله من الإعراب أنه جملة مؤكدة للتي قبلها : { سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ } أي هم كفار في كلا الحالين ؛ فلهذا أكد ذلك بقوله : { لا يُؤْمِنُونَ } ويحتمل أن يكون { لا يُؤْمِنُونَ } خبرًا لأن تقديره : إن الذين كفروا لا يؤمنون ، ويكون قوله : { سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ } جملة معترضة ، والله أعلم] (1).
== { خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (7) } ==
قال السّدي : { خَتَمَ اللَّهُ } أي : طبع الله ، وقال قتادة في هذه الآية : استحوذ عليهم الشيطان إذ أطاعوه ؛ فختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة ، فهم لا يبصرون هدى ولا يسمعون ولا يفقهون ولا يعقلون.
وقال ابن جُرَيْج : قال مجاهد : { خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ } قال : نبئت أن الذنوب على القلب تحف به (2) من كل نواحيه حتى تلتقي عليه ، فالتقاؤها عليه الطبع ، والطبع الختم ، قال ابن جريج : الختم على القلب والسمع.
قال ابن جُرَيْج : وحدثني عبد الله بن كَثير ، أنه سمع مجاهدًا يقول : الرّانُ أيسر من الطبع ، والطبع أيسر من الأقفال ، والأقفال أشد من ذلك كله.
وقال الأعمش : أرانا مجاهد بيده فقال : كانوا يرون أن القلب في مثل هذه (3) - يعني : الكف - فإذا أذنب العبد ذنبًا ضُمَّ منه ، وقال بأصبعه الخنصر هكذا ، فإذا أذنب ضَمّ. وقال بأصبع أخرى ، فإذا أذنب ضُمّ. وقال بأصبع أخرى وهكذا ، حتى ضم أصابعه كلها ، ثم قال (4) : يطبع عليه بطابع.
وقال مجاهد : كانوا (5) يرون أن ذلك : الرين.
ورواه ابن جرير : عن أبي كُرَيْب ، عن وَكِيع ، عن الأعمش ، عن مجاهد ، بنحوه.
قال ابن جرير : وقال بعضهم : إنما معنى قوله : { خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ } إخبار من الله عن تكبرهم ، وإعراضهم عن الاستماع لما دُعُوا إليه من الحق ، كما يقال : إن فلانًا لأصَمّ عن هذا الكلام ، إذا امتنع من سماعه ، ورفع (6) نفسه عن تفهمه تكبرًا.
قال : وهذا لا يصح ؛ لأن الله قد أخبر أنه هو الذي ختم على قلوبهم وأسماعهم.
(قلت) : وقد أطنب الزمخشري في تقرير ما رده ابن جرير هاهنا وتأول الآية من خمسة أوجه وكلها ضعيفة جدًا ، وما جرأه على ذلك إلا اعتزاله ؛ لأن الختم على قلوبهم ومنعها من وصول الحق إليها قبيح عنده - تعالى الله عنه في اعتقاده - ولو فهم قوله تعالى : { فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ } وقوله { وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ } وما أشبه ذلك من الآيات الدالة على أنه تعالى إنما ختم على قلوبهم وحال بينهم وبين الهدى جزاءً وفاقًا على تماديهم في الباطل وتركهم الحق ، وهذا عدل منه تعالى حسن وليس بقبيح ، فلو أحاط علمًا بهذا لما قال ما قال ، والله أعلم.
قال القرطبي : وأجمعت الأمة على أن الله عز وجل قد وصف نفسه بالختم والطبع على قلوب الكافرين مجازاة لكفرهم كما قال : { بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ } وذكر حديث تقليب القلوب : "ويا مقلب القلوب ثبت قلوبنا على دينك" ، وذكر حديث حذيفة الذي في الصحيح عن رسول الله {{ص}} قال : "تعرض الفتن على القلوب كالحصير عودًا عودا فأي قلب أشربها نكت فيه نكتة سوداء وأي قلب أنكرها
__________
زيادة من جـ ، ط ، ب ، أ ، و.
في جـ ، ط ، ب ، أ ، و : "وقال : الطبع ينبت الذنوب على القلب فحفت به".
في جـ ، ط ، ب ، أ ، و : "هذا".
في طـ ، ب : "قال : ثم".
في جـ ، ط ، ب : "وكانوا".
في جـ : "يرفع".
(1/174)
نكت فيه نكتة بيضاء ، حتى تصير على قلبين : على أبيض مثل الصفاء فلا تضره فتنة ما دامت السموات والأرض ، والآخر أسود مرباد كالكوز مجخيًا لا يعرف معروفًا ولا ينكر منكرًا" الحديث.
قال (1) والحق عندي في ذلك ما صَحّ بنظيره (2) الخبرُ عن رسول الله {{ص}} ، وهو ما حدثنا به محمد بن بشار ، حدثنا صفوان بن عيسى ، حدثنا ابن عَجْلان ، عن القعقاع ، عن أبي صالح ، عن أبي هريرة ، قال : قال رسول الله {{ص}} : (إن المؤمن إذا أذنب ذنبًا كانت نُكْتة سوداء في قلبه فإن تاب ونزعَ واستعتب صقل قلبه ، وإن زاد زادت حتى تعلو قلبه ، فذلك الران الذي قال الله تعالى : { كَلا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ } [المطففين : 14] (3).
وهذا الحديث من هذا الوجه قد رواه الترمذي والنسائي ، عن قتيبة ، عن الليث بن سعد ، وابن ماجه عن هشام بن عمار عن حاتم بن إسماعيل والوليد بن مسلم ، ثلاثتهم عن محمد بن عجلان ، به (4).
وقال الترمذي : حسن صحيح.
ثم قال ابن جرير : فأخبر رسول الله {{ص}} أن الذنوب إذا تتابعت على القلوب أغلقتها ، وإذا أغلقتها أتاها حينئذ الختم من قبل الله تعالى والطبع ، فلا يكون للإيمان إليها مسلك ، ولا للكفر عنها (5) مخلص ، فذلك (6) هو الختم والطبع الذي ذكر (7) في قوله تعالى : { خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ } نظير الطبع والختم على ما تدركه الأبصار من الأوعية والظروف ، التي لا يوصل إلى ما فيها إلا بفض (8) ذلك عنها ثم حلها ، فكذلك (9) لا يصل الإيمان إلى قلوب من وصف الله أنه ختم على قلوبهم وعلى سمعهم إلا بعد فض خاتمه وحَلّه رباطه [عنها] (10).
واعلم أن الوقف التام على قوله تعالى : { خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ } ، وقوله { وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ } جملة تامة ، فإن الطبع يكون على القلب وعلى السمع ، والغشاوة - وهي الغطاء - تكون على البصر ، كما قال السدي في تفسيره عن أبي مالك ، عن أبي صالح ، عن ابن عباس ، وعن مرّة الهَمْداني ، عن ابن مسعود ، وعن أناس من أصحاب رسول الله (11) {{ص}} في قوله : { خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ } يقول : فلا يعقلون ولا يسمعون ، ويقول : وجعل على أبصارهم غشاوة ، يقول : على أعينهم فلا يبصرون.
قال (12) ابن جرير : حدثني محمد بن سعد (13) حدثنا أبي ، حدثني عمي الحسين بن الحسن ، عن أبيه ، عن جده ، عن ابن عباس : { خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ } والغشاوة على أبصارهم.
وقال : حدثنا القاسم ، حدثنا الحسين ، يعني ابن داود ، وهو سُنَيد ، حدثني حجاج ، وهو ابن محمد الأعور ، حدثني ابن جريج قال : الختم على القلب والسمع ، والغشاوة على البصر ، قال الله تعالى : { فَإِنْ يَشَأِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلَى قَلْبِكَ } [الشورى : 24] ، وقال { وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً } [الجاثية : 23] (14).
__________
في جـ ، ط : "قال ابن جرير"
في جـ : "ما صح به بنظره".
تفسير الطبري (1/260).
سنن الترمذي برقم (3334) وسنن النسائي الكبرى برقم (11658) وسنن ابن ماجة برقم (4244).
في أ ، و : "منها".
في جـ : "فلذلك".
في و : "ذكره الله".
في جـ : "إلى نقض".
في جـ : "فلذلك".
زيادة من جـ ، ط.
في جـ ، ط : "النبي".
في جـ ، ط : "وقال".
في أ : "سفيان".
تفسير الطبري (1/265).
(1/175)
وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آَمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ (8) يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (9)
قال (1) ابن جرير : ومن نصب غشاوة من قوله تعالى : { وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ } يحتمل (2) أنه نصبها بإضمار فعل ، تقديره : وجعل على أبصارهم غشاوة ، ويحتمل أن يكون نصبها على الإتباع ، على محل { وَعَلَى سَمْعِهِمْ } كقوله تعالى : { وَحُورٌ عِينٌ } [الواقعة : 22] ، وقول الشاعر :
عَلَفْتُها تبنًا وماء باردًا... حتى شَتتْ هَمَّالَةً عيناها (3)
وقال الآخر :
ورأيت زَوْجَك في الوغى... متقلِّدًا سيفًا ورُمْحًا (4)
تقديره : وسقيتها ماء باردًا ، ومعتَقِلا رمحًا.
لما تقدم وصف المؤمنين في صدر السورة بأربع آيات ، ثم عرّف حال الكافرين بهاتين الآيتين ، شرع تعالى في بيان حال المنافقين الذين يظهرون الإيمان ويبطنون الكفر ، ولما كان أمرهم يشتبه على كثير من الناس أطنب في ذكرهم بصفات متعددة ، كل منها نفاق ، كما أنزل (5) سورة براءة فيهم ، وسورة المنافقين فيهم ، وذكرهم في سورة النور وغيرها من السور ، تعريفا لأحوالهم لتجتنب ، ويجتنب من تلبس (6) بها أيضًا ، فقال تعالى :
== { وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ (8) يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (9) } ==
النفاق : هو إظهار الخير وإسرار الشر ، وهو أنواع : اعتقادي ، وهو الذي يخلد صاحبه في النار ، وعملي وهو من أكبر الذنوب ، كما سيأتي تفصيله (7) في موضعه ، إن شاء الله تعالى ، وهذا كما قال ابن جريج : المنافق يخالف قَوْلُه فِعْلَهُ ، وسِرّه علانيته ، ومدخله مخرجه ، ومشهده مَغِيبه.
وإنما نزلت صفات المنافقين في السّور المدنية ؛ لأن مكة لم يكن فيها نفاق ، بل كان خلافه ، من الناس من كان يظهر الكفر مُسْتَكْرَها ، وهو في الباطن مؤمن ، فلمَّا هاجر رسول الله {{ص}} إلى المدينة ، وكان بها الأنصار من الأوس والخزرج ، وكانوا في جاهليتهم يعبدون الأصنام ، على طريقة مشركي العرب ، وبها اليهود من أهل الكتاب على طريقة أسلافهم ، وكانوا ثلاث قبائل : بنو قَيْنُقَاع حلفاء الخزرج ، وبنو النَّضِير ، وبنو قُرَيْظَة حلفاء الأوس ، فلمَّا قدم رسول الله {{ص}} المدينة ، وأسلم من أسلم
__________
في جـ : "وقال".
في جـ ، ط : "فيحتمل".
البيت في تفسير الطبري (1/264).
البيت في تفسير الطبري (1/265) وهو للحارث المخزومي.
في جـ : "كما أنزلت".
في جـ : "يتلبس".
في جـ : "تفسيره".
(1/176)
من الأنصار من قبيلتي الأوس والخزرج ، وقل من أسلم من اليهود إلا عبد الله بن سَلام ، رضي الله عنه ، ولم يكن إذ ذاك نفاق أيضا ؛ لأنه لم يكن للمسلمين بعد شوكة تخاف ، بل قد كان ، عليه الصلاة والسلام ، وَادَعَ اليهود وقبائل كثيرة من أحياء العرب حوالي المدينة ، فلما كانت وقعة بدر العظمى وأظهر الله كلمته ، وأعلى الإسلام وأهله ، قال عبد الله بن أبيّ بن سلول ، وكان رأسا في المدينة ، وهو من الخزرج ، وكان سيد الطائفتين في الجاهلية ، وكانوا قد عزموا على أن يملّكوه عليهم ، فجاءهم الخير وأسلموا ، واشتغلوا عنه ، فبقي في نفسه من الإسلام وأهله ، فلما كانت وقعة بدر قال : هذا أمر قد تَوَجَّه فأظهر الدخول في الإسلام ، ودخل معه طوائف ممن هو على طريقته ونحلته ، وآخرون من أهل الكتاب ، فمن ثَمّ وُجِد النفاق في أهل المدينة ومن حولها من الأعراب ، فأما المهاجرون فلم يكن فيهم أحد ، لأنه لم يكن أحد يهاجر مكرَهًا ، بل يهاجر ويترك ماله ، وولده ، وأرضه رغبة فيما عند الله في الدار الآخرة.
قال محمد بن إسحاق : حدثني محمد بن أبي محمد ، عن عكْرِمة ، أو سعيد بن جُبَيْر ، عن ابن عباس : { وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ } يعني : المنافقين من الأوس والخزرج ومن كان على أمرهم.
وكذا فسَّرها بالمنافقين أبو العالية ، والحسن ، وقتادة ، والسدي.
ولهذا نبَّه الله ، سبحانه ، على صفات المنافقين لئلا يغترّ بظاهر أمرهم المؤمنون ، فيقع بذلك فساد عريض من عدم الاحتراز منهم ، ومن اعتقاد إيمانهم ، وهم كفار في نفس الأمر ، وهذا من المحذورات الكبار ، أن يظن بأهل الفجور خَيْر ، فقال تعالى : { وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ } أي : يقولون ذلك قولا ليس وراءه شيء آخر ، كما قال تعالى : { إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ } [المنافقون : 1] أي : إنما يقولون ذلك إذا جاؤوك فقط ، لا في نفس الأمر ؛ ولهذا يؤكدون في الشهادة بإن ولام التأكيد في خبرها ؛ كما أكَّدوا قولهم : { آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ } وليس الأمر كذلك ، كما أكْذبهم الله في شهادتهم ، وفي خبرهم هذا بالنسبة إلى اعتقادهم ، بقوله : { وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ } [المنافقون : 1] ، وبقوله { وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ }
وقوله تعالى : { يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا } أي : بإظهارهم ما أظهروه من الإيمان مع إسرارهم الكفر ، يعتقدون بجهلهم أنهم يخدعون الله بذلك ، وأن ذلك نافعهم عنده ، وأنه يروج عليه كما يروج على بعض المؤمنين ، كما قال تعالى : { يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَى شَيْءٍ أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْكَاذِبُونَ } [المجادلة : 18] ؛ ولهذا قابلهم على اعتقادهم ذلك بقوله : { وَمَا يَخْدَعُونَ إِلا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ } يقول : وما يَغُرُّون بصنيعهم هذا ولا يخدعون إلا أنفسهم ، وما يشعرون بذلك من أنفسهم ، كما قال تعالى : { إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ } [النساء : 142].
ومن القراء من قرأ : "وَمَا يُخَادِعُونَ (1) إِلا أَنفُسَهُمْ" ، وكلا القراءتين ترجع إلى معنى واحد.
__________
في جـ ، ط ، ب : "يخدعون".
(1/177)
فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ (10)
قال ابن جرير : فإن قال قائل : كيف يكون المنافق لله وللمؤمنين مخادعًا ، وهو لا يظهر بلسانه خلاف ما هو له معتقد إلا تقية ؟
قيل : لا تمتنع (1) العرب أن تسمي من أعطى بلسانه غير الذي في ضميره تقية ، لينجو مما هو له خائف ، مخادعا ، فكذلك المنافق ، سمي مخادعا لله وللمؤمنين ، بإظهاره ما أظهر (2) بلسانه تقية ، مما تخلص به من القتل والسباء (3) والعذاب العاجل ، وهو لغير ما أظهر ، مستبطن ، وذلك من فعلِه - وإن كان خداعًا للمؤمنين في عاجل الدنيا - فهو لنفسه بذلك من فعله خادع ، لأنه يُظْهِر لها بفعله ذلك بها أنَّه يعطيها أمنيّتها ، ويُسقيها كأس (4) سرورها ، وهو موردها حياض عطبها ، ومُجرّعها بها كأس عذابها ، ومُزيرُها (5) من غضب الله وأليم عقابه ما لا قبَلَ لها به ، فذلك خديعته نفسه ، ظنًا منه - مع إساءته إليها في أمر معادها - أنه إليها محسن ، كما قال تعالى : { وَمَا يَخْدَعُونَ إِلا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ } إعلامًا منه عِبَادَه المؤمنين أنّ المنافقين بإساءتهم إلى أنفسهم في إسْخَاطهم (6) عليها ربهم بكفرهم ، وشكهم وتكذيبهم ، غير شاعرين ولا دارين ، ولكنهم على عمياء من أمرهم مقيمون (7).
وقال ابن أبي حاتم : أنبأنا عليّ بن المبارك ، فيما كتب إليّ ، حدثنا زيد بن المبارك ، حدثنا محمد بن ثور ، عن ابن جُرَيْج ، في قوله تعالى : { يُخَادِعُونَ اللَّهَ } قال : يظهرون "لا إله إلا الله" يريدون أن يحرزوا بذلك دماءهم وأموالهم ، وفي أنفسهم غير ذلك (8).
وقال سعيد ، عن قتادة : { وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ * يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ } نعت المنافق عند كثير : خَنعُ الأخلاق يصدّق بلسانه وينكر بقلبه ويخالف بعمله ، يصبح على حال ويمسي على غيره ، ويمسي على حال ويصبح على غيره ، ويتكفأ تكفأ السفينة كلما هبَّت ريح هبّ معها.
== { فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ (10) } ==
قال السدي ، عن أبي مالك وعن أبي صالح ، عن ابن عباس ، وعن مرّة الهمداني عن ابن مسعود ، وعن أناس من أصحاب النبي {{ص}} في هذه الآية : { فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ } قال : شَكٌّ ، { فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا } قال : شكًّا.
وقال [محمد] (9) بن إسحاق ، عن محمد بن أبي محمد ، عن عِكْرِمة ، أو سعيد بن جبير ، عن ابن عباس [في قوله] (10) { : فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ } قال : شك.
__________
في جـ : "لا تمنع".
في أ ، و : "ما أظهره".
في أ : "السبي".
في جـ : "بكأس".
في أ : "ويزيدها".
في جـ : "بإسخاطهم".
تفسير الطبري (1/273).
تفسير ابن أبي حاتم (1/46).
زيادة من و.
زيادة من جـ.
(1/178)
وكذلك قال مجاهد ، وعكرمة ، والحسن البصري ، وأبو العالية ، والرّبيع بن أنس ، وقتادة.
وعن عكرمة ، وطاوس : { فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ } يعني : الرياء.
وقال الضحاك ، عن ابن عباس : { فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ } قال : نفاق { فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا } قال : نفاقا ، وهذا كالأول.
وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم : { فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ } قال : هذا مرض في الدين ، وليس مرضًا في الأجساد ، وهم المنافقون. والمرض : الشك الذي دخلهم في الإسلام { فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا } قال : زادهم رجسًا ، وقرأ : { فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ * وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ } [التوبة : 124 ، 125] قال : شرًا إلى شرهم وضلالة إلى ضلالتهم.
وهذا الذي قاله عبد الرحمن ، رحمه الله ، حسن ، وهو الجزاء من جنس العمل ، وكذلك قاله الأولون ، وهو نظير قوله تعالى أيضًا : { وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ } [محمد : 17].
وقوله { بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ } وقرئ : "يكذّبون" ، وقد كانوا متصفين بهذا وهذا ، فإنهم كانوا كذبة يكذبون بالحق يجمعون بين هذا وهذا. وقد سئل القرطبي وغيره من المفسرين عن حكمة كفه ، عليه السلام ، عن قتل المنافقين مع علمه بأعيان بعضهم ، وذكروا أجوبة عن ذلك منها ما ثبت في الصحيحين : أنه قال لعمر : "أكره أن يتحدث العرب أن محمدًا يقتل أصحابه" (1) ومعنى هذا خشية أن يقع بسبب ذلك تغير لكثير من الأعراب عن الدخول في الإسلام ولا يعلمون حكمة قتله لهم ، وأن قتله إياهم إنما هو على الكفر ، فإنهم إنما يأخذونه بمجرد ما يظهر لهم فيقولون : إن محمدًا يقتل أصحابه ، قال القرطبي : وهذا قول علمائنا وغيرهم كما كان يعطي المؤلفة قلوبهم مع علمه بشر اعتقادهم. قال ابن عطية : وهي طريقة أصحاب مالك نص عليه محمد بن الجهم والقاضي إسماعيل والأبهري وابن الماجشون. ومنها : ما قال مالك ، رحمه الله : إنما كف رسول الله {{ص}} عن المنافقين ليبين لأمته أن الحاكم لا يحكم بعلمه.
قال القرطبي : وقد اتفق العلماء عن بكرة أبيهم على أن القاضي لا يقتل بعلمه ، وإن اختلفوا في سائر الأحكام ، قال : ومنها ما قال الشافعي : إنما منع رسول الله {{ص}} من قتل المنافقين ما كانوا يظهرونه من الإسلام مع العلم بنفاقهم ؛ لأن ما يظهرونه يجبّ ما قبله. ويؤيد هذا قوله ، عليه الصلاة والسلام ، في الحديث المجمع على صحته في الصحيحين وغيرهما : "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا : لا إله إلا الله ، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها ، وحسابهم على الله ، عز وجل" (2). ومعنى هذا : أن من قالها جرت عليه أحكام الإسلام ظاهرًا ، فإن كان يعتقدها وجد ثواب ذلك في الدار الآخرة ، وإن لم يعتقدها لم ينفعه في الآخرة جريان الحكم عليه في الدنيا ، وكونه كان
__________
صحيح البخاري برقم (4902) وصحيح مسلم برقم (3314).
صحيح البخاري برقم (25) وصحيح مسلم برقم (22) من حديث ابن عمرو رضي الله عنهما.
(1/179)
وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ (11) أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ (12)
خليط أهل الإيمان { يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ قَالُوا بَلَى وَلَكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الأمَانِيُّ حَتَّى جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ } الآية [الحديد : 14] ، فهم يخالطونهم في بعض المحشر ، فإذا حقت المحقوقية تميزوا منهم وتخلفوا بعدهم { وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ } [سبأ : 54] ولم يمكنهم أن يسجدوا معهم كما نطقت بذلك الأحاديث ، ومنها ما قاله بعضهم : أنه إنما لم يقتلهم لأنه كان يخاف من شرهم مع وجوده ، عليه السلام ، بين أظهرهم يتلو عليهم آيات الله مبينات ، فأما بعده فيقتلون إذا أظهروا النفاق وعلمه المسلمون ، قال مالك : المنافق في عهد رسول الله {{ص}} هو الزنديق اليوم. قلت : وقد اختلف العلماء في قتل الزنديق إذا أظهر الكفر هل يستتاب أم لا. أو يفرق بين أن يكون داعية أم لا أو يتكرر منه ارتداده أم لا أو يكون إسلامه ورجوعه من تلقاء نفسه أو بعد أن ظهر عليه ؟ على أقوال موضع بسطها وتقريرها وعزوها كتاب الأحكام.
(تنبيه) قول من قال : كان عليه الصلاة والسلام يعلم أعيان بعض المنافقين إنما مستنده حديث حذيفة بن اليمان في تسمية أولئك الأربعة عشر منافقًا في غزوة تبوك الذين هموا أن يفتكوا برسول الله {{ص}} في ظلماء الليل عند عقبة هناك ؛ عزموا على أن ينفروا به الناقة ليسقط عنها فأوحى الله إليه أمرهم فأطلع على ذلك حذيفة. ولعل الكف عن قتلهم كان لمدرك من هذه المدارك أو لغيرها والله أعلم.
فأما غير هؤلاء فقد قال تعالى : { وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الأعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ } الآية ، وقال تعالى : { لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلا قَلِيلا * مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلا } ففيها دليل على أنه لم يغر بهم ولم يدرك على أعيانهم وإنما كانت تذكر له صفاتهم فيتوسمها في بعضهم كما قال تعالى : { وَلَوْ نَشَاءُ لأرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ } وقد كان من أشهرهم بالنفاق عبد الله بن أبي بن سلول وقد شهد عليه زيد بن أرقم بذلك الكلام الذي سبق في صفات المنافقين ومع هذا لما مات [صلى عليه] {{ص}} وشهد دفنه كما يفعل ببقية المسلمين ، وقد عاتبه عمر بن الخطاب رضي الله عنه فيه فقال : "إني أكره أن تتحدث العرب أن محمدًا يقتل أصحابه" وفي رواية في الصحيح "إني خيرت فاخترت" وفي رواية "لو أني أعلم لو زدت على السبعين يغفر الله له لزدت".
== { وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الأرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ (11) أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لا يَشْعُرُونَ (12) } ==
قال السدي في تفسيره ، عن أبي مالك وعن أبي صالح ، عن ابن عباس ، وعن مُرّة الطيب الهمداني ، عن ابن مسعود ، وعن أناس (1) من أصحاب رسول الله (2) {{ص}} : { وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الأرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ } أما لا تفسدوا في الأرض ، قال : الفساد هو الكفر ، والعمل بالمعصية.
وقال أبو جعفر ، عن الربيع بن أنس ، عن أبي العالية ، في قوله تعالى : { وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الأرْضِ } قال : يعني : لا تعصُوا في الأرض ، وكان فسادهم ذلك معصية الله ؛ لأنه من عصى الله في الأرض أو أمر بمعصية الله ، فقد أفسد في الأرض ؛ لأن صلاح الأرض والسماء بالطَّاعة.
وهكذا قال الربيع بن أنس ، وقتادة.
وقال ابن جُرَيْج ، عن مجاهد : { وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الأرْضِ } قال : إذا ركبوا معصية الله ، فقيل لهم : لا تفعلوا كذا وكذا ، قالوا : إنما نحن على الهدى ، مصلحون.
__________
في طـ ، ب : "ناس".
في أ : "النبي".
(1/180)
وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آَمِنُوا كَمَا آَمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آَمَنَ السُّفَهَاءُ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لَا يَعْلَمُونَ (13)
وقد قال وَكِيع ، وعيسى بن يونس ، وعثَّام بن علي ، عن الأعمش ، عن المِنْهَال بن عمرو ، عن عباد بن عبد الله الأسدي ، عن سلمان الفارسي : { وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الأرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ } قال سلمان : لم يجئ أهل هذه الآية بعد.
وقال ابن جرير : حدثني أحمد بن عثمان بن حَكيم ، حدثنا عبد الرحمن بن شَريك ، حدثني أبي ، عن الأعمش ، عن زيد بن وهب وغيره ، عن سلمان ، في هذه الآية ، قال : ما جاء هؤلاء بَعْدُ (1).
قال ابن جرير : يحتمل أن سلمان أراد بهذا أن الذين يأتون بهذه الصفة أعظم فسادًا من الذين كانوا في زمان النبي {{ص}} ، لا أنه عنى أنه لم يمض ممن تلك صفته أحد (2).
قال ابن جرير : فأهل النفاق مفسدون في الأرض بمعصيتهم فيها ربهم ، وركوبهم فيها ما نهاهم عن ركوبه ، وتضييعهم فرائضه ، وشكّهم في دينه الذي لا يُقْبَلُ من أحد عمل إلا بالتصديق به والإيقان بحقيقته ، وكذبهم المؤمنين بدعواهم غير ما هم عليه مقيمون من الشك والريب ، ومظاهرتهم أهل التكذيب بالله وكتبه ورسله على أولياء الله ، إذا وجدوا إلى ذلك سبيلا. فذلك إفساد المنافقين في الأرض ، وهم يحسبون أنهم بفعلهم ذلك مصلحون فيها (3).
وهذا الذي قاله حسن ، فإن من الفساد في الأرض اتخاذ المؤمنين الكافرين أولياء ، كما قال تعالى : { وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الأرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ } [الأنفال : 73] فقطع الله الموالاة بين المؤمنين والكافرين كما قال : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا مُبِينًا } [النساء : 144] ثم قال : { إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا } [النساء : 145] فالمنافق لما كان ظاهره الإيمان اشتبه أمره على المؤمنين ، فكأن الفساد من جهة المنافق حاصل ؛ لأنه هو الذي غَرّ المؤمنين بقوله الذي لا حقيقة له ، ووالى الكافرين على المؤمنين ، ولو أنه استمر على حالته (4) الأولى لكان شرّه أخف ، ولو أخلص العمل لله وتطابق قوله وعمله لأفلح وأنجح ؛ ولهذا قال تعالى : { وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الأرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ } أي : نريد أن نداري الفريقين من المؤمنين والكافرين ، ونصطلح مع هؤلاء وهؤلاء ، كما قال محمد بن إسحاق ، عن محمد بن أبي محمد ، عن عكرمة أو سعيد بن جبير ، عن ابن عباس : { وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الأرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ } أي : إنما نريد الإصلاح بين الفريقين من المؤمنين وأهل الكتاب. يقول الله : { أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لا يَشْعُرُونَ } يقول : ألا إن هذا الذي يعتمدونه ويزعمون أنه إصلاح هو عين الفساد ، ولكن من جهلهم لا يشعرون بكونه فسادًا.
== { وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لا يَعْلَمُونَ (13) } ==
يقول [الله] (5) تعالى : وإذا قيل للمنافقين : { آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ } أي : كإيمان الناس بالله وملائكته
__________
تفسير الطبري (1/288).
تفسير الطبري (1/289).
تفسير الطبري (1/289).
في أ ، و : "لحاله".
زيادة من (أ).
(1/181)
وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آَمَنُوا قَالُوا آَمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ (14) اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (15)
وكتبه ورسله والبعث بعد الموت والجنَّة والنَّار وغير ذلك ، مما أخبر المؤمنين به وعنه ، وأطيعوا الله ورسوله في امتثال الأوامر وترك الزواجر { قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ } يعنون - لعنهم الله - أصحابَ رسول الله {{ص}} ، رضي الله عنهم ، قاله أبو العالية والسدي في تفسيره ، بسنده عن ابن عباس وابن مسعود وغير واحد من الصحابة ، وبه يقول الربيع بن أنس ، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم وغيرهم ، يقولون : أنصير نحن وهؤلاء بمنزلة واحدة وعلى طريقة واحدة وهم سفهاء!!
والسفهاء : جمع سفيه ، كما أن الحكماء جمع حكيم [والحلماء جمع حليم] (1) والسفيه : هو الجاهل الضعيف الرّأي القليل المعرفة بمواضع المصالح والمضار ؛ ولهذا سمى الله النساء والصبيان سفهاء ، في قوله تعالى : { وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا } [النساء : 5] قال عامة علماء السلف : هم النساء والصبيان.
وقد تولى الله ، سبحانه ، جوابهم في هذه المواطن كلها ، فقال (2) { أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ } فأكد وحصر السفاهة فيهم.
{ وَلَكِنْ لا يَعْلَمُونَ } يعني : ومن تمام جهلهم أنهم لا يعلمون بحالهم في الضلالة والجهل ، وذلك أردى لهم وأبلغ في العمى ، والبعد عن الهدى.
== { وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ (14) اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (15) } ==
يقول [الله] (3) تعالى : وإذا لقي هؤلاء المنافقون المؤمنين قالوا : { آمَنَّا } أي : أظهروا لهم الإيمان والموالاة والمصافاة ، غرورًا منهم للمؤمنين ونفاقا ومصانعة وتقية ، ولِيَشركوهم فيما أصابوا من خير ومغنم ، { وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ } يعني : وإذا انصرفوا وذهبوا وخلصوا (4) إلى شياطينهم. فضمن { خَلَوْا } معنى انصرفوا ؛ لتعديته بإلى ، ليدل على الفعل المضمر والفعل الملفوظ (5) به. ومنهم من قال : "إلى" هنا بمعنى "مع" ، والأول أحسن ، وعليه يدور كلام ابن جرير.
وقال السدي عن أبي مالك : { خَلَوْا } يعني : مضوا ، و { شَيَاطِينِهِمْ } يعني : سادتهم وكبراءهم ورؤساءهم من أحبار اليهود ورؤوس المشركين والمنافقين.
قال السدي في تفسيره ، عن أبي مالك وعن أبي صالح ، عن ابن عباس ، وعن مرّة عن ابن مسعود ، عن ناس من أصحاب النبي {{ص}} : { وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ } يعني : هم رؤوسهم من الكفر.
وقال الضحاك عن ابن عباس : وإذا خلوا إلى أصحابهم ، وهم شياطينهم.
وقال محمد بن إسحاق ، عن محمد بن أبي محمد ، عن عِكْرِمة أو سعيد بن جُبَيْر ، عن ابن
__________
زيادة من طـ ، ب ، و.
في أ : "كما قال".
زيادة من أ.
في أ ، و : "أو ذهبوا أو خلصوا".
في طـ ، ب ، أ ، و : "الملفوظ".
(1/182)
عباس : { وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ } من يهود الذين يأمرونهم بالتكذيب وخلاف ما جاء به الرسول.
وقال مجاهد : { وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ } إلى أصحابهم من المنافقين والمشركين.
وقال قتادة : { وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ } قال : إلى رؤوسهم ، وقادتهم في الشرك ، والشر.
وبنحو ذلك فسَّره أبو مالك ، وأبو العالية والسدي ، والرّبيع بن أنس.
قال ابن جرير : وشياطين كل شيء مَرَدَتُه ، وتكون الشياطين من الإنس والجن ، كما قال تعالى : { وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الإنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا } [الأنعام : 112].
وفي المسند عن أبي ذر قال : قال رسول الله {{ص}} : "نعوذ بالله من شياطين الإنس والجن". فقلت : يا رسول الله ، وللإنس شياطين ؟ قال : "نعم" (1).
وقوله تعالى : { قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ } قال محمد بن إسحاق ، عن محمد بن أبي محمد ، عن عكرمة ، أو سعيد بن جبير ، عن ابن عباس : أي إنا على مثل ما أنتم عليه { إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ } أي : إنما نحن نستهزئ بالقوم ونلعب بهم.
وقال الضحاك ، عن ابن عباس : قالوا إنما نحن مستهزئون ساخرون بأصحاب محمد {{ص}}.
وكذلك قال الرّبيع بن أنس ، وقتادة.
وقوله تعالى جوابًا لهم ومقابلة على صنيعهم : { اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ }
وقال (2) ابن جرير : أخبر الله تعالى أنه فاعل بهم ذلك يوم القيامة ، في قوله : { يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ } الآية [الحديد : 13] ، وقوله تعالى : { وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لأنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ } [آل عمران : 178]. قال : فهذا وما أشبهه ، من استهزاء الله ، تعالى ذكره ، وسخريته ومكره وخديعته للمنافقين ، وأهل الشرك به عند قائل هذا القول ، ومتأول هذا التأويل.
قال : وقال آخرون : بل استهزاؤه بهم توبيخه إياهم ، ولومه لهم على ما ركبوا من معاصيه ، والكفر به.
قال : وقال آخرون : هذا وأمثاله على سبيل الجواب ، كقول الرّجل لمن يخدعه إذا ظفر به : أنا الذي خدعتك. ولم تكن منه خديعة ، ولكن قال ذلك إذ صار الأمر إليه ، قالوا : وكذلك قوله : { وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ } [آل عمران : 54] و { اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ } على الجواب ، والله
__________
المسند (5/178).
في طـ ، ب : "وقال".
(1/183)
لا يكون منه المكر ولا الهزء ، والمعنى : أن المكر والهُزْء حَاق بهم.
وقال آخرون : قوله : { إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ * اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ } وقوله { يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ } [النساء : 142] ، وقوله { فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ } [التوبة : 79] و { نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ } [التوبة : 67] وما أشبه ذلك ، إخبار من الله تعالى أنه يجازيهم (1) جَزَاءَ الاستهزاء ، ويعاقبهم (2) عقوبة الخداع فأخرج خبره عن جزائه إياهم وعقابه لهم مُخرج خبره عن فعلهم الذي عليه استحقوا العقاب في اللفظ ، وإن اختلف المعنيان كما قال تعالى : { وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا } [الشورى : 40] وقوله تعالى : { فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ } [البقرة : 194] ، فالأول ظلم ، والثاني عدل ، فهما وإن اتفق لفظاهما فقد اختلف معناهما.
قال : وإلى هذا المعنى وَجَّهوا كل ما في القرآن من نظائر ذلك.
قال : وقال آخرون : إن معنى ذلك : أنّ الله أخبر عن المنافقين أنهم إذا خَلَوا إلى مَرَدَتِهم قالوا : إنا معكم على دينكم ، في تكذيب محمد {{ص}} وما جاء به ، وإنما نحن بما يظهر لهم - من قولنا لهم : صدقنا بمحمد ، عليه السلام ، وما جاء به مستهزئون ؛ فأخبر الله تعالى أنه يستهزئ بهم ، فيظهر لهم من أحكامه في الدنيا ، يعني من عصمة دمائهم وأموالهم خلاف الذي لهم عنده في الآخرة ، يعني من العذاب والنكال (3).
ثم شرع ابن جرير يوجه هذا القول وينصره ؛ لأن المكر والخداع والسخرية على وجه اللعب والعبث منتف عن الله ، عز وجل ، بالإجماع ، وأما على وجه الانتقام والمقابلة بالعدل والمجازاة فلا يمتنع ذلك.
قال : وبنحو ما قلنا فيه روي الخبر عن ابن عباس : حدثنا أبو كُرَيْب ، حدثنا عثمان ، حدثنا بشر ، عن أبي روق ، عن الضحاك ، عن ابن عباس ، في قوله تعالى : { اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ } قال : يسخر بهم للنقمة منهم.
وقوله تعالى : { وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ } قال السدي : عن أبي مالك ، وعن أبي صالح ، عن ابن عباس ، وعن مرّة ، عن ابن مسعود ، وعن أناس (4) من الصحابة [قالوا] (5) يَمدهم : يملي لهم.
وقال مجاهد : يزيدهم.
قال ابن جرير : والصواب يزيدهم على وجه الإملاء والترك لهم في عُتُوّهم وتَمَرّدهم ، كما قال : { وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ } [الأنعام : 110].
__________
في طـ ، أ ، و : "مجازيهم".
في طـ ، ب ، أ ، و : "ومعاقبهم".
تفسير الطبري (1/303).
في جـ ، ط ، ب : "ناس".
زيادة من ب ، و.
(1/184)
أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ (16)
والطغيان : هو المجاوزة في الشيء. كما قال : { إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ } [الحاقة : 11] ، وقال الضحاك ، عن ابن عباس : { فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ } في كفرهم يترددون.
وكذا فسره السدي بسنده عن الصحابة ، وبه يقول أبو العالية ، وقتادة ، والرّبيع بن أنس ، ومجاهد ، وأبو مالك ، وعبد الرحمن بن زيد : في كفرهم وضلالتهم.
قال ابن جرير : والعَمَه : الضلال ، يقال : عمه فلان يَعْمَه عَمَهًا وعُمُوهًا : إذا ضل.
قال : وقوله : { فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ } في ضلالهم (1) وكفرهم الذي غمرهم دَنَسُه ، وعَلاهم رجْسه ، يترددون [حيارى] (2) ضُلالا (3) لا يجدون إلى المخرج منه سبيلا ؛ لأن الله تعالى قد طبع على قلوبهم وختم عليها ، وأعمى أبصارهم عن الهدى وأغشاها ، فلا يبصرون رُشْدًا ، ولا يهتدون سبيلا.
[وقال بعضهم : العمى في العين ، والعمه في القلب ، وقد يستعمل العمى في القلب - أيضا - : قال الله تعالى : { فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الأبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ } [الحج : 46] ويقال : عمه الرجل يعمه عموها فهو عمه وعامه ، وجمعه عمّه ، وذهبت إبله العمهاء : إذا لم يدر أين ذهبت (4).
== { أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ (16) } ==
قال السدي في تفسيره ، عن أبي مالك وعن أبي صالح ، عن ابن عباس ، وعن مُرّة ، عن ابن مسعود ، وعن ناس من الصحابة : { أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدَى } قال : أخذوا الضلالة وتركوا الهدى.
وقال [محمد] (5) بن إسحاق ، عن محمد بن أبي محمد ، عن عكرمة ، أو عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس : { أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدَى } أي : الكفر بالإيمان.
وقال مجاهد : آمنوا ثمّ كفروا.
وقال قتادة : استحبوا الضلالة على الهدى [أي : الكفر بالإيمان] (6). وهذا الذي قاله قتادة يشبهه في المعنى قوله تعالى في ثمود : { وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى } [فصلت : 17] (7).
وحاصل قول المفسرين فيما تقدم : أن المنافقين عَدَلوا عن الهدى إلى الضلال ، واعتاضوا عن الهدى بالضلالة ، وهو معنى قوله تعالى : { أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدَى } أي بذلوا الهدى ثمنا للضلالة ، وسواء في ذلك من كان منهم قد حصل له الإيمان ثم رجع عنه إلى الكفر ، كما قال
__________
في ب ، أ ، و : "ضلالتهم".
زيادة من جـ ، ط ، ب ، أ ، و.
في جـ : "ضلال".
زيادة من جـ ، ط ، أ ، و.
زيادة من جـ.
زيادة من طـ.
في هـ : "فأما" وهو خطأ.
(1/185)
تعالى فيهم : { ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ } [المنافقون : 3] ، أو أنهم استحبوا الضلالة على الهدى ، كما يكون (1) حال فريق آخر منهم ، فإنهم أنواع وأقسام ؛ ولهذا قال تعالى : { فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ } أي : ما ربحت صفقتهم في هذه البيعة ، { وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ } أي : راشدين في صنيعهم ذلك.
قال (2) ابن جرير : حدثنا بشر ، حدثنا يزيد ، حدثنا سعيد ، عن قتادة { فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ } قد - والله - رأيتموهم خرجوا من الهدى إلى الضلالة ، ومن الجماعة إلى الفرقة ، ومن الأمن إلى الخوف ، ومن السنة إلى البدعة. وهكذا رواه ابن أبي حاتم ، من حديث يزيد بن زُرَيْع ، عن سعيد ، عن قتادة ، بمثله سواء.
__________
في جـ ، ط ، ب ، أ ، و : "كما قد يكون".
في ط : "وقال".
(1/186)
== { مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لا يُبْصِرُونَ (17) صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ (18) } ==
[يقال : مثل ومثل ومثيل - أيضا - والجمع أمثال ، قال الله تعالى : { وَتِلْكَ الأمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلا الْعَالِمُونَ } [العنكبوت : 43] (1).
وتقدير هذا المثل : أن الله سبحانه ، شبَّههم في اشترائهم الضلالة بالهدى ، وصيرورتهم بعد التبصرة إلى العمى ، بمن استوقد نارًا ، فلما أضاءت ما حوله وانتفع بها وأبصر بها ما عن يمينه وشماله ، وتَأنَّس بها فبينا هو كذلك إذْ طفئت ناره ، وصار في ظلام شديد ، لا يبصر ولا يهتدي ، وهو مع ذلك أصم لا يسمع ، أبكم لا ينطق ، أعمى لو كان ضياء لما أبصر ؛ فلهذا لا يرجع إلى ما كان عليه قبل ذلك ، فكذلك هؤلاء (2) المنافقون في استبدالهم الضلالة عوضًا عن الهدى ، واستحبابهم الغَيّ على الرّشَد. وفي هذا المثل دلالة على أنهم آمنوا ثم كفروا ، كما أخبر عنهم تعالى في غير هذا الموضع ، والله أعلم.
وقد حكى هذا الذي قلناه فخر الدين الرازي في تفسيره عن السدي ثم قال : والتشبيه هاهنا في غاية الصحة ؛ لأنهم بإيمانهم اكتسبوا أولا نورا ثم بنفاقهم ثانيًا أبطلوا ذلك النور فوقعوا في حيرة عظيمة فإنه لا حيرة أعظم من حيرة الدين.
وزعم ابن جرير أن المضروب لهم المثل هاهنا لم يؤمنوا في وقت من الأوقات ، واحتج بقوله تعالى : { وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ } [البقرة : 8].
والصواب : أن هذا إخبار عنهم في حال نفاقهم وكفرهم ، وهذا لا ينفي أنه كان حصل لهم إيمان قبل ذلك ، ثم سُلبوه وطبع على قلوبهم ، ولم يستحضر ابن جرير ، رحمه الله ، هذه الآية هاهنا وهي
__________
زيادة من جـ ، ط.
في جـ : "هم".
(1/186)
قوله تعالى : { ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَفْقَهُونَ } [المنافقون : 3] ؛ فلهذا وجه [ابن جرير] (1) هذا المثل بأنهم استضاؤوا بما أظهروه من كلمة الإيمان ، أي في الدنيا ، ثم أعقبهم ظلمات يوم القيامة.
قال : وصح ضرب مثل الجماعة بالواحد ، كما قال : { رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ } [الأحزاب : 19] أي : كدوران عيني الذي يغشى عليه من الموت ، وقال تعالى : { مَا خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ } [لقمان : 28] وقال تعالى : { مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا } [الجمعة : 5] ، وقال بعضهم : تقدير الكلام : مثل قصتهم كقصة الذي استوقد نارا. وقال بعضهم : المستوقد واحد لجماعة معه. وقال آخرون : الذي هاهنا بمعنى الذين كما قال الشاعر :
وإن الذي حانت بفلج دماؤهم... هم القوم كل القوم يا أم خالد (2)
قلت : وقد التفت في أثناء المثل من الواحد (3) إلى الجمع ، في قوله تعالى : { فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لا يُبْصِرُونَ * صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ } وهذا أفصح في الكلام ، وأبلغ في النظام ، وقوله تعالى : { ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ } أي : ذهب عنهم ما ينفعهم ، وهو النور ، وأبقى لهم ما يضرهم ، وهو الإحراق والدخان { وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ } وهو ما هم فيه من الشك والكفر والنفاق ، { لا يُبْصِرُونَ } لا يهتدون إلى سبل (4) خير ولا يعرفونها ، وهم مع ذلك { صُمٌّ } لا يسمعون خيرا { بُكْمٌ } لا يتكلمون بما ينفعهم { عُمْيٌ } في ضلالة وعماية البصيرة ، كما قال تعالى : { فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الأبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ } [الحج : 46] فلهذا لا يرجعون إلى ما كانوا عليه من الهداية التي باعوها بالضلالة.
ذكر أقوال المفسرين من السلف بنحو ما ذكرناه :
قال السدي في تفسيره ، عن أبي مالك وعن أبي صالح ، عن ابن عباس ، وعن مرّة ، عن ابن مسعود ، وعن ناس من الصحابة ، في قوله تعالى : { فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ } زعم أن ناسًا دخلوا في الإسلام مَقْدَم نبيّ الله {{ص}} المدينة ، ثم إنهم نافقوا ، فكان مثلهم كمثل رجُل كان في ظلمة ، فأوقد نارًا ، فأضاءت ما حوله من قذى ، أو أذى ، فأبصره حتى عرف ما يتقي منه (5) فبينا (6) هو كذلك إذ طفئت ناره ، فأقبل لا يدري ما يتقي من أذى ، فكذلك المنافق : كان في ظلمة الشرك فأسلم ، فعرف الحلال والحرام ، و[عرف] (7) الخير والشر ، فبينا (8) هو كذلك إذ كفر ، فصار لا يعرف الحلال من
__________
زيادة من و.
البيت للأشهب بن رميلة ، كما في اللسان ، مادة "فلج".
في جـ ، ط ، ب ، أ ، و : "الوحدة".
في طـ ، ب : "سبيل".
في جـ ، ط ، ب : "منها".
في أ ، و : "فبينما".
زيادة من جـ.
في أ ، و : "فبينما".
(1/187)
الحرام ، ولا الخير من الشر.
وقال مجاهد : { فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ } (1) أما إضاءة النار فإقبالهم (2) إلى المؤمنين ، والهدى.
وقال عطاء الخرساني في قوله : { مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا } قال : هذا مثل المنافق ، يبصر أحيانًا ويعرف أحيانًا ، ثم يدركه عمى القلب.
وقال ابن أبي حاتم : وروي عن عكرمة ، والحسن والسدي ، والرّبيع بن أنس نحو قول عطاء الخرساني.
وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم ، في قوله تعالى : { مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا } إلى آخر الآية ، قال : هذه صفة المنافقين. كانوا قد آمنوا حتى أضاء الإيمان في قلوبهم ، كما أضاءت النار لهؤلاء الذين استوقدوا (3) ثم كفروا فذهب الله بنورهم فانتزعه ، كما ذهب بضوء هذه النار فتركهم في ظلمات لا يبصرون.
وقال العوفي ، عن ابن عباس ، في هذه الآية ، قال : أما النور : فهو إيمانهم الذي كانوا يتكلمون به ، وأمَّا الظلمة : فهي ضلالتهم وكفرهم الذي كانوا يتكلمون به ، وهم قوم كانوا على هدى ، ثمّ نزع منهم ، فعتوا بعد ذلك.
وأما قول ابن جرير فيشبه ما رواه علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس في قوله تعالى : { مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا } قال : هذا مثل ضربه الله للمنافقين أنهم كانوا يعتزون بالإسلام ، فيناكحهم المسلمون ويوارثونهم ويقاسمونهم الفيء ، فلما ماتوا سلبهم الله ذلك العِزّ ، كما سُلِب صاحب النار ضَوءه.
وقال أبو جعفر الرازي ، عن الرّبيع بن أنس ، عن أبي العالية : { مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا } فإنما ضوء النار ما أوقدتها ، فإذا خمدت ذهب نورها ، وكذلك المنافق ، كلما تكلم بكلمة الإخلاص ، بلا إله إلا الله ، أضاء له ، فإذا شك وقع في الظلمة.
وقال الضحاك [في قوله] (4) { ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ } أما نورهم فهو إيمانهم الذي تكلموا به.
وقال عبد الرزاق ، عن مَعْمَر ، عن قتادة : { مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ } فهي (5) لا إله إلا الله ؛ أضاءت لهم فأكلوا بها وشربوا وأمنوا في الدنيا ، ونكحوا النساء ، وحقنوا دماءهم ، حتى إذا ماتوا ذهب الله بنورهم وتركهم في ظلمات لا يبصرون.
وقال سعيد ، عن قتادة في هذه الآية : إن المعنى : أن المنافق تكلم بلا إله إلا الله فأضاءت له الدنيا ، فناكح بها المسلمين ، وغازاهم بها ، ووارثهم بها ، وحقن بها دمه وماله ، فلما كان عند الموت ،
__________
في جـ : "ما حوله ذهب الله بنورهم".
في جـ ، ط ، ب : "فإقباله".
في جـ : "استوقد نارا".
زيادة من جـ ، ط ، ب.
في جـ : "فهو".
(1/188)
سلبها المنافق ؛ لأنه (1) لم يكن لها أصل في قلبه ، ولا حقيقة في عمله (2).
{ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ } قال علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس : { وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ } يقول : في عذاب إذا ماتوا.
وقال محمد بن إسحاق ، عن محمد بن أبي محمد ، عن عِكْرِمة ، أو سعيد بن جبير ، عن ابن عباس : { وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ } أي يبصرون الحق ويقولون به ، حتى إذا خرجوا من ظلمة الكفر أطفئوه بكفرهم (3) ونفاقهم فيه ، فتركهم الله في ظلمات الكفر ، فهم لا يبصرون هدى ، ولا يستقيمون على حق.
وقال السدي في تفسيره بسنده : { وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ } فكانت الظلمة نفاقهم.
وقال الحسن البصري : { وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لا يُبْصِرُونَ } فذلك (4) حين يموت المنافق ، فيظلم عليه عمله عمل السوء ، فلا يجد له عملا من خير عمل به يصدق (5) به قول : لا إله إلا الله (6).
{ صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ } قال السدي بسنده : { صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ } فهم خرس عمي (7).
وقال علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس : { صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ } يقول : لا يسمعون الهدى ولا يبصرونه ولا يعقلونه ، وكذا قال أبو العالية ، وقتادة بن دعامة.
{ فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ } قال ابن عباس : أي لا يرجعون إلى هدى ، وكذلك (8) قال الرّبيع بن أنس.
وقال السدي بسنده : { صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ } إلى الإسلام.
وقال قتادة : { فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ } أي لا يتوبون (9) ولا هم يذكرون.
== { أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ (19) يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (20) } ==
وهذا مثل آخر ضربه الله تعالى لضرب آخر من المنافقين ، وهم قوم يظهر لهم الحق تارة ، ويشكّون تارة أخرى ، فقلوبهم في حال شكهم وكفرهم وترددهم { كَصَيِّبٍ } والصيب : المطر ، قاله ابن مسعود ، وابن عباس ، وناس من الصحابة ، وأبو العالية ، ومجاهد ، وسعيد بن جبير ، وعطاء ،
__________
في جـ : "لأنها".
في جـ : "علمه".
في جـ : "طعنوا بكفرهم به".
في جـ : "فبذلك".
في جـ : "يصدقه".
في طـ ، ب ، و : "إلا هو".
في جـ : "عمي خرس".
في جـ ، ط ، ب ، أ : "وكذا".
في جـ : "لا يؤمنون".
(1/189)
والحسن البصري ، وقتادة ، وعطية العَوْفِي ، وعطاء الخراساني ، والسُّدي ، والرّبيع بن أنس.
وقال الضحاك : هو السحاب.
والأشهر هو المطر نزل من السماء في حال ظلمات ، وهي الشكوك والكفر والنفاق. { وَرَعْدٌ } وهو ما يزعج القلوب من الخوف ، فإن من شأن المنافقين الخوف الشديد والفزع ، كما قال تعالى : { يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ [ هُمُ الْعَدُوُّ ] (1) } [المنافقون : 4] وقال : { وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ وَمَا هُمْ مِنْكُمْ وَلَكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ * لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً أَوْ مَغَارَاتٍ أَوْ مُدَّخَلا لَوَلَّوْا إِلَيْهِ وَهُمْ يَجْمَحُونَ } [التوبة : 56 ، 57].
والبرق : هو ما يلمع في قلوب هؤلاء الضرب من المنافقين في بعض الأحيان ، من نور الإيمان ؛ ولهذا قال : { يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ } أي : ولا يُجْدي عنهم حذرهم شيئًا ؛ لأن الله محيط [بهم] (2) بقدرته ، وهم تحت مشيئته وإرادته ، كما قال : { هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْجُنُودِ * فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ * بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي تَكْذِيبٍ * وَاللَّهُ مِنْ وَرَائِهِمْ مُحِيطٌ } [البروج : 17 - 20].
[والصواعق : جمع صاعقة ، وهي نار تنزل من السماء وقت الرعد الشديد ، وحكى الخليل بن أحمد عن بعضهم صاعقة ، وحكى بعضهم صاعقة وصعقة وصاقعة ، ونقل عن الحسن البصري أنه : قرأ "من الصواقع حذر الموت" بتقديم القاف وأنشدوا لأبي النجم :
يحكوك بالمثقولة القواطع... شفق البرق عن الصواقع (3)
قال النحاس : وهي لغة بني تميم وبعض بني ربيعة ، حكى ذلك.
ثم قال : { يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ } أي : لشدته وقوته في نفسه ، وضعف بصائرهم ، وعدم ثباتها للإيمان.
وقال علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس : { يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ } يقول : يكاد مُحْكَمُ القرآن يدل على عورات المنافقين.
وقال ابن إسحاق : حدثني محمد بن أبي محمد ، عن عكرمة ، أو سعيد بن جبير ، عن ابن عباس : { يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ } أي لشدة ضوء الحق ، { كلما أضاء لهم مشوا فيه وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا } أي كلما ظهر لهم من الإيمان شيء استأنسوا (4) به واتبعوه ، وتارة تعْرِض لهم الشكوك أظلمت قلوبَهم فوقفوا حائرين.
__________
زيادة من جـ ، ط.
زيادة من جـ ، ط ، ب.
البيت في اللسان ، مادة "صقع" وهو فيه : يحكون بالمصقولة القواطع... تشقق البرق عن الصواقع
في أ : "استضاءوا".
(1/190)
وقال علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس : { كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ } يقول : كلما أصاب المنافقين من عز الإسلام اطمأنوا إليه ، وإن أصاب الإسلام نكبة قاموا ليرجعوا إلى الكفر ، كقوله : { وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ [وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ] (1) } الآية [الحج : 11].
وقال محمد بن إسحاق ، عن محمد بن أبي محمد ، عن عكرمة ، أو سعيد بن جبير ، عن ابن عباس : { كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا } أي : يعرفون الحق ويتكلمون به ، فهم من قولهم به على استقامة فإذا ارتكسوا منه (2) إلى الكفر { قَامُوا } أي : متحيرين.
وهكذا قال أبو العالية ، والحسن البصري ، وقتادة ، والربيع بن أنس ، والسدي بسنده ، عن الصحابة وهو أصح وأظهر. والله أعلم.
وهكذا يكونون (3) يوم القيامة عندما يعطى الناس النور بحسب إيمانهم ، فمنهم من يعطى من النور ما يضيء له مسيرة فراسخ ، وأكثر من ذلك وأقل من ذلك ، ومنهم من يطْفَأ نوره تارة ويضيء له أخرى ، فيمشي (4) على الصراط تارة ويقف أخرى. ومنهم من يطفأ نوره بالكلية وهم الخُلَّص من المنافقين ، الذين قال تعالى (5) فيهم : { يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا } [الحديد : 13] وقال في حق المؤمنين : { يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ } الآية [الحديد : 12] ، وقال تعالى : { يَوْمَ لا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } [التحريم : 8].
ذكر الحديث الوارد في ذلك :
قال سعيد بن أبي عَرُوبة ، عن قتادة في قوله تعالى : { يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ } الآية [الحديد : 12] ، ذكر لنا أن النبي (6) {{ص}} كان يقول : "من المؤمنين من يضيء نوره من المدينة إلى عدن ، أو بين (7) صنعاء ودون ذلك ، حتى إن من المؤمنين من لا يضيء نوره إلا موضع قدميه". رواه ابن جرير.
ورواه ابن أبي حاتم من حديث عمران بن دَاوَر (8) القطان ، عن قتادة ، بنحوه.
وهذا كما قال المِنْهَال بن عمرو ، عن قيس بن السكن ، عن عبد الله بن مسعود ، قال : يؤتون نورهم على قدر أعمالهم ، فمنهم من يرى (9) نوره كالنخلة ، ومنهم من يرى (10) نوره كالرجل القائم ، وأدناهم نورًا على إبهامه يطفأ مرة ويَقِد (11) مرة.
__________
زيادة من جـ.
في أ : "فيه".
في جـ : "يكذبون" ، وفي أ : "يكون".
في أ ، و : "ومنهم من يمشي".
في جـ ، ط ، ب ، أ ، و : "الله".
في جـ ، ط ، ب ، أ ، و : "أن نبي الله".
في جـ ، ط ، ب ، "أبين و".
في أ : "داود".
في و : "يؤتى".
في أ ، و : "يؤتى".
في جـ : "ويتقد".
(1/191)
وهكذا رواه ابن جرير ، عن ابن مُثَنَّى ، عن ابن إدريس ، عن أبيه ، عن المنهال.
وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي ، حدثنا علي بن محمد الطَّنَافسي (1) حدثنا ابن إدريس ، سمعت أبي يذكر عن المنهال بن عمرو ، عن قيس بن السكن ، عن عبد الله بن مسعود : { نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ } [التحريم : 8] قال : على قدر أعمالهم يمرون على الصراط ، منهم من نوره مثل الجبل ، ومنهم من نوره مثل النخلة ، وأدناهم نورًا من نوره في إبهامه يتقد مرة ويطفأ أخرى.
وقال ابن أبي حاتم أيضًا : حدثنا محمد بن إسماعيل الأحمسي ، حدثنا أبو يحيى الحِمَّاني ، حدثنا عُتْبَةُ (2) بن اليقظان ، عن عكرمة ، عن ابن عباس ، قال : ليس أحد من أهل التوحيد إلا يعطى نورًا يوم القيامة ، فأما المنافق فيطفأ نوره ، فالمؤمن مشفق مما يرى من إطفاء نور المنافقين ، فهم يقولون : ربنا أتمم لنا نورنا.
وقال الضحاك بن مزاحم : يعطى كل من كان يظهر الإيمان في الدنيا يوم القيامة نورًا ؛ فإذا انتهى إلى الصراط طفئ نور المنافقين ، فلما رأى ذلك المؤمنون أشفقوا ، فقالوا : " ربنا أتمم لنا نورنا ".
فإذا تقرر هذا صار الناس أقسامًا : مؤمنون خُلّص ، وهم الموصوفون بالآيات الأربع في أول البقرة ، وكفار خلص ، وهم الموصوفون بالآيتين بعدها ، ومنافقون ، وهم قسمان : خلص ، وهم المضروب لهم المثل الناري ، ومنافقون يترددون ، تارة يظهر لهم لُمَعٌ من الإيمان وتارة يخبو (3) وهم أصحاب المثل المائي ، وهم أخف حالا من الذين قبلهم.
وهذا المقام يشبه (4) من بعض الوجوه ما ذكر في سورة النور ، من ضرب مثل المؤمن (5) وما جعل الله في قلبه من الهدى والنور ، بالمصباح (6) في الزجاجة التي كأنها كوكب دُرّي ، وهي قلب المؤمن المفطور على الإيمان واستمداده من الشريعة الخالصة الصافية الواصلة إليه من غير كدر ولا تخليط ، كما سيأتي تقريره في موضعه إن شاء الله.
ثم ضرب مثل العُبّاد من الكفار ، الذين يعتقدون أنهم على شيء ، وليسوا على شيء ، وهم أصحاب الجهل المركب ، في قوله : { وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا } الآية [النور : 39].
ثم ضرب مثل الكفار الجُهَّال الجَهْلَ البسيط ، وهم الذين قال [الله] (7) فيهم : { أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ } [النور : 40] فقسم الكفار هاهنا إلى قسمين : داعية ومقلد ، كما ذكرهما في أول سورة الحج : { وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَرِيدٍ } [الحج : 3]
__________
في جـ : "الطيالسي".
في جـ : "عتيبة".
في أ : "تحير".
في جـ : "وهذا شبه".
في جـ : "المؤمنين".
في جـ : "بالمصباح الذي".
زيادة من جـ ، ط.
(1/192)
وقال بعده : { وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلا هُدًى وَلا كِتَابٍ مُنِيرٍ } [الحج : 8] (1) وقد قسم الله (2) المؤمنين في أول الواقعة وآخرها (3) وفي سورة الإنسان ، إلى قسمين : سابقون وهم المقربون ، وأصحاب يمين وهم الأبرار.
فتلخص (4) من مجموع هذه الآيات الكريمات : أن المؤمنين صنفان : مقربون وأبرار ، وأن الكافرين صنفان : دعاة ومقلدون ، وأن المنافقين - أيضًا - صنفان : منافق خالص ، ومنافق فيه شعبة من نفاق ، كما جاء في الصحيحين ، عن عبد الله بن عَمْرو ، عن النبي {{ص}} : "ثلاث من كن فيه كان منافقًا خالصًا ، ومن كانت فيه واحدة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يَدَعها : من إذا حَدّث كذب ، وإذا وعد أخلف ، وإذا اؤتمن خان" (5).
استدلوا به على أن الإنسان قد تكون فيه شعبة من إيمان ، وشعبة من نفاق. إما عَمَلي لهذا الحديث ، أو اعتقادي ، كما دلت عليه الآية ، كما ذهب إليه طائفة من السلف وبعض العلماء ، كما تقدم ، وكما سيأتي ، إن شاء الله. قال الإمام أحمد : حدثنا أبو النضر ، حدثنا أبو معاوية يعني شيبان ، عن ليث ، عن عمرو بن مرة ، عن أبي البختري ، عن أبي سعيد ، قال : قال رسول الله {{ص}} : "القلوب أربعة : قلب أجرد ، فيه مثل السراج يُزْهر ، وقلب أغلف مربوط على غلافه ، وقلب منكوس ، وقلب مُصَفَّح ، فأما القلب الأجرد فقلب المؤمن ، سراجه فيه نوره ، وأما القلب الأغلف فقلب الكافر ، وأما القلب المنكوس فقلب المنافق الخالص ، عرف ثم أنكر ، وأما القلب المصفح فقلب فيه إيمان ونفاق ، ومَثَل الإيمان فيه كمثل البقلة ، يمدها الماء الطيب ، ومثل النفاق فيه كمثل القرحة يَمُدّها القيح والدم ، فأي المدّتين (6) غلبت على الأخرى غلبت عليه" (7). وهذا إسناد جيد حسن.
وقوله : { وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } قال محمد بن إسحاق : حدثني محمد بن أبي محمد عن عِكْرِمة ، أو سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ، في قوله تعالى : { وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ } قال : لِمَا تركوا من الحق بعد معرفته.
{ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } قال ابن عباس (8) أي إنّ الله على كل ما أراد بعباده من نقمة ، أو عفو ، قدير.
وقال ابن جرير : إنما وصف الله تعالى نفسه بالقدرة على كل شيء في هذا الموضع ؛ لأنه حذر المنافقين بأسه وسطوته وأخبرهم أنه بهم محيط ، و [أنه] (9) على إذهاب أسماعهم وأبصارهم قدير ، ومعنى { قَدِيرٌ } قادر ، كما أن معنى { عَلِيمٌ } عالم.
__________
في جـ ، ب : قدم الآية الثامنة على الآية الثالثة من سورة الحج.
في جـ ، ب ، أ ، و : "تعالى".
في أ : "في أول البقرة وآخرها" ، وفي جـ : "في أول سورة الواقعة وفي آخرها".
في جـ : "فلخص".
صحيح البخاري برقم (34) وصحيح مسلم برقم (58) ولفظه : "أربع من كن فيه كان منافقا خالصا - والرابعة - وإذا خاصم فجر".
في جـ : "المددين".
المسند (3/17).
في جـ ، ط ، ب ، و : "ابن إسحاق".
زيادة من جـ.
(1/193)
يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (21) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (22)
[وذهب ابن جرير الطبري ومن تبعه من كثير من المفسرين أن هذين المثلين مضروبان لصنف واحد من المنافقين وتكون "أو" في قوله تعالى : { أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ } بمعنى الواو ، كقوله تعالى : { وَلا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا } [الإنسان : 24] ، أو تكون للتخبير ، أي : اضرب لهم مثلا بهذا وإن شئت بهذا ، قاله القرطبي. أو للتساوي مثل جالس الحسن أو ابن سيرين ، على ما وجهه الزمخشري : أن كلا منهما مساو للآخر في إباحة الجلوس إليه ، ويكون معناه على قوله : سواء ضربت لهم مثلا بهذا أو بهذا فهو مطابق لحالهم.
قلت : وهذا يكون باعتبار جنس المنافقين ، فإنهم أصناف ولهم أحوال وصفات كما ذكرها الله تعالى في سورة براءة - ومنهم - ومنهم - ومنهم - يذكر أحوالهم وصفاتهم وما يعتمدونه من الأفعال والأقوال ، فجعل هذين المثلين لصنفين منهم أشد مطابقة لأحوالهم وصفاتهم ، والله أعلم ، كما ضرب المثلين في سورة النور لصنفي الكفار الدعاة والمقلدين في قوله تعالى : { وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ } إلى أن قال : { أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ } الآية [النور : 39 ، 40] ، فالأول للدعاة الذين هم في جهل مركب ، والثاني لذوي الجهل البسيط من الأتباع المقلدين ، والله أعلم بالصواب] (1).
== { يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (21) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنزلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (22) } ==
شرع تبارك وتعالى في بيان وحدانية ألوهيته ، بأنه تعالى هو المنعم على عَبيده ، بإخراجهم من العدم إلى الوجود وإسباغه عليهم النعمَ الظاهرة والباطنة ، بأن جعل لهم الأرض فراشا ، أي : مهدا كالفراش مُقَرّرَة موطأة مثبتة بالرواسي الشامخات ، { وَالسَّمَاءَ بِنَاءً } وهو السقف ، كما قال في الآية الأخرى : { وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا وَهُمْ عَنْ آيَاتِهَا مُعْرِضُونَ } [الأنبياء : 32] وأنزل لهم من السماء ماء - والمراد به السحاب هاهنا - في وقته عند احتياجهم إليه ، فأخرج لهم به من أنواع الزروع والثمار ما هو مشاهد ؛ رزقًا لهم ولأنعامهم ، كما قرر هذا في غير موضع (2) من القرآن. ومنْ أشبه آية بهذه الآية قوله تعالى : { اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ قَرَارًا (3) وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَتَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ } [غافر : 64] ومضمونه : أنه الخالق الرازق مالك الدار ، وساكنيها ، ورازقهم ، فبهذا يستحق أن يعبد وحده ولا يُشْرَك به غَيره ؛ ولهذا قال : { فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ } وفي الصحيحين عن ابن مسعود ، قال : قلت : يا رسول الله ، أي الذنب أعظم ؟ قال : "أن تجعل لله ندا ، وهو خلقك" الحديث (4). وكذا حديث معاذ :
__________
زيادة من جـ ، ط ، ب ، أ ، و.
في جـ : "غير هذا الموضع".
في جـ : "فراشا" وهو خطأ.
صحيح البخاري برقم (4761) وصحيح مسلم برقم (68).
(1/194)
"أتدري ما حق الله على عباده ؟ أن يعبدوه لا (1) يشركوا به شيئًا" الحديث (2) وفي الحديث الآخر : "لا يقولن أحدكم : ما شاء الله وشاء فلان ، ولكن ليقل (3) ما شاء الله ، ثم شاء فلان" (4).
وقال حماد بن سلمة : حدثنا عبد الملك بن عمير ، عن رِبْعيِّ بن حِرَاش ، عن الطفيل بن سَخْبَرَة ، أخى عائشة أم المؤمنين لأمها ، قال : رأيت فيما يرى النائم ، كأني أتيت على نفر من اليهود ، فقلت : من أنتم ؟ فقالوا : نحن اليهود ، قلت : إنكم لأنتم القوم لولا أنكم تقولون : عُزَير ابن الله. قالوا : وإنكم لأنتم القوم لولا أنكم تقولون : ما شاء الله وشاء محمد. قال : ثم مررت بنفر من النصارى ، فقلت : من أنتم ؟ قالوا : نحن النصارى. قلت : إنكم لأنتم القوم لولا أنكم تقولون : المسيح ابن الله. قالوا : وإنكم لأنتم القوم لولا أنكم تقولون : ما شاء الله وشاء محمد. فلما أصبحت أخبرت بها مَنْ أخبرت ، ثم أتيت النبي {{ص}} فأخبرته ، فقال : "هل أخبرت بها أحدًا ؟" فقلت : نعم. فقام ، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال : "أما بعد ، فإن طُفيلا رأى رؤيا أخبر بها من أخبر منكم ، وإنكم قلتم كلمة كان يمنعني كذا وكذا أن أنهاكم عنها ، فلا تقولوا : ما شاء الله وشاء محمد ، ولكن قولوا : ما شاء الله وحده". هكذا رواه ابن مردويه في تفسير هذه الآية من حديث حماد بن سلمة ، به (5). وأخرجه ابن ماجه من وجه آخر ، عن عبد الملك بن عمير به ، بنحوه (6).
وقال سفيان بن سعيد الثوري ، عن الأجلح بن عبد الله الكندي ، عن يزيد بن الأصم ، عن ابن عباس ، قال : قال رجل للنبي {{ص}} : ما شاء الله وشئت. فقال : "أجعلتني لله ندا (7) ؟ قل : ما شاء الله وحده". رواه ابن مردويه ، وأخرجه النسائي ، وابن ماجه من حديث عيسى بن يونس ، عن الأجلح ، به (8).
وهذا كله صيانة ، وحماية لجناب التوحيد ، والله أعلم.
وقال محمد بن إسحاق : حدثني محمد بن أبي محمد ، عن عكرمة ، أو سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ، قال : قال الله تعالى : { يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ } للفريقين جميعًا من الكفار والمنافقين ، أي : وحدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم.
وبه عن ابن عباس : { فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ } أي : لا تشركوا بالله غيره من الأنداد التي لا تنفع ولا تضر ، وأنتم تعلمون أنه لا رب لكم يرزقكم غيره وقد علمتم أن الذي يدعوكم إليه
__________
في جـ : "ولا".
رواه البخاري في صحيحه برقم (7373) ومسلم في صحيحه برقم (30).
في جـ : "ليقول".
رواه أبو داود في السنن برقم (4980) من حديث حذيفة رضي الله عنه.
ورواه الإمام أحمد في المسند (5/72) من طريق بهز وعفان عن حماد بن سلمة به.
رواه ابن ماجة في السنن برقم (2118) عن هشام بن عمار ، عن سفيان ، عن عبد الملك بن عمير به ، وقال البوصيري في الزوائد (2/151) : "هذا إسناد رجاله ثقات على شرط البخاري لكنه منقطع بين سفيان وبين عبد الملك بن عمير".
في جـ : "أندادا".
سنن النسائي الكبرى برقم (10825) وسنن ابن ماجة برقم (2117) وقال البوصيري في الزوائد (1/150) : "هذا فيه الأجلح بن عبد الله ، مختلف فيه".
(1/195)
الرسول {{ص}} من توحيده هو الحق الذي لا شك فيه. وهكذا قال قتادة.
وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أحمد بن عمرو بن أبي عاصم ، حدثنا أبي عمرو ، حدثنا أبي الضحاك بن مخلد أبو عاصم ، حدثنا شبيب بن بشر ، حدثنا عكرمة ، عن ابن عباس ، في قول الله ، عز وجل (1) { فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا [وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ] (2) } قال : الأنداد هو الشرك ، أخفى من دبيب النمل على صَفَاة سوداء في ظلمة الليل ، وهو أن يقول : والله وحياتك يا فلان ، وحياتي ، ويقول : لولا كلبة هذا لأتانا اللصوص ، ولولا البطّ في الدار لأتى اللصوص ، وقول الرجل لصاحبه : ما شاء الله وشئتَ ، وقول الرجل : لولا الله وفلان. لا تجعل فيها "فلان". هذا (3) كله به شرك.
وفي الحديث : أن رجلا قال لرسول الله {{ص}} ما شاء الله وشئت ، فقال : "أجعلتني لله ندا". وفي الحديث الآخر : "نعم القوم أنتم ، لولا أنكم تنددون ، تقولون : ما شاء الله ، وشاء فلان".
قال (4) أبو العالية : { فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا } أي عدلاء شركاء. وهكذا قال الربيع بن أنس ، وقتادة ، والسُّدي ، وأبو مالك : وإسماعيل بن أبي خالد.
وقال مجاهد : { فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ } قال : تعلمون أنه إله واحد في التوراة والإنجيل.
ذكر حديث في معنى هذه الآية الكريمة :
قال الإمام أحمد : حدثنا عفان ، حدثنا أبو خلف موسى بن خلف ، وكان يُعَد من البُدَلاء ، حدثنا يحيى بن أبي كثير ، عن زيد بن سلام ، عن جده ممطور ، عن الحارث الأشعري ، أن نبي الله {{ص}} قال : "إن الله عز وجل ، أمر يحيى بن زكريا ، عليه السلام ، بخمس كلمات أن يعمل بهن ، وأن يأمر بني إسرائيل أن يعملوا بهن ، وكان يبطئ بها ، فقال له عيسى ، عليه السلام : إنك قد أمرت بخمس كلمات أن تعمل بهن وتأمر بني إسرائيل أن يعملوا بهن ، فإما أن تبلغهن ، وإما أن أبلغهن. فقال : يا أخي ، إني أخشى إن سبقتني أن أعذب أو يخسف بي". قال : "فجمع يحيى بن زكريا بني إسرائيل في بيت المقدس ، حتى امتلأ المسجد ، فقعد على الشرف ، فحمد الله وأثنى عليه ، ثم قال : إن الله أمرني بخمس كلمات أن أعمل بهن ، وآمركم أن تعملوا بهن ، وأولهن : أن تعبدوا الله (5) لا تشركوا به شيئًا ، فإن مثل ذلك مَثَل رجل اشترى عبدًا من خالص ماله بوَرِق أو ذهب ، فجعل يعمل ويؤدي غلته (6) إلى غير سيده فأيكم يسره (7) أن يكون عبده كذلك ؟ وأن الله خلقكم ورزقكم فاعبدوه ولا تشركوا به شيئًا وأمركم بالصلاة ؛ فإن الله ينصب وجهه لوجه عبده ما لم يلتفت ، فإذا صليتم فلا تلتفتوا. وأمركم بالصيام ، فإن مثل ذلك كمثل رجل معه صرة من مسك في عصابة ، كلهم يجد ريح المسك. وإن خلوف فم الصائم عند الله أطيب (8) من ريح المسك. وأمركم بالصدقة ؛ فإن مثل ذلك كمثل رجل أسره العدو ، فشدوا يديه إلى عنقه ، وقدموه ليضربوا عنقه ، فقال لهم : هل لكم أن أفتدي
__________
في جـ : "تعالى".
زيادة من جـ ، ط.
في جـ : "لأن هذا".
في جـ : "وقال".
في جـ : "الله وحده".
في جـ ، أ : "عمله".
في جـ : "سره".
في ب : "أطيب عند الله".
(1/196)
نفسي (1) ؟ فجعل يفتدي نفسه منهم بالقليل والكثير حتى فك نفسه. وأمركم بذكر الله كثيرًا ؛ وإن مثل ذلك كمثل رجل طلبه العدو سِراعا في أثره ، فأتى حصنا حصينًا فتحصن فيه ، وإن العبد أحصن ما يكون من الشيطان إذا كان في ذكر الله".
قال : وقال رسول الله {{ص}} : "وأنا آمركم بخمس الله أمرني بهن : الجماعة ، والسمع ، والطاعة ، والهجرة ، والجهاد في سبيل الله ؛ فإنه من خرج من الجماعة قيدَ شِبْر فقد خلع رِبْقة الإسلام من عنقه ، إلا أن يراجع ومن دعا بدعوى جاهلية فهو من جِثِيِّ جهنم". قالوا : يا رسول الله ، وإن صام وصلى (2) ؟ فقال : "وإن صلى وصام (3) وزعم أنه مسلم ؛ فادعوا المسلمين بأسمائهم على ما سماهم (4) الله عز وجل : المسلمين المؤمنين عباد الله" (5).
هذا حديث حسن ، والشاهد منه في هذه الآية قوله : "وإن الله خلقكم ورزقكم فاعبدوه ولا تشركوا به شيئًا".
وهذه الآية دالة على توحيده تعالى بالعبادة وحده لا شريك له ، وقد استدل به كثير من المفسرين كالرازي وغيره على وجود الصانع فقال : وهي دالة على ذلك بطريق الأولى ، فإن من تأمل هذه الموجودات السفلية والعلوية واختلاف أشكالها وألوانها وطباعها ومنافعها ووضعها في مواضع النفع بها محكمة ، علم قدرة خالقها وحكمته وعلمه وإتقانه وعظيم سلطانه ، كما قال بعض الأعراب ، وقد سئل : ما الدليل على وجود الرب تعالى ؟ فقال : يا سبحان الله ، إن البعرة لتدل على البعير ، وإن أثر الأقدام لتدل على المسير ، فسماء ذات أبراج ، وأرض ذات فجاج ، وبحار ذات أمواج ؟ ألا يدل ذلك على وجود اللطيف الخبير ؟
وحكى فخر الدين عن الإمام مالك أن الرشيد سأله عن ذلك فاستدل باختلاف اللغات والأصوات والنغمات ، وعن أبي حنيفة أن بعض الزنادقة سألوه عن وجود الباري تعالى ، فقال لهم : دعوني فإني مفكر في أمر قد أخبرت عنه ذكروا لي أن سفينة في البحر موقرة فيها أنواع من المتاجر وليس بها أحد يحرسها ولا يسوقها ، وهي مع ذلك تذهب وتجيء وتسير بنفسها وتخترق الأمواج العظام حتى تتخلص منها ، وتسير حيث شاءت بنفسها من غير أن يسوقها أحد. فقالوا : هذا شيء لا يقوله عاقل ، فقال : ويحكم هذه الموجودات بما فيها من العالم العلوي والسفلي وما اشتملت عليه من الأشياء المحكمة ليس لها صانع!! فبهت القوم ورجعوا إلى الحق وأسلموا على يديه.
وعن الشافعي : أنه سئل عن وجود الصانع ، فقال : هذا ورق التوت طعمه واحد تأكله الدود فيخرج منه الإبريسم ، وتأكله النحل فيخرج منه العسل ، وتأكله الشاة والبعير والأنعام فتلقيه بعرًا وروثا ، وتأكله الظباء فيخرج منها المسك وهو شيء واحد.
وعن الإمام أحمد بن حنبل أنه سئل عن ذلك فقال : هاهنا حصن حصين أملس ، ليس له باب
__________
في جـ ، ب ، أ ، و : "نفسي منكم".
في جـ : "وصلى وزعم أنه مسلم".
في أ : "وإن صلى وإن صام".
في جـ ، ط : "بل بما سماهم".
المسند (4/130).
(1/197)
وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (23) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ (24)
ولا منفذ ، ظاهره كالفضة البيضاء ، وباطنه كالذهب الإبريز ، فبينا هو كذلك إذ انصدع جداره فخرج منه حيوان سميع بصير ذو شكل حسن وصوت مليح ، يعني بذلك البيضة إذا خرج منها الدجاجة.
وسئل أبو نواس عن ذلك فأنشد :
تأمل في نبات الأرض وانظر... إلى آثار ما صنع المليك...
عيون من لجين شاخصات... بأحداق هي الذهب السبيك...
على قضب الزبرجد شاهدات... بأن الله ليس له شريك...
وقال ابن المعتز :
فيا عجبًا كيف يعصى الإله... أم كيف يجحده الجاحد...
وفي كل شيء له آية... تدل على أنه واحد...
وقال آخرون : من تأمل هذه السماوات في ارتفاعها واتساعها وما فيها من الكواكب الكبار والصغار المنيرة من السيارة ومن الثوابت ، وشاهدها كيف تدور مع الفلك العظيم في كل يوم وليلة دويرة ولها في أنفسها سير يخصها ، ونظر إلى البحار الملتفة للأرض من كل جانب ، والجبال الموضوعة في الأرض لتقر ويسكن ساكنوها مع اختلاف أشكالها وألوانها كما قال : { وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ * وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالأنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ } [فاطر : 27 ، 28] وكذلك هذه الأنهار السارحة من قطر إلى قطر لمنافع العباد وما زرأ في الأرض من الحيوانات المتنوعة والنبات المختلف الطعوم والأراييح والأشكال والألوان مع اتحاد طبيعة التربة والماء ، علم وجود الصانع وقدرته العظيمة وحكمته ورحمته بخلقه ولطفه بهم وإحسانه إليهم وبره بهم لا إله غيره ولا رب سواه ، عليه توكلت وإليه أنيب ، والآيات في القرآن الدالة على هذا المقام كثيرة جدًا.
== { وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (23) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ (24) } ==
ثم شرع تعالى في تقرير النبوة بعد أن قرر أنه (1) لا إله إلا هو ، فقال مخاطبًا للكافرين : { وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا } يعني : محمدا {{ص}} { فَأْتُوا بِسُورَةٍ } من مثل ما جاء به إن زعمتم أنه من عند غير الله ، فعارضوه بمثل ما جاء به ، واستعينوا على ذلك بمن شئتم من دون الله ، فإنكم لا تستطيعون ذلك.
__________
في أ : "بأن".
(1/198)
قال ابن عباس : { شُهَدَاءَكُمْ } أعوانكم [أي : قومًا آخرين يساعدونكم على ذلك] (1).
وقال السدي ، عن أبي مالك : شركاءكم [أي استعينوا بآلهتكم في ذلك يمدونكم وينصرونكم] (2).
وقال مجاهد : { وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ } قال : ناس يشهدون به [يعني : حكام الفصحاء] (3).
وقد تحداهم الله تعالى بهذا في غير موضع من القرآن ، فقال في سورة القصص : { قُلْ فَأْتُوا بِكِتَابٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ هُوَ أَهْدَى مِنْهُمَا أَتَّبِعْهُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ } [القصص : 49] وقال في سورة سبحان : { قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا } [الإسراء : 88] وقال في سورة هود : { أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ } [هود : 13] ، وقال في سورة يونس : { وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرَى مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ الْكِتَابِ لا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ * أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ } [يونس : 37 ، 38] وكل هذه الآيات مكية.
ثم تحداهم [الله تعالى] (4) بذلك - أيضًا - في المدينة ، فقال في هذه الآية : { وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ } أي : [في] (5) شك { مِمَّا نزلْنَا عَلَى عَبْدِنَا } يعني : محمدًا {{ص}}. { فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ } يعني : من مثل [هذا] (6) القرآن ؛ قاله مجاهد وقتادة ، واختاره ابن جرير. بدليل قوله : { فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ } [هود : 13] وقوله : { لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ } [الإسراء : 88] وقال بعضهم : من مثل محمد {{ص}} ، يعني : من رجل أمي مثله. والصحيح الأول ؛ لأن التحدي عام لهم كلهم ، مع أنهم أفصح الأمم ، وقد (7) تحداهم بهذا في مكة والمدينة مرات عديدة ، مع شدة عداوتهم له وبغضهم لدينه ، ومع هذا عجزوا عن ذلك ؛ ولهذا قال تعالى : { فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا } "ولن" : لنفي التأبيد (8) أي : ولن تفعلوا ذلك أبدًا. وهذه - أيضًا - معجزة أخرى ، وهو أنه أخبر أن هذا القرآن لا يعارض بمثله أبدا (9) وكذلك وقع الأمر ، لم يعارض من لدنه إلى زماننا هذا ولا يمكن ، وَأنَّى يَتَأتَّى ذلك لأحد ، والقرآن كلام الله خالق كل شيء ؟ وكيف يشبه كلام الخالق كلام المخلوقين ؟!
ومن تدبر القرآن وجد فيه من وجوه الإعجاز فنونًا ظاهرة وخفية من حيث اللفظ ومن جهة المعنى ، قال الله تعالى : { الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ } [هود : 1] ، فأحكمت ألفاظه وفصلت معانيه أو بالعكس على الخلاف ، فكل من لفظه ومعناه فصيح لا يجارى ولا يدانى ، فقد أخبر عن مغيبات ماضية وآتية كانت ووقعت طبق ما أخبر سواء بسواء ، وأمر بكل خير ، ونهى عن كل شر كما قال : { وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلا } [الأنعام : 115] أي : صدقًا في الأخبار وعدلا في الأحكام ، فكله حق وصدق وعدل وهدى ليس فيه مجازفة ولا كذب ولا افتراء ،
__________
زيادة من جـ ، ط.
زيادة من جـ ، ط.
زيادة من جـ ، ط.
زيادة من جـ.
زيادة من جـ ، ط.
زيادة من أ ، و.
في أ : "وهو قد".
في جـ ، ب ، أ ، و : "التأبيد في المستقبل".
في جـ ، ط ، أ : "أبد الآبدين ودهر الداهرين".
(1/199)
كما يوجد في أشعار العرب وغيرهم من الأكاذيب والمجازفات التي لا يحسن شعرهم إلا بها ، كما قيل في الشعر : إن أعذبه أكذبه ، وتجد القصيدة الطويلة المديدة قد استعمل غالبها في وصف النساء أو الخيل أو الخمر ، أو في مدح شخص معين أو فرس أو ناقة أو حرب أو كائنة أو مخافة أو سبع ، أو شيء من المشاهدات المتعينة التي لا تفيد شيئًا إلا قدرة المتكلم المعبر على التعبير على الشيء الخفي أو الدقيق أو إبرازه إلى الشيء الواضح ، ثم تجد له فيها بيتًا أو بيتين أو أكثر هي بيوت القصيد وسائرها هذر لا طائل تحته.
وأما القرآن فجميعه فصيح في غاية نهايات البلاغة عند من يعرف ذلك تفصيلا وإجمالا ممن فهم كلام العرب وتصاريف التعبير ، فإنه إن تأملت أخباره وجدتها في غاية الحلاوة ، سواء كانت مبسوطة أو وجيزة ، وسواء تكررت أم لا وكلما تكرر حلا وعلا لا يَخلق عن كثرة الرد ، ولا يمل منه العلماء ، وإن أخذ في الوعيد والتهديد جاء منه ما تقشعر منه الجبال الصم الراسيات ، فما ظنك بالقلوب الفاهمات ، وإن وعد أتى بما يفتح القلوب والآذان ، ويشوق إلى دار السلام ومجاورة عرش الرحمن ، كما قال في الترغيب : { فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ } [السجدة : 17] وقال : { وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الأنْفُسُ وَتَلَذُّ الأعْيُنُ وَأَنْتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ } [الزخرف : 71] ، وقال في الترهيب : { أَفَأَمِنْتُمْ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ جَانِبَ الْبَرِّ } [الإسراء : 68] ، { أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الأرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ * أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ } [الملك : 16 ، 17] وقال في الزجر : { فَكُلا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ } [العنكبوت : 40] ، وقال في الوعظ : { أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ * ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ * مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ } [الشعراء : 205 - 207] إلى غير ذلك من أنواع الفصاحة والبلاغة والحلاوة ، وإن جاءت الآيات في الأحكام والأوامر والنواهي ، اشتملت على الأمر بكل معروف حسن نافع طيب محبوب ، والنهي عن كل قبيح رذيل دنيء ؛ كما قال ابن مسعود وغيره من السلف : إذا سمعت الله تعالى يقول في القرآن { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا } فأوعها سمعك فإنه خير ما يأمر به أو شر ينهى عنه. ولهذا قال تعالى : { يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ } الآية [الأعراف : 157] ، وإن جاءت الآيات في وصف المعاد وما فيه من الأهوال وفي وصف الجنة والنار وما أعد الله فيهما لأوليائه وأعدائه من النعيم والجحيم والملاذ والعذاب الأليم ، بشرت به وحذرت وأنذرت ؛ ودعت إلى فعل الخيرات واجتناب المنكرات ، وزهدت في الدنيا ورغبت في الأخرى ، وثبتت على الطريقة المثلى ، وهدت إلى صراط الله المستقيم وشرعه القويم ، ونفت عن القلوب رجس الشيطان الرجيم.
ولهذا ثبت في الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه : أن رسول الله {{ص}} ، قال : "ما من نبي من الأنبياء إلا قد أعْطِيَ من الآيات ما مثله آمن عليه البشر ، وإنما كان الذي أوتيته وحيا أوحاه الله
(1/200)
إليَّ ، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعًا (1) يوم القيامة" لفظ (2) مسلم. وقوله : "وإنما كان الذي أوتيته وحيًا" أي : الذي اختصصت به من بينهم هذا القرآن المعجز (3) للبشر أن يعارضوه ، بخلاف غيره من الكتب الإلهية ، فإنها ليست معجزة [عند كثير من العلماء] (4) والله أعلم. وله عليه الصلاة والسلام من الآيات الدالة على نبوته ، وصدقه فيما جاء به ما لا يدخل تحت حصر ، ولله الحمد والمنة.
[وقد قرر بعض المتكلمين الإعجاز بطريق يشمل قول أهل السنة وقول المعتزلة في الصوفية ، فقال : إن كان هذا القرآن معجزًا في نفسه لا يستطيع البشر الإتيان بمثله ولا في قواهم معارضته ، فقد حصل المدعى وهو المطلوب ، وإن كان في إمكانهم معارضته بمثله ولم يفعلوا ذلك مع شدة عداوتهم له ، كان ذلك دليلا على أنه من عند الله ؛ لصرفه إياهم عن معارضته مع قدرتهم على ذلك ، وهذه الطريقة وإن لم تكن مرضية لأن القرآن في نفسه معجز لا يستطيع البشر معارضته ، كما قررنا ، إلا أنها تصلح على سبيل التنزل والمجادلة والمنافحة عن الحق وبهذه الطريقة أجاب فخر الدين في تفسيره عن سؤاله في السور القصار كالعصر و { إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ } ] (5).
وقوله تعالى : { فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ } أما الوَقُود ، بفتح الواو ، فهو ما يلقى في النار لإضرامها كالحطب ونحوه ، كما قال : { وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا } [الجن : 15] وقال تعالى : { إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ } [الأنبياء : 98].
والمراد بالحجارة هاهنا : هي حجارة الكبريت العظيمة السوداء الصلبة المنتنة ، وهي أشد الأحجار حرا إذا حميت ، أجارنا الله منها.
قال عبد الملك بن ميسرة الزرّاد (6) عن عبد الرحمن بن سابط ، عن عمرو بن ميمون ، عن عبد الله بن مسعود ، في قوله تعالى : { وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ } قال : هي حجارة من كبريت ، خلقها الله يوم خلق السماوات والأرض في السماء الدنيا ، يعدها للكافرين. رواه ابن جرير ، وهذا لفظه. وابن أبي حاتم ، والحاكم في مستدركه وقال : على شرط الشيخين (7).
وقال السدي في تفسيره ، عن أبي مالك ، وعن أبي صالح ، عن ابن عباس ، وعن مرة عن ابن مسعود ، وعن ناس من الصحابة : { فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ } أما الحجارة فهي حجارة في النار من كبريت أسود ، يعذبون به مع النار.
وقال مجاهد : حجارة من كبريت أنتن من الجيفة. وقال أبو جعفر محمد بن علي : [هي] (8) حجارة من كبريت. وقال ابن جريج : حجارة من كبريت أسود في النار ، وقال لي عمرو بن دينار :
__________
في جـ : "تبعا".
صحيح البخاري برقم (4981) ، وصحيح مسلم برقم (152).
في ط : "المفهم".
زيادة من جـ ، ط ، ب ، أ.
زيادة من جـ ، ط ، ب.
في جـ : "الرزاز".
تفسير الطبري (1/381) وتفسير ابن أبي حاتم (1/85) والمستدرك (2/61).
زيادة من جـ.
(1/201)
أصلب من هذه الحجارة وأعظم.
[وقيل : المراد بها : حجارة الأصنام والأنداد التي كانت تعبد من دون الله كما قال : { إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ } الآية [الأنبياء : 98] ، حكاه القرطبي وفخر الدين ورجحه على الأول ؛ قال : لأن أخذ النار في حجارة الكبريت ليس بمنكر فجعلها هذه الحجارة أولى ، وهذا الذي قاله ليس بقوي ، ؛ وذلك أن النار إذا أضرمت بحجارة الكبريت كان ذلك أشد لحرها وأقوى لسعيرها ، ولا سيما على ما ذكره السلف من أنها حجارة من كبريت معدة لذلك ، ثم إن أخذ النار في هذه الحجارة - أيضا - مشاهد ، وهذا الجص يكون أحجارًا فتعمل فيه بالنار حتى يصير كذلك. وكذلك سائر الأحجار تفخرها النار وتحرقها. وإنما سيق هذا في حر هذه النار التي وعدوا بها ، وشدة ضرامها وقوة لهبها كما قال : { كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا } [الإسراء : 97]. وهكذا رجح القرطبي أن المراد بها الحجارة التي تسعر بها النار لتحمى ويشتد لهبها قال : ليكون ذلك أشد عذابًا لأهلها ، قال : وقد جاء في الحديث عن النبي {{ص}} أنه قال : "كل مؤذ في النار" وهذا الحديث ليس بمحفوظ ولا معروف (1) ثم قال القرطبي : وقد فسر بمعنيين ، أحدهما : أن كل من آذى الناس دخل النار (2) ، والآخر : كل ما يؤذي فهو في النار يتأذى به أهلها من السباع والهوام وغير ذلك] (3).
وقوله تعالى : { أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ } الأظهر أنّ الضمير في { أُعِدَّتْ } عائد إلى النار التي وقودها الناس والحجارة ، ويحتمل عوده على الحجارة ، كما قال ابن مسعود ، ولا منافاة بين القولين في المعنى ؛ لأنهما متلازمان.
و { أُعِدَّتْ } أي : أرصدت وحصلت للكافرين بالله ورسوله ، كما قال [محمد] (4) بن إسحاق ، عن محمد ، عن عكرمة ، أو سعيد بن جبير ، عن ابن عباس : { أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ } أي : لمن كان على مثل ما أنتم عليه من الكفر.
وقد استدل كثير من أئمة السنة بهذه الآية على أن النار موجودة الآن لقوله : { أُعِدَّتْ } أي : أرصدت وهيئت وقد وردت أحاديث كثيرة في ذلك منها : "تحاجت الجنة والنار" ومنها : "استأذنت النار ربها فقالت : رب أكل بعضي بعضًا فأذن لها بنفسين نفس في الشتاء ونفس في الصيف" ، وحديث ابن مسعود سمعنا وجبة فقلنا ما هذه ؟ فقال رسول الله {{ص}} : "هذا حجر ألقي به من شفير جهنم منذ سبعين سنة الآن وصل إلى قعرها" وهو عند مسلم (5) وحديث صلاة الكسوف وليلة الإسراء وغير ذلك من الأحاديث المتواترة في هذا المعنى وقد خالفت المعتزلة بجهلهم في هذا ووافقهم القاضي منذر بن سعيد البلوطي قاضي الأندلس.
__________
رواه الخطيب في تاريخ بغداد (11/299) من طريق المفيد عن الأشج ، عن علي رضي الله عنه به مرفوعًا.
في أ : "عذب في النار".
زيادة من جـ ، ط ، ب ، أ ، و.
زيادة من جـ.
صحيح مسلم برقم (2844).
(1/202)
تنبيه ينبغي الوقوف عليه :
قوله : { فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ } وقوله في سورة يونس : { بِسُورَةٍ مِثْلِهِ } [يونس : 38] يعم كل سورة في القرآن طويلة كانت أو قصيرة ؛ لأنها نكرة في سياق الشرط فتعم كما هي في سياق النفي عند المحققين من الأصوليين كما هو مقرر في موضعه ، فالإعجاز حاصل في طوال السور وقصارها ، وهذا ما أعلم فيه نزاعًا بين الناس سلفًا وخلفًا ، وقد قال الإمام العلامة فخر الدين الرازي في تفسيره : فإن قيل : قوله : { فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ } يتناول سورة الكوثر وسورة العصر ، و { قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ } ونحن نعلم بالضرورة أن الإتيان بمثله أو بما يقرب منه ممكن. فإن قلتم : إن الإتيان بمثل هذه السور خارج عن مقدور البشر كان مكابرة ، والإقدام على هذه المكابرات مما يطرق بالتهمة (1) إلى الدين : قلنا : فلهذا السبب اخترنا الطريق الثاني ، وقلنا : إن بلغت هذه السورة في الفصاحة حد الإعجاز فقد حصل المقصود ، وإن لم يكن كذلك ، كان امتناعهم من المعارضة مع شدة دواعيهم إلى تهوين أمره معجزًا (2) ، فعلى التقديرين يحصل المعجز (3) ، هذا لفظه بحروفه. والصواب : أن كل سورة من القرآن معجزة لا يستطيع البشر معارضتها طويلة كانت أو قصيرة.
قال الشافعي ، رحمه الله : لو تدبر الناس هذه السورة لكفتهم : { وَالْعَصْرِ * إِنَّ الإنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ } [سورة العصر]. وقد روينا عن عمرو بن العاص أنه وفد على مسيلمة الكذاب قبل أن يسلم ، فقال له مسيلمة : ماذا أنزل على صاحبكم بمكة في هذا الحين ؟ فقال له عمرو : لقد أنزل عليه سورة وجيزة بليغة فقال : وما هي ؟ فقال : { وَالْعَصْرِ * إِنَّ الإنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ } ففكر ساعة ثم رفع رأسه فقال : ولقد أنزل عليَّ مثلها ، فقال : وما هو ؟ فقال : يا وبْر يا وبْر ، إنما أنت أذنان وصدر ، وسائرك حقر فقر ، ثم قال : كيف ترى يا عمرو ؟ فقال له عمرو : والله إنك لتعلم أني لأعلم إنك تكذب (4).
__________
في أ : "الفهم".
في أ : "معجز".
في أ : "العجز".
سيأتي الكلام على هذه القصة عند تفسير سورة العصر.
(1/203)
== { وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (25) } ==
لما ذكر تعالى ما أعده لأعدائه من الأشقياء الكافرين به (1) وبرسله من العذاب والنكال ، عَطف بذكر حال أوليائه من السعداء المؤمنين به (2) وبرسله ، الذين صَدَّقوا إيمانهم بأعمالهم الصالحة ، وهذا معنى تسمية القرآن "مثاني" على أصح أقوال (3) العلماء ، كما سنبسطه في موضعه ، وهو أن يذكر الإيمان ويتبعه بذكر الكفر ، أو عكسه ، أو حال السعداء ثم الأشقياء ، أو عكسه. وحاصله ذكر الشيء ومقابله. وأما ذكر الشيء ونظيره فذاك التشابه ، كما سنوضحه إن شاء الله ؛ فلهذا قال تعالى : { وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ } فوصفها بأنها تجري من تحتها
__________
في جـ : "بالله تعالى".
في جـ : "بالله تعالى".
في جـ : "قولي".
(1/203)
الأنهار ، كما وصف النار بأن وقودها الناس والحجارة ، ومعنى { تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ } أي : من تحت أشجارها وغرفها ، وقد جاء في الحديث : أن أنهارها تجري من (1) غير أخدود ، وجاء في الكوثر أن حافتيه قباب اللؤلؤ المجوف ، ولا منافاة بينهما ، وطينها المسك الأذفر ، وحصباؤها اللؤلؤ والجوهر ، نسأل الله من فضله [وكرمه] (2) إنه هو البر الرحيم.
وقال ابن أبي حاتم : قرئ على الربيع بن سليمان : حدثنا أسد بن موسى ، حدثنا ابن ثوبان ، عن عطاء بن قرّة ، عن عبد الله بن ضمرة ، عن أبي هريرة ، قال : قال رسول الله {{ص}} : "أنهار الجنة تُفَجَّر من تحت تلال - أو من تحت جبال - المسك" (3).
وقال أيضا : حدثنا أبو سعيد ، حدثنا وكيع ، عن الأعمش ، عن عبد الله بن مرة ، عن مسروق ، قال : قال عبد الله : أنهار الجنة تفجر من جبل مسك.
وقوله تعالى : { كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ } قال السدي في تفسيره ، عن أبي مالك ، وعن أبي صالح ، عن ابن عباس وعن مُرّة عن ابن مسعود ، وعن ناس من الصحابة : { قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ } قال : إنهم أتوا بالثمرة في الجنة ، فلما نظروا إليها قالوا : هذا الذي رزقنا من قبل في [دار] (4) الدنيا.
وهكذا قال قتادة ، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم ، ونصره ابن جرير.
وقال عكرمة : { قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ } قال : معناه : مثل الذي كان بالأمس ، وكذا قال الربيع بن أنس. وقال مجاهد : يقولون : ما أشبهه به.
قال ابن جرير : وقال آخرون : بل تأويل ذلك هذا الذي رزقنا من ثمار الجنة من قبل هذا (5) لشدة مشابهة بعضه بعضًا ، لقوله تعالى : { وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا } قال سُنَيْد بن داود : حدثنا شيخ من أهل المِصِّيصة ، عن الأوزاعي ، عن يحيى بن أبي كثير ، قال : يؤتى أحدهم بالصحفة (6) من الشيء ، فيأكل منها ثم يؤتى (7) بأخرى فيقول : هذا الذي أوتينا به من قبل. فتقول الملائكة : كُلْ ، فاللون واحد ، والطعم مختلف.
وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي ، حدثنا سعيد بن سليمان ، حدثنا عامر (8) بن يَسَاف ، عن يحيى بن أبي كثير قال : عشب الجنة الزعفران ، وكثبانها المسك ، ويطوف عليهم الولدان بالفواكه فيأكلونها (9) ثم يؤتون بمثلها ، فيقول لهم أهل الجنة : هذا الذي أتيتمونا آنفا به ، فيقول لهم الولدان : كلوا ، فإن اللون واحد ، والطعم مختلف. وهو قول الله تعالى : { وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا }
وقال أبو جعفر الرازي ، عن الربيع بن أنس ، عن أبي العالية : { وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا } قال : يشبه
__________
في جـ ، ط ، ب ، أ ، و : "في".
زيادة من جـ ، ط ، ب.
تفسير ابن أبي حاتم (1/87) ورواه أبو نعيم في صفة الجنة برقم (313) من طريق الربيع بن سليمان به ، ورواه ابن حبان في صحيحه برقم (2622) "موارد" من طريق القراطيسي عن أسد بن موسى عن ابن ثوبان به.
زيادة من جـ.
في جـ : "هذه".
في جـ ، ب : "بالصحيفة".
في جـ : "يأتي".
في أ : "عباس".
في جـ : "فيأكلون".
(1/204)
بعضه بعضًا ، ويختلف في الطعم.
وقال ابن أبي حاتم : ورُوي عن مجاهد ، والربيع بن أنس ، والسدي نحو ذلك.
وقال ابن جرير بإسناده عن السدي في تفسيره ، عن أبي مالك ، وعن أبي صالح ، عن ابن عباس وعن مُرّة ، عن ابن مسعود ، وعن ناس من الصحابة ، في قوله تعالى : { وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا } يعني : في اللون والمرأى ، وليس يشتبه (1) في الطعم.
وهذا اختيار ابن جرير.
وقال عكرمة : { وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا } قال : يشبه ثمر الدنيا ، غير أن ثمر الجنة أطيب.
وقال سفيان الثوري ، عن الأعمش ، عن أبي ظِبْيان ، عن ابن عباس ، لا يشبه شَيءٌ مما في الجنة ما في الدنيا إلا في الأسماء ، وفي رواية : ليس في الدنيا مما في الجنة إلا الأسماء. رواه ابن جرير ، من رواية الثوري ، وابن أبي حاتم من حديث أبي معاوية كلاهما عن الأعمش ، به.
وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم في قوله : { وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا } قال : يعرفون أسماءه كما كانوا في الدنيا : التفاح بالتفاح ، والرمان بالرمان ، قالوا في الجنة : هذا الذي رزقنا من قبل في الدنيا ، وأتوا به متشابها ، يعرفونه وليس هو مثله في الطعم.
وقوله تعالى : { وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ } قال ابن أبي طلحة ، عن ابن عباس : مطهرة من القذر والأذى.
وقال مجاهد : من الحيض والغائط والبول والنخام والبزاق والمني والولد.
وقال قتادة : مطهرة من الأذى والمأثم. وفي رواية عنه : لا حيض ولا كلف. وروي عن عطاء والحسن والضحاك وأبي صالح وعطية والسدي نحو ذلك.
وقال ابن جرير : حدثني يونس بن عبد الأعلى ، أنبأنا ابن وهب ، عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم ، قال : المطهرة التي لا تحيض. قال : وكذلك خلقت حواء ، عليها السلام ، حتى عصت ، فلما عصت قال الله تعالى : إني خلقتك مطهرة وسأدميك كما أدميت هذه الشجرة. وهذا غريب.
وقال الحافظ أبو بكر بن مردويه : حدثنا إبراهيم بن محمد ، حدثني جعفر بن محمد بن حرب ، وأحمد بن محمد الجُوري (2) قالا حدثنا محمد بن عبيد الكندي ، حدثنا عبد الرزاق بن عمر البَزيعيّ ، حدثنا عبد الله بن المبارك عن شعبة ، عن قتادة ، عن أبي نضرة ، عن أبي سعيد ، عن النبي {{ص}} في قوله تعالى : { وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ } قال : "من الحيض والغائط والنخاعة والبزاق" (3).
هذا حديث غريب. وقد رواه الحاكم في مستدركه ، عن محمد بن يعقوب ، عن الحسن بن علي بن عفان ، عن محمد بن عبيد ، به ، وقال : صحيح على شرط الشيخين.
__________
في جـ : "يشبه".
في جـ ، ط ، ب : "الجواري".
ورواه أبو نعيم في صفة الجنة برقم (363) من طريق عبد الله بن محمد بن يعقوب عن محمد بن عبيد به.
(1/205)
وهذا الذي ادعاه فيه نظر ؛ فإن عبد الرزاق بن عمر البزيعي (1) هذا قال فيه أبو حاتم بن حبان البُسْتي : لا يجوز الاحتجاج به (2).
قلت : والأظهر أن هذا من كلام قتادة ، كما تقدم ، والله أعلم.
وقوله تعالى : { وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ } هذا (3) هو تمام السعادة ، فإنهم مع هذا النعيم في مقام أمين من الموت والانقطاع فلا آخر له ولا انقضاء ، بل في نعيم سرمدي أبدي على الدوام ، والله المسؤول أن يحشرنا في زمرتهم ، إنه جواد كريم ، بر رحيم.
== { إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلا يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلا الْفَاسِقِينَ (26) الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الأرْضِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (27) } ==
قال السدي في تفسيره ، عن أبي مالك ، وعن أبي صالح ، عن ابن عباس - وعن مرة ، عن ابن مسعود ، وعن ناس من الصحابة : لما ضرب الله هذين المثلين للمنافقين ، يعني قوله : { مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا } [البقرة : 17] وقوله { أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ } [البقرة : 19] الآيات الثلاث ، قال المنافقون : الله أعلى وأجل من أن يضرب هذه الأمثال ، فأنزل الله هذه الآية إلى قوله : { هُمُ الْخَاسِرُونَ }
وقال عبد الرزاق ، عن مَعْمَر ، عن قتادة : لما ذكر الله العنكبوت والذباب ، قال المشركون : ما بال العنكبوت والذباب يذكران ؟ فأنزل الله [تعالى هذه الآية] (4) { إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا } (5).
وقال سعيد ، عن قتادة : أي إن الله لا يستحيي من الحق أن يذكر شيئا ما ، قل أو كثر ، وإن الله حين ذكر في كتابه الذباب والعنكبوت قال أهل الضلالة : ما أراد الله من ذكر هذا ؟ فأنزل الله : { إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا }
قلت : العبارة الأولى عن قتادة فيها إشعار أن هذه الآية مكية ، وليس كذلك ، وعبارة رواية سعيد ، عن قتادة أقرب والله أعلم. وروى ابن جُرَيج عن مجاهد نحو هذا الثاني عن قتادة.
وقال ابن أبي حاتم : روي عن الحسن وإسماعيل بن أبي خالد نحو قول السدي وقتادة.
وقال أبو جعفر الرازي عن الربيع بن أنس في هذه الآية قال : هذا مثل ضربه الله للدنيا ؛ إذ
__________
في أ : "الربعي".
المجروحين (2/160).
في جـ ، ط : "وهذا".
زيادة من ط.
تفسير عبد الرزاق (1/64).
(1/206)
البعوضة تحيا ما جاعت ، فإذا سمنت ماتت. وكذلك مثل هؤلاء (1) القوم الذين ضرب لهم هذا المثل في القرآن ، إذا امتلؤوا من الدنيا ريا أخذهم الله تعالى عند ذلك ، ثم تلا { فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ } [الأنعام : 44].
هكذا رواه ابن جرير ، ورواه ابن أبي حاتم من حديث أبي جعفر ، عن الربيع ، عن أبي العالية ، بنحوه ، فالله أعلم.
فهذا اختلافهم في سبب النزول ، وقد اختار ابن جرير ما حكاه السُّدي ؛ لأنه أمس بالسورة ، وهو مناسب ، ومعنى الآية : أنه تعالى أخبر أنه لا يستحيي ، أي : لا يستنكف ، وقيل : لا يخشى أن يضرب مثلا ما ، أي : أيّ مثل كان ، بأي شيء كان ، صغيرًا كان أو كبيرًا.
و "ما" هاهنا للتقليل (2) وتكون { بَعُوضَةً } منصوبة على البدل ، كما تقول : لأضربن ضربًا ما ، فيصدق بأدنى شيء [أو تكون "ما" نكرة موصوفة ببعوضة] (3). واختار ابن جرير أن ما موصولة ، و { بَعُوضَةً } معربة بإعرابها ، قال : وذلك سائغ (4) في كلام العرب ، أنهم يعربون صلة ما ومن بإعرابهما لأنهما يكونان معرفة تارة ، ونكرة أخرى ، كما قال حسان بن ثابت :
وَكَفَى (5) بِنَا فَضْلا عَلَى مَنْ غَيْرِنَا... حُب (6) النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ إيَّانَا (7)
قال : ويجوز أن تكون { بَعُوضَةً } منصوبة بحذف الجار ، وتقدير الكلام : إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلا ما بين بعوضة إلى ما فوقها.
[وهذا الذي اختاره الكسائي والفراء. وقرأ الضحاك وإبراهيم بن أبي عبلة ورويت "بعوضة" بالرفع ، قال ابن جني : وتكون صلة لما وحذف العائد كما في قوله : { تَمَامًا عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ } [الأنعام : 154] أي : على الذي أحسن هو أحسن ، وحكى سيبويه : ما أنا بالذي قائل لك شيئا ، أي : يعني بالذي هو قائل لك شيئًا] (8).
وقوله : { فَمَا فَوْقَهَا } فيه قولان : أحدهما : فما دونها في الصغر ، والحقارة ، كما إذا وصف رجل باللؤم والشح ، فيقول السامع (9) : نعم ، وهو فوق ذلك ، يعني فيما وصفت. وهذا قول الكسائي وأبي عبيدة ، قال الرازي : وأكثر المحققين ، وفي الحديث : "لو أن الدنيا تزن عند الله جناح بعوضة ما سقى كافرا منها شربة ماء" (10). والثاني : فما فوقها : فما هو أكبر منها ؛ لأنه ليس شيء أحقر ولا أصغر من البعوضة. وهذا [قول قتادة بن دعامة و] (11) اختيار ابن جرير.
__________
في أ : "هذا".
في جـ ، ط ، ب ، أ ، و : "للتقليل زائدة".
زيادة من جـ ، ط ، ب ، أ ، و.
في جـ ، أ ، و : "شائع".
في جـ ، ب ، أ ، و : "يكفي".
في جـ : "حث".
البيت في تفسير الطبري (1/404).
زيادة من جـ ، ط ، ب.
في جـ : "القابل".
رواه الترمذي في السنن برقم (2320) من طريق عبد الحميد بن سليمان عن أبي حازم ، عن سهل بن سعد رضي الله عنه به مرفوعا ، وفيه عبد الحميد بن سليمان ضعيف.
زيادة من جـ ، ط.
(1/207)
[ويؤيده ما رواه مسلم عن عائشة ، رضي الله عنها : أن رسول الله {{ص}} قال : "ما من مسلم يشاك شوكة فما فوقها إلا كتبت له بها درجة ومحيت عنه بها خطيئة" (1) ] (2).
فأخبر أنه لا يستصغر (3) شيئًا يَضْرب به مثلا ولو كان في الحقارة والصغر كالبعوضة ، كما [لم يستنكف عن خلقها كذلك لا يستنكف من] (4) ضرب المثل بالذباب والعنكبوت في قوله : { يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ } [الحج : 73] ، وقال : { مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ } [العنكبوت : 41] وقال تعالى : { أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ * تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الأمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ * وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الأرْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ * يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ } [إبراهيم : 24 - 27] ، وقال تعالى : { ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا عَبْدًا مَمْلُوكًا لا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ [وَمَنْ رَزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا] (5) } الآية [النحل : 75] ، ثم قال : { وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلاهُ أَيْنَمَا يُوَجِّهْهُ لا يَأْتِ بِخَيْرٍ [هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ] (6) } الآية [النحل : 76] ، كما قال : { ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلا مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ } الآية [الروم : 28]. وقال : { ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا رَجُلا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ [وَرَجُلا سَلَمًا لِرَجُلٍ] (7) } الآية [الزمر : 29] ، وقد قال تعالى : { وَتِلْكَ الأمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلا الْعَالِمُونَ } [العنكبوت : 43] وفي القرآن أمثال كثيرة.
قال بعض السلف : إذا سمعت المثل في القرآن فلم أفهمه بكيت على نفسي ؛ لأن الله تعالى يقول : { وَتِلْكَ الأمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلا الْعَالِمُونَ }
وقال مجاهد قوله : { إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا } الأمثال صغيرها وكبيرها يؤمن بها المؤمنون ويعلمون أنها الحق من ربهم ، ويهديهم الله بها.
وقال قتادة : { فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ } أي : يعلمون أنه كلام الرحمن ، وأنه من عند الله.
وروي عن مجاهد والحسن والربيع بن أنس نحو ذلك.
وقال أبو العالية : { فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ } يعني : هذا المثل : { وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلا } كما قال في سورة المدثر : { وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلا مَلائِكَةً وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا وَلا يَرْتَابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْمُؤْمِنُونَ وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْكَافِرُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلا هُوَ } [المدثر : 31] ،
__________
صحيح مسلم برقم (2572)
زيادة من جـ ، ط ، أ ، و.
في جـ : "لا يستنكف".
زيادة من جـ ، ط.
زيادة من جـ ، ط.
زيادة من جـ.
زيادة من جـ.
(1/208)
وكذلك قال هاهنا : { يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلا الْفَاسِقِينَ }
قال السدي في تفسيره ، عن أبي مالك وعن أبي صالح ، عن ابن عباس - وعن مرة ، عن ابن مسعود ، وعن ناس من الصحابة : { يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا } يعني : المنافقين ، { وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا } يعني المؤمنين ، فيزيد هؤلاء ضلالة إلى ضلالهم (1) لتكذيبهم بما قد علموه حقًا يقينًا ، من المثل الذي ضربه الله بما ضربه لهم (2) وأنه لما ضربه له موافق ، فذلك (3) إضلال الله إياهم به { وَيَهْدِي بِهِ } يعني بالمثل كثيرًا من أهل الإيمان والتصديق ، فيزيدهم هدى إلى هداهم وإيمانًا إلى إيمانهم ، لتصديقهم بما قد علموه حقًا يقينًا أنه موافق ما (4) ضربه الله له مثلا وإقرارهم به ، وذلك هداية من الله لهم به { وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلا الْفَاسِقِينَ } قال : هم المنافقون (5).
وقال أبو العالية : { وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلا الْفَاسِقِينَ } قال : هم أهل النفاق. وكذا قال الربيع بن أنس.
وقال ابن جريج عن مجاهد ، عن ابن عباس : { وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلا الْفَاسِقِينَ } يقول : يعرفه الكافرون فيكفرون به.
وقال قتادة : { وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلا الْفَاسِقِينَ } فسقوا ، فأضلهم الله على فسقهم.
وقال ابن أبي حاتم : حُدّثتُ عن إسحاق بن سليمان ، عن أبي سِنان ، عن عمرو بن مرة ، عن مصعب بن سعد ، عن سعد { يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا } يعني الخوارج.
وقال شعبة ، عن عمرو بن مرة ، عن مصعب بن سعد ، قال : سألت أبي فقلت : قوله تعالى : { الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ } إلى آخر الآية ، فقال : هم الحرورية. وهذا الإسناد إن صح عن سعد بن أبي وقاص ، رضي الله عنه ، فهو تفسير على المعنى ، لا أن (6) الآية أريد منها التنصيص على الخوارج ، الذين خرجوا على عليٍّ بالنهروان ، فإن أولئك لم يكونوا حال نزول الآية ، وإنما هم داخلون بوصفهم فيها مع من دخل ؛ لأنهم سموا خوارج لخروجهم على (7) طاعة الإمام والقيام بشرائع الإسلام.
والفاسق في اللغة : هو الخارج عن الطاعة أيضًا. وتقول العرب : فسقت الرطبة : إذا خرجت من قشرتها (8) ؛ ولهذا يقال للفأرة : فويسقة ، لخروجها عن جُحْرها للفساد. وثبت في الصحيحين ، عن عائشة أن رسول الله {{ص}} قال : "خمس فواسق يُقتلن في الحل والحرم : الغراب ، والحدأة ، والعقرب ، والفأرة ، والكلب العقور" (9).
__________
في جـ ، ط ، ب : "ضلالتهم".
في جـ ، ط ، أ : "لما ضربه له".
في جـ : "فوافق ذلك".
في جـ ، ط : "لما".
في أ : "أهل النفاق".
في جـ : "لأن" ، وفي ط : "إلا أن".
في جـ ، ط ، ب ، أ : "عن".
في أ : "قشرها".
صحيح البخاري برقم (3314) وصحيح مسلم برقم (1198).
(1/209)
فالفاسق يشمل (1) الكافر والعاصي ، ولكن فسْق الكافر أشد وأفحش ، والمراد من الآية الفاسق الكافر ، والله أعلم ، بدليل (2) أنه وصفهم بقوله : { الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الأرْضِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ }
وهذه الصفات صفات الكفار المباينة لصفات المؤمنين ، كما قال تعالى في سورة الرعد : { أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنزلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الألْبَابِ * الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلا يَنْقُضُونَ الْمِيثَاقَ * وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ } الآيات ، إلى أن قال : { وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الأرْضِ أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ } [الرعد : 19 - 25].
وقد اختلف أهل التفسير في معنى العهد الذي وصف هؤلاء الفاسقين بنقضه ، فقال بعضهم : هو وصية الله إلى خلقه وأمره إياهم بما أمرهم به من طاعته ، ونهيه إياهم عما نهاهم عنه من معصيته في كتبه ، وعلى لسان رسله ، ونقضهم (3) ذلك هو تركهم العمل به.
وقال آخرون : بل هي (4) في كفار أهل الكتاب والمنافقين منهم ، وعهد الله الذي نقضوه هو ما أخذه الله عليهم في التوراة من العمل بما فيها واتباع محمد {{ص}} إذا بعث والتصديق به ، وبما جاء به من عند ربهم ، ونقضهم ذلك هو جحودهم به بعد معرفتهم بحقيقته وإنكارهم ذلك ، وكتمانهم علم ذلك [عن] (5) الناس بعد إعطائهم الله من أنفسهم الميثاق ليبيننه للناس ولا يكتمونه ، فأخبر تعالى أنهم نبذوه وراء ظهورهم ، واشتروا به ثمنًا قليلا. وهذا اختيار ابن جرير رحمه الله وقول مقاتل بن حيان.
وقال آخرون : بل عنى بهذه الآية جميع أهل الكفر والشرك والنفاق. وعهده إلى جميعهم في توحيده : ما وضع لهم (6) من الأدلة الدالة على ربوبيته ، وعهده إليهم في أمره ونهيه ما احتج به لرسله من المعجزات التي لا يقدر أحد من الناس غيرهم أن يأتي بمثلها (7) الشاهدة لهم على صدقهم ، قالوا : ونقضهم ذلك : تركهم (8) الإقرار بما ثبتت لهم صحته بالأدلة وتكذيبهم الرسل والكتب مع علمهم أن ما أتوا به حق ، وروي أيضًا عن مقاتل بن حيان (9) نحو هذا ، وهو حسن ، [وإليه مال الزمخشري ، فإنه قال : فإن قلت : فما المراد بعهد الله ؟ قلت : ما ركز في عقولهم من الحجة على التوحيد ، كأنه أمر وصاهم به ووثقه عليهم وهو معنى قوله : { وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى } [الأعراف : 172] إذ أخذ الميثاق عليهم في الكتب المنزلة عليهم لقوله : { وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ } [البقرة : 40] (10).
وقال آخرون : العهد الذي ذكره [الله] (11) تعالى هو العهد الذي أخذه عليهم حين أخرجهم من
__________
في جـ : "شمل".
في طـ : "الدليل".
في جـ : "وبغضهم".
في جـ : "هو".
زيادة من جـ ، ط.
في جـ ، ط : "إليهم".
في و : "بمثله".
في جـ : "عدم".
في جـ ، ط ، أ ، و : "بن حيان أيضا".
زيادة من جـ ، ط ، أ ، و.
زيادة من جـ.
(1/210)
صلب آدم الذي وصف في قوله : { وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى [شَهِدْنَا] } (1) الآيتين [الأعراف : 172 ، 173] ونقضهم (2) ذلك تركهم الوفاء به. وهكذا روي عن مقاتل بن حيان أيضًا ، حكى هذه الأقوال ابن جرير في تفسيره.
وقال أبو جعفر الرازي ، عن الربيع بن أنس ، عن أبي العالية ، في قوله : { الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ } إلى قوله : { الْخَاسِرُونَ } قال : هي ست خصال من (3) المنافقين إذا كانت فيهم الظَّهْرَة (4) على الناس أظهروا هذه الخصال : إذا حدثوا كذبوا ، وإذا وعدوا أخلفوا ، وإذا اؤتمنوا خانوا ، ونقضوا عهد الله من بعد ميثاقه ، وقطعوا ما أمر الله به أن يوصل ، وأفسدوا في الأرض ، وإذا كانت الظَّهْرَةُ (5) عليهم أظهروا الخصال (6) الثلاث : إذا حدثوا كذبوا ، وإذا وعدوا أخلفوا ، وإذا اؤتمنوا خانوا.
وكذا (7) قال الربيع بن أنس أيضًا. وقال السدي في تفسيره بإسناده ، قوله تعالى : { الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ } قال : هو ما عهد إليهم في القرآن فأقروا به ثم كفروا فنقضوه.
وقوله : { وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ } قيل : المراد به صلة الأرحام والقرابات ، كما فسره قتادة كقوله تعالى : { فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الأرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ } [محمد : 22] ورجحه ابن جرير. وقيل : المراد أعم من ذلك فكل ما أمر الله بوصله وفعله قطعوه وتركوه.
وقال مقاتل بن حيان في قوله : { أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ } قال (8) في الآخرة ، وهذا كما قال تعالى : { أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ } [الرعد : 25].
وقال الضحاك عن ابن عباس : كل شيء نسبه الله إلى غير أهل الإسلام من اسم مثل خاسر ، فإنما يعني به الكفر ، وما نسبه إلى أهل الإسلام فإنما يعني به الذنب.
وقال ابن جرير في قوله : { أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ } الخاسرون : جمع خاسر ، وهم الناقصون أنفسهم [و] (9) حظوظهم بمعصيتهم الله من رحمته ، كما يخسر الرجل في تجارته بأن يوضع من رأس ماله في بيعه ، وكذلك الكافر والمنافق خسر بحرمان الله إياه رحمته التي خلقها لعباده في القيامة أحوج ما كانوا إلى رحمته ، يقال منه : خسر الرجل يخسر خَسْرًا وخُسْرانًا وخَسارًا ، كما قال جرير بن عطية (10) إن سَلِيطًا في الخَسَارِ إنَّه... أولادُ قَومٍ خُلقُوا أقِنَّه (11)
__________
زيادة من جـ.
في جـ : "وبغضهم".
في جـ ، ط : "في".
في جـ : "الظهيرة".
في جـ : "الظهيرة".
في جـ : "أخفوا هذه الخصال".
في جـ : "وقال".
في أ : "أي".
زيادة من جـ.
في أ : "خطيئة".
اليت في تفسير الطبري (1/417).
(1/211)
== { كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (28) } ==
يقول تعالى محتجًا على وجوده وقدرته ، وأنه الخالق المتصرف في عباده : { كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ } أي : كيف تجحدون وجوده أو تعبدون معه غيره! { وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ } أي : قد كنتم عدمًا فأخرجكم إلى الوجود ، كما قال تعالى : { أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ * أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ بَل لا يُوقِنُونَ } [الطور : 35 ، 36] ، وقال { هَلْ أَتَى عَلَى الإنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا } [الإنسان : 1] والآيات في هذا كثيرة.
وقال سفيان الثوري ، عن أبي إسحاق ، عن أبي الأحوص ، عن عبد الله بن مسعود ، رضي الله عنه : { قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ } [غافر : 11] قال : هي التي في البقرة : { وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ }
وقال ابن جُريج (1) ، عن عطاء ، عن ابن عباس : { كُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ } أمواتا في أصلاب آبائكم ، لم تكونوا شيئًا حتى خلقكم ، ثم يميتكم موتة الحق ، ثم يحييكم حين يبعثكم. قال : وهي مثل قوله : { [رَبَّنَا] (2) أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ }.
وقال الضحاك ، عن ابن عباس في قوله : { رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ } قال : كنتم ترابًا قبل أن يخلقكم (3) ، فهذه ميتة ، ثم أحياكم فخلقكم فهذه حياة ، ثم يميتكم فترجعون إلى القبور فهذه ميتة أخرى ، ثم يبعثكم يوم القيامة فهذه حياة أخرى. فهذه ميتتان وحياتان ، فهو كقوله : { كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ }
وهكذا روي عن السدي بسنده ، عن أبي مالك وعن أبي صالح ، عن ابن عباس - وعن مرة ، عن ابن مسعود وعن ناس من الصحابة - وعن أبي العالية والحسن البصري ومجاهد وقتادة وأبي صالح والضحاك وعطاء الخراساني نَحْوُ ذلك.
وقال الثوري ، عن السدي عن أبي صالح : { كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ } قال : يحييكم (4) في القبر (5) ، ثم يميتكم.
وقال ابن جرير عن يونس ، عن ابن وهب ، عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم ؛ خلقهم في (6) ظهر آدم ثم أخذ (7) عليهم الميثاق ، ثم أماتهم ثم خلقهم في الأرحام ، ثم أماتهم ، ثم أحياهم يوم القيامة. وذلك كقول الله تعالى : { قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ }
__________
في جـ ، ط : "جرير".
زيادة من جـ ، ط ، أ ، و.
في جـ : "أخلفكم".
في أ : "يحيهم".
في جـ : "القبور".
في جـ ، ط : "من".
في جـ ، ط : "فأخذ".
(1/212)
وهذا غريب والذي قبله. والصحيح ما تقدم عن ابن مسعود وابن عباس ، وأولئك الجماعة من التابعين ، وهو كقوله تعالى : { قُلِ اللَّهُ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ } [الجاثية : 26].
[وعبر عن الحال قبل الوجود بالموت بجامع ما يشتركان فيه من عدم الإحساس ، كما قال في الأصنام : { أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ } [النحل : 21] ، وقال { وَآيَةٌ لَهُمُ الأرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ } [يس : 33] (1).
== { هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (29) } ==
لما ذكر تعالى دلالةً مِنْ خَلْقهم وما يشاهدونه من أنفسهم ، ذكر دليلا آخر مما يشاهدونه مِنْ خَلْق السماوات والأرض ، فقال : { هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ } أي : قصد إلى السماء ، والاستواء هاهنا تَضَمَّن (2) معنى القصد والإقبال ؛ لأنه عدي بإلى { فَسَوَّاهُنَّ } أي : فخلق السماء سبعًا ، والسماء هاهنا اسم جنس ، فلهذا قال : { فَسَوَّاهُنَّ }. { وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ } أي : وعلمه محيط بجميع ما خلق (3). كما قال : { أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ } [الملك : 14] وتفصيل هذه الآية في سورة حم السجدة وهو قوله : { قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الأرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ * وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ * ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلأرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ * فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ } [فصلت : 9 - 12].
ففي هذا دلالة على أنه تعالى ابتدأ بخلق الأرض أولا ثم خلق السماوات سبعًا ، وهذا شأن البناء أن يبدأ بعمارة أسافله ثم أعاليه بعد ذلك ، وقد صرح المفسرون بذلك ، كما سنذكره بعد هذا إن شاء الله. فأما قوله تعالى : { أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا * رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا * وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا * وَالأرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا * أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا } [النازعات : 27 - 32] فقد قيل : إن { ثُمَّ } هاهنا إنما هي لعطف الخبر على الخبر ، لا لعطف الفعل على الفعل ، كما قال الشاعر :
قل لمن ساد ثم ساد أبوه... ثم قد ساد قبل ذلك جده (4)
وقيل : إن الدَّحْىَ كان بعد خلق السماوات ، رواه ابن أبي طلحة ، عن ابن عباس.
__________
زيادة من جـ ، ط ، أ ، و.
في جـ ، ط : "مضمن".
في جـ : "وعلمه محيط بجميع الخلق" ، وفي ط : "وعلمه محيط بالأشياء بجميع ما خلق".
البيت في مغني اللبيب لابن هشام غير منسوب. أ. هـ. مستفادا من حاشية الشعب.
(1/213)
وقد قال السدي في تفسيره ، عن أبي مالك - وعن أبي صالح عن ابن عباس - وعن مُرّة ، عن ابن مسعود ، وعن ناس من الصحابة { هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ [وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ] (1) } قال : إن الله تبارك وتعالى كان عرشه على الماء ، ولم يخلق شيئًا غير ما خلق قبل الماء. فلما أراد أن يخلق الخلق ، أخرج من الماء دخانًا ، فارتفع فوق الماء فسما عليه ، فسماه سماء. ثم أيبس الماء فجعله أرضًا واحدة ، ثم فتقها فجعلها سبع أرضين في يومين في الأحد والاثنين ، فخلق الأرض على حوت ، والحوتُ هو النون الذي ذكره الله في القرآن : { ن وَالْقَلَمِ (2) } والحوت في الماء ، والماء على ظهر صفاة ، والصفاة على ظهر مَلَك ، والملك على صخرة ، والصخرة في الريح ، وهي الصخرة التي ذكر (3) لقمان - ليست في السماء ولا في الأرض ، فتحرك الحوت فاضطرب ، فتزلزلت الأرض ، فأرسى عليها الجبال فَقَرّت ، فالجبال تفخر على الأرض ، فذلك قوله تعالى : { وَأَلْقَى فِي الأرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ (4) } [النحل : 15]. وخلق الجبال فيها ، وأقواتَ أهلها وشجرها وما ينبغي لها في يومين ، في الثلاثاء والأربعاء ، وذلك حين يقول : { قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الأرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ * وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا } [فصلت : 9 ، 10]. يقول : أنبت شجرها { وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا } يقول : أقواتها لأهلها { فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ } [فصلت : 10] يقول : من سأل فهكذا الأمر. { ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ } [فصلت : 11] وذلك الدخان من تنفس الماء حين تنفس ، فجعلها سماء واحدة ، ثم فتقها فجعلها سبع سموات في يومين ، في الخميس والجمعة ، وإنما سمي يوم الجمعة لأنه جمع فيه خلق السماوات والأرض ، { وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا } [فضلت : 12] قال : خلق الله في كل سماء خلقها من الملائكة والخلق الذي (5) فيها ، من البحار وجبال البَرَد وما لا نعلم ، ثم زين السماء الدنيا بالكواكب ، فجعلها زينة وحفظًا (6) تُحْفَظُ من الشياطين. فلما فرغ من خلق ما أحب استوى على العرش ، فذلك حين يقول : { خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ } [الأعراف : 54] ويقول { كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا } [الأنبياء : 30].
وقال ابن جرير : حدثني المثنى ، حدثنا عبد الله بن صالح ، حدثني أبو معشر عن سعيد بن أبي سعيد ، عن عبد الله بن سلام أنه قال : إن الله بدأ الخلق يوم الأحد ، فخلق الأرضين في الأحد والاثنين ، وخلق الأقوات والرواسي في الثلاثاء والأربعاء ، وخلق السماوات في الخميس والجمعة ، وفرغ في آخر (7) ساعة من يوم الجمعة ، فخلق فيها آدم على عَجَل ، فتلك الساعة التي تقوم فيها الساعة.
وقال مجاهد في قوله : { هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأرْضِ جَمِيعًا } قال : خلق الله الأرض قبل السماء ، فلما خلق الأرض ثار منها دخان ، فذلك حين يقول : { ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ }
__________
زيادة من جـ.
في جـ : "والقلم وما يسطرون".
في ب : "ذكرها"
في جـ : "وجعل لها رواسي من فوقها أن تميد بكم" ، وفي ط : "وجعل لها رواسي أن تميد بكم" ، وفي ب : "وجعلنا في الأرض رواسي أن تميد بكم".
في جـ ، ط : "الذين".
في أ : "وحفظها".
في جـ : "وأخر".
(1/214)
{ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ } قال : بعضهن فوق بعض ، وسبع أرضين ، يعني بعضهن تحت بعض.
وهذه الآية دالة على أن الأرض خلقت قبل السماء ، كما قال في آية السجدة : { قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الأرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ * وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ * ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلأرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ * فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ } [فصلت : 9 - 12] فهذه وهذه دالتان على أن الأرض خلقت قبل السماء ، وهذا ما لا أعلم فيه نزاعًا بين العلماء إلا ما نقله ابن جرير عن قتادة : أنه زعم أن السماء خلقت قبل الأرض ، وقد توقف في ذلك القرطبي في تفسيره لقوله تعالى : { أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا * رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا * وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا * وَالأرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا * أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا } [النازعات : 27 - 31] قالوا : فذكر خلق السماء قبل الأرض. وفي صحيح البخاري (1) : أن ابن عباس سئل عن هذا بعينه ، فأجاب بأن الأرض خلقت قبل السماء وأن الأرض إنما دحيت بعد خلق السماء ، وكذلك أجاب غير واحد من علماء التفسير قديمًا وحديثًا ، وقد قررنا ذلك في تفسير سورة النازعات ، وحاصل ذلك أن الدحي مفسر بقوله : { وَالأرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا * أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا * وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا } [النازعات : 30 - 32] ففسر الدحي بإخراج ما كان مودعًا فيها بالقوة إلى الفعل لما اكتملت صورة المخلوقات الأرضية ثم السماوية دحى بعد ذلك الأرض ، فأخرجت ما كان مودعًا فيها من المياه ، فنبتت النباتات على اختلاف أصنافها وصفاتها وألوانها وأشكالها ، وكذلك جرت هذه الأفلاك فدارت بما فيها من الكواكب الثوابت والسيارة ، والله سبحانه وتعالى أعلم.
وقد ذكر ابن أبي حاتم وابن مردويه في تفسير هذه الآية الحديث الذي رواه مسلم والنسائي في التفسير - أيضًا - من رواية ابن جُرَيج قال : أخبرني إسماعيل بن أمية ، عن أيوب بن خالد ، عن عبد الله بن رافع مولى أم سلمة ، عن أبي هريرة ، قال : أخذ رسول الله {{ص}} بيدي فقال : "خلق الله التربة يوم السبت ، وخلق الجبال فيها يوم الأحد ، وخلق الشجر فيها يوم الاثنين ، وخلق المكروه يوم الثلاثاء ، وخلق النور يوم الأربعاء ، وبث فيها الدواب يوم الخميس ، وخلق آدم بعد العصر يوم الجمعة من آخر ساعة من ساعات الجمعة ، فيما بين العصر إلى الليل" (2).
وهذا الحديث من غرائب صحيح مسلم ، وقد تكلم عليه علي بن المديني والبخاري وغير واحد من الحفاظ ، وجعلوه من كلام كعب ، وأن أبا هريرة إنما سمعه من كلام كعب الأحبار ، وإنما اشتبه على بعض الرواة فجعلوه (3) مرفوعا ، وقد حرر ذلك البيهقي (4).
__________
صحيح البخاري (8/555) "فتح".
تفسير ابن أبي حاتم (1/103) وصحيح مسلم برقم (2789) وسنن النسائي الكبرى برقم (11010).
في جـ ، ط ، ب : "فجعله".
الأسماء والصفات (ص276) وللعلامة عبد الرحمن المعلمي كلام متين في تصحيح هذا الحديث ورد الشبه عنه في كتابه "الأنوار الكاشفة" (ص185 - 190) فليراجع فإنه مهم.
(1/215)
== { وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ (30) } ==
يخبر (1) تعالى بامتنانه على بني آدم ، بتنويهه بذكرهم في الملأ الأعلى قبل إيجادهم ، فقال تعالى : { وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ } أي : واذكر يا محمد إذ قال ربك للملائكة ، واقصص على قومك ذلك. وحكى ابن جرير عن بعض أهل العربية [وهو أبو عبيدة] (2) أنه زعم أن "إذ" هاهنا زائدة ، وأن تقدير الكلام : وقال ربك. ورده ابن جرير.
قال القرطبي : وكذا رده جميع المفسرين حتى قال الزجاج : هذا اجتراء (3) من أبي عبيدة.
{ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأرْضِ خَلِيفَةً } أي : قوما يخلف بعضهم بعضا قرنا بعد قرن وجيلا بعد جيل ، كما قال تعالى : { وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ الأرْضِ } [الأنعام : 165] وقال { وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الأرْضِ } [النمل : 62]. وقال { وَلَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَا مِنْكُمْ مَلائِكَةً فِي الأرْضِ يَخْلُفُونَ } [الزخرف : 60]. وقال { فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ } [مريم : 59]. [وقرئ في الشاذ : "إني جاعل في الأرض خليقة" حكاه الزمخشري وغيره ونقلها القرطبي عن زيد بن علي] (4). وليس المراد هاهنا بالخليفة آدم ، عليه السلام ، فقط ، كما يقوله طائفة من المفسرين ، وعزاه القرطبي إلى ابن مسعود وابن عباس وجميع أهل التأويل ، وفي ذلك نظر ، بل الخلاف في ذلك كثير ، حكاه فخر الدين الرازي في تفسيره وغيره ، والظاهر أنه لم يرد آدم عينًا إذ لو كان كذلك لما حسن قول الملائكة : { أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ } فإنهم (5) إنما أرادوا أن من هذا الجنس من يفعل ذلك ، وكأنهم علموا ذلك بعلم خاص ، أو بما فهموه من الطبيعة البشرية فإنه أخبرهم أنه يخلق هذا الصنف من صَلْصَال من حمإ مسنون [أو فهموا من الخليفة أنه الذي يفصل بين الناس ويقع بينهم من المظالم ويرد عنهم المحارم والمآثم ، قاله القرطبي] (6) أو أنهم قاسوهم على من سبق ، كما سنذكر أقوال المفسرين في ذلك.
وقول الملائكة هذا ليس على وجه الاعتراض على الله ، ولا على وجه الحسد لبني آدم ، كما قد يتوهمه بعض المفسرين [وقد وصفهم الله تعالى بأنهم لا يسبقونه بالقول ، أي : لا يسألونه شيئا لم يأذن لهم فيه وهاهنا لما أعلمهم بأنه سيخلق في الأرض خلقًا. قال قتادة : وقد تقدم إليهم أنهم يفسدون فيها فقالوا : { أَتَجْعَلُ فِيهَا } الآية] (7) وإنما هو سؤال استعلام واستكشاف عن الحكمة في ذلك ، يقولون : يا ربنا ، ما الحكمة في خلق هؤلاء مع أن منهم من يفسد في الأرض ويسفك الدماء ، فإن كان المراد عبادتك ، فنحن نسبح بحمدك ونقدس لك ، أي : نصلي لك كما سيأتي ، أي : ولا يصدر منا شيء من ذلك ، وهلا وقع الاقتصار علينا ؟ قال الله تعالى مجيبا لهم عن هذا السؤال : { إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ } أي : إني أعلم من المصلحة (8) الراجحة في خلق هذا الصنف على المفاسد التي ذكرتموها (9) ما لا تعلمون أنتم ؛ فإني سأجعل فيهم الأنبياء ، وأرسل فيهم الرسل ، ويوجد فيهم
__________
في جـ : "أخبر".
زيادة من جـ ، ط ، أ ، و.
في أ : "إجرام".
زيادة من جـ ، ط ، أ ، و.
في جـ ، ب : "فإن الله".
زيادة من جـ ، ط ، ب ، أ ، و.
زيادة من جـ ، ط ، ب ، أ ، و.
في جـ : "بالمصلحة".
في جـ : "الذي ذكروها".
(1/216)
الصديقون والشهداء ، والصالحون والعباد ، والزهاد والأولياء ، والأبرار والمقربون ، والعلماء العاملون والخاشعون ، والمحبون له تبارك وتعالى المتبعون رسله ، صلوات الله وسلامه عليهم.
وقد ثبت في الصحيح (1) : أن الملائكة إذا صعدت إلى الرب تعالى بأعمال عباده سألهم وهو أعلم : كيف تركتم عبادي ؟ فيقولون : أتيناهم وهم يصلون وتركناهم وهم يصلون. وذلك لأنهم يتعاقبون فينا ويجتمعون في صلاة الصبح وصلاة العصر ، فيمكث هؤلاء ويصعد أولئك بالأعمال كما قال عليه السلام : "يرفع إليه عمل الليل قبل النهار ، وعمل النهار قبل الليل" فقولهم : أتيناهم وهم يصلون وتركناهم وهم يصلون من تفسير قوله : { إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ } وقيل : معنى قوله جوابًا لهم : { إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ } أن لي حكمة مفصلة في خلق هؤلاء والحالة ما ذكرتم لا تعلمونها ، وقيل : إنه جواب لقولهم : { وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ } فقال : { إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ } أي : من وجود إبليس بينكم وليس هو كما وصفتم أنفسكم به. وقيل : بل تضمن قولهم : { أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ } طلبًا منهم أن يسكنوا الأرض بدل بني آدم ، فقال الله تعالى لهم : { إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ } من أن بقاءكم في السماء أصلح لكم وأليق بكم. ذكرها فخر الدين مع غيرها من الأجوبة ، والله أعلم.
ذكر أقوال المفسرين ببسط ما ذكرناه :
قال ابن جرير : حدثني القاسم بن الحسن قال : حدثنا الحسين قال : حدثني الحجاج ، عن جرير بن حازم ، ومبارك ، عن الحسن وأبي بكر ، عن الحسن وقتادة ، قالوا : قال الله للملائكة : { إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأرْضِ خَلِيفَةً } قال لهم : إني فاعل. وهذا معناه أنه أخبرهم بذلك.
وقال السدي : استشار الملائكة في خلق آدم. رواه ابن أبي حاتم ، قال (2) : وروي عن قتادة نحوه. وهذه العبارة إن لم ترجع إلى معنى الإخبار ففيها تساهل ، وعبارة الحسن وقتادة في رواية ابن جرير أحسن ، والله أعلم.
{ فِي الأرْضِ } قال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي ، حدثنا أبو سلمة ، حدثنا حماد (3) حدثنا عطاء بن السائب ، عن عبد الرحمن بن سابط أن رسول الله (4) {{ص}} قال : "دُحِيت الأرض من مكة ، وأول من طاف بالبيت الملائكة ، فقال الله : إني جاعل في الأرض خليفة ، يعني مكة" (5).
وهذا مرسل ، وفي سنده ضعف ، وفيه مُدْرَج ، وهو أن المراد بالأرض مكة ، والله أعلم ، فإن الظاهر أن المراد بالأرض أعم من ذلك.
{ خَلِيفَةً } قال السدي في تفسيره عن أبي مالك وعن أبي صالح ، عن ابن عباس - وعن مرة ، عن ابن مسعود ، وعن ناس من الصحابة أن الله تعالى قال للملائكة : { إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأرْضِ خَلِيفَةً }
__________
صحيح مسلم برقم (632) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
في جـ ، ط : "وقال".
في جـ : "أحمد".
في جـ ، ط ، ب : "النبي".
تفسير ابن أبي حاتم (1/108).
(1/217)
قالوا (1) : ربنا وما يكون ذلك الخليفة ؟ قال : يكون له ذرية يفسدون في الأرض ويتحاسدون ويقتل بعضهم بعضا.
قال ابن جرير : فكان تأويل الآية على هذا : { إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأرْضِ خَلِيفَةً } مني ، يخلفني في الحكم بين خلقي ، وإن ذلك الخليفة هو آدم ومن قام مقامه في طاعة الله والحكم (2) بالعدل بين خلقه. وأما الإفساد وسفك الدماء بغير حقها (3) فمن غير خلفائه.
قال ابن جرير : وإنما [كان تأويل الآية على هذا] (4) معنى الخلافة التي ذكرها الله إنما هي خلافة قرن منهم قرنا.
قال : والخليفة الفعلية من قولك ، خلف فلان فلانا في هذا الأمر : إذا قام مقامه فيه بعده ، كما قال تعالى : { ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلائِفَ فِي الأرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ } [يونس : 14]. ومن ذلك قيل للسلطان الأعظم : خليفة ؛ لأنه خلف الذي كان قبله ، فقام بالأمر مقامه ، فكان منه خَلَفًا.
قال : وكان محمد بن إسحاق يقول في قوله تعالى : { إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأرْضِ خَلِيفَةً } يقول : ساكنا وعامرا يسكنها ويعمرها خلفا ليس منكم.
قال ابن جرير : وحدثنا أبو كُرَيْب ، حدثنا عثمان بن سعيد ، حدثنا بشر بن عمارة ، عن أبي روق ، عن الضحاك ، عن ابن عباس ، قال : أول من سكن الأرض الجنُّ ، فأفسدوا فيها وسفكوا فيها الدماء ، وقتل بعضهم بعضا. قال : فبعث الله إليهم إبليس ، فقتلهم إبليس ومن معه حتى ألحقهم (5) بجزائر البحور وأطراف الجبال. ثم خلق آدم وأسكنه إياها ، فلذلك قال : { إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأرْضِ خَلِيفَةً } (6).
وقال سفيان الثوري ، عن عطاء بن السائب ، عن ابن سابط : { إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ } قال : يعنون [به] (7) بني آدم.
وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم : قال الله للملائكة : إني أريد أن أخلق في الأرض خلقا وأجعل فيها خليفة وليس لله ، عز وجل ، خلق إلا الملائكة ، والأرض ليس فيها خلق ، قالوا : أتجعل فيها من يفسد فيها [ويسفك الدماء] (8) ؟!
وقد تقدم ما رواه السدي ، عن ابن عباس وابن مسعود وغيرهما من الصحابة : أن الله أعلم الملائكة بما يفعل ذرّية آدم ، فقالت الملائكة ذلك. وتقدم آنفا (9) ما رواه الضحاك ، عن ابن عباس : أن الجن أفسدوا في الأرض قبل بني آدم ، فقالت الملائكة ذلك ، فقاسوا هؤلاء بأولئك.
وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي ، حدثنا علي بن محمد الطَّنَافِسي ، حدثنا أبو معاوية ، حدثنا
__________
في جـ : "فقالوا".
في جـ : "وحكم".
في جـ ، ط ، أ : "حقها".
زيادة من جـ.
في جـ : "ألحقوهم".
تفسير الطبري (1/450).
زيادة من جـ ، ط ، ب ، أ ، و.
زيادة من جـ.
في جـ ، ط : "أيضا".
(1/218)
الأعمش ، عن بُكَير (1) بن الأخنس ، عن مجاهد ، عن عبد الله بن عمرو ، قال : كان الجن بنو الجان في الأرض قبل أن يخلق آدم بألفي سنة ، فأفسدوا في الأرض ، وسفكوا الدماء ، فبعث الله جندا من الملائكة فضربوهم ، حتى ألحقوهم بجزائر البحور ، فقال الله للملائكة : { إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأرْضِ خَلِيفَةً } قالوا : أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ؟ قال : إني أعلم ما لا تعلمون (2).
وقال أبو جعفر الرازي ، عن الربيع ، عن أبي العالية في قوله : { إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأرْضِ خَلِيفَةً } إلى قوله : { وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ } [البقرة : 33] قال : خلق الله الملائكة يوم الأربعاء وخلق الجن يوم الخميس ، وخلق آدم يوم الجمعة ؛ فكفر قوم من الجن ، فكانت الملائكة تهبط إليهم في الأرض فتقاتلهم ، فكانت الدماء بينهم ، وكان الفساد في الأرض ، فمن ثم قالوا : { أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا } كما أفسدت الجن { وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ } كما سَفَكُوا.
قال ابن أبي حاتم : وحدثنا الحسن بن محمد بن الصباح ، حدثنا سعيد بن سليمان ، حدثنا مبارك بن فضالة ، حدثنا الحسن ، قال : قال الله للملائكة : { إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأرْضِ خَلِيفَةً } قال لهم : إني فاعل. فآمنوا بربهم (3) ، فعلمهم علمًا وطوى عنهم علمًا علمه ولم يعلموه ، فقالوا بالعلم الذي علمهم : { أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ } ؟ { قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ }
قال الحسن : إن الجن كانوا في الأرض يفسدون (4) ويسفكون الدماء ، ولكن جعل الله في قلوبهم أن ذلك سيكون فقالوا بالقول الذي عَلَّمهم.
وقال عبد الرزاق ، عن مَعْمَر ، عن قتادة في قوله : { أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا } كان [الله] (5) أعلمهم أنه إذا كان في الأرض خَلْق أفسدوا فيها وسفكوا الدماء ، فذلك حين قالوا : { أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا } (6).
وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي ، حدثنا هشام الرازي ، حدثنا ابن المبارك ، عن معروف ، يعني ابن خَرّبوذ المكي ، عمن سمع أبا جعفر محمد بن علي يقول : السّجِلّ ملك ، وكان هاروت وماروت من أعوانه ، وكان له في كل يوم ثلاث لمحات ينظرهن في أم الكتاب ، فنظر نظرة لم تكن له فأبصر فيها خلق آدم وما كان فيه من الأمور ، فأسَر ذلك إلى هاروت وماروت ، وكانا من أعوانه ، فلما قال تعالى : { إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ } قالا ذلك استطالة على الملائكة.
وهذا أثر غريب. وبتقدير صحته إلى أبي جعفر محمد بن علي بن الحسن الباقر ، فهو نقله عن أهل الكتاب ، وفيه نكارة توجب رده ، والله أعلم. ومقتضاه أن الذين قالوا ذلك إنما كانوا اثنين فقط ،
__________
في أ : "بكر".
تفسير ابن أبي حاتم (1/109).
في أ ، و : "أفأمنوا برأيهم".
في جـ : "يفسدون في الأرض".
زيادة من جـ ، ط ، ب ، أ.
تفسير عبد الرزاق (1/65).
(1/219)
وهو خلاف السياق.
وأغرب منه ما رواه ابن أبي حاتم - أيضًا - حيث قال : حدثنا أبي ، حدثنا هشام بن أبي عَبْد الله ، حدثنا عبد الله بن يحيى بن أبي كثير ، قال : سمعت أبي يقول : إن الملائكة الذين قالوا : { أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ } كانوا عشرة آلاف ، فخرجت نار من عند الله فأحرقتهم.
وهذا - أيضًا - إسرائيلي منكر كالذي قبله ، والله أعلم.
قال ابن جريج : إنما تكلموا بما أعلمهم الله أنه كائن من خلق آدم ، فقالوا : { أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ }
وقال ابن جرير : وقال بعضهم : إنما قالت الملائكة ما قالت : { أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ } ؛ لأن الله أذن لهم (1) في السؤال عن ذلك ، بعد ما أخبرهم (2) أن ذلك كائن من بني آدم ، فسألته الملائكة ، فقالت على التعجب منها : وكيف يعصونك يا رب وأنت خالقهم! ؟ فأجابهم ربهم : { إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ } يعني : أن ذلك كائن منهم ، وإن لم تعلموه أنتم ومن بعض من ترونه لي طائعا.
قال : وقال بعضهم : ذلك من الملائكة على وجه الاسترشاد عما لم يعلموا من ذلك ، فكأنهم قالوا : يا رب خبرنا ، مسألة [الملائكة] (3) استخبار منهم ، لا على وجه الإنكار ، واختاره ابن جرير.
وقال سعيد عن قتادة قوله : { وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأرْضِ خَلِيفَةً } فاستشار الملائكة في خلق آدم ، فقالوا : { أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ } وقد علمت الملائكة من علم الله أنه لا شيء أكره إلى الله من سفك الدماء والفساد في الأرض { وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ } فكان في علم الله أنه سيكون من تلك الخليقة أنبياء ورسل وقوم صالحون وساكنو الجنة ، قال : وذكر لنا عن ابن عباس أنه كان يقول : إن الله لما أخذ في خلق آدم قالت الملائكة : ما الله خالق خلقا أكرم عليه منا ولا أعلم منا ، فابتلوا بخلق آدم ، وكل خلق مبتلى كما ابتليت السماوات والأرض بالطاعة فقال : { اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ } [فصلت : 11].
وقوله تعالى : { وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ } قال عبد الرزاق ، عن مَعْمَر ، عن قتادة : التسبيحُ : التسبيحُ ، والتقديس : الصلاة (4).
وقال السدي ، عن أبي مالك وعن أبي صالح ، عن ابن عباس - وعن مُرّة ، عن ابن مسعود - وعن ناس من الصحابة : { وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ } قال : يقولون : نصلي لك.
وقال مجاهد : { وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ } قال : نعظمك ونكبرك.
__________
في أ ، و : "لها".
في أ ، و : "ما أخبرها".
زيادة من جـ.
تفسير عبد الرزاق (1/65).
(1/220)
وقال الضحاك : التقديس : التطهير.
وقال محمد بن إسحاق : { وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ } قال : لا نعصي ولا نأتي شيئًا تكرهه.
وقال ابن جرير : التقديس : هو التعظيم والتطهير ، ومنه قولهم : سُبُّوح قُدُّوس ، يعني بقولهم : سُبوح ، تنزيه له ، وبقولهم : قدوس ، طهارة وتعظيم له. ولذلك قيل للأرض : أرض مقدسة ، يعني بذلك المطهرة. فمعنى قول الملائكة إذًا : { وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ } ننزهك ونبرئك مما يضيفه إليك أهلُ الشرك بك { وَنُقَدِّسُ لَكَ } ننسبك إلى ما هو من صفاتك ، من الطهارة من الأدناس وما أضاف إليك أهل الكفر بك.
[وفي صحيح مسلم عن أبي ذر أن رسول الله {{ص}} سئل : أي الكلام أفضل ؟ قال : "ما اصطفى الله لملائكته سبحان الله وبحمده" (1) وروى البيهقي عن عبد الرحمن بن قرط أن رسول الله {{ص}} ليلة أسري به سمع تسبيحًا في السماوات العلا "سبحان العلي الأعلى سبحانه وتعالى" (2) ] (3).
{ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ } قال قتادة : فكان في علم الله أنه سيكون في تلك الخليقة أنبياء ورسل وقوم صالحون وساكنو الجنة ، وسيأتي عن ابن مسعود وابن عباس وغير واحد من الصحابة والتابعين أقوال في حكمة قوله تعالى : { قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ }
وقد استدل القرطبي وغيره بهذه الآية على وجوب نصب الخليفة ليفصل بين الناس فيما يختلفون فيه ، ويقطع تنازعهم ، وينتصر لمظلومهم من ظالمهم ، ويقيم الحدود ، ويزجر عن تعاطي الفواحش ، إلى غير ذلك من الأمور المهمة التي لا يمكن إقامتها إلا بالإمام ، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.
والإمامة تنال بالنص كما يقوله طائفة من أهل السنة في أبي بكر ، أو بالإيماء إليه كما يقول آخرون منهم ، أو باستخلاف الخليفة آخر بعده كما فعل الصديق بعمر بن الخطاب ، أو بتركه شورى في جماعة صالحين كذلك كما فعله عمر ، أو باجتماع أهل الحل والعقد على مبايعته أو بمبايعة واحد منهم له فيجب التزامها عند الجمهور وحكى على ذلك (4) إمام الحرمين الإجماع ، والله أعلم ، أو بقهر واحد الناس على طاعته فتجب لئلا يؤدي ذلك إلى الشقاق والاختلاف ، وقد نص عليه الشافعي.
وهل يجب الإشهاد على عقد الإمامة ؟ فيه خلاف ، فمنهم من قال : لا يشترط ، وقيل : بلى ويكفي شاهدان. وقال الجبائي : يجب أربعة وعاقد ومعقود له ، كما ترك عمر رضي الله عنه ، الأمر شورى بين ستة ، فوقع الأمر على عاقد وهو عبد الرحمن بن عوف ، ومعقود له وهو عثمان ، واستنبط
__________
صحيح مسلم برقم (2731).
ورواه أبو نعيم في الحلية (2/7) من طريق مسكين بن ميمون عن عروة بن رويم ، عن عبد الرحمن بن قرط رضي الله عنه به مرفوعا وسيأتي من رواية الطبراني عند تفسير الآية : 44 من سورة الإسراء.
زيادة من جـ ، ط ، ب ، أ.
في أ : "تلك".
(1/221)
وجوب الأربعة الشهود من الأربعة الباقين ، وفي هذا نظر ، والله أعلم.
ويجب أن يكون ذكرًا حرًا بالغًا عاقلا مسلمًا عدلا مجتهدًا بصيرًا سليم الأعضاء خبيرًا بالحروب والآراء قرشيًا على الصحيح ، ولا يشترط الهاشمي ولا المعصوم من الخطأ خلافًا للغلاة الروافض ، ولو فسق الإمام هل ينعزل أم لا ؟ فيه خلاف ، والصحيح أنه لا ينعزل لقوله عليه الصلاة والسلام : "إلا أن تروا كفرًا بواحًا عندكم من الله فيه برهان" (1) وهل له أن يعزل نفسه ؟ فيه خلاف ، وقد عزل الحسن بن علي نفسه وسلم الأمر إلى معاوية لكن هذا لعذر وقد مدح على ذلك.
فأما نصب إمامين في الأرض أو أكثر فلا يجوز لقوله عليه الصلاة والسلام : "من جاءكم وأمركم جميع يريد أن يفرق بينكم فاقتلوه كائنًا من كان" (2). وهذا قول الجمهور ، وقد حكى الإجماع على ذلك غير واحد ، منهم إمام الحرمين ، وقالت الكرامية : يجوز نصب إمامين فأكثر كما كان علي ومعاوية إمامين واجبي الطاعة ، قالوا : وإذا جاز بعث نبيين في وقت واحد وأكثر جاز ذلك في الإمامة ؛ لأن النبوة أعلى رتبة بلا خلاف ، وحكى إمام الحرمين عن الأستاذ أبي إسحاق أنه جوز نصب إمامين فأكثر إذا تباعدت الأقطار واتسعت الأقاليم بينهما ، وتردد إمام الحرمين في ذلك ، قلت : وهذا يشبه حال خلفاء بني العباس بالعراق والفاطميين بمصر والأمويين بالمغرب.
== { وَعَلَّمَ آدَمَ الأسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (31) قَالُوا سُبْحَانَكَ لا عِلْمَ لَنَا إِلا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (32) قَالَ يَا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ (33) } ==
هذا مقام ذكر الله تعالى فيه شرف آدم على الملائكة ، بما اختصه به من عِلم أسماء كلّ شيء دونهم ، وهذا كان بعد سجودهم له ، وإنما قدم هذا الفصل على ذاك ، لمناسبة ما بين هذا المقام وعدم علمهم بحكمة خلق الخليفة ، حين سألوا عن ذلك ، فأخبرهم [الله] (3) تعالى بأنه يعلم ما لا يعلمون ؛ ولهذا ذكر تعالى (4) هذا المقام عقيب هذا ليبين لهم شرف آدم بما فضل به عليهم في العلم ، فقال تعالى : { وَعَلَّمَ آدَمَ الأسْمَاءَ كُلَّهَا }
وقال السدي ، عمن حدثه ، عن ابن عباس : { وَعَلَّمَ آدَمَ الأسْمَاءَ كُلَّهَا } قال : عرض عليه أسماء ولده إنسانًا إنسانًا ، والدواب ، فقيل : هذا الحمار ، هذا الجمل ، هذا الفرس.
وقال الضحاك عن ابن عباس : { وَعَلَّمَ آدَمَ الأسْمَاءَ كُلَّهَا } قال : هي هذه الأسماء التي يتعارف
__________
رواه البخاري في صحيحه برقم (7055) من حديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه.
رواه مسلم في صحيحه برقم (1852) من حديث عرفجة رضي الله عنه.
زيادة من جـ.
في جـ : "ذكر تبارك وتعالى" ، وفي ب : "ذكر الله تعالى".
(1/222)
بها الناس : إنسان ، ودابة ، وسماء ، وأرض ، وسهل ، وبحر ، وجمل (1) ، وحمار ، وأشباه ذلك من الأمم وغيرها.
وروى ابن أبي حاتم وابن جرير ، من حديث عاصم بن كليب ، عن سعيد بن معبد ، عن ابن عباس : { وَعَلَّمَ آدَمَ الأسْمَاءَ كُلَّهَا } قال : علمه اسم الصحفة والقِدر ، قال : نعم حتى الفسوة والفُسَيَّة (2).
وقال مجاهد : { وَعَلَّمَ آدَمَ الأسْمَاءَ كُلَّهَا } قال : علمه اسم كل دابة ، وكل طير ، وكل شيء.
وكذلك روي عن سعيد بن جبير وقتادة وغيرهم من السلف : أنه علمه أسماء كل شيء ، وقال الربيع في رواية عنه : أسماء الملائكة. وقال حميد الشامي : أسماء النجوم. وقال عبد الرحمن بن زيد : علمه أسماء ذريته كلهم.
واختار ابن جرير أنه علمه أسماء الملائكة وأسماء الذرية ؛ لأنه قال : { ثُمَّ عَرَضَهُمْ } وهذا عبارة عما يعقل. وهذا الذي رجح به ليس بلازم ، فإنه لا ينفي أن يدخل معهم غيرهم ، ويعبر عن الجميع بصيغة من يعقل للتغليب. كما قال : { وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ يَخْلُقُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } [النور : 45].
[وقد قرأ عبد الله بن مسعود : "ثم عرضهن" وقرأ أبي بن كعب : "ثم عرضها" أي : السماوات] (3).
والصحيح أنه علمه أسماء الأشياء كلها : ذواتها وأفعالها ؛ كما قال ابن عباس حتى الفسوة والفُسَية. يعني أسماء الذوات والأفعال المكبر والمصغر ؛ ولهذا قال البخاري في تفسير هذه الآية من كتاب التفسير من صحيحه : حدثنا مسلم بن إبراهيم ، حدثنا مسلم ، حدثنا هشام ، حدثنا قتادة ، عن أنس رضي الله عنه عن النبي {{ص}} ، وقال لي خليفة : حدثنا يزيد بن زُرَيع ، حدثنا سعيد ، عن قتادة عن أنس ، عن النبي {{ص}} قال - : "يجتمع المؤمنون يوم القيامة ، فيقولون : لو استشفعنا إلى ربنا ؟ فيأتون آدم فيقولون : أنت أبو الناس ، خلقك الله بيده ، وأسجد لك ملائكته ، وعلمك أسماء كل شيء ، فاشفع لنا عند ربك حتى يريحنا من مكاننا هذا ، فيقول : لَسْتُ هُنَاكُمْ ، ويذكر ذنبه فيستحي ؛ ائتوا نوحًا فإنه أول رسول بعثه الله إلى أهل الأرض ، فيأتونه فيقول : لست هُنَاكُم. ويذكر سؤاله ربه ما ليس له به علم فيستحي. فيقول : ائتوا خليل الرحمن ، فيأتونه ، فيقول : لست هُنَاكم ؛ فيقول : ائتوا موسى عَبْدًا كَلمه الله ، وأعطاه التوراة ، فيأتونه ، فيقول : لست هُنَاكُمْ ، ويذكر قَتْلَ النفس بغير نفس ، فيستحي من ربه ؛ فيقول : ائتوا عيسى عَبْدَ الله ورسولَه وكَلِمةَ الله وروحه ، فيأتونه ، فيقول : لست هُنَاكُم ، ائتوا محمدًا عبدًا غَفَر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر ، فيأتوني ، فأنطلق حتى أستأذن على ربي ، فيُؤذن لي ، فإذا رأيت ربي وقعتُ ساجدًا ، فيدعني ما شاء الله ، ثم يقال : ارفع رأسك ، وسل تعطه ، وقل
__________
في جـ ، ط ، ب : "وجبل".
في جـ : "الفشوة والفشية".
زيادة من جـ ، ط ، أ ، و.
(1/223)
يُسْمَع ، واشفع تُشَفَّع ، فأرفع رأسي ، فأحمده بتحميد (1) يعلمُنيه ، ثم أشفع فيحد لي حدًا فأدخلهم الجنة ، ثم أعود إليه ، وإذا رأيت ربي مثله (2) ، ثم أشفع فيحد لي حدًا فأدخلهم الجنة (3) ، ثم أعود الرابعة فأقول : ما بقي في النار إلا مَنْ حبسه القرآن ووجب عليه الخلود" (4).
هكذا ساق البخاري هذا الحديث هاهنا. وقد رواه مسلم والنسائي من حديث هشام ، وهو ابن أبي عبد الله الدَّسْتُوائي ، عن قتادة ، به (5). وأخرجه مسلم والنسائي وابن ماجه من حديث سعيد ، وهو ابن أبي عَرُوبَة ، عن قتادة (6). ووجه إيراده هاهنا والمقصود منه قوله عليه الصلاة والسلام : "فيأتون آدم فيقولون : أنت أبو الناس خلقك الله بيده ، وأسجد لك ملائكته ، وعلمك أسماء كل شيء" ، فدل هذا على أنه علمه أسماء جميع المخلوقات ؛ ولهذا قال : { ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ } يعني : المسميات ؛ كما قال عبد الرزاق ، عن مَعْمَر ، عن قتادة قال : ثم عرض تلك الأسماء على الملائكة { فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ }
وقال السدي في تفسيره عن أبي مالك وعن أبي صالح عن ابن عباس - وعن مرة ، عن ابن مسعود ، وعن ناس من الصحابة : { وَعَلَّمَ آدَمَ الأسْمَاءَ كُلَّهَا } ثم عرض الخَلْق على الملائكة.
وقال ابن جريج ، عن مجاهد : { ثُمَّ عَرَضَهُمْ } عرض أصحاب الأسماء على الملائكة.
وقال ابن جرير : حدثنا القاسم ، حدثنا الحسين ، حدثني الحجاج ، عن جرير بن حازم ومبارك بن فضالة ، عن الحسن - وأبي بكر ، عن الحسن وقتادة - قالا علمه اسم كل شيء ، وجعل يسمي كل شيء باسمه ، وعرضت عليه أمة أمة.
وبهذا الإسناد عن الحسن وقتادة في قوله : { إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ } إني لم أخلق خلقًا إلا كنتم أعلم منه ، فأخبروني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين.
وقال الضحاك عن ابن عباس : { إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ } إن كنتم تعلمون (7) لم أجعل في الأرض خليفة.
وقال السدي ، عن أبي مالك وعن أبي صالح ، عن ابن عباس - وعن مرة عن ابن مسعود ، وعن ناس من الصحابة : إن كنتم صادقين أن بني آدم يفسدون في الأرض ويسفكون الدماء.
وقال ابن جرير : وأولى الأقوال في ذلك تأويل ابن عباس ومن قال بقوله ، ومعنى ذلك فقال : أنبئوني بأسماء من عَرَضْتُه عليكم أيها الملائكة القائلون : أتجعل في الأرض من يفسد فيها ويسفك
__________
في جـ : "تحميدا".
في جـ : "فإذا رأيته عملت مثله".
في جـ ، ط : "فأدخلهم الجنة ثم أعود إليه ، فإذا رأيت ربي عملت مثله ، ثم أشفع فيحد لي حدا فأدخلهم الجنة".
صحيح البخاري برقم (4476).
صحيح مسلم برقم (193) وسنن النسائي الكبرى برقم (10984).
صحيح مسلم برقم (193) وسنن النسائي الكبرى برقم (11243) وسنن ابن ماجة برقم (4312).
في جـ : "إن كنتم عالمين".
(1/224)
الدماء ، من غيرنا أم منا ، فنحن نسبح بحمدك ونقدس لك ؟ إن كنتم صادقين في قيلكم : إني إن جعلتُ خليفتي في الأرض من غيركم عصاني ذريته وأفسدوا وسفكوا الدماء ، وإن جعلتكم فيها أطعتموني واتبعتم أمري بالتعظيم لي والتقديس ، فإذا كنتم لا تعلمون أسماء هؤلاء الذين عرضت عليكم وأنتم تشاهدونهم ، فأنتم بما هو غير موجود من الأمور الكائنة التي لم توجد أحرى أن تكونوا غير عالمين.
[وقوله] (1) { قَالُوا سُبْحَانَكَ لا عِلْمَ لَنَا إِلا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ } هذا تقديس وتنزيه من الملائكة لله تعالى أن يحيط أحد بشيء من علمه إلا بما شاء ، وأن يعلموا شيئا إلا ما علمهم الله تعالى ، ولهذا قالوا : { سُبْحَانَكَ لا عِلْمَ لَنَا إِلا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ } أي : العليم بكل شيء ، الحكيم في خلقك وأمرك وفي تعليمك من تشاء ومنعك من تشاء ، لك الحكمة في ذلك ، والعدل التام.
قال ابن أبي حاتم : حدثنا أبو سعيد الأشج ، حدثنا حفص بن غياث ، عن حجاج ، عن ابن أبي مُلَيْكَة ، عن ابن عباس : سبحان الله ، قال : تنزيه الله نفسه عن السوء. [قال] (2) ثم قال عمر لعلي وأصحابه عنده : لا إله إلا الله ، قد عرفناها (3) فما سبحان الله ؟ فقال له علي : كلمة أحبها الله لنفسه ، ورضيها ، وأحب أن تقال (4).
قال : وحدثنا أبي ، حدثنا ابن نفيل ، حدثنا النضر بن عربي قال : سأل رجل ميمون بن مِهْرَان عن "سبحان الله" ، فقال : اسم يُعَظَّمُ الله به ، ويُحَاشَى به من السوء.
وقوله تعالى : { قَالَ يَا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ } قال زيد بن أسلم. قال : أنت جبريل ، أنت ميكائيل ، أنت إسرافيل ، حتى عدد الأسماء كلها ، حتى بلغ الغراب.
وقال مجاهد في قول الله : { يَا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ } قال : اسم الحمامة ، والغراب ، واسم كل شيء.
وروي عن سعيد بن جبير ، والحسن ، وقتادة ، نحو ذلك.
فلما ظهر فضل آدم ، عليه السلام ، على الملائكة ، عليهم السلام ، في سرده ما علمه الله تعالى من أسماء الأشياء ، قال الله تعالى للملائكة : { أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ } أي : ألم أتقدم إليكم أني أعلم الغيب الظاهر والخفي ، كما قال [الله] (5) تعالى : { وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى } وكما قال تعالى إخبارا عن الهدهد أنه قال
__________
زيادة من أ.
زيادة من جـ ، ط ، أ ، و.
في جـ ، ط : "عرفناه".
تفسير ابن أبي حاتم (1/117).
زيادة من أ.
(1/225)
لسليمان : { أَلا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ * اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ }.
وقيل في [معنى] (1) قوله تعالى : { وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ } غيرُ ما ذكرناه ؛ فروى الضحاك ، عن ابن عباس : { وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ } قال : يقول : أعلم السر كما أعلم العلانية ، يعني : ما كَتَم إبليس في نفسه من الكِبْر والاغترار.
وقال السدي ، عن أبي مالك وعن أبي صالح ، عن ابن عباس - وعن مرة ، عن ابن مسعود ، وعن ناس من الصحابة ، قال : قولهم : { أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا } فهذا الذي أبدوا { وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ } يعني : ما أسر إبليس في نفسه من الكبر.
وكذلك قال سعيد بن جبير ، ومجاهد ، والسدي ، والضحاك ، والثوري. واختار ذلك ابن جرير.
وقال أبو العالية ، والربيع بن أنس ، والحسن ، وقتادة : هو قولهم : لم يخلق ربنا خلقا إلا كنا أعلم منه وأكرم.
وقال أبو جعفر الرازي ، عن الربيع بن أنس : { وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ } فكان الذي أبدوا قولهم : { أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا } وكان الذي كتموا بينهم قولهم : لن (2) يخلق ربنا خلقا إلا كنا أعلم منه وأكرم. فعرفوا أن الله فضل عليهم آدم في العلم ، والكرم.
وقال ابن جرير : حدثنا يونس ، حدثنا ابن وهب عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم ، في قصة الملائكة وآدم : فقال الله للملائكة : كما لم تعلموا هذه الأسماء فليس لكم علم ، إنما أردت أن أجعلهم ليفسدوا فيها ، هذا عندي قد علمته ؛ ولذلك (3) أخفيت عنكم أني أجعل فيها من يعصيني ومن يطيعني ، قال : وسَبَقَ من الله { لأمْلأنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ } قال : ولم تعلم الملائكة ذلك ولم يدروه قال : ولما (4) رأوا ما أعطى الله آدم من العلم أقروا له بالفضل (5).
وقال ابن جرير : وأولى الأقوال في ذلك قولُ ابن عباس ، وهو أن معنى قوله تعالى : { وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ } وأعلم - مع علمي غيب السماوات والأرض - ما تظهرونه بألسنتكم وما كنتم تخفون (6) في أنفسكم ، فلا يخفى عَلَيَّ شيء ، سواء عندي سرائركم ، وعلانيتكم.
والذي أظهروه بألسنتهم قولهم : أتجعل فيها من يفسد فيها ، والذي كانوا يكتمون ما كان عليه منطويا إبليس من الخلاف على الله في أوامره (7) ، والتكبر عن طاعته.
__________
زيادة من جـ ، أ ، و.
في جـ : "لم".
في جـ ، ب : "فلذلك".
في جـ ، ط : "فلما".
تفسير الطبري (1/497).
في أ ، و : "تخفونه".
في جـ ، ط ، ب : "في أمره".
(1/226)
قال : وصح ذلك كما تقول العرب : قُتِل الجيش وهُزموا ، وإنما قتل الواحد أو البعض ، وهزم الواحد أو البعض ، فيخرج الخبر عن المهزوم منه والمقتول مخرج الخبر عن جميعهم ، كما قال تعالى : { إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ } [الحجرات : 4 ] ذكر أن الذي نادى إنما كان واحدا من بني تميم ، قال : وكذلك قوله : { وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ }
== { وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إِلا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ (34) } ==
وهذه كرامة عظيمة من الله تعالى لآدم امتن بها على ذريته ، حيث أخبر أنه تعالى أمر الملائكة بالسجود لآدم. وقد دل على ذلك أحاديث - أيضا - كثيرة منها حديث الشفاعة المتقدم ، وحديث موسى ، عليه السلام : "رَبِّ ، أرني آدم الذي أخرجنا ونفسَه من الجنة" ، فلما اجتمع به قال : "أنت آدم الذي خلقه (1) الله بيده ، ونفخ فيه من روحه وأسجد له ملائكته". قال... وذكر الحديث كما سيأتي.
وقال ابن جرير : حدثنا أبو كُرَيب ، حدثنا عثمان بن سعيد ، حدثنا بشْر بن عُمارة ، عن أبي روق ، عن الضحاك ، عن ابن عباس قال : كان إبليس من حَيّ من أحياء الملائكة يقال لهم : الجِنّ ، خلقوا من نار السموم ، من بين الملائكة ، وكان اسمه الحارث ، وكان خازنا من خزان الجنة ، قال : وخلقت الملائكة كلهم من نور غير هذا الحي ، قال : وخلقت الجن الذين ذكروا في القرآن من مارج من نار ، [وهو لسان النار الذي يكون في طرفها إذا لهبت قال : وخلق الإنسان من طين] (2). فأول من سكن الأرض الجن فأفسدوا فيها وسفكوا الدماء ، وقتل بعضهم بعضا. قال : فبعث الله إليهم إبليس في جند من الملائكة - وهم هذا الحي الذي يقال لهم : الجنّ - فقتلهم إبليس ومن معه ، حتى ألحقهم بجزائر البحور وأطراف الجبال ، فلما فعل إبليس ذلك اغتَرّ في نفسه ، فقال : قد صنعت شيئا لم يصنعه أحد. قال : فاطلع الله على ذلك من قلبه ، ولم يطلع عليه الملائكة الذين كانوا معه ، فقال الله تعالى للملائكة الذين معه : { إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأرْضِ خَلِيفَةً } فقالت الملائكة مجيبين له : { أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ } كما أفسدت الجن وسفكت الدماء ، وإنما بعثتنا عليهم (3) لذلك ؟ فقال : { إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ } يقول : إني قد اطلعت من (4) قلب إبليس على ما لم تطلعوا عليه من كبره واغتراره ، قال : ثم أمر بتربة آدم فرفعت ، فخلق الله آدم من طين لازب - واللازب : اللزج الصلب (5) من حمإ مسنون منتن ، وإنما كان حَمَأ مسنونا بعد التراب. فخلق منه آدم بيده ، قال : فمكث أربعين ليلة جسدا ملقى. فكان إبليس يأتيه فيضربه برجله ، فيصلصل ، أي فيصوت. قال : فهو قول الله تعالى : { مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ } يقول : كالشيء المنفرج الذي ليس [ الرحمن : 14 ]
__________
في ب ، أ ، و : "خلقك".
زيادة من جـ ، ط ، ب ، أ ، و.
في جـ : "إليهم".
في جـ : "على".
في ب ، أ ، و : "الطيب".
(1/227)
بمُصْمَت. قال : ثم يدخل في فيه ويخرج من دبره ، ويدخل من (1) دبره ، ويخرج من فيه. ثم يقول : لست شيئا - للصلصلة - ولشيء ما خلقت ، ولئن سُلِّطْتُ عليك لأهلكنك ، ولئن سُلِّطْتُ علي لأعْصيَنَّك. قال : فلما نفخ الله فيه من روحه ، أتت النفخة من قبل رأسه ، فجعل لا يجري شيء منها في جسده إلا صار لحمًا ودمًا ، فلما انتهت النفخة إلى سُرَّته نظر إلى جسده فأعجبه ما رأى من جسده ، فذهب لينهض فلم يقدر ، فهو قول الله تعالى : { وَكَانَ (2) الإنْسَانُ عَجُولا } قال : ضجر لا صبر له على سراء ولا ضراء. قال : فلما تمت النفخة في جسده عطس ، فقال : "الحمد لله رب العالمين" بإلهام الله. فقال [الله] (3) له : "يرحمك الله يا آدم (4) ". قال ثم قال [الله] (5) تعالى للملائكة الذين كانوا مع إبليس خاصة دون الملائكة الذين في السماوات : اسجدوا لآدم. فسجدوا كلهم أجمعون إلا إبليس أبى واستكبر ، لما كان حدث نفسه من الكبر والاغترار. فقال : لا أسجد له ، وأنا خير منه وأكبر سنا وأقوى خلقا ، خلقتني (6) من نار وخلقته من طين. يقول : إن النار أقوى من الطين. قال : فلما أبى إبليس أن يسجد أبلسه الله ، أي : آيسه من الخير كله ، وجعله شيطانا رجيما عُقُوبة لمعصيته ، ثم عَلَّم آدم الأسماء كلها ، وهي هذه الأسماء التي يتعارف بها الناس : إنسان ودابة وأرض وسهل وبحر وجبل وحمار ، وأشباه ذلك من الأمم وغيرها. ثم عرض هذه الأسماء على أولئك الملائكة ، يعني : الملائكة الذين كانوا مع إبليس ، الذين خلقوا من نار السموم ، وقال لهم : { أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلاءِ } يقول : أخبروني بأسماء هؤلاء { إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ } إن كنتم تعلمون لِمَ أجعل في الأرض خليفة. قال : فلما علمت الملائكة موجدة الله عليهم فيما تكلموا به من علم الغيب ، الذي لا يعلمه غيره ، الذي ليس لهم به علم قالوا : سبحانك ، تنزيها لله من أن يكون أحد يعلم الغيب غيره ، وتبنا إليك { لا عِلْمَ لَنَا إِلا مَا عَلَّمْتَنَا } تبريا منهم من علم الغيب ، إلا ما علمتنا كما علمت آدم ، فقال : { يَا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ } يقول : أخبرهم بأسمائهم { فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ } [يقول : أخبرهم] (7) { بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ } أيها الملائكة خاصة { إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ } ولا يعلم غيري { وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ } يقول : ما تظهرون { وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ } يقول : أعلم السر كما أعلم العلانية ، يعني : ما كتم إبليس في نفسه من الكبر والاغترار (8).
هذا سياق غريب ، وفيه أشياء فيها نظر ، يطول مناقشتها ، وهذا الإسناد إلى ابن عباس يروى به تفسير مشهور.
وقال السدي في تفسيره ، عن أبي مالك وعن أبي صالح ، عن ابن عباس - وعن مُرّة ، عن ابن
__________
في ب : "في".
في هـ : "وخلق" ، والمثبت من باقي النسخ ، وهو الصواب.
زيادة من أ ، و :
في جـ : "يرحمك يا آدم ربك".
زيادة من جـ.
في جـ : "فخلقتني".
زيادة من أ ، و.
تفسير الطبري (1/455).
(1/228)
مسعود ، وعن أناس من أصحاب النبي (1) {{ص}} : لما فرغ الله من خلق ما أحب استوى على العرش ، فجعل إبليس على مُلْك السماء الدنيا ، وكان من قبيلة من الملائكة يقال لهم : الجن ، وإنما سموا الجن لأنهم خزان الجنة ، وكان إبليس مع مُلْكه خازنا ، فوقع في صدره كبر وقال : ما أعطاني الله هذا إلا لمزية لي على الملائكة. فلما وقع ذلك الكبر في نفسه (2) اطلع الله على ذلك منه. فقال الله للملائكة : { إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأرْضِ خَلِيفَةً } قالوا (3) : ربنا ، وما يكون ذلك الخليفة ؟ قال : يكون له ذرية يفسدون في الأرض ويتحاسدون ويقتل بعضهم بعضا. قالوا : ربنا ، { أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ } يعني : من شأن إبليس. فبعث الله جبريل إلى الأرض ليأتيه بطين منها ، فقالت الأرض : إني أعوذ بالله منك أن تَقْبض (4) مني أو تشينني فرجع ولم يأخذ ، وقال : رب مني (5) عاذت بك فأعذتُها ، فبعث ميكائيل ، فعاذت منه فأعاذها ، فرجع فقال كما قال جبريل ، فبعث مَلَك الموت فعاذت منه. فقال : وأنا أعوذ بالله أن أرجع ولم أنفذ أمره ، فأخذ من وجه الأرض ، وخَلَطَ ولم يأخذ من مكان واحد ، وأخذ من تربة حمراء وبيضاء وسوداء ، فلذلك خرج بنو آدم مختلفين ، فَصعِد به فَبَلَّ التراب حتى عاد طينا لازبا - واللازب : هو الذي يلتزق بعضه ببعض - ثم قال للملائكة : { إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ * فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ } [ص : 71 ، 72 ] فخلقه الله بيده لئلا يتكبر إبليس عنه ، ليقول له : تتكبر عما عملت بيدي ، ولم أتكبر أنا عنه. فخلقه (6) بشرا ، فكان جسدا من طين أربعين سنة من مقدار يوم الجمعة ، فمرت به الملائكة ففزعوا منه لما رأوه ، وكان أشدهم فزعا منه (7) إبليس ، فكان يمر به فيضربه فيصوت الجسد كما يصوت الفخار وتكون له صلصلة. فذلك حين يقول : { مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ } [ الرحمن : 14 ] ويقول : لأمر ما خُلقت. ودخل من فيه فخرج من دبره ، وقال للملائكة : لا ترهبوا من هذا ، فإن ربكم صَمَدٌ وهذا أجوف. لئن سلطت عليه لأهلكنه ، فلما بلغ الحين الذي يريد الله عز وجل أن ينفخ فيه الروح ، قال للملائكة : إذا نفخت فيه من روحي فاسجدوا له ، فلما نفخ فيه الروح فدخل الروح في رأسه ، عَطِسَ ، فقالت الملائكة : قل : الحمد لله. فقال : الحمد لله ، فقال له الله : رحمك ربك ، فلما دخلت الروح في عينيه نظر إلى ثمار الجنة. فلما دخل الروح في (8) جوفه اشتهى الطعام ، فوثب قبل أن تبلغ (9) الروح رجليه عجلان (10) إلى ثمار الجنة ، فذلك حين يقول تعالى : { خُلِقَ الإنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ } [الأنبياء : 37 ]{ فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ * إِلا إِبْلِيسَ أَبَى أَنْ يَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ } [الحجر : 30 ، 31 ] أبى واستكبر وكان من الكافرين. قال الله له : ما منعك أن تسجد إذ أمرتك لما خلقت بيدي ؟ قال : أنا خير منه ، لم أكن لأسجد لمن (11) خلقته من طين. قال الله له : اخرج منها فما يكون لك ، يعني : ما ينبغي لك { أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ }
__________
في جـ ، ط ، ب : "رسول الله".
في جـ : "في صدره".
في طـ ، ب : "فقالوا".
في أ ، و : "تنقص".
في جـ ، ط ، ب : "رب إنها".
في جـ ، ط : "بخلقه".
في جـ ، ب ، ط : "أشدهم منه فزعا".
في جـ : "إلى".
في جـ : "أن يدخل".
في جـ : "عجلا".
في جـ ، ب : "لبشر".
(1/229)
[الأعراف : 13] والصغار : هو الذل. قال : { وَعَلَّمَ آدَمَ الأسْمَاءَ كُلَّهَا } ثم عرض الخلق على الملائكة { فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ } أن بني آدم يفسدون في الأرض ويسفكون الدماء ، فقالوا (1) { سُبْحَانَكَ لا عِلْمَ لَنَا إِلا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ } قال الله : { يَا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ } قال : قولهم : { أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا } فهذا الذي أبدوا "وأعلم ما تكتمون" يعني : ما أسر إبليس في نفسه من الكبر.
فهذا الإسناد إلى هؤلاء الصحابة مشهور في تفسير السُّدِّي ويقع فيه إسرائيليات كثيرة ، فلعل بعضها مُدْرَج (2) ليس من كلام الصحابة ، أو أنهم أخذوه من بعض الكتب المتقدمة. والله أعلم. والحاكم يروي في مستدركه بهذا الإسناد بعينه أشياء ، ويقول : [هو] (3) على شرط البخاري.
والغرض أن الله تعالى لما أمر الملائكة بالسجود لآدم دخل إبليس في خطابهم ؛ لأنه - وإن لم يكن من عُنْصرهم - إلا أنه كان قد (4) تشَبَّه بهم وتوسم بأفعالهم ؛ فلهذا دخل في الخطاب لهم ، وذم في مخالفة الأمر. وسنبسط المسألة إن - شاء الله تعالى - عند قوله : { إِلا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ } [ الكهف : 50 ].
ولهذا قال : محمد بن إسحاق ، عن خلاد ، عن (5) عطاء ، عن طاوس ، عن ابن عباس قال : كان إبليس قبل أن يركب المعصية من الملائكة اسمه عزازيل (6) ، وكان من سكان الأرض ، وكان من أشد الملائكة اجتهادا ، وأكثرهم علما ؛ فذلك دعاه إلى الكبر ، وكان من حي يسمون جِنًّا.
وفي رواية عن خلاد ، عن عطاء ، عن طاوس - أو مجاهد - عن ابن عباس ، أو غيره ، بنحوه.
وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي ، حدثنا سعيد (7) بن سليمان ، حدثنا عباد - يعني : ابن العوام - عن سفيان بن حسين ، عن يعلى بن مسلم ، عن سعيد بن جُبَير ، عن ابن عباس قال : كان إبليس اسمه عزازيل (8) ، وكان من أشراف الملائكة من ذوي الأجنحة الأربعة ، ثم أبلس بعد.
وقال سُنَيْد (9) ، عن حجاج ، عن ابن جريج ، قال : قال ابن عباس : كان (10) إبليس من أشراف (11) الملائكة وأكرمهم قبيلة ، وكان خازنا على الجنان ، وكان له سلطان سماء الدنيا ، وكان له سلطان الأرض.
وهكذا روى الضحاك وغيره عن ابن عباس ، سواء.
وقال صالح مولى التَّوْأمة ، عن ابن عباس : إن من الملائكة قَبيلا يقال لهم : الجن ، وكان إبليس
__________
في أ ، و : "فقالوا له".
في ب : "مدرجا".
زيادة من جـ ، ط ، ب ، أ ، و.
في جـ : "قد كان".
في جـ ، ط ، ب : "خلاد بن".
في جـ ، ط ، ب : "عزرائيل".
في ب : "سعد".
في جـ : "عزرائيل".
في جـ : "سعيد".
في جـ : "وكان".
في جـ : "من أشرف".
(1/230)
منهم ، وكان يسوس ما بين السماء والأرض ، فعصى ، فمسخه الله شيطانا رجيما. رواه ابن جرير.
وقال قتادة عن سعيد بن المسيب : كان إبليس رئيس ملائكة سماء الدنيا.
وقال ابن جرير : حدثنا محمد بن بشار ، حدثنا عدي بن أبي عدي ، عن عوف ، عن الحسن ، قال : ما كان إبليس من الملائكة طرفة عين قَط ، وإنه لأصل الجن ، كما أن آدم أصل الإنس. وهذا إسناد صحيح عن الحسن. وهكذا قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم سواء.
وقال شَهْر بن حَوْشَب : كان إبليس من الجن الذين طردتهم الملائكة ، فأسره بعض الملائكة فذهب به إلى السماء ، رواه ابن جرير.
وقال سُنَيْد بن داود : حدثنا هُشَيم ، أنبأنا عبد الرحمن بن يحيى ، عن موسى بن نمير وعثمان بن سعيد بن كامل ، عن سعد (1) بن مسعود ، قال : كانت الملائكة تقاتل الجن ، فسبي إبليس وكان صغيرا ، فكان مع الملائكة ، فتعبد معها ، فلما أمروا بالسجود لآدم سجدوا ، فأبى إبليس. فلذلك قال تعالى : { إِلا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ } [الكهف : 50 ].
وقال ابن جرير : حدثنا محمد بن سنان القزاز ، حدثنا أبو عاصم ، عن شريك ، عن رجل ، عن عكرمة ، عن ابن عباس ، قال : إن الله خلق خلقا ، فقال : اسجدوا لآدم. فقالوا : لا نفعل. فبعث الله عليهم نارا فأحرقتهم ، ثم خلق خلقا آخر ، فقال : "إني خالق بشرا من طين ، اسجدوا لآدم. قال : فأبوا. فبعث الله عليهم نارا فأحرقتهم. ثم خلق هؤلاء ، فقال : اسجدوا لآدم ، قالوا : نعم. وكان إبليس من أولئك الذين أبوا أن يسجدوا لآدم (2). وهذا غريب ، ولا يكاد يصح إسناده ، فإن فيه رجلا مبهما ، ومثله لا يحتج به ، والله أعلم.
وقال قتادة في قوله : { وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ } فكانت الطاعة لله ، والسجدة أكر الله آدم بها أن أسجد له ملائكته.
وقال في قوله تعالى : { فَسَجَدُوا إِلا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ } حسد عدو الله إبليسُ آدمَ ، عليه السلام ، على ما أعطاه الله من الكرامة ، وقال : أنا ناريٌّ وهذا طينيٌّ ، وكان بدء الذنوب الكبر ، استكبر عدوُّ الله أن يسجد لآدم ، عليه السلام.
وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبو سعيد الأشج ، حدثنا أبو أسامة ، حدثنا صالح بن حيان ، حدثنا عبد الله بن بُرَيدة : قوله تعالى : { وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ } من الذين أبوا ، فأحرقتهم النار.
وقال أبو جعفر ، عن الربيع ، عن أبي العالية : { وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ } يعني : من العاصين.
وقال السدي : { وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ } الذين لم يخلقهم الله يومئذ يكونون بعد.
__________
في جـ "سعيد".
تفسير الطبري (1/508).
(1/231)
وقال محمد بن كعب القُرَظِيُّ : ابتدأ الله خلق إبليس على الكفر والضلالة ، وعمل بعمل الملائكة ، فصيره إلى ما أبدى عليه خلقه من الكفر ، قال الله تعالى : { وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ }
وقال بعض الناس : كان هذا سجود تحية وسلام وإكرام ، كما قال تعالى : { وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا وَقَالَ يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا } [ يوسف : 100] وقد كان هذا مشروعا في الأمم الماضية ولكنه نسخ في ملتنا ، قال معاذ (1) : قدمت الشام فرأيتهم يسجدون لأساقفتهم وعلمائهم ، فأنت يا رسول الله أحق أن يسجد لك ، فقال : "لا لو كنت آمرا بشرا أن يسجد لبشر لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها من عظم حقه عليها" (2) ورجحه الرازي ، وقال بعضهم : بل كانت السجدة لله وآدم قبلة فيها كما قال : { أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ } [الإسراء : 78 ] وفي هذا التنظير نظر ، والأظهر أن القول الأول أولى ، والسجدة لآدم إكرامًا وإعظامًا واحترامًا وسلامًا ، وهي طاعة لله ، عز وجل ؛ لأنها امتثال لأمره تعالى ، وقد قواه الرازي في تفسيره وضعف ما عداه من القولين الآخرين وهما كونه جعل قبلة إذ لا يظهر فيه شرف ، والآخر : أن المراد بالسجود الخضوع لا الانحناء ووضع الجبهة على الأرض وهو ضعيف كما قال.
قلت : وقد ثبت في الصحيح : "لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال حبة خردل من كبر" (3) وقد كان في قلب إبليس من الكبر - والكفر - والعناد ما اقتضى طرده وإبعاده عن جناب الرحمة وحضرة القدس ؛ قال بعض المعربين : وكان من الكافرين أي : وصار من الكافرين بسبب امتناعه ، كما قال : { فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ } [ هود : 43] وقال { فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ } [ البقرة : 35 ] وقال الشاعر :
بتيهاء قفر والمطي كأنها قطا الحزن قد كانت فراخا بيوضها...
أي : قد صارت ، وقال ابن فورك : تقديره : وقد كان في علم الله من الكافرين ، ورجحه القرطبي ، وذكر هاهنا مسألة فقال : قال علماؤنا من أظهر الله على يديه ممن ليس بنبي كرامات وخوارق للعادات فليس ذلك دالا على ولايته ، خلافا لبعض الصوفية والرافضة هذا لفظه. ثم استدل على ما قال : بأنا لا نقطع بهذا الذي جرى الخارق على يديه أنه يوافي الله بالإيمان ، وهو لا يقطع لنفسه بذلك ، يعني والولي الذي يقطع له بذلك في نفس الأمر.
قلت : وقد استدل بعضهم على أن الخارق قد يكون على يدي غير الولي ، بل قد يكون على يد الفاجر والكافر ، أيضا ، بما ثبت عن ابن صياد أنه قال : هو الدخ حين خبأ له رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم : { فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ } [الدخان : 10 ] ، وبما كان يصدر عنه أنه كان يملأ الطريق إذا غضب حتى ضربه عبد الله بن عمر ، وبما ثبتت به الأحاديث عن الدجال بما يكون على يديه من الخوارق الكثيرة من أنه يأمر السماء أن تمطر فتمطر ، والأرض أن تنبت فتنبت ، وتتبعه كنوز الأرض
__________
في و : "معاوية".
رواه أحمد في المسند (5/227).
صحيح مسلم برقم (91) من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه.
(1/232)
مثل اليعاسيب ، وأنه يقتل ذلك الشاب ثم يحييه إلى غير ذلك من الأمور المهولة. وقد قال يونس بن عبد الأعلى الصدفي : قلت للشافعي : كان الليث بن سعد يقول : إذا رأيتم الرجل يمشي على الماء ويطير في الهواء فلا تغتروا به حتى تعرضوا أمره على الكتاب والسنة ، فقال الشافعي : قصر الليث ، رحمه الله ، بل إذا رأيتم الرجل يمشي على الماء ويطير في الهواء فلا تغتروا به حتى تعرضوا أمره على الكتاب والسنة ، وقد حكى فخر الدين وغيره قولين للعلماء : هل المأمور بالسجود لآدم خاص بملائكة الأرض ، أو عام بملائكة السماوات والأرض ، وقد رجح كلا من القولين طائفة ، وظاهر الآية الكريمة العموم : { فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ * إِلا إِبْلِيسَ } [ الحجر : 30 ، 31 ، ص : 73 ، 74 ] ، فهذه أربعة أوجه مقوية للعموم ، والله أعلم.
== { وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ (35) } ==
يقول الله تعالى إخبارا عما أكرم به آدم : بعد أن أمر الملائكة (1) بالسجود له ، فسجدوا إلا إبليس : إنه أباحه الجنة يسكن منها حيث يشاء ، ويأكل منها ما شاء (2) رَغَدًا ، أي : هنيئًا واسعًا طيبًا.
وروى الحافظ أبو بكر بن مَرْدُوَيه ، من حديث محمد بن عيسى الدامغاني ، حدثنا سلمة بن الفضل ، عن ميكائيل ، عن ليث ، عن إبراهيم التيمي ، عن أبيه ، عن أبي ذر : قال : قلت : يا رسول الله ؛ أريت آدم ، أنبيًّا كان ؟ قال : "نعم ، نبيا رسولا كلمه الله قِبَلا فقال : { اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ } " (3).
وقد اختلف في الجنة التي أسكنها آدم ، أهي في السماء أم في الأرض ؟ والأكثرون على الأول [وحكى القرطبي عن المعتزلة والقدرية القول بأنها في الأرض] (4) ، وسيأتي تقرير ذلك في سورة الأعراف ، إن شاء الله تعالى ، وسياق الآية يقتضي أن حواء خلقت قبل دخول آدم (5) الجنة ، وقد صرح بذلك محمد بن إسحاق ، حيث قال : لما فرغ الله من معاتبة إبليس ، أقبل على آدم وقد عَلَّمه الأسماء كلها ، فقال : { يَا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ } إلى قوله : { إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ } (6) قال : ثم ألقيت السِّنَةُ على آدم - فيما بلغنا عن أهل الكتاب من أهل التوراة وغيرهم من أهل العلم ، عن ابن عباس وغيره - ثم أخذ ضِلعًا من أضلاعه من شِقه الأيسر ، ولأم مكانه لحما ، وآدم نائم لم يهب من
__________
في جـ ، ط ، ب ، أ ، و : "أمر ملائكته".
في جـ ، ط : "ما يشاء".
ورواه ابن سعد في الطبقات الكبرى (1/10) من طريق أبي عمر الشامي ، عن عبيد الخشخاش ، عن أبي ذر بنحوه ، ورواه أبو الشيخ في العظمة برقم (1016) من طريق جعفر بن الزبير ، عن القاسم ، عن أبي أمامة ، عن أبي ذر بنحوه ، ورواه أحمد في المسند(5/265) من طريق علي بن يزيد ، عن القاسم ، عن أبي أمامة مرفوعا بنحوه.
زيادة من جـ ، ط ، أ ، و.
في ب ، و : "آدم إلى".
في أ : "وما كنتم تكتمون".
(1/233)
نومه ، حتى خلق الله من ضلعه تلك زوجته حواء ، فسواها امرأة ليسكن إليها. فلما كُشِفَ عنه السِّنَة وهبَّ من نومه ، رآها إلى جنبه ، فقال - فيما يزعمون والله أعلم - : لحمي ودمي وروحي (1). فسكن إليها. فلما زوَّجَه الله ، وجعل له سكنا من نفسه ، قال له قِبَلا { يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ }
ويقال : إن خلق حواء كان بعد دخوله الجنة ، كما قال السدي في تفسيره (2) ، ذكره عن أبي مالك ، وعن أبي صالح ، عن ابن عباس ، وعن مرة ، عن ابن مسعود ، وعن ناس من الصحابة : أخرج إبليس من الجنة ، وأسكن آدم الجنة ، فكان يمشي فيها وحشا ليس له زوج يسكن إليه ، فنام نومة فاستيقظ ، وعند رأسه امرأة قاعدة خلقها الله من ضلعه ، فسألها : ما أنت ؟ قالت : امرأة. قال : ولم خلقت ؟ قالت : لتسكن إلي. قالت له الملائكة - ينظرون ما بلغ من علمه - : ما اسمها يا آدم ؟ قال : حواء. قالوا : ولم سميت حواء ؟ قال : إنها خلقت من شيء حي. قال الله : { يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا }
وأما قوله : { وَلا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ } فهو اختبار من الله تعالى وامتحان لآدم. وقد اختلف في هذه الشجرة : ما هي ؟
فقال السدي ، عمن حدثه ، عن ابن عباس : الشجرة التي نهي عنها آدم ، عليه السلام ، هي الكَرْم. وكذا قال سعيد بن جبير ، والسدي ، والشعبي ، وجَعْدة بن هُبَيرة ، ومحمد بن قيس.
وقال السدي - أيضا - في خبر ذكره ، عن أبي مالك وعن أبي صالح ، عن ابن عباس - وعن مرة ، عن ابن مسعود ، وعن ناس من الصحابة : { وَلا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ } هي الكرم. وتزعم يهود أنها الحنطة.
وقال ابن جرير وابن أبي حاتم : حدثنا محمد بن إسماعيل بن سمرة الأحمسي ، حدثنا أبو يحيى الحِمَّاني ، حدثنا النضر أبو عمر الخراز ، عن عِكْرِمة ، عن ابن عباس ، قال : الشجرة التي نُهِي عنها آدم ، عليه السلام ، هي السنبلة.
وقال عبد الرزاق : أنبأنا ابن عيينة وابن المبارك ، عن الحسن بن عمارة ، عن المنهال بن عمرو ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ، قال : هي السنبلة.
وقال محمد بن إسحاق ، عن رجل من أهل العلم ، عن حجاج ، عن مجاهد ، عن ابن عباس ، قال : هي البر.
وقال ابن جرير : وحدثني المثنى بن إبراهيم ، حدثنا مسلم بن إبراهيم ، حدثنا القاسم ، حدثني
__________
في جـ ، ب ، أ ، و : "وزوجتي".
في جـ ، ط ، ب ، أ ، و : "في خبر".
(1/234)
رجل من بني تميم ، أن ابن عباس كتب إلى أبي الجلد يسأله عن الشجرة التي أكل منها آدم ، والشجرة التي تاب عندها آدم. فكتب إليه أبو الجلد : سألتني عن الشجرة التي نُهِي عنها آدم ، عليه السلام ، وهي السنبلة ، وسألتني عن الشجرة التي تاب عندها آدم وهي الزيتونة (1).
وكذلك فسره الحسن البصري ، ووهب بن مُنَبَّه ، وعطية العَوفي ، وأبو مالك ، ومحارب (2) بن دِثَار ، وعبد الرحمن بن أبي ليلى.
وقال محمد بن إسحاق ، عن بعض أهل اليمن ، عن وهب بن منبه : أنه كان يقول : هي البُر ، ولكن الحبة منها في الجنة ككُلَى البقر ، ألين من الزبد وأحلى من العسل.
وقال سفيان الثوري ، عن حصين ، عن أبي مالك : { وَلا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ } قال : النخلة.
وقال ابن جرير ، عن مجاهد : { وَلا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ } قال : تينة. وبه قال قتادة وابن جريج.
وقال أبو جعفر الرازي ، عن الربيع بن أنس ، عن أبي العالية : كانت الشجرة من أكل منها أحدث ، ولا ينبغي أن يكون في الجنة حَدَثٌ ، وقال عبد الرزاق : حدثنا عمر بن عبد الرحمن بن مُهْرِب (3) قال : سمعت وهب بن منبه يقول : لما أسكن الله آدم وزوجته الجنة ، ونهاه عن أكل الشجرة ، وكانت شجرة غصونها متشعب بعضها من (4) بعض ، وكان لها ثمر تأكله الملائكة لخلدهم ، وهي الثمرة التي نهى الله عنها آدم وزوجته.
فهذه أقوال ستة في تفسير (5) هذه الشجرة.
قال الإمام العلامة أبو جعفر بن جرير ، رحمه الله (6) : والصواب في ذلك أن يقال : إن الله جل ثناؤه نهى آدم وزوجته عن أكل شجرة بعينها من أشجار الجنة ، دون سائر أشجارها (7) ، فأكلا منها ، ولا علم عندنا بأي شجرة كانت على التعيين ؟ لأن الله لم يضع لعباده دليلا على ذلك في القرآن ولا من السنة الصحيحة. وقد قيل : كانت شجرة البر. وقيل : كانت شجرة العنب ، وقيل : كانت شجرة التين. وجائز أن تكون واحدة منها ، وذلك عِلْمٌ ، إذا علم ينفع العالمَ به علمُه ، وإن جهله جاهلٌ لم يضرَّه جهله به ، والله أعلم. [وكذلك رجح الإمام فخر الدين الرازي في تفسيره وغيره ، وهو الصواب] (8).
== { فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الأرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ (36) } ==
وقوله تعالى : { فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا } يصح أن يكون الضمير في قوله : { عَنْهَا } عائدا إلى
__________
تفسير الطبري (1/517).
في جـ : "مجاهد".
في جـ : "مهدي".
في جـ ، ط ، ب : "في".
في جـ ، ط ، ب ، أ ، و : "تعيين".
تفسير الطبري (1/520 ، 521).
في جـ : "سائر الأشجار".
زيادة من جـ ، ط ، أ ، و.
(1/235)
الجنة ، فيكون معنى الكلام كما قال (1) [حمزة و] (2) عاصم بن بَهْدلَة ، وهو ابن أبي النَّجُود ، فأزالهما ، أي : فنجَّاهما. ويصح أن يكون عائدا على أقرب المذكورين ، وهو الشجرة ، فيكون معنى الكلام كما قال الحسن وقتادةُ { فأزلهما } أي : من قبيل (3) الزلل ، فعلى هذا يكون تقدير الكلام { فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا } أي : بسببها ، كما قال تعالى : { يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ } [الذاريات : 9 ] أي : يصرف بسببه من هو مأفوك ؛ ولهذا قال تعالى : { فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ } أي : من اللباس والمنزل الرحب والرزق الهنيء والراحة.
{ وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الأرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ } أي : قرار وأرزاق وآجال { إِلَى حِينٍ } أي : إلى وقت مؤقت ومقدار معين ، ثم تقوم القيامة.
وقد ذكر المفسرون من السلف كالسُّدِّي بأسانيده ، وأبي العالية ، ووهب بن مُنَبِّه وغيرهم ، هاهنا أخبارا إسرائيلية عن قصة الحَيَّة ، وإبليس ، وكيف جرى من دخول إبليس إلى الجنة ووسوسته ، وسنبسط ذلك إن شاء الله ، في سورة الأعراف ، فهناك القصة أبسط منها هاهنا ، والله الموفق.
وقد قال ابن أبي حاتم هاهنا : حدثنا علي بن الحسن بن إشكاب ، حدثنا علي بن عاصم ، عن سعيد بن أبي عَرُوبة ، عن قتادة ، عن الحسن ، عن أبي بن كعب ، قال : قال رسول الله {{ص}} : "إن الله خلق آدم رجلا طُوَالا كثير شعر الرأس ، كأنه نخلة سَحُوق ، فلما ذاق الشجرة سقط عنه لباسه ، فأول ما بدا منه عورته ، فلما نظر إلى عورته جعل يَشْتَد (4) في الجنة ، فأخذت شَعْرَه شجرةٌ ، فنازعها ، فناداه الرحمن : يا آدم ، مني تَفِرُّ! فلما سمع كلام الرحمن قال : يا رب ، لا ولكن استحياء" (5).
قال : وحدثني جعفر بن أحمد بن الحكم القومشي (6) سنة أربع وخمسين ومائتين ، حدثنا سليم (7) بن منصور بن عمار ، حدثنا علي بن عاصم ، عن سعيد ، عن قتادة ، عن أبي بن كعب ، قال : قال رسول الله {{ص}} : "لما ذاق آدم من الشجرة فَرَّ هاربا ؛ فتعلقت شجرة بشعره ، فنودي : يا آدم ، أفِرارًا مني ؟ قال : بل حَيَاء منك ، قال : يا آدم اخرج من جواري ؛ فبعزتي لا يساكنني فيها من عصاني ، ولو خلقت مِثْلَك ملء الأرض خَلْقًا ثم عصوني لأسكنتهم دار العاصين" (8).
هذا حديث غريب ، وفيه انقطاع ، بل إعضال بين قتادة وأبي بن كعب ، رضي الله عنهما (9).
وقال الحاكم : حدثنا أبو بكر بن بَالُويه (10) ، عن محمد بن أحمد بن النضر ، عن معاوية بن عمرو ، عن زائدة ، عن عَمَّار بن معاوية البَجَلي ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ، قال : ما أسكن
__________
في جـ ، ط : "كما قرأ".
زيادة من جـ ، ط.
في جـ ، ط ، ب : "من قبل".
في جـ : "يستدير".
تفسير ابن أبي حاتم (1/129).
في هـ : "القرشي".
في هـ : "سليمان".
تفسير ابن أبي حاتم (1/130).
في جـ ، ب ، و : "عنه".
في جـ : "مالويه".
(1/236)
آدم الجنة إلا ما بين صلاة العصر إلى غروب الشمس. ثم قال : صحيح على شرط الشيخين ، ولم يخرجاه.
وقال عبد بن حميد في تفسيره : حدثنا رَوح ، عن هشام ، عن الحسن ، قال : لبث آدم في الجنة ساعة من نهار ، تلك الساعة ثلاثون ومائة سنة من أيام الدنيا.
وقال أبو جعفر الرازي ، عن الربيع بن أنس ، قال : خرج آدم من الجنة للساعة التاسعة أو العاشرة ، فأخرج آدم معه غصنًا من شجر الجنة ، على رأسه تاج من شجر الجنة وهو الإكليل من ورق الجنة.
وقال السدي : قال الله تعالى : { اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا } فهبطوا فنزل آدم بالهند ، ونزل معه الحجر الأسود ، وقبضة (1) من ورق الجنة فبثه بالهند ، فنبتت شجرة الطيب ، فإنما أصل ما يجاء به من الهند من الطيب من قبضة الورق التي هبط بها آدم ، وإنما قبضها آدم أسفا على الجنة حين أخرج منها (2).
وقال عمران بن عيينة ، عن عطاء بن السائب ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ، قال : أهبط آدم من الجنة بِدَحْنا ، أرض الهند.
وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبو زُرْعَة ، حدثنا عثمان بن أبي شيبة ، حدثنا جرير ، عن عطاء ، عن سعيد عن ابن عباس قال : أهبط آدم ، عليه السلام ، إلى أرض يقال لها : دَحْنا ، بين مكة والطائف.
وعن الحسن البصري قال : أهبط آدم بالهند ، وحواء بجدة ، وإبليس بدَسْتُمِيسان (3) من البصرة على أميال ، وأهبطت الحية بأصبهان. رواه ابن أبي حاتم.
وقال ابن أبي حاتم : حدثنا محمد بن عمار بن الحارث ، حدثنا محمد بن سعيد بن سابق ، حدثنا عمرو بن أبي قيس ، عن ابن عدي (4) ، عن ابن عمر ، قال : أهبط آدم بالصفا ، وحواء بالمروة
وقال رجاء بن سلمة : أهبط آدم ، عليه السلام ، يداه على ركبتيه مطأطئًا رأسه ، وأهبط إبليس مشبكا بين صابعه رافعا رأسه إلى السماء.
وقال عبد الرزاق : قال مَعْمَر : أخبرني عَوْف عن قَسَامة بن زهير ، عن أبي موسى ، قال : إن الله حين أهبط آدم من الجنة إلى الأرض ، عَلَّمه صنعة كل شيء ، وزوده من ثمار الجنة ، فثماركم هذه من ثمار الجنة ، غير أن هذه تتغير وتلك لا تتغير (5).
وقال الزهري عن عبد الرحمن بن هرمز الأعرج ، عن أبي هريرة ، قال : قال رسول الله {{ص}} :
__________
في جـ ، ط ، ب ، أ ، و : "فأنزل معه بالحجر الأسود ويقبضه".
في جـ ، ط ، ب : "وإنما قبضها آدم حين أخرج من الجنة أسفا على الجنة حين أخرج منها".
في و : "بدسمت ميسان".
في جـ ، ط ، ب ، أ ، و : "عمرو بن أبي قيس عن الزبير عن ابن عدي".
تفسير عبد الرزاق (1/66).
(1/237)
"خير يوم طلعت فيه الشمس يوم الجمعة ، فيه خلق آدم ، وفيه أدخل الجنة ، وفيه أخرج منها" رواه مسلم والنسائي (1).
وقال فخر الدين : اعلم أن في هذه الآيات تهديدًا عظيما عن كل المعاصي من وجوه : الأول : أن من تصور ما جرى على آدم بسبب إقدامه على هذه الزلة الصغيرة كان على وجل شديد من المعاصي ، قال الشاعر :
يا ناظرا يرنو بعيني راقد ومشاهدا للأمر غير مشاهد...
تصل الذنوب إلى الذنوب وترتجي... درج الجنان ونيل فوز العابد...
أنسيت ربك حين أخرج آدما... منها إلى الدنيا بذنب واحد...
قال فخر الدين عن فتح الموصلي أنه قال : كنا قوما من أهل الجنة فسبانا إبليس إلى الدنيا ، فليس لنا إلا الهم والحزن حتى نرد إلى الدار التي أخرجنا منها. فإن قيل : فإذا كانت جنة آدم التي أسكنها في السماء كما يقوله الجمهور من العلماء ، فكيف يمكن إبليس من دخول الجنة ، وقد طرد من هنالك طردًا قدريًّا ، والقدري لا يخالف ولا يمانع ؟ فالجواب : أن هذا بعينه استدل به من يقول : إن الجنة التي كان فيها آدم في الأرض لا في السماء ، وقد بسطنا هذا في أول كتابنا البداية والنهاية ، وأجاب الجمهور بأجوبة ، أحدها : أنه منع من دخول الجنة مكرما ، فأما على وجه الردع والإهانة ، فلا يمتنع ؛ ولهذا قال بعضهم : كما جاء في التوراة أنه دخل في فم الحية إلى الجنة ، وقد قال بعضهم : يحتمل أنه وسوس لهما وهو خارج باب الجنة ، وقال بعضهم : يحتمل أنه وسوس لهما وهو في الأرض ، وهما في السماء ، ذكرها الزمخشري وغيره. وقد أورد القرطبي هاهنا أحاديث في الحيات وقتلهن وبيان حكم ذلك ، فأجاد وأفاد (2).
== { فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (37) } ==
قيل : إن هذه (3) الكلمات مفسرة بقوله تعالى : { قَالا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ } [ الأعراف : 23 ] روي هذا عن مجاهد ، وسعيد بن جبير ، وأبي العالية ، والربيع بن أنس ، والحسن ، وقتادة ، ومحمد بن كعب القُرَظي ، وخالد بن مَعْدان ، وعطاء الخراساني ، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم ، وقال أبو إسحاق السَّبِيعي ، عن رجل من بني تميم ، قال : أتيت ابن عباس ، فسألته : [قلت] (4) : ما الكلمات التي تلقى آدم من ربه ؟ قال : عُلم [آدم] (5) شَأنَ الحج.
__________
صحيح مسلم برقم (854) وسنن النسائي (3/89).
تفسير القرطبي (1/313 - 317).
في جـ ، ط : "هؤلاء.
زيادة من طـ ، ب ، و.
زيادة من جـ.
(1/238)
وقال سفيان الثوري ، عن عبد العزيز بن (1) رُفَيع ، أخبرني من سمع عبيد بن عُمَير ، وفي رواية : [قال] (2) : أخبرني مجاهد ، عن عبيد بن عمير ، أنه قال : قال آدم : يا رب ، خطيئتي التي أخطأت شيء كتبتُه علي قبل أن تخلقني ، أو شيء ابتدعته من قبل نفسي ؟ قال : بل شيء كتبته عليك قبل أن أخلقك. قال : فكما كتبته علي فاغفر (3) لي. قال : فذلك قوله تعالى : { فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ }
وقال السدي ، عمن حدثه ، عن ابن عباس : فتلقى آدم من ربه كلمات ، قال : قال آدم ، عليه السلام : يا رب ، ألم تخلقني بيدك ؟ قيل (4) له : بلى. ونفخت في من روحك ؟ قيل (5) له : بلى. وعَطستُ فقلتَ : يرحمك الله ، وسبقت رحمتُك غَضبَك ؟ قيل (6) له : بلى ، وكتبت عليّ أن أعمل هذا ؟ قيل (7) له : بلى. قال : أفرأيت إن تبتُ هل أنت راجعي إلى الجنة ؟ قال : نعم.
وهكذا رواه العوفي ، وسعيد بن جبير ، وسعيد بن مَعْبَد ، عن ابن عباس ، بنحوه. ورواه الحاكم في مستدركه من حديث سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ، وقال : صحيح الإسناد ، ولم يخرجاه (8) وهكذا فسره السدي وعطية العَوْفي.
وقد روى ابن أبي حاتم هاهنا حديثا شبيهًا بهذا فقال : حدثنا علي بن الحسين بن إشكاب ، حدثنا علي بن عاصم ، عن سعيد بن أبي عَرُوبة ، عن قتادة ، عن الحسن ، عن أبي بن كعب ، قال : قال رسول الله {{ص}} : "قال آدم ، عليه السلام : أرأيت يا رب إن تبتُ ورجعتُ ، أعائدي إلى الجنة ؟ قال : نعم. فذلك قوله : { فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ } (9).
وهذا حديث غريب من هذا الوجه وفيه انقطاع.
وقال أبو جعفر الرازي ، عن الربيع بن أنس ، عن أبي العالية ، في قوله تعالى : { فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ } قال : إن آدم لما أصاب الخطيئة قال : يا رب ، أرأيت إن تبت وأصلحت ؟ قال الله : إذن أرجعك إلى الجنة فهي من الكلمات. ومن الكلمات أيضا : { رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ } [الأعراف : 23].
وقال ابن أبي نَجِيح ، عن مجاهد أنه كان يقول في قول الله تعالى : { فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ } قال : الكلمات : اللهم لا إله إلا أنت سبحانك وبحمدك ، رب إني ظلمت نفسي فاغفر لي إنك خير الغافرين ، اللهم لا إله إلا أنت سبحانك وبحمدك ، رب إني ظلمت نفسي فارحمني ، إنك (10) خير الراحمين. اللهم لا إله إلا أنت سبحانك وبحمدك ، رب إني ظلمت نفسي فتب علي ، إنك أنت التواب الرحيم.
__________
في جـ : "عن".
زيادة من جـ ، ط ، ب.
في جـ ، ب : "فاغفره".
في جـ : "قال".
في جـ : "قال".
في جـ : "قال".
في جـ : "قال".
المستدرك (2/545).
تفسير ابن أبي حاتم (1/135).
في جـ : "فاغفر لي أنت".
(1/239)
@ 1 - 240
وقوله تعالى : { إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ } أي : إنه يتوب على من تاب إليه وأناب ، كقوله : { أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ } [ التوبة : 104] وقوله : { وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا } [النساء : 11] ، وقوله : { وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا } [ الفرقان : 71 ] وغير ذلك من الآيات الدالة على أنه تعالى يغفر الذنوب ويتوب على من يتوب وهذا من لطفه بخلقه ورحمته بعبيده ، لا إله إلا هو التواب الرحيم.
وذكرنا في المسند الكبير من طريق سليمان بن سليم عن ابن بريدة وهو سليمان عن أبيه عن النبي {{ص}} قال : "لما أهبط الله آدم إلى الأرض طاف بالبيت سبعا ، وصلى خلف المقام ركعتين ، ثم قال : اللهم إنك تعلم سري وعلانيتي فاقبل معذرتي ، وتعلم حاجتي فأعطني سؤلي ، وتعلم ما عندي فاغفر ذنوبي ، أسألك إيمانا يباشر قلبي ، ويقينا صادقا حتى أعلم أنه لن يصيبني إلا ما كتبت لي. قال فأوحى الله إليه إنك قد دعوتني بدعاء أستجيب لك فيه ولمن يدعوني به ، وفرجت همومه وغمومه ، ونزعت فقره من بين عينيه ، وأجرت له من وراء كل تاجر زينة الدنيا وهي كلمات عهد وإن لم يزدها" رواه الطبراني في معجمه الكبير (1).
__________
جامع المسانيد والسنن برقم (742) ولم أقع عليه في المطبوع من المعجم الكبير.
(1/240)
== { قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (38) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (39) } ==
يقول تعالى مخبرا عما أنذر به آدم وزوجته وإبليس حتى (1) أهبطهم من الجنة ، والمراد الذرية : أنه سينزل الكتب ، ويبعث الأنبياء والرسل ؛ كما قال أبو العالية : الهُدَى الأنبياء والرسل والبيان ، وقال مقاتل بن حَيَّان : الهدى محمد {{ص}}. وقال الحسن : الهدى القرآن. وهذان القولان صحيحان ، وقول أبي العالية أعَمّ.
{ فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ } أي : من أقبل على ما أنزلت به الكتب وأرسلت به الرسل { فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ } أي : فيما يستقبلونه من أمر الآخرة { وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ } على ما فاتهم من أمور الدنيا ، كما قال في سورة طه : { قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى } [طه : 123 ] قال ابن عباس : فلا يضل في الدنيا ولا يشقى في الآخرة. { وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى } [طه : 124 ] كما قال هاهنا : { وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ } أي : مخلدون فيها ، لا محيد لهم عنها ، ولا محيص.
وقد أورد ابن جرير ، رحمه الله ، هاهنا حديثا ساقه من طريقين ، عن أبي مَسْلَمة سعيد بن يزيد ،
__________
في جـ ، ط ، ب ، أ ، و : "حين".
(1/240)
عن أبي نضرة المنذر بن مالك بن قطْعَة (1) عن أبي سعيد - واسمه سعد بن مالك بن سِنَان الخُدْري - قال : قال رسول الله {{ص}} : "أما أهل النار الذين هم أهلها فإنهم لا يموتون فيها ولا يحيون ، لكن أقواماً أصابتهم النار بخطاياهم ، أو بذنوبهم فأماتتهم إماتة ، حتى إذا صاروا فحماً أذنَ في الشفاعة". وقد رواه مسلم من حديث شعبة عن أبي سلمة به (2).
[وذكر هذا الإهباط الثاني لما تعلق به ما بعده من المعنى المغاير للأول ، وزعم بعضهم أنه تأكيد وتكرير ، كما تقول : قم قم ، وقال آخرون : بل الإهباط الأول من الجنة إلى السماء الدنيا ، والثاني من سماء الدنيا إلى الأرض ، والصحيح الأول ، والله تعالى أعلم بأسرار كتابه] (3).
== { يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ (40) وَآمِنُوا بِمَا أَنزلْتُ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ وَلا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ وَلا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلا وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ (41) } ==
يقول تعالى آمرا بني إسرائيل بالدخول في الإسلام ، ومتابعة محمد عليه من الله أفضل الصلاة والسلام ، ومُهَيجًا لهم بذكر أبيهم إسرائيل ، وهو نبي الله يعقوب ، عليه السلام ، وتقديره : يا بني العبد الصالح المطيع لله كونوا مثل أبيكم في متابعة الحق ، كما تقول : يا ابن الكريم ، افعل كذا. يا ابن الشجاع ، بارز الأبطال ، يا ابن العالم ، اطلب العلم ونحو ذلك.
ومن ذلك أيضاً قوله تعالى : { ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا } [الإسراء : 3] فإسرائيل هو يعقوب عليه السلام ، بدليل ما رواه أبو داود الطيالسي : حدثنا عبد الحميد بن بهرام ، عن شهر بن حَوشب ، قال : حدثني عبد الله بن عباس قال : حضرت عصابة من اليهود نبي الله {{ص}} فقال لهم : "هل تعلمون أن إسرائيل يعقوب ؟". قالوا : اللهم نعم. فقال النبي {{ص}} : "اللهم اشهد (4) " (5) وقال الأعمش ، عن إسماعيل بن رجاء ، عن عمير مولى ابن عباس ، عن عبد الله بن عباس ؛ أن إسرائيل كقولك : عبد الله.
وقوله تعالى : { اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ } قال مجاهد : نعمة الله التي أنعم بها عليهم فيما سمى وفيما سِوَى ذلك ، فَجَّر لهم الحجر ، وأنزل عليهم المن والسلوى ، وأنجاهم من عبودية آل فرعون.
__________
في جـ : "قصعة".
تفسير الطبري (1/552) وصحيح مسلم برقم (185).
زيادة من جـ ، ط ، ب ، أ ، و.
في جـ : "اللهم فاشهد".
رواه أحمد في المسند (1/273) عن حسين ، عن عبد الحميد بن بهرام به.
(1/241)
وقال أبو العالية : نعمته أن جعل منهم الأنبياء والرسل ، وأنزل عليهم الكتب.
قلت : وهذا كقول موسى عليه السلام لهم : { يَا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ } [المائدة : 20] يعني في زمانهم.
وقال محمد بن إسحاق : حدثني محمد بن أبي محمد ، عن عكرمة أو سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ، في قوله : { اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ } أي : بلائي عندكم وعند آبائكم لِمَا كان نجاهم به من فرعون وقومه { وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ } قال : بعهدي الذي أخذت في (1) أَعناقكم للنبي {{ص}} إذا جاءكم. { أُوفِ بِعَهْدِكُمْ } أي : أنجز لكم ما وعدتكم عليه بتصديقه واتباعه ، بوضع ما كان عليكم من الإصر والأغلال التي كانت في أعناقكم بذنوبكم التي كانت من أحداثكم.
[وقال الحسن البصري : هو قوله : { وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا لأكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَلأدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ } الآية [المائدة : 12]. وقال آخرون : هو الذي أخذه الله عليهم في التوراة أنه سيبعث من بني إسماعيل نبيًا عظيما يطيعه جميع الشعوب والمراد به محمد {{ص}} فمن اتبعه غُفر له ذنبه وأدخل الجنة وجعل له أجران. وقد أورد فخر الدين الرازي هاهنا بشارات كثيرة عن الأنبياء عليهم السلام بمحمد {{ص}}] (2).
وقال أبو العالية : { وَأَوْفُوا بِعَهْدِي } قال : عهده إلى عباده : دينه الإسلام أن يتبعوه.
وقال الضحاك ، عن ابن عباس : { أُوفِ بِعَهْدِكُمْ } قال : أرْض عنكم وأدخلكم الجنة.
وكذا قال السدي ، والضحاك ، وأبو العالية ، والربيع بن أنس.
وقوله : { وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ } أي : فاخشون ؛ قاله أبو العالية ، والسدي ، والربيع بن أنس ، وقتادة.
وقال ابن عباس في قوله تعالى : { وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ } أي أنزل بكم ما أنزل (3) بمن كان قبلكم من آبائكم من النَّقِمَات التي قد عرفتم من المسخ وغيره.
وهذا انتقال من الترغيب إلى الترهيب ، فدعاهم إليه بالرغبة والرهبة ، لعلهم يرجعون إلى الحق واتباع الرسول والاتعاظ بالقرآن وزواجره ، وامتثال أوامره ، وتصديق أخباره ، والله الهادي لمن يشاء إلى صراطه المستقيم ؛ ولهذا (4) قال : { وَآمِنُوا بِمَا أَنزلْتُ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ } [ { مُصَدِّقًا } ماضيًا منصوبًا على الحال من { بِمَا } أي : بالذي أنزلت مصدقًا أو من الضمير المحذوف من قولهم : بما أنزلته مصدقًا ، ويجوز أن يكون مصدرًا من غير الفعل وهو قوله : { بِمَا أَنزلْتُ مُصَدِقًا } ] (5) يعني به : القرآن الذي أنزله على محمد النبي الأمي العربي بشيرًا ونذيرًا وسراجًا منيرًا مشتملا على الحق من الله
__________
في جـ ، ط ، ب : "من".
زيادة من جـ ، ط ، ب ، أ ، و.
في جـ ، ط ، ب : "ما أنزلت".
في جـ : "فلهذا".
زيادة من جـ ، ب ، و.
(1/242)
تعالى ، مصدقًا لما بين يديه من التوراة والإنجيل.
قال أبو العالية ، رحمه الله ، في قوله : { وَآمِنُوا بِمَا أَنزلْتُ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ } يقول : يا معشر أهل الكتاب آمنوا بما أنزلت مصدقًا لما معكم يقول : لأنهم يجدون محمدًا {{ص}} مكتوبًا عندهم في التوراة والإنجيل.
وروي عن مجاهد والربيع بن أنس وقتادة نحو ذلك.
وقوله : { وَلا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ } [قال بعض المفسرين : أول فريق كافر به ونحو ذلك] (1). قال ابن عباس : { وَلا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ } وعندكم فيه من العلم ما ليس عند غيركم.
وقال أبو العالية : يقول : { وَلا تَكُونُوا أَوَّلَ [كَافِرٍ بِهِ } أول] (2) من كفر بمحمد {{ص}} [يعني من جنسكم أهل الكتاب بعد سماعهم بمحمد وبمبعثه] (3).
وكذا قال الحسن ، والسدي ، والربيع بن أنس.
واختار ابن جرير أن الضمير في قوله : { بِهِ } عائد على القرآن ، الذي تقدم ذكره في قوله : { بِمَا أَنزلْتُ }
وكلا القولين صحيح ؛ لأنهما متلازمان ، لأن من كفر بالقرآن فقد كفر بمحمد {{ص}} ، ومن كفر بمحمد {{ص}} فقد كفر بالقرآن.
وأما قوله : { أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ } فيعني به أول من كفر به من بني إسرائيل ؛ لأنه قد تقدمهم من كفار قريش وغيرهم من العرب بَشر كثير ، وإنما المراد أول من كفر به من بني إسرائيل مباشرة ، فإن يهود المدينة أول بني إسرائيل خوطبوا بالقرآن ، فكفرهم به يستلزم أنهم أول من كفر به من جنسهم.
وقوله : { وَلا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلا } يقول : لا تعتاضوا عن الإيمان بآياتي وتصديق رسولي بالدنيا وشهواتها ، فإنها قليلة فانية ، كما قال عبد الله بن المبارك : أنبأنا عبد الرحمن بن يزيد بن جابر ، عن هارون بن زيد (4) قال : سُئِل الحسن ، يعني البصري ، عن قوله تعالى : { ثَمَنًا قَلِيلا } قال : الثمن القليل الدنيا بحذافيرها.
وقال ابن لَهِيعة : حدثني عطاء بن دينار ، عن سعيد بن جبير ، في قوله : { وَلا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلا } وإن آياته : كتابه الذي أنزله (5) إليهم ، وإن الثمن القليل : الدنيا وشهواتها.
وقال السدي : { وَلا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلا } يقول : لا تأخذوا طمعًا قليلا ولا تكتموا (6) اسم
__________
زيادة من جـ ، ب ، و.
زيادة من جـ.
في جـ ، ط ، ب ، أ ، و.
في جـ ، ط ، ب ، أ ، و : "بن يزيد".
في جـ : "آياته التي أنزل".
في جـ ، ب : "وتكتموا".
(1/243)
الله لذلك الطمع وهو الثمن.
وقال أبو جعفر ، عن الربيع بن أنس ، عن أبي العالية في قوله تعالى : { وَلا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلا } يقول : لا تأخذوا عليه أجرًا. قال : وهو مكتوب عندهم في الكتاب الأول : يا ابن آدم عَلِّم مَجَّانا كما عُلِّمت مَجَّانا.
وقيل : معناه لا تعتاضوا عن البيان والإيضاح ونشر العلم النافع في الناس بالكتمان واللبس لتستمروا على رياستكم في الدنيا القليلة الحقيرة الزائلة عن قريب ، وفي سنن أبي داود عن أبي هريرة قال : قال رسول الله {{ص}} : "من تعلم علمًا مما يبتغى به وجه الله لا يتعلمه إلا ليصيب به عرضًا من الدنيا لم يرح رائحة الجنة يوم القيامة" (1) وأما تعليم العلم بأجرة ، فإن كان قد تعين عليه فلا يجوز أن يأخذ عليه أجرة ، ويجوز أن يتناول من بيت المال ما يقوم به حاله وعياله ، فإن لم يحصل له منه شيء وقطعه التعليم عن التكسب ، فهو كما لم يتعين عليه ، وإذا لم يتعين عليه ، فإنه يجوز أن يأخذ عليه أجرة عند مالك والشافعي وأحمد وجمهور العلماء ، كما في صحيح البخاري عن أبي سعيد في قصة اللديغ : "إن أحق ما أخذتم عليه أجرًا كتاب الله" (2) وقوله في قصة المخطوبة : "زوجتكها بما معك من القرآن" (3) فأما حديث عبادة بن الصامت ، أنه علم رجلا من أهل الصفة شيئًا من القرآن فأهدى له قوسًا ، فسأل عنه رسول الله {{ص}} فقال : "إن أحببت أن تطوق بقوس من نار فاقبله" فتركه ، رواه أبو داود (4) وروي مثله عن أبي بن كعب مرفوعًا (5) فإن صح إسناده فهو محمول عند كثير من العلماء منهم : أبو عمر بن عبد البر على أنه لما علمه الله لم يجز بعد هذا أن يعتاض عن ثواب الله بذلك القوس ، فأما إذا كان من أول الأمر على التعليم بالأجرة فإنه يصح كما في حديث اللديغ وحديث سهل في المخطوبة ، والله أعلم.
{ وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ } قال ابن أبي حاتم : حدثنا أبو عمر الدوري ، حدثنا أبو إسماعيل المؤدب ، عن عاصم الأحول ، عن أبي العالية ، عن طلق بن حبيب ، قال : التقوى أن تعمل بطاعة الله رجاء رحمة الله على نور من الله ، والتقوى أن تترك معصية الله مخافة عذاب الله على نور من الله.
ومعنى قوله : { وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ } أنه تعالى يتوعدهم فيما يتعمدونه من كتمان الحق وإظهار خلافه (6) ومخالفتهم الرسول ، صلوات الله وسلامه عليه.
__________
سنن أبي داود برقم (3664).
صحيح البخاري برقم (5007) وهذا اللفظ هو لفظ حديث ابن عباس.
رواه البخاري في صحيحه برقم (5149) من حديث سهل بن سعد رضي الله عنه.
سنن أبي داود برقم (3416).
رواه البيهقي في السنن الكبرى (6/125) من طريق عبد الرحمن بن أبي مسلم ، عن عطية بن قيس ، عن أبي بن كعب رضي الله عنه به مرفوعا ، وهو منقطع.
في أ : "وإظهاره الباطل".
(1/244)
== { وَلا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (42) وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ (43) } ==
يقول تعالى ناهيًا لليهود عما كانوا يتعمدونه ، من تلبيس (1) الحق بالباطل ، وتمويهه به (2) وكتمانهم الحق وإظهارهم الباطل : { وَلا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ } (3) فنهاهم عن الشيئين معًا ، وأمرهم بإظهار الحق والتصريح به ؛ ولهذا قال الضحاك ، عن ابن عباس { وَلا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ } لا تخلطوا الحق بالباطل والصدق بالكذب.
وقال أبو العالية : { وَلا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ } يقول : ولا تخلطوا الحق بالباطل ، وأدوا النصيحة لعباد الله من أمة محمد {{ص}}.
ويروى (4) عن سعيد بن جبير والربيع بن أنس ، نحوه.
وقال قتادة : { وَلا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ } [قال] (5) ولا تلبسوا اليهودية والنصرانية بالإسلام ؛ إن دين الله الإسلام ، واليهودية والنصرانية بدعة ليست من الله.
وروي عن الحسن البصري نحو ذلك.
وقال محمد بن إسحاق : حدثني محمد بن أبي محمد ، عن عكرمة أو سعيد بن جبير ، عن ابن عباس : { وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ } أي : لا تكتموا ما عندكم من المعرفة برسولي وبما جاء به ، وأنتم تجدونه مكتوبا عندكم فيما تعلمون من الكتب التي بأيديكم. وروي عن أبي العالية نحو ذلك.
وقال مجاهد ، والسدي ، وقتادة ، والربيع بن أنس : { وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ } يعني : محمدا {{ص}}.
[قلت : { وَتَكْتُمُوا } يحتمل أن يكون مجزومًا ، ويجوز أن يكون منصوبًا ، أي : لا تجمعوا بين هذا وهذا كما يقال : لا تأكل السمك وتشرب اللبن. قال الزمخشري : وفي مصحف ابن مسعود : "وتكتمون الحق" أي : في حال كتمانكم الحق وأنتم تعلمون حال أيضًا ، ومعناه : وأنتم تعلمون الحق ، ويجوز أن يكون المعنى : وأنتم تعلمون ما في ذلك من الضرر العظيم على الناس من إضلالهم عن الهدى المفضي بهم إلى النار إلى أن سلكوا ما تبدونه لهم من الباطل المشوب بنوع من الحق لتروّجوه عليهم ، والبيان الإيضاح وعكسه الكتمان وخلط الحق بالباطل] (6).
{ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ } قال مقاتل : قوله تعالى لأهل الكتاب : { وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ } أمرهم أن يصلوا مع النبي {{ص}} { وَآتُوا الزَّكَاةَ } أمرهم أن يؤتوا الزكاة ، أي : يدفعونها إلى النبي {{ص}} { وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ } أمرهم أن يركعوا مع الراكعين من أمة محمد {{ص}}.
__________
في جـ ، ط ، ب : "تلبيسهم".
في جـ ، ب : "تمويههم".
في جـ : "وتكتمون" وهو خطأ.
في جـ ، ط ، ب ، أ ، و : "وروي".
زيادة من جـ ، ط ، ب.
زيادة من جـ ، ط ، ب ، أ ، و.
(1/245)
أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (44)
يقول : كونوا منهم ومعهم.
وقال علي بن طلحة ، عن ابن عباس : [ { وَآتُوا الزَّكَاةَ } ] (1) يعني بالزكاة : طاعة الله والإخلاص.
وقال وَكِيع ، عن أبي جَنَاب ، عن عِكْرِمة عن ابن عباس ، في قوله : { وَآتُوا الزَّكَاةَ } قال : ما يوجب الزكاة ؟ قال : مائتان فصاعدا.
وقال مبارك بن فضالة ، عن الحسن ، في قوله تعالى : { وَآتُوا الزَّكَاةَ } قال : فريضة واجبة ، لا تنفع الأعمال إلا بها وبالصلاة.
وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبو زُرْعَة ، حدثنا عثمان بن أبي شيبة ، حدثنا جرير عن أبي حيان [العجمي] (2) التيمي ، عن الحارث العُكلي في قوله : { وَآتُوا الزَّكَاةَ } قال : صدقة الفطر.
وقوله تعالى : { وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ } أي : وكونوا مع المؤمنين في أحسن أعمالهم ، ومن أخص ذلك وأكمله (3) الصلاة.
[وقد استدل كثير من العلماء بهذه الآية على وجوب الجماعة ، وبسط ذلك في كتاب الأحكام الكبير إن شاء الله ، وقد تكلم القرطبي على مسائل الجماعة والإمامة فأجاد] (4).
== { أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلا تَعْقِلُونَ (44) } ==
يقول تعالى : كيف يليق بكم - يا معشر أهل الكتاب ، وأنتم تأمرون الناس بالبر ، وهو جماع الخير - أن تنسوا أنفسكم ، فلا تأتمروا بما تأمرون الناس به ، وأنتم مع ذلك تتلون الكتاب ، وتعلمون ما فيه على من قَصر في أوامر الله ؟ أفلا تعقلون ما أنتم صانعون بأنفسكم ؛ فتنتبهوا من رَقدتكم ، وتتبصروا من عمايتكم. وهذا كما قال عبد الرزاق عن مَعْمَر ، عن قتادة في قوله تعالى : { أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ } قال : كان بنو إسرائيل يأمرون الناس بطاعة الله وبتقواه ، وبالبر ، ويخالفون ، فَعَيّرهم الله ، عز وجل. وكذلك قال السدي.
وقال ابن جريج : { أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ } أهل الكتاب والمنافقون كانوا يأمرون الناس بالصوم والصلاة ، وَيَدَعُونَ العملَ بما يأمرون به الناس ، فعيرهم الله بذلك ، فمن أمر بخير فليكن أشد الناس فيه مسارعة.
وقال محمد بن إسحاق ، عن محمد ، عن عكرمة أو سعيد بن جبير ، عن ابن عباس : { وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ } أي : تتركون أنفسكم { وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلا تَعْقِلُونَ } أي : تنهون الناس عن الكفر بما
__________
زيادة من جـ ، ط ، ب.
زيادة من جـ.
في أ ، و : "وأجمله".
زيادة من جـ ، ط ، ب ، أ ، و.
(1/246)
عندكم من النبوة والعَهْد من التوراة ، وتتركون أنفسكم ، أي : وأنتم (1) تكفرون بما فيها من عَهْدي إليكم في تصديق رسولي ، وتنقضون ميثاقي ، وتجحدون ما تعلمون (2) من كتابي.
وقال الضحاك ، عن ابن عباس في هذه الآية ، يقول : أتأمرون الناس بالدخول في دين محمد {{ص}} وغير ذلك مما أمرتم (3) به من إقام الصلاة ، وتنسون أنفسكم.
وقال أبو جعفر بن جرير : حدثني علي بن الحسن ، حدثنا مُسلم الجَرْمي ، حدثنا مَخْلَد بن الحسين ، عن أيوب السختياني ، عن أبي قِلابة في قول الله تعالى : { أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ } قال : قال أبو الدرداء : لا يفقه الرجل كل الفقه حتى يمقُت الناس في ذات الله ، ثم يرجع إلى نفسه فيكون لها أشد مقتًا.
وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم في هذه الآية : هؤلاء اليهود إذا جاء الرجل يسألهم عن الشيء ليس فيه حق ولا رشوة ولا شيء أمروه بالحق ، فقال الله تعالى : { أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلا تَعْقِلُونَ }
والغرض أن الله تعالى ذمهم على هذا الصنيع ونبههم على خطئهم (4) في حق أنفسهم ، حيث كانوا يأمرون بالخير ولا يفعلونه ، وليس المراد ذمهم على أمرهم بالبر مع تركهم له ، بل على تركهم له ، فإن الأمر بالمعروف [معروف] (5) وهو واجب على العالم ، ولكن [الواجب و] (6) الأولى بالعالم أن يفعله مع أمرهم به ، ولا يتخلف عنهم ، كما قال شعيب ، عليه السلام : { وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلا الإصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ } [هود : 88]. فَكُلٌّ من الأمر بالمعروف وفعله واجب ، لا يسقط أحدهما بترك الآخر على أصح قولي العلماء من السلف والخلف. وذهب بعضهم إلى أن مرتكب المعاصي لا ينهى غيره عنها ، وهذا ضعيف ، وأضعف منه تمسكهم بهذه الآية ؛ فإنه لا حجة لهم فيها. والصحيح أن العالم يأمر بالمعروف ، وإن لم يفعله ، وينهى عن المنكر وإن ارتكبه ، [قال مالك عن ربيعة : سمعت سعيد بن جبير يقول له : لو كان المرء لا يأمر بالمعروف ولا ينهى عن المنكر حتى لا يكون فيه شيء ما أمر أحد بمعروف ولا نهى عن منكر. وقال مالك : وصدق من ذا الذي ليس فيه شيء ؟ قلت] (7) ولكنه - والحالة هذه - مذموم على ترك (8) الطاعة وفعله المعصية ، لعلمه بها ومخالفته على بصيرة ، فإنه ليس من يعلم كمن لا يعلم ؛ ولهذا جاءت الأحاديث في الوعيد على ذلك ، كما قال الإمام أبو القاسم الطبراني في معجمه الكبير : حدثنا أحمد بن المعلى الدمشقي والحسن بن علي المعمري ، قالا حدثنا هشام بن عمار ، حدثنا علي
__________
في جـ : "أي أنتم".
في جـ : "بما تعملون".
في جـ : "مما أمرتكم".
في جـ : "خطاياهم".
زيادة من جـ ، ط ، ب ، أ ، و.
زيادة من جـ ، ط ، أ.
زيادة من جـ ، ط ، ب ، أ ، و.
في جـ ، ب : "على تركه".
(1/247)
بن سليمان الكلبي ، حدثنا الأعمش ، عن أبي تَميمة الهُجَيمي ، عن جندب بن (1) عبد الله ، رضي الله عنه ، قال : قال رسول الله {{ص}} : "مثل العالم الذي يعلم الناس الخير ولا يعمل به كمثل السراج يضيء للناس ويحرق نفسه" (2).
هذا حديث غريب من هذا الوجه.
حديث آخر : قال الإمام أحمد بن حنبل في مسنده : حدثنا وَكِيع ، حدثنا حماد بن سلمة ، عن علي بن زيد هو ابن جدعان ، عن أنس بن مالك ، رضي الله عنه قال : قال رسول الله {{ص}} : "مررت ليلة أسري بي على قوم شفاههم تُقْرَض بمقاريض (3) من نار. قال : قلت : من هؤلاء ؟" قالوا : خطباء من أهل الدنيا ممن كانوا يأمرون الناس بالبر وينسون أنفسهم ، وهم يتلون الكتاب أفلا يعقلون ؟ (4).
ورواه عبد بن حميد في مسنده ، وتفسيره ، عن الحسن بن موسى ، عن حماد بن سلمة به.
ورواه ابن مردويه في تفسيره ، من حديث يونس بن محمد المؤدب ، والحجاج بن مِنْهَال ، كلاهما عن حماد بن سلمة ، به.
وكذا رواه يزيد بن هارون ، عن حماد بن سلمة به.
ثم قال ابن مردويه : حدثنا محمد بن عبد الله بن إبراهيم ، حدثنا موسى بن هارون ، حدثنا إسحاق بن إبراهيم التستري ببلخ ، حدثنا مكي بن إبراهيم ، حدثنا عمر بن قيس ، عن علي بن زيد (5) عن ثمامة ، عن أنس ، قال : سمعت رسول الله {{ص}} يقول : "مررت ليلة أسري بي على أناس تقرض شفاههم وألسنتهم بمقاريض من نار. قلت : من هؤلاء يا جبريل ؟" قال : هؤلاء خطباء أمتك ، الذين يأمرون الناس بالبر وينسون أنفسهم.
وأخرجه ابن حبان في صحيحه ، وابن أبي حاتم ، وابن مردويه - أيضًا - من حديث هشام الدَّستَوائيّ ، عن المغيرة - يعني ابن حبيب - ختن مالك بن دينار ، عن مالك بن دينار ، عن ثمامة ، عن أنس بن مالك ، قال : لما عرج برسول الله {{ص}} مرّ بقوم تُقْرض شفاههم (6) ، فقال : "يا جبريل ، من هؤلاء ؟" قال : هؤلاء الخطباء من أمتك يأمرون الناس بالبر وينسون أنفسهم ؛ أفلا يعقلون ؟ (7).
حديث آخر : قال الإمام أحمد : حدثنا يعلى بن عبيد ، حدثنا الأعمش ، عن أبي وائل ، قال : قيل لأسامة - وأنا رديفه - : ألا تكلم عثمان ؟ فقال : إنكم تُرَون أني لا أكلمه إلا أسمعكم. إني لا أكلمه فيما بيني وبينه ما دون أن أفتتح أمرًا - لا أحب أن أكون أول من افتتحه ، والله لا أقول لرجل
__________
في جـ : "عن".
المعجم الكبير (2/165) وقال الهيثمي في المجمع (1/185) : "رجاله موثقون".
في جـ ، ب : "تقرض شفاههم بمقاريض".
المسند (3/120).
في أ : "بن يزيد".
في جـ ، ط ، ب ، أ ، و : "تقرض من شفاههم".
صحيح ابن حبان برقم (35) "موارد" وتفسير ابن أبي حاتم (1/151).
(1/248)
إنك خير الناس. وإن كان عليّ أميرًا - بعد أن (1) سمعت رسول الله {{ص}} يقول ، قالوا : وما سمعته يقول ؟ قال : سمعته يقول : "يُجَاء بالرجل يوم القيامة فيلقى في النار ، فتندلق به أقتابه (2) ، فيدور بها في النار كما يدور الحمار برحاه ، فيطيف به أهلُ النار ، فيقولون : يا فلان ما أصابك ؟ ألم تكن تأمرنا بالمعروف وتنهانا عن المنكر ؟ فيقول : كنت آمركم بالمعروف ولا آتيه ، وأنهاكم عن المنكر وآتيه" (3).
ورواه البخاري ومسلم ، من حديث سليمان بن مِهْرَان الأعمش ، به نحوه (4).
[وقال أحمد : حدثنا سيار بن حاتم ، حدثنا جعفر بن سليمان عن ثابت عن أنس ، قال : قال رسول الله {{ص}} : "إن الله يعافي الأميين يوم القيامة ما لا يعافي العلماء" (5). وقد ورد في بعض الآثار : أنه يغفر للجاهل سبعين مرة حتى يغفر للعالم مرة واحدة ، ليس من يعلم كمن لا يعلم. وقال تعالى : { قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الألْبَابِ } [الزمر : 9]. وروى ابن عساكر في ترجمة الوليد بن عقبة عن النبي {{ص}} قال : "إن أناسًا من أهل الجنة يطلعون على أناس من أهل النار فيقولون : بم دخلتم النار ؟ فوالله ما دخلنا الجنة إلا بما تعلمنا منكم ، فيقولون : إنا كنا نقول ولا نفعل" (6) رواه من حديث الطبراني عن أحمد بن يحيى بن حيان (7) الرقي عن زهير بن عباد الرواسي عن أبي بكر الداهري (8) عن عبد الله بن حكيم عن إسماعيل بن أبي خالد عن الشعبي عن الوليد بن عقبة فذكره] (9).
وقال الضحاك ، عن ابن عباس : إنه جاءه رجل ، فقال : يا ابن عباس ، إني أريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر ، قال : أو بلغت ذلك ؟ قال : أرجو. قال : إن لم تخش أن تفْتَضَح بثلاث آيات من كتاب الله فافعل. قال : وما هن ؟ قال : قوله عز وجل (10) { أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ } أحكمت هذه ؟ قال : لا. قال : فالحرف الثاني. قال : قوله تعالى : { لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ } [الصف : 2 ، 3] أحكمت هذه ؟ قال : لا. قال : فالحرفَ الثالث. قال : قول العبد الصالح شعيب ، عليه السلام : { وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ } [هود : 88] أحكمت هذه الآية ؟ قال : لا. قال : فابدأ بنفسك.
رواه ابن مردويه في تفسيره.
وقال الطبراني (11) حدثنا عبدان بن أحمد ، حدثنا زيد بن الحريش ، حدثنا عبد الله بن خِرَاش ، عن العوام بن حوشب ، عن [سعيد بن] (12) المسيب بن رافع ، عن ابن عمر ، قال : قال رسول الله
__________
في جـ ، ب : "إذ".
في جـ : "شفتاه".
المسند (5/205).
صحيح البخاري برقم (3267) وصحيح مسلم برقم (2989).
ورواه أبو نعيم في الحلية (2/7) من طريق الإمام أحمد وقال : "هذا حديث غريب تفرد به سيار عن جعفر ، ولم نكتبه إلا من حديث أحمد بن حنبل". وقال عبد الله بن أحمد : "هذا حديث منكر حدثني به أبي ، وما حدثني به إلا مرة".
انظر : مختصر تاريخ دمشق لابن منظور (26/336).
في جـ : "حماد" ، والصواب ما أثبتناه.
في جـ : "الزاهري" ، والصواب ما أثبتناه.
زيادة من جـ ، ط ، ب ، أ ، و.
في جـ : "قوله تعالى".
في أ : "القرطبي".
زيادة من ط ، أ ، و.
(1/249)
{{ص}} : "من دعا الناس إلى قول أو عمل ولم يعمل هو به لم يزل في ظل سخط الله حتى يكف أو يعمل ما قال ، أو دعا إليه" (1).
إسناده فيه ضعف ، وقال إبراهيم النخعي : إني لأكره القصص لثلاث آيات قوله تعالى : { أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ } وقوله { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ } [الصف : 2 ، 3] وقوله إخبارا عن شعيب : { وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلا الإصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ } [هود : 88].
وما أحسن ما قال مسلم بن عمرو :
ما أقبح التزهيد من واعظ... يزهد الناس ولا يزهد...
لو كان في تزهيده صادقا... أضحى وأمسى بيته المسجد...
إن رفض الناس فما باله... يستفتح الناس ويسترقد...
الرزق مقسوم على من ترى... يسقى له الأبيض والأسود...
وقال بعضهم : جلس أبو عثمان الحيري الزاهد يوما على مجلس التذكير فأطال السكوت ، ثم أنشأ يقول :
وغير تقي يأمر الناس بالتقى... طبيب يداوي والطبيب مريض...
قال : فضج الناس بالبكاء. وقال أبو العتاهية الشاعر :
وصفت التقى حتى كأنك ذو تقى... وريح الخطايا من شأنك تقطع...
وقال أبو الأسود الدؤلي :
لا تنه عن خلق وتأتي مثله... عار عليك إذا فعلت عظيم...
فابدأ بنفسك فانهها عن غيها... فإذا انتهت عنه فأنت حكيم...
فهناك يقبل إن وعظت ويقتدى... بالقول منك وينفع التعليم...
وذكر الحافظ ابن عساكر في ترجمة عبد الواحد بن زيد البصري العابد الواعظ قال : دعوت الله أن يريني رفيقي في الجنة ، فقيل لي في المنام : هي امرأة في الكوفة يقال لها : ميمونة السوداء ، فقصدت الكوفة لأراها. فقيل لي : هي ترعى غنما بواد هناك ، فجئت إليها فإذا هي قائمة تصلي والغنم ترعى
__________
ورواه أبو نعيم في الحلية (2/7) من طريق الطبراني ، وقال الهيثمي في المجمع (7/276) : "فيه عبد الله بن خراش وثقه ابن حبان وقال : يخطئ ، وضعفه الجمهور ، وبقية رجاله ثقات".
(1/250)
حولها وبينهن الذئاب لا ينفرن منه ، ولا يسطو الذئاب عليهن. فلما سلمت قالت : يا ابن زيد ، ليس الموعد هنا إنما الموعد ثَمّ ، فسألتها عن شأن الذئاب والغنم. فقالت : إني أصلحت ما بيني وبين سيدي فأصلح ما بين الذئاب والغنم. فقلت لها : عظيني. فقالت : يا عجبا من واعظ يوعظ ، ثم قالت : يا ابن زيد ، إنك لو وضعت موازين القسط على جوارحك لخبرتك بمكتوم مكنون ما فيها ، يا ابن زيد ، إنه بلغني ما من عبد أعطى من الدنيا شيئا فابتغى إليه تائبا إلا سلبه الله حب الخلوة وبدله بَعْدَ القرب البعد وبعد الأنس الوحشة ثم أنشأت تقول :
يا واعظًا قام لا حساب... يزجر قوما عن الذنوب...
تنه عنه وأنت السقيم حقا... هذا من المنكر العجيب...
تنه عن الغي والتمادي... وأنت في النهي كالمريب...
لو كنت أصلحت قبل هذا... غيك أو تبت من قريب...
كان لما قلت يا حبيبي... موضع صدق من القلوب (1)
== { وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلا عَلَى الْخَاشِعِينَ (45) الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (46) } ==
يقول تعالى (2) آمرًا عبيده ، فيما يؤمّلون من خير الدنيا والآخرة ، بالاستعانة بالصبر والصلاة ، كما قال مقاتل بن حَيَّان في تفسير هذه الآية : استعينوا على طلب الآخرة بالصبر على الفرائض ، والصلاة.
فأما الصبر فقيل : إنه الصيام ، نص عليه مجاهد.
[قال القرطبي وغيره : ولهذا سمي رمضان شهر الصبر كما نطق به الحديث] (3).
وقال سفيان الثوري ، عن أبي إسحاق ، عن جُرَيّ بن كُليب ، عن رجل من بني سليم ، عن النبي {{ص}} قال : "الصوم نصف الصبر".
وقيل : المراد بالصبر الكف عن المعاصي ؛ ولهذا قرنه بأداء العبادات وأعلاها : فعل الصلاة.
قال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي ، حدثنا عبد الله بن حمزة بن إسماعيل ، حدثنا إسحاق بن سليمان ، عن أبي سِنان ، عن عمر بن الخطاب ، رضي الله عنه ، قال : الصبر صبران : صبر عند المصيبة حسن ، وأحسن منه الصبر عن محارم الله.
__________
انظر : مختصر تاريخ دمشق لابن منظور (15/253).
في جـ : "تعالى مخبرا".
زيادة من جـ ، ط ، ب ، أ ، و.
(1/251)
[قال] (1) وروي عن الحسن البصري نحو قول عمر.
وقال ابن المبارك عن ابن لَهِيعة عن مالك بن دينار ، عن سعيد بن جبير ، قال : الصبر اعتراف العبد لله بما أصاب فيه ، واحتسابه عند الله ورجاء ثوابه ، وقد يجزع الرجل وهو يتجلد ، لا يرى (2) منه إلا الصبر.
وقال أبو العالية في قوله : { وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ } على مرضاة الله ، واعلموا أنها من طاعة الله.
وأما قوله : { وَالصَّلاةِ } فإن الصلاة من أكبر العون على الثبات في الأمر ، كما قال تعالى : { اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ } الآية [العنكبوت : 45].
وقال الإمام أحمد : حدثنا خلف بن الوليد ، حدثنا يحيى بن زكريا بن أبي زائدة ، عن عكرمة بن عمار ، عن محمد بن عبد الله الدؤلي ، قال : قال عبد العزيز أخو حذيفة ، قال حذيفة ، يعني ابن اليمان : كان رسول الله {{ص}} إذا حزبه أمر صلى. ورواه أبو داود [عن محمد بن عيسى عن يحيى بن زكريا عن عكرمة بن عمار كما سيأتي (3) ] (4).
وقد رواه ابن جرير ، من حديث ابن جُرَيج ، عن عِكْرِمة بن عمار ، عن محمد بن عبيد بن أبي قدامة ، عن عبد العزيز بن اليمان ، عن حذيفة ، قال : كان رسول الله {{ص}} إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة (5).
[ورواه بعضهم عن عبد العزيز ابن أخي حذيفة ؛ ويقال : أخي حذيفة مرسلا عن النبي {{ص}} ؛ وقال محمد بن نصر المروزي في كتاب الصلاة : حدثنا سهل بن عثمان أبو مسعود (6) العسكري ، حدثنا يحيى بن زكريا بن أبي زائدة قال : قال عكرمة بن عمار : قال محمد بن عبد الله الدؤلي : قال عبد العزيز : قال حذيفة : رجعت إلى النبي {{ص}} ليلة الأحزاب وهو مشتمل في شملة يصلي ، وكان إذا حزبه أمر صلى (7). وحدثنا عبيد الله بن معاذ ، حدثنا أبي ، حدثنا شعبة عن أبي إسحاق سمع حارثة بن مضرب سمع عليا يقول : لقد رأيتنا ليلة بدر وما فينا إلا نائم غير رسول الله {{ص}} يصلي ويدعو حتى أصبح (8) ] (9).
__________
زيادة من جـ ، ط ، ب.
في جـ : "فلا يرى".
المسند (5/388) وسنن أبي داود برقم (1319).
زيادة من جـ ، ط ، أ ، و.
المسند (5/26).
في ط : "ابن مسعود" ، والصواب ما أثبتناه.
تعظيم قدر الصلاة برقم (212).
تعظيم قدر الصلاة برقم (213).
زيادة من جـ ، ط ، ب ، أ ، و.
(1/252)
قال ابن جرير : وروي عنه ، عليه الصلاة والسلام ، أنه مر بأبي هريرة ، وهو منبطح على بطنه ، فقال له : "اشكنب درد" [قال : نعم] (1) قال : "قم فصل فإن الصلاة شفاء" (2) [ومعناه : أيوجعك بطنك ؟ قال : نعم] (3). قال ابن جرير : وقد حدثنا محمد بن العلاء ويعقوب بن إبراهيم ، قالا حدثنا ابن عُلَيَّة ، حدثنا عُيَينة بن عبد الرحمن ، عن أبيه : أن ابن عباس نُعي إليه أخوه قُثَم وهو في سفر ، فاسترجع ، ثم تنحَّى عن الطريق ، فأناخ فصلى ركعتين أطال فيهما الجلوس ، ثم قام يمشي إلى راحلته وهو يقول : { وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلا عَلَى الْخَاشِعِينَ } (4).
وقال سُنَيد ، عن حجاج ، عن ابن جرير : { وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ } قال : إنهما مَعُونتان على رحمة الله.
والضمير في قوله : { وَإِنَّهَا } عائد إلى الصلاة ، نص عليه مجاهد ، واختاره ابن جرير.
ويحتمل أن يكون عائدا على ما يدل عليه الكلام ، وهو الوصية بذلك ، كقوله تعالى في قصة قارون : { وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا وَلا يُلَقَّاهَا إِلا الصَّابِرُونَ } [القصص : 80] وقال تعالى : { وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ * وَمَا يُلَقَّاهَا إِلا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ } [فصلت : 34 ، 35]أي : وما يلقى هذه الوصية إلا الذين صبروا { وَمَا يُلَقَّاهَا } أي : يؤتاها ويلهمها { إِلا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ }
وعلى كل تقدير ، فقوله تعالى : { وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ } أي : مشقة ثقيلة إلا على الخاشعين. قال ابن أبي طلحة ، عن ابن عباس : يعني المصدّقين بما أنزل الله. وقال مجاهد : المؤمنين حقا. وقال أبو العالية : إلا على الخاشعين الخائفين ، وقال مقاتل بن حيان : إلا على الخاشعين يعني به المتواضعين. وقال الضحاك : { وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ } قال : إنها لثقيلة إلا على الخاضعين (5) لطاعته ، الخائفين سَطَواته ، المصدقين بوعده ووعيده.
وهذا يشبه ما جاء في الحديث : "لقد سألت عن عظيم ، وإنه ليسير على من يسره الله عليه" (6).
وقال ابن جرير : معنى الآية : واستعينوا أيها الأحبار من أهل الكتاب ، بحبس أنفسكم على طاعة الله وبإقامة الصلاة المانعة من الفحشاء والمنكر ، المقربة من رضا الله ، العظيمة إقامتها إلا على المتواضعين لله المستكينين لطاعته المتذللين من مخافته.
__________
زيادة من جـ ، ط ، ب ، أ ، و.
تفسير الطبري (2/13) وانظر ما كتبه المحقق الفاضل عن معنى : "اشكنب درد".
زيادة من جـ ، ط ، ب.
تفسير الطبري (2/14).
في جـ : "الخاشعين".
رواه أحمد في المسند (5/231) من حديث معاذ رضي الله عنه.
(1/253)
هكذا قال ، والظاهر أن الآية وإن كانت خطابًا في سياق إنذار بني إسرائيل ، فإنهم لم يقصدوا بها على سبيل التخصيص ، وإنما هي عامة لهم ، ولغيرهم. والله أعلم.
وقوله تعالى : { الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ } هذا من تمام الكلام الذي قبله ، أي : وإن الصلاة أو الوَصَاة (1) لثقيلة إلا على الخاشعين الذين يظنون أنهم ملاقو ربهم ، أي : [يعلمون أنهم] (2) محشورون إليه يوم القيامة ، معروضون عليه ، وأنهم إليه راجعون ، أي : أمورهم راجعة إلى مشيئته ، يحكم فيها ما يشاء بعدله ، فلهذا لما أيقنوا بالمعاد والجزاء سَهُل عليهم فعلُ الطاعات وترك المنكرات.
فأما قوله : { يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُو رَبِّهِمْ } قال (3) ابن جرير ، رحمه الله : العرب قد تسمي اليقين ظنا ، والشك ظنًا ، نظير تسميتهم الظلمة سُدْفة ، والضياء سُدفة ، والمغيث صارخا ، والمستغيث صارخًا ، وما أشبه ذلك من الأسماء التي يسمى بها الشيء وضدّه ، كما قال دُرَيد بن الصِّمَّة :
فقلت لهم ظُنُّوا بألفي مُدَجَّجٍ... سَرَاتُهُم في الفَارسِيِّ المُسَرَّدِ (4)
يعني بذلك تيقنوا بألفي مدجج يأتيكم ، وقال عَمِيرة بن طارق :
بِأنْ يَعْتَزُوا (5) قومي وأقعُدَ فيكم... وأجعلَ مني الظنَّ غيبا مرجمّا (6)
يعني : وأجعل مني اليقين غيبا مرجما ، قال : والشواهد من أشعار العرب وكلامها على أن الظن في معنى اليقين ، أكثر من أن تحصر ، وفيما ذكرنا لمن وفق لفهمه كفاية ، ومنه قول الله تعالى : { وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُوَاقِعُوهَا } [الكهف : 53].
ثم قال ابن جرير : حدثنا محمد بن بشار ، حدثنا أبو عاصم ، حدثنا سفيان ، عن جابر ، عن مجاهد ، قال : كل ظن في القرآن يقين ، أي : ظننت وظَنوا.
وحدثني المثنى ، حدثنا إسحاق ، حدثنا أبو داود الحَفَرِيّ ، عن سفيان عن ابن أبي نَجيح ، عن مجاهد ، قال : كل ظن في القرآن فهو علم. وهذا سند صحيح.
وقال أبو جعفر الرازي ، عن الربيع بن أنس ، عن أبي العالية ، في قوله تعالى : { الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُو رَبِّهِمْ } قال : الظن هاهنا يقين.
قال ابن أبي حاتم : وروي عن مجاهد ، والسدي ، والربيع بن أنس ، وقتادة نحو قول أبي العالية.
__________
في أ : "الوصية".
زيادة من جـ ، ب ، أ.
في طـ ، ب : "فقال".
البيت في تفسير الطبري (2/18).
في جـ : "نصروا" ، وفي ب ، أ : "تعيروا".
البيت في تفسير الطبري (2/18).
(1/254)
يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ (47)
وقال سُنَيد ، عن حجاج ، عن ابن جريج : { الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُو رَبِّهِمْ } علموا أنهم ملاقو ربهم ، كقوله : { إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسَابِيَهْ } [الحاقة : 20] يقول : علمت.
وكذا قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم.
قلت : وفي الصحيح : "أن الله تعالى يقول للعبد يوم القيامة : ألم أزوجك ، ألم أكرمك ، ألم أسخر لك الخيل والإبل ، وأذرك ترأس وتربع ؟ فيقول : بلى. فيقول الله تعالى : أفظننت أنك ملاقي ؟ فيقول : لا. فيقول الله : اليوم أنساك كما نسيتني". وسيأتي مبسوطا عند قوله : { نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ } [التوبة : 67] إن شاء الله ، والله تعالى أعلم.
== { يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ (47) } ==
يذكرهم تعالى سَالفَ نعمه على آبائهم وأسلافهم ، وما كان فَضَّلهم به من إرسال الرسل منهم وإنزال الكتب عليهم وعلى سائر الأمم من أهل زمانهم ، كما قال تعالى : { وَلَقَدِ اخْتَرْنَاهُمْ عَلَى عِلْمٍ عَلَى الْعَالَمِينَ } [الدخان : 32] ، وقال تعالى : { وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ } [المائدة : 20].
وقال أبو جعفر الرازي ، عن الربيع بن أنس ، عن أبي العالية ، في قوله تعالى : { وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ } قال : بما أعطوا من الملك والرسل والكتب على عالم من كان في ذلك الزمان ؛ فإن لكل زمان عالما.
ورُوي عن مجاهد ، والربيع بن أنس ، وقتادة ، وإسماعيل بن أبي خالد نحوُ ذلك ، ويجب الحمل على هذا ؛ لأن هذه الأمة أفضل منهم ؛ لقوله تعالى خطابا لهذه الأمة : { كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ } [آل عمران : 110] وفي المسانيد والسنن (1) عن معاوية بن حَيْدَة القُشَيري ، قال : قال رسول الله {{ص}} : "أنتم تُوفُونَ سبعين أمة ، أنتم خيرها وأكرمها على الله". والأحاديث في هذا كثيرة تذكر عند قوله تعالى : { كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ }
[وقيل : المراد تفضيل بنوع ما من الفضل على سائر الناس ، ولا يلزم تفضيلهم مطلقًا ، حكاه فخر الدين الرازي وفيه نظر. وقيل : إنهم فضلوا على سائر الأمم لاشتمال أمتهم على الأنبياء منهم ، حكاه القرطبي في تفسيره ، وفيه نظر ؛ لأن { الْعَالَمِينَ } عام يشتمل من قبلهم ومن بعدهم من الأنبياء ، فإبراهيم الخليل قبلهم وهو أفضل من سائر أنبيائهم ، ومحمد بعدهم وهو أفضل من جميع الخلق وسيد ولد آدم في الدنيا والآخرة ، صلوات الله وسلامه عليه وعلى إخوانه من الأنبياء والمرسلين] (2).
__________
في جـ ، أ ، و : "وفي السنن والمسانيد".
زيادة من جـ ، ط ، ب ، أ ، و.
(1/255)
== { وَاتَّقُوا يَوْمًا لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ (48) } ==
لما ذكرهم [الله] (1) تعالى بنعمه أولا عطف على ذلك التحذير من حُلُول نقمه بهم يوم القيامة فقال : { وَاتَّقُوا يَوْمًا } يعني : يوم القيامة { لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا } أي : لا يغني أحد عن أحد كما قال : { وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى } [الأنعام : 164] ، وقال : { لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ } [عبس : 37 ] ، وقال { يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْمًا لا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ شَيْئًا } [لقمان : 33] ، فهذه (2) أبلغ المقامات : أن كلا من الوالد وولده لا يغني أحدهما عن الآخر شيئا ، وقوله تعالى : { وَلا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ } يعني عن الكافرين ، كما قال : { فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ } [المدثر : 48] ، وكما قال عن أهل النار : { فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ * وَلا صَدِيقٍ حَمِيمٍ } [الشعراء : 110 ، 111] ، وقوله : { وَلا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ } أي : لا يقبل منها فداء ، كما قال تعالى : { إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الأرْضِ ذَهَبًا وَلَوِ افْتَدَى بِهِ } [آل عمران : 91 ] وقال : { إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الأرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } [المائدة : 36 ] وقال تعالى : { وَإِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لا يُؤْخَذْ مِنْهَا } [الأنعام : 70 ] ، وقال : { فَالْيَوْمَ لا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ وَلا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا } الآية [الحديد : 15] ، فأخبر تعالى أنهم إن لم يؤمنوا برسوله ويتابعوه على ما بعثه به ، ووافوا الله يوم القيامة على ما هم عليه ، فإنه لا ينفعهم قرابة قريب ولا شفاعة ذي جاه ، ولا يقبل منهم فداء ، ولو بملء الأرض ذهبا ، كما قال تعالى : { مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خُلَّةٌ وَلا شَفَاعَةٌ } [البقرة : 254] ، وقال { لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خِلالٌ } [إبراهيم : 31 ].
[وقال سنيد : حدثني حجاج ، حدثني ابن جريج ، قال : قال مجاهد : قال ابن عباس : { وَلا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ } قال : بدل ، والبدل : الفدية ، وقال السدي : أما عدل فيعدلها من العذاب يقول : لو جاءت بملء الأرض ذهبا تفتدي به ما تقبل منها ، وكذا قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم ، ] (3). وقال أبو جعفر الرازي ، عن الربيع بن أنس ، عن أبي العالية ، في قوله : { وَلا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ } يعني : فداء.
قال ابن أبي حاتم : وروي عن أبي مالك ، والحسن ، وسعيد بن جبير ، وقتادة ، والربيع بن أنس ، نحو ذلك.
وقال عبد الرزاق : أنبأنا الثوري ، عن الأعمش ، عن إبراهيم التيمي ، عن أبيه عن علي ، رضي الله عنه ، في حديث طويل ، قال : والصرف والعدل : التطوع والفريضة.
وكذا قال الوليد بن مسلم ، عن عثمان بن أبي العاتكة (4) ، عن عمير بن هانئ.
__________
زيادة من و.
في جـ ، ط ، ب : "فهذا".
زيادة من جـ ، ط ، ب ، أ ، و.
في جـ ، أ : "العالية".
(1/256)
وهذا القول غريب هنا ، والقول الأول أظهر في تفسير هذه الآية ، وقد ورد حديث يقويه ، وهو ما قال ابن جرير : حدثني نَجِيح بن إبراهيم ، حدثنا علي بن حكيم ، حدثنا حميد بن عبد الرحمن ، عن أبيه ، عن عَمْرو بن قيس الملائي (1) ، عن رجل من بني أمية - من أهل الشام أحسن عليه الثناء - قال : قيل : يا رسول الله ، ما العدل ؟ قال : "العدل الفدية" (2).
وقوله تعالى : { وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ } أي : ولا أحد يغضب لهم فينصرهم وينقذهم من عذاب الله ، كما تقدم من أنه لا يعطف عليهم ذو قرابة ولا ذو جاه ولا يقبل منهم فداء. هذا كله من جانب التلطف ، ولا لهم ناصر من أنفسهم ، ولا من غيرهم ، كما قال : { فَمَا لَهُ مِنْ قُوَّةٍ وَلا نَاصِرٍ } [الطارق : 10 ] أي : إنه تعالى لا يقبل فيمن كفر به فِدْيَة ولا شفاعة ، ولا ينقذ أحدا من عذابه منقذ ، ولا يجيره منه أحد ، كما قال تعالى : { وَهُوَ يُجِيرُ وَلا يُجَارُ عَلَيْهِ } [المؤمنون : 88 ]. وقال { فَيَوْمَئِذٍ لا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ * وَلا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ } [الفجر : 25 26 ] ، وقال { مَا لَكُمْ لا تَنَاصَرُونَ * بَلْ هُمُ الْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ } [الصافات : 25 ، 26 ] ، وقال { فَلَوْلا نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ قُرْبَانًا آلِهَةً بَلْ ضَلُّوا عَنْهُمْ } الآية [الأحقاف : 28].
وقال الضحاك عن ابن عباس في قوله : { مَا لَكُمْ لا تَنَاصَرُونَ } ما لكم اليوم لا تمانعون منا ؟ هيهات ليس ذلك لكم اليوم.
قال (3) ابن جرير : وتأويل قوله : { وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ } يعني : أنهم يومئذ لا ينصرهم ناصر ، كما لا يشفع لهم شافع ، ولا يقبل منهم عدل ولا فدية ، بَطَلت هنالك (4) المحاباة واضمحلت الرَّشى والشفاعات ، وارتفع من القوم التعاون والتناصر ، وصار الحكم إلى عدل (5) الجبار الذي لا ينفع لديه الشفعاء والنصراء ، فيجزي بالسيئة مثلها وبالحسنة (6) أضعافها وذلك نظير قوله تعالى : { وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ* مَا لَكُمْ لا تَنَاصَرُونَ* بَلْ هُمُ الْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ } [ الصافات : 24 - 26 ]
__________
في جـ : "الملا".
تفسير الطبري (2/34).
في جـ : "وقال".
في جـ : "هنا".
في جـ ، ط ، ب : "العدل".
في جـ : "فيجزي بالسيئة مثلها والحسنة".
(1/257)
== { وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ (49) وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (50) } ==
يقول تعالى (1) واذكروا يا بني إسرائيل نعمتي عليكم "إِذْ نَجَّيْنَاكُم مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ" أي :
__________
في جـ : "يقول الله تبارك وتعالى".
(1/257)
خلصتكم منهم وأنقذتكم من أيديهم صحبة (1) موسى ، عليه السلام ، وقد كانوا يسومونكم ، أي : يوردونكم ويذيقونكم ويولونكم سوء العذاب. وذلك أن فرعون - لعنه الله - كان قد رأى رؤيا هالته ، رأى نارا خرجت من بيت المقدس فدخلت دور القبط ببلاد مصر ، إلا بيوت بني إسرائيل ، مضمونها أن زوال ملكه يكون على يدي رجل من بني إسرائيل ، ويقال : بل تحدث سماره عنده بأن بني إسرائيل يتوقعون خروج رجل منهم ، يكون لهم به دولة ورفعة ، وهكذا جاء في حديث الفُتُون ، كما سيأتي في موضعه [في سورة طه] (2) إن شاء الله ، فعند ذلك أمر فرعون - لعنه الله - بقتل كل [ذي] (3) ذَكر يولد بعد ذلك من بني إسرائيل ، وأن تترك البنات ، وأمر باستعمال بني إسرائيل في مشاق الأعمال وأراذلها.
وهاهنا فسر العذاب بذبح الأبناء ، وفي سورة إبراهيم عطف عليه ، كما قال : { يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ ويُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ } [إبراهيم ] وسيأتي تفسير (4) ذلك في أول سورة القصص ، إن شاء الله تعالى ، وبه الثقة والمعونة والتأييد.
ومعنى { يَسُومُونَكُمْ } أي : يولونكم ، قاله أبو عبيدة ، كما يقال سامه خطة خسف إذا أولاه إياها ، قال عمرو بن كلثوم :
إذا ما الملك سام الناس خسفا... أبينا أن نقر الخسف فينا...
وقيل : معناه : يديمون عذابكم ، كما يقال : سائمة الغنم من إدامتها الرعي ، نقله القرطبي ، وإنما قال هاهنا : { يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ } ليكون ذلك تفسيرا للنعمة عليهم في قوله : { يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ } ثم فسره بهذا لقوله هاهنا { اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ } وأما في سورة إبراهيم فلما قال : { وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ } [إبراهيم : 5] ، أي : بأياديه ونعمه عليهم فناسب أن يقول هناك : { يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ ويُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ } فعطف عليه الذبح ليدل على تعدد النعم والأيادي.
وفرعون علم على كل مَنْ مَلَكَ مصر ، كافرًا من العماليق (5) وغيرهم ، كما أن قيصر علم على كل من ملك الروم مع الشام كافرًا ، وكسرى لكل من ملك الفرس ، وتُبَّع لمن ملك اليمن كافرا [والنجاشي لمن ملك الحبشة ، وبطليموس لمن ملك الهند] (6) ويقال : كان اسم فرعون الذي كان في زمن موسى ، عليه السلام ، الوليد بن مصعب بن الريان ، وقيل : مصعب بن الريان ، أيا ما كان فعليه لعنة الله ، [وكان من سلالة عمليق بن داود بن إرم بن سام بن نوح ، وكنيته أبو مرة ، وأصله فارسي من استخر] (7).
__________
في جـ : "بصحبة".
زيادة من جـ ، ط.
زيادة من جـ.
في جـ ، ط : "تفصيل".
في جـ : "العمالقة".
زيادة من جـ ، ط ، أ ، و.
زيادة من جـ ، ط ، أ ، و.
(1/258)
وقوله تعالى : { وَفِي ذَلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ } قال ابن جرير : وفي الذي فعلنا بكم من إنجائنا إياكم مما كنتم فيه من عذاب آل فرعون بلاء لكم من ربكم عظيم. أي : نعمة عظيمة عليكم في ذلك (1).
وقال علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس [في] (2) قوله : { بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ } قال : نعمة. وقال مجاهد : { بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ } قال : نعمة من ربكم عظيمة. وكذا قال أبو العالية ، وأبو مالك ، والسدي ، وغيرهم.
وأصل البلاء : الاختبار ، وقد يكون بالخير والشر ، كما قال تعالى : { وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً } [الأنبياء : 25] ، وقال : { وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ } [الأعراف : 168].
قال ابن جرير : وأكثر ما يقال في الشر : بلوته أبلوه بَلاءً ، وفي الخير : أبليه إبلاء وبلاء ، قال زهير بن أبي سلمى :
جزى الله بالإحسان ما فَعَلا بكُم... وأبلاهما خَيْرَ البلاءِ الذي يَبْلُو (3)
قال : فجمع بين اللغتين ؛ لأنه أراد فأنعم الله عليهما خير النعم التي يَخْتَبر بها عباده.
[وقيل : المراد بقوله : { وَفِي ذَلِكُمْ بَلاءٌ } إشارة إلى ما كانوا فيه من العذاب المهين من ذبح الأبناء واستحياء النساء ؛ قال القرطبي : وهذا قول الجمهور ولفظه بعدما حكى القول الأول ، ثم قال : وقال الجمهور : الإشارة إلى الذبح ونحوه ، والبلاء هاهنا في الشر ، والمعنى في الذبح مكروه وامتحان] (4).
وقوله تعالى : { وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ } معناه : وبعد أن أنقذناكم من آل فرعون ، وخرجتم مع موسى ، عليه السلام ، خرج (5) فرعون في طلبكم ، ففرقنا بكم البحر ، كما أخبر تعالى عن ذلك مفصلا (6) كما سيأتي في مواضعه (7) ومن أبسطها في سورة الشعراء إن شاء الله.
{ فَأَنْجَيْنَاكُمْ } أي : خلصناكم منهم ، وحجزنا بينكم وبينهم ، وأغرقناهم وأنتم تنظرون ؛ ليكون ذلك أشفى لصدوركم ، وأبلغ في إهانة عدوكم.
قال (8) عبد الرزاق : أنبأنا مَعْمر ، عن أبي إسحاق الهَمْداني ، عن عمرو بن ميمون الأودي في قوله تعالى : { وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ } إلى قوله : { وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ } قال : لما خرج موسى ببني إسرائيل ، بلغ ذلك فرعون فقال : لا تتبعوهم حتى تصيح الديكة. قال : فوالله ما صاح ليلتئذ ديك
__________
في جـ : "أي نعمة عليكم عظيمة في ذلك".
زيادة من جـ ، أ.
البيت في تفسير الطبري (2/49).
زيادة من جـ ، ط ، أ ، و.
في جـ : "وخرج".
في جـ : "مفصلا عن ذلك".
في جـ : "مفصلا".
في جـ ، ط : "وقال".
(1/259)
حتى أصبحوا ؛ فدعا بشاة فَذُبحت ، ثم قال : لا أفرغ من كبدها حتى يجتمع إليَّ ستمائة ألف من القبط. فلم يفرغ من كبدها حتى اجتمع إليه ستمائة ألف من القبط ثم سار ، فلما أتى موسى البحر ، قال له رجل من أصحابه ، يقال له : يوشع بن نون : أين أمَرَ ربك ؟ قال : أمامك ، يشير إلى البحر. فأقحم يوشع فرسَه في البحر حتى بلغ الغَمْرَ ، فذهب به الغمر ، ثم رجع. فقال : أين أمَرَ ربك يا موسى ؟ فوالله ما كذبت ولا كُذبت (1). فعل ذلك ثلاث مرات ، ثم أوحى الله إلى موسى : { أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ } فضربه { فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ } [الشعراء : 63 ] ، يقول : مثل الجبل. ثم سار موسى ومن معه وأتبعهم فرعون في طريقهم ، حتى إذا تتاموا فيه أطبقه الله عليهم فلذلك قال : { وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ } (2).
وكذلك قال غير واحد من السلف ، كما سيأتي بيانه في موضعه (3). وقد ورد أن هذا اليوم كان يوم عاشوراء ، كما قال الإمام أحمد :
حدثنا عفان ، حدثنا عبد الوارث ، حدثنا أيوب ، عن عبد الله بن سعيد بن جبير ، عن أبيه ، عن ابن عباس ، قال : قدم رسول الله {{ص}} المدينة فرأى اليهود يصومون يوم عاشوراء ، فقال : "ما هذا اليوم الذي تصومون ؟". قالوا : هذا يوم صالح ، هذا يوم نجى الله عز وجل فيه بني إسرائيل من عدوهم (4) ، فصامه موسى ، عليه السلام ، فقال رسول الله {{ص}} : "أنا أحق بموسى منكم". فصامه رسول الله {{ص}} ، وأمر بصومه.
وروى هذا الحديث البخاري ، ومسلم ، والنسائي ، وابن ماجه من طرق ، عن أيوب السختياني ، به (5) نحو ما تقدم.
وقال أبو يعلى الموصلي : حدثنا أبو الربيع ، حدثنا سلام - يعني ابن سليم - عن زيد العَمِّيّ عن يزيد الرقاشي عن أنس ، عن النبي {{ص}} قال : " فلق الله البحر لبني إسرائيل يوم عاشوراء " (6).
وهذا ضعيف من هذا الوجه فإن زيدا العَمِّيّ فيه ضعف ، وشيخه يزيد الرقاشي أضعف منه.
__________
في جـ : "ولا كذبت" ، وفي ط : "وكذبت".
تفسير عبد الرزاق (1/67).
في أ : "كما سيأتي في موضعه إن شاء الله".
في جـ : "من الغرق ، وفي ط : "من غرقهم".
المسند (1/291) وصحيح البخاري برقم (2004) وصحيح مسلم برقم (1130).
مسند أبي يعلى (7/133).
(1/260)
وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ (51) ثُمَّ عَفَوْنَا عَنْكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (52) وَإِذْ آَتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (53) وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (54)
== { وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ (51) ثُمَّ عَفَوْنَا عَنْكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (52) } ==
يقول تعالى : واذكروا نعمتي عليكم في عفوي عنكم ، لَمَّا عبدتم العجل بعد ذهاب موسى لميقات ربه ، عند انقضاء أمَد المواعدة ، وكانت أربعين يومًا ، وهي المذكورة في الأعراف ، في قوله تعالى : { وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ } [الأعراف : 142] قيل : إنها ذو القعدة بكماله وعشر من ذي الحجة ، وكان ذلك بعد خلاصهم من قوم فرعون وإنجائهم من البحر.
== { وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (53) } ==
وقوله : { وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ } يعني : التوراة { وَالْفُرْقَانَ } وهو ما يَفْرق بين الحق والباطل ، والهدى والضلال { لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ } وكان ذلك - أيضا - بعد خروجهم من البحر ، كما دل عليه سياق الكلام في سورة الأعراف. ولقوله (1) تعالى : { وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الأولَى بَصَائِرَ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ } [القصص : 43].
وقيل : الواو زائدة ، والمعنى : ولقد آتينا موسى الكتاب والفرقان وهذا غريب ، وقيل : عطف عليه وإن كان المعنى واحدًا ، كما في قول الشاعر :
وقدمت الأديم لراقشيه... فألفى قولها كذبًا ومينا...
وقال الآخر :
ألا حبذا هند وأرض بها هند... وهند أتى من دونها النأي والبعد...
فالكذب هو المين ، والنأي : هو البعد. وقال عنترة :
حييت من طلل تقادم عهده... أقوى وأقفر بعد أم الهيثم...
فعطف الإقفار على الإقواء وهو هو.
== { وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (54) } ==
هذه صفَةُ توبته تعالى على بني إسرائيل من عبادة العجل ، قال الحسن البصري ، رحمه الله ، في قوله تعالى : { وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ } فقال : ذلك حين وقع في قلوبهم من شأن عبادتهم العجل ما وقع حين قال الله تعالى : { وَلَمَّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ وَرَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّوا قَالُوا لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا وَيَغْفِرْ لَنَا } الآية [الأعراف : 149].
قال : فذلك حين يقول موسى : { يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ }
وقال أبو العالية ، وسعيد بن جبير ، والربيع بن أنس : { فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ } أي إلى خالقكم.
قلت : وفي قوله هاهنا : { إِلَى بَارِئِكُمْ } تنبيه على عظم جرمهم ، أي : فتوبوا إلى الذي خلقكم وقد عبدتم معه غيره.
__________
في جـ : " "وكقوله".
(1/261)
وروى النسائي وابن جرير وابن أبي حاتم ، من حديث يزيد بن هارون ، عن الأصبغ بن زيد الوراق عن القاسم بن أبي أيوب ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ، قال : قال الله تعالى : إن توبتهم أن يقتل كل واحد منهم كل من لقي من ولد ووالد (1) فيقتله بالسيف ، ولا يبالي من قتل في ذلك الموطن. فتاب أولئك الذين كانوا خفي على موسى وهارون ما اطلع الله من ذنوبهم ، فاعترفوا بها ، وفعلوا ما أمروا به فغفر الله تعالى للقاتل والمقتول. وهذا (2) قطعة من حديث الفُتُون ، وسيأتي في تفسير سورة طه بكماله ، إن شاء الله (3).
وقال ابن جرير : حدثني عبد الكريم بن الهيثم ، حدثنا إبراهيم بن بَشَّار ، حدثنا سفيان بن عيينة ، قال : قال أبو سعيد : عن عكرمة ، عن ابن عباس ، قال : قال موسى لقومه : { فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ } قال : أمر موسى قومه - من أمر ربه عز وجل - أن يقتلوا أنفسهم قال : واحتبى الذين عبدوا (4) العجل فجلسوا ، وقام الذين لم يعكفوا على العجل ، فأخذوا الخناجر بأيديهم ، وأصابتهم ظُلَّة (5) شديدة ، فجعل يقتل بعضهم بعضا ، فانجلت الظلَّة (6) عنهم ، وقد أجلوا عن سبعين ألف قتيل ، كل من قتل منهم كانت له توبة ، وكل من بقي كانت له توبة.
وقال ابن جُرَيْج : أخبرني القاسم بن أبي بَزَّة أنه سمع سعيد بن جبير ومجاهدًا يقولان في قوله تعالى : { فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ } قالا قام بعضهم إلى بعض بالخناجر فقتل بعضهم بعضًا ، لا يحنو رجل على قريب ولا بعيد ، حتى ألوى موسى بثوبه ، فطرحوا ما بأيديهم ، فكُشِفَ عن سبعين ألف قتيل. وإن الله أوحى إلى موسى : أن حَسْبي ، فقد اكتفيت ، فذلك حين ألوى موسى بثوبه ، [وروي عن علي رضي الله عنه نحو ذلك] (7).
وقال قتادة : أمر القوم بشديد من الأمر ، فقاموا يتناحرون بالشفار يقتل بعضهم بعضا ، حتى بلغ الله فيهم نقمته ، فسقطت الشفار من أيديهم ، فأمسك عنهم القتل ، فجعل لحيهم توبة ، وللمقتول شهادة.
وقال الحسن البصري : أصابتهم ظلمة حنْدس ، فقتل بعضهم بعضا [نقمة] (8) ثم انكشف عنهم ، فجعل توبتهم في ذلك.
وقال السدي في قوله : { فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ } قال : فاجتلد الذين عبدوه والذين لم يعبدوه بالسيوف ، فكان من قُتِل من الفريقين شهيدًا ، حتى كثر القتل ، حتى كادوا أن يهلكوا ، حتى قتل بينهم (9) سبعون ألفًا ، وحتى دعا موسى وهارون : ربنا أهلكت بني إسرائيل ، ربنا البقيةَ البقيةَ ،
__________
في ط : "أو والد".
في جـ : "وهذه".
وهو في سنن النسائي الكبرى برقم (11326) وسيأتي عند الموضع الذي أشار إليه الحافظ ابن كثير.
في جـ ، ط ، ب : "عكفوا".
في جـ ، ط ، ب ، أ ، و : "ظلمة".
في جـ ، ط ، ب ، أ ، و : "الظلمة".
زيادة من جـ ، ط ، ب ، وفي أ ، و : "وروي عن علي رحمة الله عليه نحو ذلك".
زيادة من أ.
في جـ ، ط ، ب : "منهم".
(1/262)
وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (55) ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (56)
فأمرهم أن يضعوا السلاح وتاب عليهم ، فكان من قتل منهم من الفريقين شهيدًا ، ومن بقي مُكَفّرا عنه ؛ فذلك قوله : { فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ }
وقال الزهري : لما أمرت بنو إسرائيل بقتل أنفسها ، برزوا ومعهم موسى ، فاضطربوا بالسيوف ، وتطاعنوا بالخناجر ، وموسى رافع يديه ، حتى إذا أفنوا بعضهم (1) ، قالوا : يا نبي الله ، ادع الله لنا. وأخذوا بعضُديه يسندون يديه ، فلم يزل أمرهم على ذلك ، حتى إذا قبل الله توبتهم قبض أيديهم ، بعضهم عن بعض ، فألقوا السلاح ، وحزن موسى وبنو إسرائيل للذي كان من القتل فيهم ، فأوحى الله ، جل ثناؤه ، إلى موسى : ما يحزنك ؟ أما من قتل منكم فحي عندي يرزقون ، وأما من بقي فقد قبلت توبته. فسُرّ بذلك موسى ، وبنو إسرائيل.
رواه ابن جرير بإسناد جيد عنه.
وقال ابن إسحاق : لما رجع موسى إلى قومه ، وأحرق العجل وذَرّاه في اليم ، خرج إلى ربه بمن اختار من قومه ، فأخذتهم الصاعقة ، ثم بُعثوا ، فسأل موسى ربه التوبة لبني إسرائيل من عبادة العجل. فقال : لا إلا أن يقتلوا أنفسهم قال : فبلغني أنهم قالوا لموسى : نَصبر لأمر الله. فأمر موسى من لم يكن عبد العجل أن يَقْتُل من عبده. فجلسوا بالأفنية وأصْلَتَ عليهم القومُ السيوف ، فجعلوا يقتلونهم ، وبكى موسى ، وَبَهَش إليه النساء والصبيان ، يطلبون العفو عنهم ، فتاب الله عليهم ، وعفا عنهم وأمر موسى أن ترفع عنهم السيوف.
وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم : لما رجع موسى إلى قومه ، وكان (2) سبعون (3) رجلا قد اعتزلوا مع هارون العجل لم يعبدوه. فقال لهم موسى : انطلقوا إلى موعد ربكم. فقالوا : يا موسى ، ما من (4) توبة ؟ قال : بلى ، { فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ } الآية ، فاخترطوا السيوف والجرزَة والخناجر والسكاكين. قال : وبعث عليهم ضبابة. قال : فجعلوا يتلامسون بالأيدي ، ويقتل بعضهم بعضًا. قال : ويلقى الرجل أباه وأخاه فيقتله ولا يدري. قال : ويتنادون [فيها] (5) : رحم الله عبدا صبر نفسه حتى يبلغ الله رضاه ، قال : فقتلاهم شهداء ، وتيب على أحيائهم ، ثم قرأ : { فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ }
{ وَإِذْ قُلْتُمْ يَا
__________
في جـ ، أ : "بعضهم بعضا".
في جـ : "وكانوا".
في أ : "سبعين".
في أ : "هل من".
زيادة من جـ ، ط ، ب ، أ.
(1/263)
مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (55) ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (56) }
يقول تعالى : واذكروا نعمتي عليكم في بعثي لكم بعد الصعق ، إذ سألتم رؤيتي جهرة عيانًا ، مما لا يستطاع (1) لكم ولا لأمثالكم ، كما قال ابن جريج ، قال ابن عباس في هذه الآية : { وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً } قال : علانية.
وكذا قال إبراهيم بن طهمان عن عباد بن إسحاق ، عن أبي الحويرث ، عن ابن عباس ، أنه قال في قول الله تعالى : { لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً } أي علانية ، أي حتى نرى الله.
وقال قتادة ، والربيع بن أنس : { حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً } أي عيانا.
وقال أبو جعفر عن الربيع بن أنس : هم السبعون الذين اختارهم موسى فساروا معه. قال : فسمعوا كلاما ، فقالوا : { لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً } قال : فسمعوا صوتًا فصعقوا ، يقول : ماتوا.
وقال مروان بن الحكم ، فيما خطب به على منبر مكة : الصاعقة : صيحة من السماء.
وقال السدي في قوله : { فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ } الصاعقة : نار.
وقال عروة بن رويم في قوله : { وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ } قال : فصعق بعضهم وبعض ينظرون (2) ، ثم بعث هؤلاء وصعق هؤلاء.
وقال السدي : { فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ } فماتوا ، فقام موسى يبكي ويدعو الله ، ويقول : رب ، ماذا أقول لبني إسرائيل إذا أتيتهم وقد أهلكت خيارهم { لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا } [الأعراف : 155]. فأوحى الله إلى موسى أن هؤلاء السبعين ممن اتخذوا العجل ، ثم إن الله أحياهم فقاموا وعاشوا (3) رجلٌ رجلٌ ، ينظر (4) بعضهم إلى بعض : كيف يحيون ؟ قال : فذلك قوله تعالى : { ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ }
وقال الربيع بن أنس : كان موتهم عقوبة لهم ، فبعثوا من بعد الموت ليستوفوا آجالهم. وكذا قال قتادة.
وقال ابن جرير : حدثنا محمد بن حميد ، حدثنا سلمة بن الفضل ، عن محمد بن إسحاق ، قال : لما رجع موسى إلى قومه فرأى ما هم عليه من عبادة العجل ، وقال لأخيه وللسامري ما قال ، وحَرّق العجل وذَرّاه في اليم ، اختار موسى منهم سبعين (5) رجلا الخَيِّرَ فالخير ، وقال : انطلقوا إلى الله وتوبوا إلى الله مما صنعتم وسلوه التوبة على من تركتم وراءكم من قومكم ، صوموا وتطهروا وطهروا ثيابكم. فخرج بهم إلى طور سيناء (6) لميقات وقَّتَه له ربه ، وكان لا يأتيه إلا بإذن منه وعِلْم ، فقال له السبعون ، فيما ذكر لي ، حين صنعوا ما أمروا به وخرجوا للقاء الله ، قالوا : يا موسى ، اطلب لنا إلى ربك نسمع كلام ربنا ، فقال : أفعل. فلما دنا موسى من الجبل ، وقع عليه الغمام حتى تغشى الجبل كله ، ودنا موسى فدخل فيه ، وقال للقوم : ادنوا. وكان موسى إذا كلمه الله (7) وقع على جبهته نور ساطع ،
__________
في جـ : "يتطلع".
في جـ : "ينظر".
في جـ ، ط ، ب : "وعاش".
في جـ ، ط ، ب : "فنظر".
في جـ : "سبعون" وهو خطأ.
في جـ : "الطور سينين".
في جـ : "كلمه ربه".
(1/264)
لا يستطيع أحد من بني آدم أن ينظر إليه ، فضرب دونه (1) بالحجاب ، ودنا القوم حتى إذا دخلوا في الغمام وقعوا سجودا (2) فسمعوه وهو يكلم موسى يأمره وينهاه : افعل ولا تفعل. فلما فرغ إليه من أمره انكشف عن موسى الغمام ، فأقبل إليهم ، فقالوا لموسى : { لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً } فأخذتهم الرجفة (3) ، وهي الصاعقة ، فماتوا جميعًا. وقام موسى يناشد ربه ويدعوه ويرغب إليه ، ويقول : { رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ [وَإِيَّايَ ] (4) } [الأعراف : 155] قد سفهوا ، أفتهلك من ورائي من بني إسرائيل بما يفعل السفهاء منا ؟ أي : إن هذا لهم هلاك. اخترتُ منهم سبعين رجلا الخَيِّر فالخير ، أرجع إليهم وليس معي منهم رجل واحد! فما الذي يصدقوني به ويأمنوني عليه بعد هذا ؟ { إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ } [الأعراف : 156] فلم يزل موسى يناشد ربه عز وجل ، ويطلب إليه حتى ردّ إليهم أرواحهم ، وطلب إليه التوبة لبني إسرائيل من عبادة العجل ، فقال : لا ؛ إلا أن يقتلوا أنفسهم (5).
هذا سياق محمد بن إسحاق.
وقال إسماعيل بن عبد الرحمن السدي الكبير : لما تابت بنو إسرائيل من عبادة العجل وتاب الله عليهم بقتل بعضهم بعضا كما أمرهم به ، أمر الله موسى أن يأتيه في كل أناس من بني إسرائيل ، يعتذرون إليه من عبادة العجل ، ووعدهم موسى ، فاختار موسى قومه سبعين رجلا على عَينه ، ثم ذهب بهم ليعتذروا. وساق البقية.
[وهذا السياق يقتضي أن الخطاب توجه إلى بني إسرائيل في قوله : { وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً } والمراد السبعون المختارون منهم ، ولم يحك كثير من المفسرين سواه ، وقد أغرب فخر الدين الرازي في تفسيره حين حكى في قصة هؤلاء السبعين : أنهم بعد إحيائهم قالوا : يا موسى ، إنك لا تطلب من الله شيئا إلا أعطاك ، فادعه أن يجعلنا أنبياء ، فدعا بذلك فأجاب الله دعوته ، وهذا غريب جدا ، إذ لا يعرف في زمان موسى نبي سوى هارون ثم يوشع بن نون ، وقد غلط أهل الكتاب أيضًا في دعواهم أن هؤلاء رأوا الله عز وجل ، فإن موسى الكليم ، عليه السلام ، قد سأل ذلك فمنع منه فكيف يناله هؤلاء السبعون ؟
القول الثاني في الآية] (6) قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم في تفسير هذه الآية : قال لهم موسى - لما رجع من عند ربه بالألواح ، قد كتب فيها التوراة ، فوجدهم يعبدون العجل ، فأمرهم بقتل أنفسهم ، ففعلوا ، فتاب الله عليهم ، فقال : إن هذه الألواح فيها كتاب الله ، فيه (7) أمركم الذي أمركم به ونهيكم الذي نهاكم عنه. فقالوا : ومن يأخذه بقولك أنت ؟ لا والله حتى نرى الله جهرة ، حتى
__________
في جـ : "دونهما".
في جـ : "سجدا".
في ط : "الصاعقة".
زيادة من جـ ، ط ، أ ، و.
تفسير الطبري (2/77).
زيادة من جـ ، ط ، ب ، أ ، و.
في جـ : "فيها كتاب الله الذي".
(1/265)
وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ وَأَنْزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (57)
يطلع الله علينا فيقول : هذا كتابي فخذوه ، فما له لا يكلمنا كما يكلمك أنت يا موسى! وقرأ قول الله : { لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً } قال : فجاءت غضبة من الله ، فجاءتهم صاعقة بعد التوبة ، فصعقتهم فماتوا أجمعون. قال : ثم أحياهم الله من بعد موتهم ، وقرأ قول الله : { ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ } فقال لهم موسى : خذوا كتاب الله. فقالوا : لا فقال : أي شيء أصابكم ؟ فقالوا : أصابنا أنا متنا ثم حَيِينا. قال (1) : خذوا كتاب الله. قالوا : لا. فبعث الله ملائكة فنتقت الجبل فوقهم.
[وهذا السياق يدل على أنهم كلفوا بعد ما أحيوا. وقد حكى الماوردي في ذلك قولين : أحدهما : أنه سقط التكليف عنهم لمعاينتهم الأمر جهرة حتى صاروا مضطرين إلى التصديق ؛ والثاني : أنهم مكلفون لئلا يخلو عاقل من تكليف ، قال القرطبي : وهذا هو الصحيح لأن معاينتهم للأمور الفظيعة لا تمنع تكليفهم ؛ لأن بني إسرائيل قد شاهدوا أمورًا عظامًا من خوارق العادات ، وهم في ذلك مكلفون وهذا واضح ، والله أعلم] (2).
== { وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ وَأَنزلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (57) } ==
لما ذكر تعالى ما دفعه عنهم من النقم ، شرع يذكرهم - أيضا - بما أسبغ عليهم من النعم ، فقال : { وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ } وهو جمع غمامة ، سمي بذلك لأنه يَغُمّ السماء ، أي : يواريها ويسترها. وهو السحاب الأبيض ، ظُلِّلوا به في التيه ليقيهم حر الشمس. كما رواه النسائي وغيره عن ابن عباس في حديث الفُتُون ، قال : ثم ظلل عليهم في التيه بالغمام.
قال ابن أبي حاتم : وروي عن ابن عمر ، والربيع بن أنس ، وأبي مجلز ، والضحاك ، والسدي ، نحو قول ابن عباس.
وقال الحسن وقتادة : { وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ } [قال] (3) كان هذا في البرية (4) ظلل عليهم الغمام من الشمس.
وقال ابن جرير (5) قال آخرون : وهو غمام أبرد من هذا ، وأطيب.
وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي ، حدثنا أبو حذيفة ، حدثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد : { وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ } (6) قال : ليس بالسحاب ، هو الغمام الذي يأتي الله فيه يوم القيامة ، ولم يكن إلا لهم.
وهكذا رواه ابن جرير ، عن المثنى بن إبراهيم ، عن أبي حذيفة.
__________
في جـ : "فقال".
زيادة من جـ ، ط ، أ ، و.
زيادة من جـ ، ط.
في أ : "في التيه".
في جـ ، ط : "ابن جريج".
في جـ ، ط : "عليهم" وهو خطأ.
(1/266)
وكذا رواه الثوري ، وغيره ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، وكأنه يريد ، والله أعلم ، أنه ليس من زِيّ هذا السحاب ، بل أحسن منه وأطيب وأبهى منظرا ، كما قال سنيد في تفسيره عن حجاج بن محمد ، عن ابن جريج قال : قال ابن عباس : { وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ } قال : غمام أبرد من هذا وأطيب ، وهو الذي يأتي الله فيه في قوله : { هَلْ يَنْظُرُونَ إِلا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلائِكَةُ } [البقرة : 210] وهو الذي جاءت فيه الملائكة يوم بدر. قال ابن عباس : وكان معهم في التيه.
وقوله : { وَأَنزلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ } اختلفت عبارات المفسرين في المن : ما هو ؟ فقال علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس : كان المن ينزل عليهم على الأشجار ، فيغدون إليه فيأكلون منه ما شاؤوا.
وقال مجاهد : المن : صمغة. وقال عكرمة : المن : شيء أنزله الله عليهم مثل الطل ، شبه الرِّبِ الغليظ.
وقال السدي : قالوا : يا موسى ، كيف لنا بما هاهنا ؟ أين الطعام ؟ فأنزل الله عليهم المن ، فكان يسقط على شجر (1) الزنجبيل.
وقال قتادة : كان المن ينزل عليهم في محلتهم (2) سقوط الثلج ، أشد بياضا من اللبن ، وأحلى من العسل ، يسقط عليهم من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس ، يأخذ الرجل منهم قدر ما يكفيه يومه ذلك ؛ فإذا تعدى ذلك فسد ولم يبق ، حتى إذا كان يوم سادسه ، ليوم جمعته ، أخذ ما يكفيه ليوم سادسه ويوم سابعه ؛ لأنه كان يوم عيد لا يشخص فيه لأمر معيشته ولا يطلبه لشيء ، وهذا كله في البرية.
وقال الربيع بن أنس : المن شراب كان ينزل عليهم مثل العسل ، فيمزجونه بالماء ثم يشربونه.
وقال وهب بن منبه - وسئل عن المن - فقال : خبز الرقاق مثل الذرة أو مثل النَقيِّ.
وقال أبو جعفر بن جرير : حدثني أحمد بن إسحاق ، حدثنا أبو أحمد ، حدثنا إسرائيل ، عن جابر ، عن عامر وهو الشعبي ، قال : عسلكم هذا جزء من سبعين جزءا من المن.
وكذا قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم : إنه العسل.
ووقع في شعر أمية بن أبي الصلت ، حيث قال :
فرأى الله أنهم بمضيع... لا بذي مزرع ولا مثمورا...
فسناها عليهم غاديات... وترى مزنهم خلايا وخورا...
عسلا ناطفا وماء فراتا... وحليبا ذا بهجة مرمورا (3)
__________
في ط : "الشجرة" ، وفي ب : "الشجر".
في أ : "في نخلتهم".
الأبيات في تفسير الطبري (2/94 ، 95).
(1/267)
فالناطف : هو السائل ، والحليب المرمور : الصافي منه.
والغرض أن عبارات المفسرين متقاربة في شرح المن ، فمنهم من فسره بالطعام ، ومنهم من فسره بالشراب ، والظاهر ، والله أعلم ، أنه (1) كل ما امتن الله به عليهم من طعام وشراب (2) ، وغير ذلك ، مما ليس لهم فيه عمل ولا كد ، فالمن المشهور إن أكل وحده كان طعاما وحلاوة ، وإن مزج مع الماء صار شرابا طيبا ، وإن ركب مع غيره صار نوعا آخر ، ولكن ليس هو المراد من الآية وحده ؛ والدليل على ذلك قول البخاري :
حدثنا أبو نعيم ، حدثنا سفيان ، عن عبد الملك ، عن عمر بن حريث (3) عن سعيد (4) بن زيد ، رضي الله عنه ، قال : قال النبي {{ص}} : "الكمأة من المن ، وماؤها شفاء للعين".
وهذا الحديث رواه الإمام أحمد ، عن سفيان بن عيينة ، عن عبد الملك ، وهو ابن عمير ، به (5).
وأخرجه الجماعة في كتبهم ، إلا أبا داود ، من طرق عن عبد الملك ، وهو ابن عمير ، به (6). وقال الترمذي : حسن صحيح ، ورواه البخاري ومسلم والنسائي من رواية الحكم ، عن الحسن العُرَني ، عن عمرو بن حريث ، به (7).
وقال الترمذي : حدثنا أبو عبيدة بن أبي السفر ومحمود بن غَيْلان ، قالا حدثنا سعيد بن عامر ، عن محمد بن عمرو ، عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة ، قال : قال رسول الله {{ص}} : "العجوة من الجنة ، وفيها شفاء من السم ، والكمأة من المن وماؤها شفاء للعين" (8).
تفرد بإخراجه الترمذي ، ثم قال : هذا حديث حسن غريب ، لا نعرفه إلا من حديث محمد بن عمرو ، وإلا من حديث سعيد (9) بن عامر ، عنه ، وفي الباب عن سعيد بن زيد ، وأبي سعيد وجابر.
كذا قال ، وقد رواه الحافظ أبو بكر بن مردويه في تفسيره ، من طريق آخر ، عن أبي هريرة ، فقال : حدثنا أحمد بن الحسن (10) بن أحمد البصري ، حدثنا أسلم بن سهل ، حدثنا القاسم بن عيسى ، حدثنا طلحة بن عبد الرحمن ، عن قتادة (11) عن سعيد بن المسيب ، عن أبي هريرة ، قال : قال رسول الله {{ص}} : "الكمأة من المن ، وماؤها شفاء للعين".
وهذا حديث غريب من هذا الوجه ، وطلحة بن عبد الرحمن هذا سلمي واسطي ، يكنى بأبي
__________
في جـ : "أن".
في جـ : "أو شراب".
في جـ : "حوشب".
في جـ : "سفيان".
صحيح البخاري برقم (4478) والمسند (1/187).
صحيح البخاري برقم (4639) وصحيح مسلم برقم (2049) وسنن الترمذي برقم (2067) وسنن النسائي الكبرى برقم (6667).
صحيح البخاري برقم (5708) وصحيح مسلم برقم (2049) وسنن النسائي الكبرى برقم (10988).
سنن الترمذي برقم (3013).
في جـ : "محمد".
في جـ ، أ ، و : "الحسين".
في جـ : "عبادة".
(1/268)
محمد ، وقيل : أبو سليمان المؤدب قال فيه الحافظ أبو أحمد بن عدي : روى عن قتادة أشياء لا يتابع عليها (1).
ثم قال [الترمذي] (2) حدثنا محمد بن بشار ، حدثنا معاذ بن هشام ، حدثنا أبي ، عن قتادة ، عن شهر بن حوشب ، عن أبي هريرة : أن ناسا من أصحاب النبي {{ص}} قالوا : الكمأة جدري الأرض ، فقال نبي الله {{ص}} : "الكمأة من المن ، وماؤها شفاء للعين ، والعجوة من الجنة وهي شفاء من السم".
وهذا الحديث قد رواه النسائي ، عن محمد بن بشار ، به (3). وعنه ، عن غندر ، عن شعبة ، عن أبي بشر جعفر بن إياس ، عن شهر بن حوشب ، عن أبي هريرة ، به (4). وعن محمد بن بشار ، عن عبد الأعلى ، عن خالد الحذاء ، عن شهر بن حوشب. بقصة الكمأة فقط (5).
وروى النسائي - أيضا - وابن ماجه من حديث محمد بن بشار ، عن أبي عبد الصمد عبد العزيز بن عبد الصمد ، عن مطر الوراق ، عن شهر : بقصة العجوة عند النسائي ، وبالقصتين عند ابن ماجه (6).
وهذه الطريق منقطعة بين شهر بن حوشب وأبي هريرة فإنه لم يسمعه (7) منه ، بدليل ما رواه النسائي في الوليمة من سننه ، عن علي بن الحسين الدرهمي (8) عن عبد الأعلى ، عن سعيد بن أبي عروبة ، عن قتادة ، عن شهر بن حوشب ، عن عبد الرحمن بن غَنْم ، عن أبي هريرة ، قال : خرج رسول الله {{ص}} وهم يذكرون الكمأة ، وبعضهم يقول (9) جدري الأرض ، فقال : "الكمأة من المن ، وماؤها شفاء للعين" (10).
وروي عن شهر بن حوشب عن أبي سعيد وجابر ، كما قال الإمام أحمد :
حدثنا أسباط بن محمد ، حدثنا الأعمش ، عن جعفر بن إياس ، عن شهر بن حوشب ، عن جابر بن عبد الله وأبي سعيد الخدري ، قالا قال
__________
الكامل لابن عدي (4/114).
زيادة من جـ ، ط ، أ ، و.
هو في سنن النسائي الكبرى برقم (6671) عن نصير بن الفرج ، عن معاذ بن هشام به ، ولم أقع عليه عن محمد بن بشار ، وقد ذكره المزي عن محمد بن بشار في تحفة الأشراف (10/112).
سنن النسائي الكبرى برقم (6673).
سنن النسائي الكبرى برقم (6672).
سنن ابن ماجة برقم (3400).
في جـ : "لم يسمع".
في جـ : "الدهرمي".
في جـ : "وبعضهم يذكرون".
سنن النسائي الكبرى برقم (6670).
(1/269)
رسول الله {{ص}} : "الكمأة من المن وماؤها شفاء للعين والعجوة من الجنة وهي شفاء من السم" (1).
قال (2) النسائي في الوليمة أيضا : حدثنا محمد بن بشار ، حدثنا محمد بن جعفر ، حدثنا شعبة ، عن أبي بشر جعفر بن إياس عن شهر بن حوشب ، عن أبي سعيد وجابر ، رضي الله عنهما ، أن رسول الله {{ص}} قال : "الكمأة من المن ، وماؤها شفاء للعين" (3). ثم رواه - أيضا - ، وابن ماجه من طرق ، عن الأعمش ، عن أبي بشر ، عن شهر ، عنهما ، به (4).
وقد رويا (5) - أعني النسائي (6) وابن ماجه - من حديث سعيد بن مسلم (7) كلاهما عن الأعمش ، عن جعفر بن إياس عن أبي نضرة ، عن أبي سعيد ، زاد النسائي : [وحديث] (8) جابر ، عن النبي {{ص}} قال : "الكمأة من المن ، وماؤها شفاء للعين" (9).
ورواه ابن مردويه ، عن أحمد بن عثمان ، عن عباس الدوري ، عن لاحق بن صواب (10) عن عمار بن رزيق (11) عن الأعمش ، كابن ماجه.
وقال ابن مردويه أيضا : حدثنا أحمد بن عثمان ، حدثنا عباس الدوري ، حدثنا الحسن (12) بن الربيع ، حدثنا أبو الأحوص ، عن الأعمش ، عن المنهال بن عمرو ، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى ، عن أبي سعيد الخدري ، قال : خرج علينا رسول الله {{ص}} وفي يده كمآت ، فقال : "الكمأة من المن ، وماؤها شفاء للعين".
وأخرجه النسائي ، عن عمرو بن منصور ، عن الحسن بن الربيع (13) ثم [رواه] (14) ابن مردويه. رواه أيضا عن عبد الله بن إسحاق عن الحسن بن سلام ، عن عبيد الله بن موسى ، عن شيبان (15) عن الأعمش به ، وكذا رواه النسائي عن أحمد بن عثمان بن حكيم ، عن عبيد الله بن موسى [به] (16) (17).
وقد روى من حديث أنس بن مالك ، رضي الله عنه كما قال ابن مردويه :
حدثنا محمد بن عبد الله بن إبراهيم ، حدثنا حمدون بن أحمد ، حدثنا حوثرة بن أشرس ، حدثنا حماد ، عن شعيب بن الحبحاب (18) عن أنس : أن أصحاب رسول الله (19) {{ص}} تدارؤوا (20) في الشجرة التي اجتثت من فوق الأرض ما لها من قرار ، فقال بعضهم : نحسبه الكمأة. فقال رسول الله {{ص}} : "الكمأة من المن وماؤها شفاء للعين ، والعجوة من الجنة ، وفيها شفاء من السم" (21).
__________
المسند (3/48).
في جـ ، ط : "وقال".
لم أقع عليه في المطبوع من سنن النسائي الكبرى.
سنن ابن ماجة برقم (3453) ولم أقع عليه في سنن النسائي الكبرى المطبوعة.
في جـ : "وقد روياه".
في جـ ، و : "النسائي من حديث جرير".
في جـ : "مسلمة".
زيادة من جـ ، و.
سنن النسائي الكبرى برقم (6676 ، 6677) وسنن ابن ماجة برقم (3453) لكن وقع في سنن النسائي عن جرير عن الأعمش والله أعلم.
في جـ : "صوان".
في جـ : "زريق".
في جـ : "الحسين".
لم أقع عليه في المطبوع من سنن النسائي الكبرى.
زيادة من جـ ، ط ، أ ، و.
في جـ : "سفيان".
زيادة من جـ ، ط ، أ.
سنن النسائي الكبرى برقم (6678).
في جـ : "ابن الحجاب" ، وفي أ : "ابن الحجاج".
في جـ : "أصحاب النبي".
ف جـ : "تذاكروا".
ورواه ابن عدي في الكامل (2/370) من طريق حسان بن سياه عن ثابت عن أنس بنحوه.
(1/270)
وهذا الحديث محفوظ أصله من رواية حماد بن سلمة. وقد روى الترمذي والنسائي من طريقه شيئاً من هذا ، والله أعلم (1) (2).
[وقد] (3) روي عن شهر ، عن ابن عباس ، كما رواه النسائي - أيضًا - في الوليمة ، عن أبي بكر أحمد بن علي بن سعيد ، عن عبد الله بن عون الخَرّاز ، عن أبي عبيدة الحداد ، عن عبد الجليل بن عطية ، عن شهر ، عن عبد الله بن عباس ، عن النبيّ {{ص}} قال : "الكمأة من المن ، وماؤها شفاء للعين" (4).
فقد اختلف - كما ترى فيه - على شهر بن حوشب ، ويحتمل عندي أنه حفظه ورواه من هذه الطرق كلها ، وقد سمعه من بعض الصحابة وبلغه عن بعضهم ، فإن الأسانيد إليه جيدة ، وهو لا يتعمد الكذب ، وأصل الحديث محفوظ عن رسول الله {{ص}} ، كما تقدم من رواية سعيد بن زيد.
وأما السلوى فقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس : السلوى طائر شبيه بالسُّمَّانى ، كانوا يأكلون منه.
وقال السدي في خَبر ذكره عن أبي مالك وعن أبي صالح ، عن ابن عباس - وعن مُرّة ، عن ابن مسعود ، وعن ناس (5) من الصحابة : السلوى : طائر يشبه السُّمَّانَى.
وقال ابن أبي حاتم : حدثنا الحسن بن محمد بن الصباح ، حدثنا عبد الصمد بن عبد الوارث ، حدثنا قرّة بن خالد ، عن جهضم ، عن ابن عباس ، قال : السلوى : هو السمَّانى.
وكذا قال مجاهد ، والشعبي ، والضحاك ، والحسن ، وعكرمة ، والربيع بن أنس ، رحمهم الله.
وعن عكرمة : أما السلوى فطير (6) كطير يكون بالجنة (7) أكبر من العصفور ، أو نحو ذلك.
وقال قتادة : السلوى من طير إلى الحمرة ، تحشُرها عليهم الريحُ الجنَوبُ. وكان الرجل يذبح منها قدر ما يكفيه يومه ذلك ، فإذا تعدى فسد ولم يبق عنده ، حتى إذا كان يوم سادسه ليوم جمعته (8) أخذ ما يكفيه ليوم سادسه ويوم سابعه ؛ لأنه كان يوم عبادة لا يشخص فيه لشيء ولا يطلبه.
وقال وهب بن منبه : السلوى : طير سمين مثل الحمام ، كان يأتيهم فيأخذون منه من سبت إلى سبت. وفي رواية عن وهب ، قال : سألَتْ بنو إسرائيل موسى عليه السلام ، اللحم ، فقال الله : لأطعمنهم من أقل لحم يعلم في الأرض ، فأرسل عليهم ريحًا ، فأذرت عند مساكنهم السلوى ، وهو السمانى (9) مثل ميل في ميل قيدَ رمح إلى (10) السماء فخبَّؤوا للغد فنتن اللحم وخنز الخبز.
__________
في جـ : "والله تبارك أعلم".
سنن الترمذي برقم (3119) وسنن النسائي الكبرى برقم (11262).
زيادة من ط.
سنن النسائي الكبرى برقم (6669).
في جـ ، ط : "وعن أناس".
في جـ : "فيطير".
في و : "في الجنة".
في جـ : "جمعة".
في جـ : "السمان".
في جـ : "في".
(1/271)
وقال السدي : لما دخل بنو إسرائيل التيه ، قالوا لموسى ، عليه السلام : كيف لنا بما هاهنا ؟ أين الطعام ؟ فأنزل الله عليهم الَمنّ فكان يسقط على الشجر (1) الزنجبيل ، والسلوى وهو طائر يشبه السمانى أكبر منه ، فكان يأتي أحدهم فينظر إلى الطير ، فإن كان سمينا ذبحه وإلا أرسله ، فإذا سمن أتاه ، فقالوا : هذا الطعام فأين الشراب ؟ فَأُمِر موسى فضرب بعصاه الحجر ، فانفجرت (2) منه اثنتا عشرة عينًا ، فشرب كل سبط من عين ، فقالوا : هذا الشراب ، فأين الظل ؟ فَظَلَّل عليهم الغمام. فقالوا : هذا الظل ، فأين اللباس ؟ فكانت ثيابهم (3) تطول معهم كما يطول الصبيان ، ولا يَنْخرق لهم ثوب ، فذلك قوله تعالى : { وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ وَأَنزلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى } وقوله { وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ } [البقرة : 60].
وروي عن وهب بن منبه ، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم نحو ما قاله السدي.
وقال سُنَيْد ، عن حجاج ، عن ابن جُرَيْج ، قال : قال ابن عباس : خُلق لهم في التيه ثياب لا تخرق (4) ولا تدرن ، قال ابن جريج : فكان الرجل إذا أخذ من المن والسلوى فوق طعام يوم فسد ، إلا أنهم كانوا يأخذون في يوم الجمعة طعام يوم السبت فلا يصبح فاسدًا.
[قال ابن عطية : السلوى : طير بإجماع المفسرين ، وقد غلط الهذلي في قوله : إنه العسل ، وأنشد في ذلك مستشهدًا :
وقاسمها بالله جهدًا لأنتم... ألذ من السلوى إذا ما أشورها...
قال : فظن أن السلوى عسلا (5) قال القرطبي : دعوى الإجماع لا تصح ؛ لأن المؤرخ أحد علماء اللغة والتفسير قال : إنه العسل ، واستدل ببيت الهذلي هذا ، وذكر أنه كذلك في لغة كنانة ؛ لأنه يسلى به ومنه عين سلوان ، وقال الجوهري : السلوى العسل ، واستشهد ببيت الهذلي - أيضا - ، والسلوانة بالضم خرزة ، كانوا يقولون إذا صب عليها ماء المطر فشربها العاشق سلا قال الشاعر :
شربت على سلوانة ماء مزنة... فلا وجديد العيش يا مي ما أسلو...
واسم ذلك الماء السلوان ، وقال بعضهم : السلوان دواء يشفي الحزين فيسلو والأطباء يسمونه(مُفَرِّح) ، قالوا : والسلوى جمع بلفظ - الواحد - أيضًا ، كما يقال : سمانى للمفرد والجمع ودِفْلَى كذلك ، وقال الخليل واحده سلواة ، وأنشد :
وإني لتعروني لذكراك هزة... كما انتفض السلواة من بلل القطر...
__________
في جـ : "على شجر".
في جـ ، ب : "فانفجر".
في جـ : "لباسهم".
في جـ : "لا تخلق".
المحرر الوجيز لابن عطية (1/229).
(1/272)
وقال الكسائي : السلوى واحدة وجمعه سلاوي ، نقله كله القرطبي (1) ] (2).
وقوله تعالى : { كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ } أمر إباحة وإرشاد وامتنان. وقوله : { وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ } [البقرة : 57] ، أي أمرناهم بالأكل مما رزقناهم وأن يعبدوا ، كما قال : { كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ } [سبأ : 15] فخالفوا وكفروا فظلموا أنفسهم ، هذا مع ما شاهدوه من الآيات البينات والمعجزات القاطعات ، وخوارق العادات ، ومن هاهنا تتبين فضيلة أصحاب محمد {{ص}} (3) ورضي عنهم ، على سائر أصحاب الأنبياء في صبرهم وثباتهم وعدم تعنتهم ، كما كانوا معه في أسفاره وغزواته ، منها عام تبوك ، في ذلك القيظ والحر الشديد والجهد ، لم يسألوا خرق عادة ، ولا إيجاد أمر ، مع أن ذلك كان سهلا على الرسول {{ص}} ، ولكن لما أجهدهم الجوع سألوه في تكثير طعامهم فجمعوا ما معهم ، فجاء قدر مَبْرك الشاة ، فدعا [الله] (4) فيه ، وأمرهم فملؤوا كل وعاء معهم ، وكذا لما احتاجوا إلى الماء سأل الله تعالى ، فجاءت سحابة فأمطرتهم ، فشربوا وسقوا الإبل وملؤوا أسقيتهم. ثم نظروا فإذا هي لم تجاوز العسكر. فهذا هو الأكمل في الاتباع : المشي مع قدر الله ، مع متابعة الرسول {{ص}}.
__________
تفسير القرطبي (1/408).
زيادة من جـ ، ط ، ب ، أ ، و.
في ط : "صلوات الله وسلامه عليه.
زيادة من جـ ، ط ، ب ، أ ، و.
(1/273)
== { وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ وَسَنزيدُ الْمُحْسِنِينَ (58) فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنزلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (59) } ==
يقول تعالى لائمًا لهم على نكولهم عن الجهاد ودخول (1) الأرض المقدسة ، لما قدموا من بلاد مصر صحبة موسى ، عليه السلام ، فأمروا بدخول الأرض المقدسة التي هي ميراث لهم عن أبيهم إسرائيل ، وقتال من فيها من العماليق الكفرة ، فنكلوا عن قتالهم وضعفوا واستحسروا ، فرماهم الله في التيه عقوبة لهم ، كما ذكره تعالى في سورة المائدة ؛ ولهذا كان أصح القولين أن هذه البلدة هي بيت المقدس ، كما نص على ذلك السدي ، والرّبيع بن أنس ، وقتادة ، [وأبو مسلم الأصفهاني وغير واحد وقد قال الله تعالى : { يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الأرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ } الآيات] (2).[المائدة : 21 - 24]
وقال آخرون : هي أريحا [ويحكى عن ابن عباس وعبد الرحمن بن زيد] (3) وهذا بعيد ؛ لأنها ليست على طريقهم ، وهو قاصدون بيت المقدس لا أريحا [وأبعد من ذلك قول من ذهب أنها مصر ، حكاه فخر الدين في تفسيره ، والصحيح هو الأول ؛ لأنها بيت المقدس] (4). وهذا كان لما خرجوا من
__________
في ب : "عن دخولهم".
زيادة من جـ ، ط ، ب ، أ ، و.
زيادة من جـ ، ط ، ب ، أ ، و.
زيادة من جـ ، ط ، ب ، أ ، و.
(1/273)
التيه بعد أربعين سنة مع يوشع بن نون ، عليه السلام ، وفتحها الله عليهم عشية جمعة ، وقد حبست لهم الشمس يومئذ قليلا حتى أمكن الفتح ، وأما أريحا فقرية ليست مقصودة لبني إسرائيل ، ولما فتحوها أمروا أن يدخلوا الباب - باب البلد - { سُجَّدًا } أي : شكرًا لله تعالى على ما أنعم به عليهم من الفتح والنصر ، وردّ بلدهم (1) إليهم وإنقاذهم من التيه والضلال.
قال العوفي في تفسيره ، عن ابن عباس أنه كان يقول في قوله : { وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا } أي ركعا.
وقال ابن جرير : حدثنا محمد بن بشار ، حدثنا أبو أحمد الزبيري ، حدثنا سفيان ، عن الأعمش ، عن المنهال بن عمرو ، وعن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس في قوله : { وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا } قال : ركعا (2) من باب صغير.
رواه الحاكم من حديث سفيان ، به. ورواه ابن أبي حاتم من حديث سفيان ، وهو الثوري ، به (3). وزاد : فدخلوا من قبل أستاههم.
[وقال الحسن البصري : أمروا أن يسجدوا على وجوههم حال دخولهم ، واستبعده الرازي ، وحكى عن بعضهم : أن المراد بالسجود هاهنا الخضوع لتعذر حمله على حقيقته] (4).
وقال خصيف : قال عكرمة ، قال ابن عباس : كان الباب قبل القبلة.
وقال [ابن عباس و] (5) مجاهد ، والسدي ، وقتادة ، والضحاك : هو باب الحطة من باب إيلياء ببيت المقدس ، [وحكى الرازي عن بعضهم أنه عن باب جهة من جهات القرية] (6).
وقال خَصِيف : قال عكرمة : قال ابن عباس : فدخلوا على شق ، وقال السدي ، عن أبي سعيد الأزدي ، عن أبي الكنُود ، عن عبد الله بن مسعود : وقيل لهم ادخلوا الباب سجدا ، فدخلوا مقنعي رؤوسهم ، أي : رافعي رؤوسهم خلاف ما أمروا.
وقوله : { وَقُولُوا حِطَّةٌ } قال الثوري عن الأعمش ، عن المنهال ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس : { وَقُولُوا حِطَّةٌ } قال : مغفرة ، استغفروا.
وروي عن عطاء ، والحسن ، وقتادة ، والربيع بن أنس ، نحوه.
وقال الضحاك عن ابن عباس : { وَقُولُوا حِطَّةٌ } قال : قولوا : هذا الأمر حق ، كما قيل لكم.
وقال عكرمة : قولوا : لا إله إلا الله.
وقال الأوزاعي : كتب ابن عباس إلى رجل قد سماه يسأله عن قوله تعالى : { وَقُولُوا حِطَّةٌ }
__________
في جـ : "بلادهم".
في جـ : "أي ركعا".
تفسير الطبري (2/113) والمستدرك (2/262) وتفسير ابن أبي حاتم (1/182).
زيادة من جـ ، ط ، ب ، أ ، و.
زيادة من جـ ، ط ، ب ، أ ، و.
زيادة من جـ ، ط ، ب ، أ ، و.
(1/274)
فكتب إليه : أن أقروا بالذنب.
وقال الحسن وقتادة : أي احطط عنا خطايانا.
{ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ وَسَنزيدُ الْمُحْسِنِينَ } هذا جواب الأمر ، أي : إذا فعلتم ما أمرناكم غفرنا لكم الخطيئات وضعفنا لكم الحسنات.
وحاصل الأمر : أنهم أمروا أن يخضعوا لله تعالى عند الفتح بالفعل والقول ، وأن يعترفوا بذنوبهم ويستغفروا منها ، والشكر على النعمة عندها والمبادرة إلى ذلك من المحبوب لله تعالى ، كما قال تعالى : { إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا } [سورة النصر] فسره بعض الصحابة بكثرة الذكر والاستغفار عند الفتح والنصر ، وفسره ابن عباس بأنه نُعي إلى رسول الله {{ص}} أجله فيها ، وأقره على ذلك عمر [بن الخطاب] (1) رضي الله عنه. ولا منافاة بين أن يكون قد أمر بذلك عند ذلك ، ونعي إليه روحه الكريمة أيضًا ؛ ولهذا كان عليه السلام يظهر عليه الخضوع جدًا عند النصر ، كما روي أنه كان يوم الفتح - فتح مكة - داخلا إليها من الثنية العليا ، وإنَّه الخاضع لربه حتى إن عُثْنونه ليمس مَوْرِك رحله ، يشكر الله على ذلك. ثم لما دخل البلد اغتسل وصلى ثماني ركعات وذلك ضُحى ، فقال بعضهم : هذه صلاة الضحى ، وقال آخرون : بل هي صلاة الفتح ، فاستحبوا للإمام وللأمير إذا فتح بلدًا أن يصلي فيه ثماني ركعات عند أول دخوله ، كما فعل سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه لما دخل إيوان كسرى صلى فيه ثماني ركعات ، والصحيح أنه يفصل بين كل ركعتين بتسليم ؛ وقيل : يصليها كلها بتسليم واحد ، والله أعلم.
وقوله تعالى : { فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ } قال البخاري : حدثني محمد ، حدثنا (2) عبد الرحمن بن مَهْدي ، عن ابن المبارك ، عن مَعْمَر ، عن هَمَّام بن مُنَبّه ، عن أبي هريرة ، رضي الله عنه ، عن النبي {{ص}} قال : "قيل لبني إسرائيل : { ادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ } فدخلوا يزحفون على أستاههم ، فبدّلوا وقالوا : حطة : حبة في شعرة" (3).
ورواه النسائي ، عن محمد بن إسماعيل بن إبراهيم ، عن (4) عبد الرحمن بن مهدي به موقوفا (5) وعن محمد بن عبيد بن محمد ، عن ابن المبارك ببعضه مسندًا ، في قوله تعالى : { حِطَّةٌ } قال : فبدلوا. فقالوا : حبة (6) (7).
__________
زيادة من جـ.
في جـ : "حدثني محمد بن".
صحيح البخاري برقم (4479).
في جـ ، ط : "بن".
سنن النسائي الكبرى برقم (10989).
في جـ : "فقال حنطة".
سنن النسائي الكبرى برقم (10990).
(1/275)
وقال عبد الرزاق : أنبأنا معمر ، عن هَمَّام بن مُنَبه أنه سمع أبا هريرة يقول : قال رسول الله {{ص}} : "قال الله لبني إسرائيل : { وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ } فبدلوا ، ودخلوا الباب يزحفون على أستاههم ، فقالوا : حبة في شعرة (1) ".
وهذا حديث صحيح ، رواه البخاري عن إسحاق بن نصر ، ومسلم عن محمد بن رافع. والترمذي عن عبد بن حميد ، كلهم عن عبد الرزاق ، به (2). وقال الترمذي : حسن صحيح.
وقال محمد بن إسحاق : كان تبديلهم (3) كما حدثني صالح بن كيسان ، عن صالح مولى التوأمة ، عن أبي هريرة ، وعمن لا أتهم ، عن ابن عباس : أن رسول الله {{ص}} قال : "دخلوا الباب - الذي أمروا أن يدخلوا فيه سجدًا - يزحفون على أستاههم ، وهم يقولون : حنطة في شعيرة" (4).
وقال أبو داود : حدثنا أحمد بن صالح ، وحدثنا سليمان بن داود ، حدثنا عبد الله بن وهب ، حدثنا هشام بن سعد ، عن زيد بن أسلم ، عن عطاء بن يسار ، عن أبي سعيد الخدري ، رضي الله عنه ، عن النبي {{ص}} : "قال الله لبني إسرائيل : { ادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ } ثم قال أبو داود : حدثنا جعفر بن مسافر ، حدثنا ابن أبي فديك ، عن هشام بن سعد ، مثله (5) (6).
هكذا رواه منفردًا به في كتاب الحروف مختصرًا.
وقال ابن مردويه : حدثنا عبد الله بن جعفر ، حدثنا إبراهيم بن مهدي ، حدثنا أحمد بن محمد بن المنذر القَزّاز ، حدثنا محمد بن إسماعيل بن أبي فديك ، عن (7) هشام بن سعد ، عن زيد بن أسلم ، عن عطاء بن يسار ، عن أبي سعيد الخدري ، قال : سرنا مع رسول الله {{ص}} حتى إذا كان من آخر الليل ، أجَزْنا في ثنية (8) يقال لها : ذات الحنظل ، فقال رسول الله {{ص}} : "ما مثل هذه الثنية الليلة إلا كمثل الباب الذي قال الله لبني إسرائيل : { ادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ } (9).
وقال سفيان الثوري ، عن أبي إسحاق ، عن البراء : { سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ } [البقرة : 142] قال اليهود : قيل لهم : ادخلوا الباب سجدًا ، قال : ركعًا ، وقولوا : حطة : أي مغفرة ، فدخلوا على
__________
في جـ ، ط : "شعيرة".
صحيح البخاري برقم (4641) وصحيح مسلم برقم (3015) وسنن الترمذي برقم (2956).
في جـ ، ط : "يتذيلهم".
ورواه الطبراني في تفسيره (2/112) عن محمد بن إسحاق ، عن صالح بن كيسان ، عن أبي هريرة ، عن محمد بن أبي محمد ، عن سعيد أو عكرمة عن ابن عباس.
في جـ : "بمثله".
سنن أبي داود برقم (4006).
في جـ : "حدثنا".
في جـ : "ضربة".
ورواه البزار في مسنده برقم (1812) عن إسحاق بن بهلول ، عن محمد بن إسماعيل بن أبي فديك به نحوه ، وقال الهيثمي في المجمع (6/144) : "رجاله ثقات".
(1/276)
أستاههم ، وجعلوا يقولون : حنطة حمراء فيها شعيرة (1) ، فذلك قول الله تعالى : { فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ }.
وقال الثوري ، عن السدي ، عن أبي سعد الأزدي ، عن أبي الكَنود ، عن ابن مسعود : { وَقُولُوا حِطَّةٌ } فقالوا : حنطة حبة حمراء فيها شعيرة (2) ، فأنزل الله : { فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ }
وقال أسباط ، عن السدي ، عن مرة ، عن ابن مسعود أنه قال : إنهم قالوا : "هُطِّي سمعاتا أزبة مزبا" فهي بالعربية : حبة حنطة حمراء مثقوبة (3) فيها شعرة سوداء ، فذلك قوله : { فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ }
وقال الثوري ، عن الأعمش ، عن المنهال ، عن سعيد ، عن ابن عباس في قوله : { ادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا } ركعًا من باب صغير ، فدخلوا (4) من قبل أستاههم ، وقالوا : حنطة ، فهو قوله تعالى : { فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ }
وهكذا روي عن عطاء ، ومجاهد ، وعكرمة ، والضحاك ، والحسن ، وقتادة ، والربيع بن أنس ، ويحيى بن رافع.
وحاصل ما ذكره المفسرون وما دل عليه السياق أنهم بدلوا أمر (5) الله لهم من الخضوع بالقول والفعل ، فأمروا أن يدخلوا سجدًا ، فدخلوا يزحفون على أستاههم من قبل أستاههم رافعي رؤوسهم ، وأمروا أن يقولوا : حطة ، أي : احطط عنا ذنوبنا ، فاستهزؤوا فقالوا : حنطة في شعرة (6). وهذا في غاية ما يكون من المخالفة والمعاندة ؛ ولهذا أنزل الله بهم بأسه وعذابه بفسقهم ، وهو خروجهم عن طاعته ؛ ولهذا قال : { فَأَنزلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ }
وقال الضحاك عن ابن عباس : كل شيء في كتاب الله من "الرِّجْز" يعني به العذاب.
وهكذا روي عن مجاهد ، وأبي مالك ، والسدي ، والحسن ، وقتادة ، أنه العذاب. وقال أبو العالية : الرجز الغضب. وقال الشعبي : الرجز : إما الطاعون ، وإما البرد. وقال سعيد بن جبير : هو الطاعون.
وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبو سعيد الأشج ، حدثنا وَكِيع ، عن (7) سفيان ، عن حبيب بن أبي ثابت ، عن إبراهيم بن سعد - يعني ابن أبي وقاص - عن سعد بن مالك ، وأسامة بن زيد ، وخزيمة بن ثابت ، رضي الله عنهم ، قالوا : قال رسول الله {{ص}} : "الطاعون رجْز عذاب عُذِّب (8) به من كان
__________
في جـ : "شعرة".
في جـ : "شعرة".
في جـ : "منقوشة".
في جـ : "يدخلون".
في جـ : "بدلوا ما أمر".
في جـ ، أ : "شعيرة".
في جـ : "حدثنا".
في أ : "عذب الله".
(1/277)
قبلكم" (1).
وهكذا رواه النسائي من حديث سفيان الثوري به (2). وأصل الحديث في الصحيحين من حديث حبيب بن أبي ثابت : "إذا سمعتم بالطاعون بأرض فلا تدخلوها" الحديث (3).
قال (4) ابن جرير : أخبرني يونس بن عبد الأعلى ، عن ابن وهب ، عن يونس ، عن الزهري ، قال : أخبرني عامر بن سعد بن أبي وقاص ، عن أسامة بن زيد عن رسول الله {{ص}} ، قال : "إن هذا الوجع والسقم رجْز عُذِّب به بعض الأمم قبلكم" (5). وهذا الحديث أصله مخرَّج في الصحيحين ، من حديث الزهري ، ومن حديث مالك ، عن محمد بن المُنكَدِر ، وسالم أبي النضر ، عن عامر بن سعد ، بنحوه (6).
== { وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللَّهِ وَلا تَعْثَوْا فِي الأرْضِ مُفْسِدِينَ (60) } ==
يقول تعالى : واذكروا نعمتي عليكم في إجابتي لنبيكم موسى ، عليه السلام ، حين استسقاني لكم ، وتيسيري لكم الماء ، وإخراجه لكم من حَجَر يُحمل معكم ، وتفجيري الماء لكم منه من ثنتي عشرة عينًا لكل سبط من أسباطكم عين قد عرفوها ، فكلوا من المن والسلوى ، واشربوا من هذا الماء الذي أنبعته لكم بلا سعي منكم ولا كد ، واعبدوا الذي سخر لكم ذلك. { وَلا تَعْثَوْا فِي الأرْضِ مُفْسِدِينَ } ولا تقابلوا النعم بالعصيان فتسلبوها. وقد بسطه المفسرون في كلامهم ، كما قال ابن عباس : وجُعِل بين ظهرانيهم حجر مربَّع وأمر موسى ، عليه السلام ، فضربه بعصاه ، فانفجرت منه اثنتا عشرة عينًا ، في كل ناحية منه ثلاث (7) عيون ، وأعلم كل سبط عينهم ، يشربون منها لا يرتحلون من مَنْقَلَة إلا وجدوا ذلك معهم (8) بالمكان الذي كان منهم بالمنزل الأول.
وهذا قطعة من الحديث الذي رواه النسائي ، وابن جرير ، وابن أبي حاتم ، وهو حديث الفتون الطويل (9).
وقال عطية العوفي : وجُعل لهم حجر مثل رأس الثور يحمل على ثور ، فإذا نزلوا منزلا وضعوه فضربه موسى بعصاه ، فانفجرت منه اثنتا عشرة عينًا ، فإذا ساروا حملوه على ثور ، فاستمسك الماء.
__________
تفسير ابن أبي حاتم (1/186).
سنن النسائي الكبرى برقم (7523).
صحيح البخاري برقم (5728) وصحيح مسلم برقم (2218).
في جـ : "وقال".
تفسير الطبري (2/116).
صحيح البخاري برقم (3473 ، 6974) وصحيح مسلم برقم (2218).
في جـ : "ثلاثة".
في جـ : "ذلك منهم".
سيأتي بطوله في تفسير سورة طه.
(1/278)
وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآَيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (61)
وقال عثمان بن عطاء الخراساني ، عن أبيه : كان لبني إسرائيل حجر ، فكان يضعه هارون ويضربه موسى بالعصا.
وقال قتادة : كان حجرًا طوريًا ، من الطور ، يحملونه معهم حتى إذا نزلوا ضربه موسى بعصاه.
[وقال الزمخشري : وقيل : كان من رخام وكان ذراعًا في ذراع ، وقيل : مثل رأس الإنسان ، وقيل : كان من أسس الجنة طوله عشرة أذرع على طول موسى. وله شعبتان تتقدان في الظلمة وكان يحمل على حمار ، قال : وقيل : أهبطه آدم من الجنة فتوارثوه ، حتى وقع إلى شعيب فدفعه إليه مع العصا ، وقيل : هو الحجر الذي وضع عليه ثوبه حين اغتسل ، فقال له جبريل : ارفع هذا الحجر فإن فيه قدرة ولك فيه معجزة ، فحمله في مخلاته. قال الزمخشري : ويحتمل أن تكون اللام للجنس لا للعهد ، أي اضرب الشيء الذي يقال له الحجر ، وعن الحسن لم يأمره أن يضرب حجرًا بعينه ، قال : وهذا أظهر في المعجزة وأبين في القدرة فكان يضرب الحجر بعصاه فينفجر ثم يضربه فييبس ، فقالوا : إن فقد موسى هذا الحجر عطشنا ، فأوحى الله إليه أن يكلم الحجارة فتنفجر ولا يمسها بالعصا لعلهم يقرون] (1).
وقال يحيى بن النضر : قلت لجويبر : كيف علم كل أناس مشربهم ؟ قال : كان موسى يضع الحجر ، ويقوم من كل سبط رجل ، ويضرب موسى الحجر فينفجر منه اثنتا عشرة عينًا فينضح من كل عين على رجل ، فيدعو ذلك الرجل سبطه إلى تلك العين.
وقال الضحاك : قال ابن عباس : لما كان بنو إسرائيل في التيه شق لهم من الحجر أنهارًا.
وقال سفيان الثوري ، عن أبي سعيد ، عن عكرمة ، عن ابن عباس ، قال : ذلك في التيه ، ضرب لهم موسى الحجر فصار فيه (2) اثنتا عشرة عينًا من ماء ، لكل سِبْط منهم عين يشربون منها.
وقال مجاهد نحو قول ابن عباس.
وهذه القصة شبيهة بالقصة المذكورة في سورة الأعراف ، ولكن تلك مكية ، فلذلك كان الإخبار عنهم بضمير الغائب ؛ لأن الله تعالى يقص ذلك (3) على رسوله {{ص}} عما فعل بهم. وأما في هذه السورة ، وهي البقرة فهي (4) مدنية ؛ فلهذا كان الخطاب فيها متوجهًا إليهم. وأخبر هناك بقوله : { فَانْبَجَسَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا } [الأعراف : 160] وهو أول الانفجار ، وأخبر هاهنا بما آل إليه الأمر (5) آخرًا وهو الانفجار فناسب ذكر الانفجار (6) هاهنا ، وذاك هناك ، والله أعلم.
وبين السياقين تباين من عشرة أوجه لفظية ومعنوية قد سأل عنها الرازي في تفسيره وأجاب عنها بما عنده ، والأمر في ذلك قريب والله تبارك وتعالى أعلم بأسرار كتابه.
{ وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الأرْضُ مِنْ بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ }
__________
زيادة من جـ ، ط ، أ ، و.
في جـ : "منه".
في جـ : "نص هنالك".
في و : "فإنها".
في جـ ، و : "الحال".
في جـ : "ذكر هذا".
(1/279)
يقول تعالى : واذكروا نعمتي عليكم في إنزالي عليكم المن والسلوى ، طعامًا طيبًا نافعًا هنيئًا سهلا واذكروا دَبَرَكم وضجركم مما رزَقتكم (1) وسؤالكم موسى استبدال ذلك بالأطعمة الدنيّة من البقول ونحوها مما سألتم. وقال الحسن البصري رحمه الله : فبطروا ذلك ولم يصبروا عليه ، وذكروا عيشهم (2) الذي كانوا فيه ، وكانوا قومًا أهل أعداس وبصل وبقل وفوم ، فقالوا : { يَا مُوسَى لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الأرْضُ مِنْ بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا } [وهم يأكلون المن والسلوى ، لأنه لا يتبدل ولا يتغير كل يوم فهو كأكل واحد] (3). فالبقول والقثاء والعدس والبصل كلها معروفة. وأما "الفوم" فقد اختلف السلف في معناه فوقع في قراءة ابن مسعود "وثومها" بالثاء ، وكذلك فسره مجاهد في رواية ليث بن أبي سليم ، عنه ، بالثوم. وكذا الربيع بن أنس ، وسعيد بن جبير.
وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي ، حدثنا عمرو بن رافع ، حدثنا أبو عمارة يعقوب بن إسحاق البصري ، عن يونس ، عن الحسن ، في قوله : { وَفُومِهَا } قال : قال ابن عباس : الثوم.
قالوا : وفي اللغة القديمة : فَوِّمُوا لنا بمعنى : اختبزوا. وقال ابن جرير : فإن كان ذلك صحيحًا ، فإنه من الحروف المبدلة كقولهم : وقعوا في "عاثُور شَرّ ، وعافور شر ، وأثافي وأثاثي ، ومغافير ومغاثير". وأشباه (4) ذلك مما تقلب الفاء ثاء والثاء فاء لتقارب مخرجيهما ، والله أعلم.
وقال آخرون : الفوم الحنطة ، وهو البر الذي يعمل منه الخبز.
قال ابن أبي حاتم : حدثنا يونس بن عبد الأعلى قراءة ، أنبأنا ابن وهب قراءة ، حدثني نافع بن أبي نعيم : أن ابن عباس سئِل عن قول الله : { وَفُومِهَا } ما فومها ؟ قال : الحنطة. قال ابن عباس : أما سمعت قول أحيحة بن الجلاح وهو يقول :
قد كنتُ أغنى الناس شخصًا واحدًا... وَرَدَ المدينة عن زرَاعة فُوم (5)
وقال ابن جرير : حدثنا علي بن الحسن ، حدثنا مسلم الجرمي ، حدثنا عيسى بن يونس ، عن رشدين بن كُرَيْب ، عن أبيه ، عن ابن عباس ، في قول الله تعالى : { وَفُومِهَا } قال : الفوم الحنطة بلسان بني هاشم.
__________
في جـ : "مما رزقناكم".
في جـ : "شيمهم".
زيادة من جـ.
في و : "وما أشبه".
البيت في تفسير الطبري (2/129).
(1/280)
وكذا قال علي بن أبي طلحة ، والضحاك (1) وعكرمة عن ابن عباس أن الفوم : الحنطة.
وقال سفيان الثوري ، عن ابن جُرَيْج ، عن مجاهد وعطاء : { وَفُومِهَا } قالا وخبزها.
وقال هُشَيْم عن يونس ، عن الحسن ، وحصين ، عن أبي مالك : { وَفُومِهَا } قال : الحنطة.
وهو قول عكرمة ، والسدي ، والحسن البصري ، وقتادة ، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم ، وغيرهم ، والله أعلم (2).
[وقال الجوهري : الفوم : الحنطة. وقال ابن دريد : الفوم : السنبلة ، وحكى القرطبي عن عطاء وقتادة أن الفوم كل حب يختبز. قال : وقال بعضهم : هو الحمص لغة شامية ، ومنه يقال لبائعه : فامي مغير عن فومي] (3).
وقال البخاري : وقال بعضهم : الحبوب التي تؤكل كلها فوم.
وقوله تعالى : { قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ } فيه تقريع لهم وتوبيخ (4) على ما سألوا من هذه الأطعمة الدنيّة مع ما هم فيه من العيش الرغيد ، والطعام الهنيء الطيب النافع.
وقوله : { اهْبِطُوا مِصْرًا } هكذا هو منون مصروف مكتوب بالألف في المصاحف الأئمة العثمانية ، وهو قراءة الجمهور بالصرف.
قال ابن جرير : ولا أستجيز (5) القراءة بغير ذلك ؛ لإجماع المصاحف على ذلك.
وقال ابن عباس : { اهْبِطُوا مِصْرًا } قال : مصرًا من الأمصار ، رواه ابن أبي حاتم ، من حديث أبي سعيد (6) البقال سعيد بن المرزبان ، عن عكرمة ، عنه.
قال : وروي عن السدي ، وقتادة ، والربيع بن أنس نحو ذلك.
وقال ابن جرير : وقع في قراءة أبي بن كعب وابن مسعود : "اهبطوا مصر" من غير إجراء يعني من غير صرف. ثم روى عن أبي العالية ، والربيع بن أنس أنهما فسرا ذلك بمصر فرعون.
وكذا رواه ابن أبي حاتم عن أبي العالية ، وعن الأعمش أيضًا.
وقال ابن جرير : ويحتمل أن يكون المراد مصر فرعون على قراءة الإجراء أيضًا. ويكون ذلك من باب الاتباع لكتابة المصحف ، كما في قوله تعالى : { قَوَارِيرَا * قَوَارِيرَا } [الإنسان : 15 ، 16]. ثم توقف في المراد ما هو ؟ أمصر فرعون أم مصر من الأمصار ؟
وهذا الذي قاله فيه نظر ، والحق أن المراد مصر من الأمصار كما روي عن ابن عباس وغيره ،
__________
في ط : "عن الضحاك".
في جـ ، ط ، أ ، و : "فالله أعلم".
زيادة من جـ ، ط ، أ ، و.
في جـ : "وتوبيخ لهم".
في أ : "ولا أستحسن".
في جـ : "أبي سعد".
(1/281)
والمعنى على ذلك لأن موسى ، عليه السلام يقول لهم : هذا الذي سألتم ليس بأمر عزيز ، بل هو كثير في أي بلد دخلتموه وجدتموه ، فليس يساوي مع دناءته وكثرته في الأمصار أن أسأل الله فيه ؛ ولهذا قال : { أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ } أي : ما طلبتم ، ولما كان سؤالهم (1) هذا من باب البطر والأشر ولا ضرورة فيه ، لم يجابوا إليه ، والله أعلم
{ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (61) }
يقول تعالى : { وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ } أي : وضعت عليهم وألزموا بها شَرْعًا وقدرًا ، أي : لا يزالون مستذلين ، من وجدهم استذلهم وأهانهم ، وضرب عليهم الصغار ، وهم مع ذلك في أنفسهم أذلاء متمسكنون (2).
قال الضحاك عن ابن عباس في قوله : { وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ } قال : هم أصحاب النيالات (3) يعني أصحاب الجزية.
وقال عبد الرزاق ، عن مَعْمَر ، عن الحسن وقتادة ، في قوله تعالى : { وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ } قال : يعطون الجزية عن يد وهم صاغرون (4) ، وقال الضحاك : { وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ } قال : الذل. وقال الحسن : أذلهم الله فلا منعة لهم ، وجعلهم الله تحت أقدام المسلمين. ولقد أدركتهم هذه الأمة وإن المجوس لتجبيهم الجزية.
وقال أبو العالية والربيع بن أنس والسدي : المسكنة الفاقة. وقال عطية العوفي : الخراج. وقال الضحاك : الجزية.
وقوله تعالى : { وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ } قال الضحاك : استحقوا الغضب من الله ، وقال الربيع بن أنس : فحدَثَ عليهم غضب من الله. وقال سعيد بن جبير : { وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ } يقول : استوجبوا سخطًا ، وقال ابن جرير : يعني بقوله : { وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ } انصرفوا ورجعوا ، ولا يقال : باؤوا إلا موصولا إما بخير وإما بشر ، يقال منه : باء فلان بذنبه يبوء به بَوْءًا وبواء. ومنه قوله تعالى : { إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ } [المائدة : 29] يعني : تنصرف متحملهما وترجع بهما ، قد صارا عليك دوني. فمعنى الكلام إذًا : فرجعوا منصرفين متحملين غضب الله ، قد صار عليهم من الله غضب ، ووجب عليهم من الله سخط.
وقوله تعالى : { ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ } يقول تعالى :
__________
في جـ ، ط : "كان سألهم".
في جـ : "مستذلين" ، وفي ط ، أ ، و : "مستكينين".
في جـ ، طـ ، و : "القبالات" ، وفي أ : "السالات".
تفسير عبد الرزاق (1/ 69).
(1/282)
هذا الذي جازيناهم من الذلة والمسكنة ، وإحلال الغضب بهم (1) بسبب استكبارهم عن اتباع الحق ، وكفرهم بآيات الله ، وإهانتهم حملة الشرع وهم الأنبياء وأتباعهم ، فانتقصوهم إلى (2) أن أفضى بهم الحال إلى أن قتلوهم ، فلا كبْر أعظم من هذا ، أنهم كفروا بآيات الله وقتلوا أنبياء الله بغير الحق ؛ ولهذا جاء في الحديث المتفق على صحته أن رسول الله {{ص}} قال : "الكبر بَطَر الحق ، وغَمْط الناس" (3).
وقال الإمام أحمد : حدثنا إسماعيل ، عن ابن عون ، عن عمرو بن سعيد ، عن حميد بن عبد الرحمن ، قال : قال ابن مسعود : كنت لا أحجب عن النَّجْوى ، ولا عن كذا ولا عن كذا قال : فأتيت رسول الله {{ص}} وعنده مالك بن مرارة الرهاوي ، فأدركته (4) من آخر حديثه ، وهو يقول : يا رسول الله ، قد قسم لي من الجمال ما ترى ، فما أحب أن أحدًا من الناس فَضَلني بشراكين فما فوقهما أفليس ذلك هو البغي ؟ فقال : "لا ليس ذلك من البغي ، ولكن البغي مَنْ بطر - أو قال : سفه الحق - وغَمط الناس". يعني : رد الحق وانتقاص الناس ، والازدراء بهم والتعاظم عليهم. ولهذا لما ارتكب بنو إسرائيل ما ارتكبوه من الكفر بآيات الله وقتل أنبيائهم ، أحل الله بهم بأسه الذي لا يرد ، وكساهم ذلا في الدنيا موصولا بذل الآخرة جزاء وفاقًا (5).
قال أبو داود الطيالسي : حدثنا شعبة ، عن الأعمش ، عن إبراهيم ، عن أبي معمر ، عن عبد الله بن مسعود ، قال : كانت بنو إسرائيل في اليوم تقتل ثلاثمائة نبي ، ثم يقيمون سوق بقلهم في آخر النهار.
وقد قال الإمام أحمد : حدثنا عبد الصمد ، حدثنا أبان ، حدثنا عاصم ، عن أبي وائل ، عن عبد الله - يعني ابن مسعود - أن رسول الله {{ص}} قال : "أشد الناس عذابًا يوم القيامة رجل قتله نبي ، أو قتل نبيًا ، وإمام ضلالة وممثل من الممثلين" (6).
وقوله تعالى : { ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ } وهذه علة أخرى في مجازاتهم بما جوزوا به ، أنهم كانوا يعصون ويعتدون ، فالعصيان فعل المناهي ، والاعتداء المجاوزة في حد المأذون فيه أو المأمور به. والله أعلم.
__________
في جـ : "عليهم".
في جـ ، ط ، أ ، و : "حتى".
رواه مسلم في صحيحه برقم (91) من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه.
في جـ ، ط : "قال فأدركت".
المسند (1/385).
المسند (1/407).
(1/283)
== { إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (62) } ==
لما بين [الله] (1) تعالى حال من خالف أوامره وارتكب زواجره ، وتعدى في فعل ما لا إذن فيه وانتهك المحارم ، وما أحلّ بهم من النكال ، نبه تعالى على أن مَنْ أحسن من الأمم السالفة وأطاع ، فإن له جزاء الحسنى ، وكذلك الأمر إلى قيام الساعة ؛ كُلّ من اتبع الرسول النبي الأمي فله السعادة الأبدية ، ولا خوف عليهم فيما يستقبلونه ، ولا هُمْ يحزنون على ما يتركونه ويخلفونه ، كما قال تعالى : { أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ } [يونس : 62] وكما تقول الملائكة للمؤمنين عند الاحتضار في قوله : { إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنزلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ } [فصلت : 30].
قال (2) ابن أبي حاتم : حدثنا أبي ، حدثنا ابن أبي عمر العَدني ، حدثنا سفيان ، عن ابن أبي نَجِيح ، عن مجاهد ، قال : قال سلمان : سألت النبي {{ص}} عن أهل دين كنت معهم ، فذكرتُ من صلاتهم وعبادتهم ، فنزلت : { إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ } إلى آخر الآية.
وقال السدي : { إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا } الآية : نزلت في أصحاب سلمان الفارسي ، بينا هو يحدث النبي {{ص}} إذْ ذكر أصحابه ، فأخبره خبرهم ، فقال : كانوا يصومون ويصلون ويؤمنون بك ، ويشهدون (3) أنك ستبعث نبيًا ، فلما فرغ سلمان من ثنائه عليهم ، قال له نبي الله {{ص}} : "يا سلمان ، هم من أهل النار". فاشتد ذلك على سلمان ، فأنزل الله هذه الآية ، فكان إيمان اليهود : أنه من تمسك بالتوراة وسنة موسى ، عليه السلام ؛ حتى جاء عيسى. فلما جاء عيسى كان من تمسك بالتوراة وأخذ بسنة موسى ، فلم يدعها ولم يتبع عيسى ، كان هالكًا. وإيمان النصارى أن (4) من تمسك بالإنجيل منهم وشرائع عيسى كان مؤمنًا مقبولا منه حتى جاء محمد {{ص}} ، فمن لم يتبعْ محمدًا {{ص}} منهم ويَدَعْ (5) ما كان عليه من سنة عيسى والإنجيل - كان هالكا.
وقال ابن أبي حاتم : وروي عن سعيد بن جبير نحو هذا.
قلت : وهذا لا ينافي ما روى عَليّ بن (6) أبي طلحة ، عن ابن عباس : { إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ } الآية فأنزل الله بعد ذلك : { وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ } [آل عمران : 85].
__________
زيادة من أ.
في جـ : "وقال".
في جـ : "ويشهدوا".
في أ : "أنه".
في أ : "ولم يدع".
في جـ : "عن ابن".
(1/284)
فإن هذا الذي قاله [ابن عباس] (1) إخبار عن أنه لا يقبل من أحد طريقة ولا عملا إلا ما كان موافقًا لشريعة محمد {{ص}} بعد أن بعثه [الله] (2) بما بعثه به ، فأما قبل ذلك فكل من اتبع الرسول في زمانه فهو على هدى وسبيل ونجاة ، فاليهود أتباع موسى ، عليه السلام ، الذين كانوا يتحاكمون إلى التوراة في زمانهم.
واليهود من الهوادة وهي المودة أو التهود وهي التوبة ؛ كقول موسى ، عليه السلام : { إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ } [الأعراف : 156] أي : تبنا ، فكأنهم سموا بذلك في الأصل لتوبتهم ومودتهم في بعضهم لبعض.
[وقيل : لنسبتهم إلى يهوذا أكبر أولاد يعقوب عليه السلام ، وقال أبو عمرو بن العلاء : لأنهم يتهودون ، أي : يتحركون عند قراءة التوراة] (3).
فلما بعث عيسى {{ص}} (4) وجب على بني إسرائيل اتباعه والانقياد له ، فأصحابه وأهل دينه هم النصارى ، وسموا بذلك لتناصرهم فيما بينهم ، وقد يقال لهم : أنصار أيضًا ، كما قال عيسى ، عليه السلام : { مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ } [آل عمران : 52] وقيل : إنهم إنما سُمّوا بذلك من أجل أنهم نزلوا أرضًا يقال لها ناصرة ، قاله قتادة وابن جُرَيج ، وروي عن ابن عباس أيضًا ، والله أعلم.
والنصارى : جمع نصران (5) كنشاوى جمع نشوان ، وسكارى جمع سكران ، ويقال للمرأة : نصرانة ، قال الشاعر :
نصرانة لم تَحَنَّفِ (6)
فلما بعث الله محمدًا {{ص}} خاتمًا للنبيين ، ورسولا إلى بني آدم على الإطلاق ، وجب عليهم تصديقُه فيما أخبر ، وطاعته فيما أمر ، والانكفاف عما عنه زجر. وهؤلاء هم المؤمنون [حقا] (7). وسميت أمة محمد {{ص}} مؤمنين لكثرة إيمانهم وشدة إيقانهم ، ولأنهم يؤمنون بجميع الأنبياء الماضية والغيوب الآتية. وأما الصابئون فقد اختلف فيهم ؛ فقال سفيان الثوري ، عن ليث بن أبي سليم ، عن
__________
زيادة من جـ ، ط ، أ ، و.
زيادة من أ.
زيادة من جـ ، ط ، أ ، و.
في جـ : "عليه السلام".
في جـ : "نصراني".
البيت في تفسير الطبري (2/144) وهو لأبي الأخز الحماني ، وهذا جزء منه وهو بتمامه : فكلتاهما خرت وأسجد رأسها... كما سجدت نصرانة لم تحنف
زيادة من جـ ، ط ، أ ، و.
(1/285)
مجاهد ، قال : الصابئون قوم بين المجوس واليهود والنصارى ، ليس لهم دين. وكذا رواه ابن أبي نجيح ، عنه وروي عن عطاء وسعيد بن جبير نحو ذلك.
وقال أبو العالية والربيع بن أنس ، والسدي ، وأبو الشعثاء جابر بن زيد ، والضحاك [وإسحاق بن راهويه] (1) الصابئون فرقة من أهل الكتاب يقرؤون الزبور.
[ولهذا قال أبو حنيفة وإسحاق : لا بأس بذبائحهم ومناكحتهم] (2).
وقال هشيم عن مطرف : كنا عند الحكم بن عتيبة (3) فحدثه رجل من أهل البصرة عن الحسن أنه كان يقول في الصابئين : إنهم كالمجوس ، فقال الحكم : ألم أخبركم بذلك.
وقال عبد الرحمن بن مهدي ، عن معاوية بن عبد الكريم : سمعت الحسن ذكر الصابئين ، فقال : هم قوم يعبدون الملائكة.
[وقال ابن جرير : حدثنا محمد بن عبد الأعلى ، حدثنا المعتمر بن سليمان عن أبيه ، عن الحسن قال : أخبر زياد أن الصابئين يصلون إلى القبلة ويصلون الخمس. قال : فأراد أن يضع عنهم الجزية. قال : فخبر بعد أنهم يعبدون الملائكة] (4).
وقال أبو جعفر الرازي : بلغني أن الصابئين قوم يعبدون الملائكة ، ويقرؤون الزبور ، ويصلون إلى القبلة.
وكذا قال سعيد بن أبي عروبة ، عن قتادة.
وقال ابن أبي حاتم : حدثنا يونس بن عبد الأعلى ، أخبرنا ابن وهب ، أخبرني ابن أبي الزناد ، عن أبيه ، قال : الصابئون قوم مما يلي العراق ، وهم بكوثى ، وهم يؤمنون بالنبيين كلهم ، ويصومون من كل سنة ثلاثين يوما ويصلون إلى اليمن كل يوم خمس صلوات.
وسئل وهب بن منبه عن الصابئين ، فقال : الذي يعرف الله وحده ، وليست له شريعة يعمل بها ولم يحدث كفرًا.
وقال عبد الله بن وهب : قال عبد الرحمن بن زيد : الصابئون أهل دين من الأديان ، كانوا بجزيرة الموصل يقولون : لا إله إلا الله ، وليس لهم عمل ولا كتاب ولا نبي إلا قول : لا إله إلا الله ، قال : ولم يؤمنوا برسول ، فمن أجل ذلك كان المشركون يقولون للنبي {{ص}} وأصحابه : هؤلاء الصابئون ، يشبهونهم بهم ، يعني في قول : لا إله إلا الله.
وقال الخليل (5) هم قوم يشبه دينهم دين النصارى ، إلا أن قبلتهم نحو مهب الجنوب ، يزعمون
__________
زيادة من جـ ، ط ، أ ، و.
زيادة من جـ ، ط ، أ ، و.
في جـ : "عيينة".
زيادة من جـ ، ط ، أ ، و.
في أ : "الخدري".
(1/286)
أنهم على دين نوح ، عليه السلام. وحكى القرطبي عن مجاهد والحسن وابن أبي نجيح : أنهم قوم تركب دينهم بين اليهود والمجوس ، ولا تؤكل ذبائحهم ، قال ابن عباس : ولا تنكح نساؤهم. قال القرطبي : والذي تحصل من مذهبهم فيما ذكره بعض العلماء أنهم موحدون ويعتقدون تأثير النجوم ، وأنهم فاعلة ؛ ولهذا أفتى أبو سعيد الإصطخري بكفرهم للقادر بالله حين سأله عنهم ، واختار فخر الدين الرازي أن الصابئين قوم يعبدون الكواكب ؛ بمعنى أن الله جعلها قبلة للعبادة والدعاء ، أو بمعنى أن الله فوض تدبير أمر هذا العالم إليها ، قال : وهذا القول هو المنسوب إلى الكشرانيين الذين جاءهم إبراهيم الخليل ، عليه السلام ، رادًا عليهم ومبطلا لقولهم.
وأظهر الأقوال ، والله أعلم ، قول مجاهد ومتابعيه ، ووهب بن منبه : أنهم قوم ليسوا على دين اليهود ولا النصارى ولا المجوس ولا المشركين ، وإنما هم قوم باقون على فطرتهم ولا دين مقرر لهم يتبعونه ويقتفونه ؛ ولهذا كان المشركون ينبزون من أسلم بالصابئي ، أي : أنه قد خرج عن سائر أديان أهل الأرض إذ ذاك.
وقال بعض العلماء : الصابئون الذين لم تبلغهم دعوة نبي ، والله أعلم.
== { وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (63) ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَكُنْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ (64) } ==
يقول تعالى مذكرًا بني إسرائيل ما أخذ عليهم من العهود والمواثيق بالإيمان به وحده لا شريك له واتباع رسله ، وأخبر تعالى أنه لما أخذ عليهم الميثاق رفع الجبل على رؤوسهم ليقروا بما عوهدوا عليه ، ويأخذوه (1) بقوة وحزم وهمة وامتثال (2) كما قال تعالى : { وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَظَنُّوا أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ } [الأعراف : 171] الطور هو الجبل ، كما فسره بآية (3) الأعراف ، ونص على ذلك ابن عباس ، ومجاهد ، وعطاء وعكرمة والحسن والضحاك والربيع بن أنس ، وغير واحد ، وهذا ظاهر (4).
وفي رواية عن ابن عباس : الطور ما أنبت من الجبال ، وما لم ينبت فليس بطور.
وفي حديث الفتون : عن ابن عباس : أنهم لما امتنعوا عن الطاعة رفع عليهم الجبل ليسمعوا [فسجدوا] (5).
وقال السدي : فلما أبوا أن يسجدوا أمر الله الجبل أن يقع عليهم ، فنظروا إليه وقد غشيهم ،
__________
في جـ ، ط : "فأخذوه".
في أ : "امتثال أمر".
في جـ ، ط : "فسرنا به آية".
في ط : "وهذا الظاهر".
زيادة من جـ.
(1/287)
وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ (65) فَجَعَلْنَاهَا نَكَالًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ (66)
فسقطوا سجدًا [فسجدوا] (1) على شق ، ونظروا بالشق الآخر ، فرحمهم الله فكشفه عنهم ، فقالوا (2) والله ما سجدة أحب إلى الله من سجدة كشف بها العذاب عنهم ، فهم يسجدون كذلك ، وذلك قوله تعالى : { وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ (3) الطُّورَ }.
وقال الحسن في قوله : { خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ } يعني التوراة.
وقال أبو العالية ، والربيع بن أنس : { بِقُوَّةٍ } أي بطاعة. وقال مجاهد : بقوة : بعمل بما فيه. وقال قتادة { خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ } القوة : الجد وإلا قذفته (4) عليكم.
قال : فأقروا بذلك : أنهم يأخذون ما أوتوا بقوة. ومعنى قوله : وإلا قذفته عليكم ، أي (5) أسقطه عليكم ، يعني الجبل.
وقال أبو العالية والربيع : { وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ } يقول : اقرؤوا ما في التوراة واعملوا به.
وقوله تعالى : { ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ } يقول تعالى : ثم بعد هذا الميثاق المؤكد العظيم توليتم عنه وانثنيتم ونقضتموه { فَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ } أي : توبته (6) عليكم وإرساله النبيين والمرسلين إليكم { لَكُنْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ } بنقضكم ذلك الميثاق في الدنيا والآخرة.
== { وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ (65) فَجَعَلْنَاهَا نَكَالا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ (66) } ==
يقول تعالى : { وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ } يا معشر اليهود ، ما حل من البأس بأهل القرية التي عصت أمر الله وخالفوا عهده وميثاقه فيما أخذه عليهم من تعظيم السبت والقيام بأمره ، إذ كان مشروعًا لهم ، فتحيلوا على اصطياد الحيتان في يوم السبت ، بما وضعوا لها من الشصوص والحبائل والبرك قبل يوم السبت ، فلما جاءت يوم السبت على عادتها في الكثرة نشبت بتلك الحبائل والحيل ، فلم تخلص منها يومها ذلك ، فلما كان الليل أخذوها بعد انقضاء السبت. فلما فعلوا ذلك مسخهم الله إلى صورة القردة ، وهي أشبه شيء بالأناسي في الشكل (7) الظاهر وليست بإنسان حقيقة. فكذلك أعمال هؤلاء وحيلهم لما كانت مشابهة للحق في الظاهر ومخالفة له في الباطن ، كان جزاؤهم من جنس عملهم. وهذه القصة مبسوطة في سورة الأعراف ، حيث يقول تعالى : { وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لا يَسْبِتُونَ لا تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ } [الأعراف : 163 ] القصة بكمالها.
__________
زيادة من جـ ، ب ، أ ، و.
في جـ : "فقال".
في جـ : "فوقهم" وهو خطأ.
في جـ ، ب ، أ ، و : "دفنته".
في جـ ، ب ، أ ، و : "دفنته إلا".
في جـ ، ط ، أ ، و : "أي بتوبته".
في جـ : "بالأناسي والشكل".
(1/288)
وقال السدي : أهل هذه القرية هم أهل "أيلة". وكذا قال قتادة ، وسنورد أقوال المفسرين هناك مبسوطة إن شاء الله وبه الثقة (1).
وقوله : { كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ } قال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي ، حدثنا أبو حذيفة ، حدثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد : { فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ } قال : مسخت قلوبهم ، ولم يمسخوا قردة ، وإنما هو مثل ضربه الله { كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا } [الجمعة : 5].
ورواه ابن جرير ، عن المثنى ، عن أبي (2) حذيفة. وعن محمد بن عمرو (3) الباهلي ، عن أبي عاصم ، عن عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، به.
وهذا سند جيد عن مجاهد ، وقول غريب خلاف الظاهر من السياق في هذا المقام وفي غيره ، قال الله تعالى : { قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ } الآية [المائدة : 60].
وقال العوفي في تفسيره عن ابن عباس : { فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ } فجعل [الله] (4) منهم القردة والخنازير. فزعم أن شباب القوم صاروا قردة والمشيخة صاروا خنازير.
وقال شيبان النحوي ، عن قتادة : { فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ } فصار القوم قرودًا تعاوى لها أذناب بعد ما كانوا رجالا ونساء.
وقال عطاء الخراساني : نودوا : يا أهل القرية ، { كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ } فجعل الذين نهوهم يدخلون عليهم فيقولون : يا فلان ، ألم ننهكم ؟ فيقولون برؤوسهم ، أي بلى.
وقال ابن أبي حاتم : حدثنا علي بن الحسين (5) حدثنا عبد الله بن محمد بن ربيعة بالمصيصة ، حدثنا محمد بن مسلم - يعني الطائفي - عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، عن ابن عباس ، قال : إنما كان الذين اعتدوا في السبت فجعلوا قردة فُوَاقا ثم هلكوا. ما كان للمسخ (6) نسل (7).
وقال الضحاك ، عن ابن عباس : فمسخهم الله قردة بمعصيتهم ، يقول : إذ لا يحيون في الأرض إلا ثلاثة أيام ، قال : ولم يعش مسخ قط فوق ثلاثة أيام ، ولم يأكل ولم يشرب ولم ينسل. وقد خلق الله القردة والخنازير وسائر الخلق في الستة أيام التي ذكرها الله (8) في كتابه ، فمسخ [الله] (9) هؤلاء القوم في صورة القردة ، وكذلك يفعل بمن يشاء كما يشاء. ويحوله كما يشاء.
وقال أبو جعفر الرازي عن الربيع ، عن أبي العالية في قوله : { كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ } قال : يعني
__________
في أ : "وبه الثقة والإعانة".
في جـ : "عن أبو" وهو خطأ.
في جـ ، ب : "بن عمر".
زيادة من جـ ، ط ، ب ، أ ، و.
في جـ ، ط ، ب : "الحسن".
في جـ : "للمسيخ".
تفسير ابن أبي حاتم (1/209).
في جـ ، ط ، ب : "التي ذكر الله".
زيادة من أ.
(1/289)
أذلة صاغرين. وروي عن مجاهد ، وقتادة والربيع ، وأبي مالك ، نحوه.
وقال محمد بن إسحاق ، عن داود بن الحصين ، عن عكرمة ، قال : قال ابن عباس : إن الله إنما افترض على بني إسرائيل اليوم الذي افترض عليكم في عيدكم - يوم الجمعة - فخالفوا إلى (1) السبت فعظموه ، وتركوا ما أمروا به. فلما أبوا إلا لزوم السبت ابتلاهم الله فيه ، فحرم عليهم ما أحل لهم في غيره. وكانوا في قرية بين أيلة والطور ، يقال لها : "مدين" ؛ فحرم الله عليهم في السبت الحيتان : صيدها وأكلها. وكانوا إذا كان يوم السبت أقبلت إليهم شرعًا إلى ساحل بحرهم ، حتى إذا ذهب السبت ذهبن ، فلم يروا حوتًا صغيرًا ولا كبيرًا. حتى إذا كان يوم السبت أتين شرعًا ، حتى إذا ذهب السبت ذهبن ، فكانوا كذلك ، حتى إذا طال عليهم الأمد وقرموا إلى الحيتان ، عمد رجل (2) منهم فأخذ حوتًا سرًا يوم السبت ، فخزمه بخيط ، ثم أرسله في الماء ، وأوتد له وتدًا في الساحل فأوثقه ، ثم تركه. حتى إذا كان الغد جاء فأخذه ، أي : إني لم آخذه في يوم السبت ثم انطلق به فأكله. حتى إذا كان يوم السبت الآخر ، عاد لمثل ذلك ، ووجد الناس ريح الحيتان ، فقال أهل القرية : والله لقد وجدنا ريح الحيتان ، ثم عثروا على صنيع (3) ذلك الرجل. قال : ففعلوا كما فعل ، وصنعوا (4) سرًا زمانًا طويلا لم يعجل الله عليهم العقوبة (5) حتى صادوها علانية وباعوها في بالأسواق (6). فقالت طائفة منهم من أهل البقية : ويحكم ، اتقوا الله. ونهوهم عما يصنعون. فقالت طائفة أخرى لم تأكل الحيتان ، ولم تنه القوم عما صنعوا : { لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ } لسخطنا أعمالهم { وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ } [الأعراف : 164].
قال ابن عباس : فبينما هم على ذلك أصبحت تلك البقية في أنديتهم ومساجدهم وفقدوا الناس فلم يرونهم قال : فقال بعضهم لبعض : إن للناس لشأنًا! فانظروا ما هو. فذهبوا ينظرون في دورهم ، فوجدوها مغلقة عليهم ، قد دخلوها ليلا فغلقوها على أنفسهم ، كما يغلق الناس على أنفسهم فأصبحوا فيها قردة ، وإنهم ليعرفون الرجل بعينه وإنه لقرد ، والمرأة بعينها وإنها لقردة ، والصبي بعينه وإنه لقرد. قال : يقول ابن عباس : فلولا ما ذكر الله أنه أنجى الذين نهوا عن السوء لقلنا (7) أهلك الجميع منهم ، قال : وهي القرية التي قال الله جل ثناؤه لمحمد {{ص}} : { وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ } الآية [الأعراف : 163]. وروى الضحاك عن ابن عباس نحوًا من هذا.
قال (8) السدي في قوله تعالى : { وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ } قال : فهم أهل "أيلة" ، وهي القرية التي كانت حاضرة البحر ، فكانت الحيتان إذا كان يوم السبت - وقد حرم الله على اليهود أن يعملوا (9) في السبت شيئًا - لم يبق في البحر حوت إلا خرج ،
__________
في جـ ، ط : "إلي يوم".
في جـ : "عمد رجلا" وهو خطًا.
في جـ : "على صنع".
في جـ ، ط ، ب ، أ ، و : "وأكلوا".
في جـ ، ط ، ب ، أ ، و : "بعقوبة".
في جـ : "في الأسواق".
في جـ ، ط ، ب ، أ ، و : "لقد".
في جـ ، ط ، ب : "وقال".
في جـ ، ط : "أن تعمل".
(1/290)
حتى يخرجن خراطيمهن من الماء ، فإذا كان يوم الأحد لزمن مقل البحر ، فلم ير منهن شيء (1) حتى يكون يوم السبت ، فذلك قوله تعالى : { وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لا يَسْبِتُونَ لا تَأْتِيهِمْ [كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ ] (2) }. فاشتهى بعضهم السمك ، فجعل الرجل يحفر الحفيرة ، ويجعل لها نهرًا إلى البحر ، فإذا كان يوم السبت فتح النهر فأقبل الموج بالحيتان يضربها حتى يلقيها في الحفيرة ، فيريد الحوت أن يخرج ، فلا يطيق من أجل قلة ماء النهر ، فيمكث فإذا كان يوم الأحد جاء فأخذه ، فجعل الرجل يشوي السمك فيجد جاره ريحه فيسأله فيخبره ، فيصنع مثل ما صنع جاره ، حتى فشا فيهم أكل السمك ، فقال لهم علماؤهم : ويحكم! إنما تصطادون يوم السبت ، وهو لا يحل لكم ، فقالوا : إنما صدناه يوم الأحد حين أخذناه. فقال العلماء (3) لا ولكنكم صدتموه يوم فتحكم (4) الماء فدخل ، قال : وغلبوا أن ينتهوا. فقال بعض (5) الذين نهوهم لبعض : { لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا } يقول : لم تعظوهم ، وقد وعظتموهم فلم يطيعوكم ؟ فقال بعضهم : { مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ } [الأعراف : 164] فلما أبوا قال المسلمون : والله لا نساكنكم في قرية واحدة. فقسموا القرية بجدار ، ففتح المسلمون بابًا والمعتدون في السبت بابًا ، ولعنهم داود ، عليه السلام ، فجعل المسلمون يخرجون من بابهم ، والكفار من بابهم ، فخرج المسلمون ذات يوم ، ولم يفتح الكفار بابهم ، فلما أبطأوا عليهم تسور المسلمون عليهم الحائط ، فإذا هم قردة يثب بعضهم على بعض ، ففتحوا عنهم ، فذهبوا في الأرض ، فذلك قول الله تعالى : { فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ مَا نُهُوا عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ } [الأعراف : 166 ] وذلك حين يقول : { لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ } [المائدة : 78 ]. فهم القردة.
قلت : والغرض من هذا السياق عن هؤلاء الأئمة بيان خلاف ما ذهب إليه مجاهد ، رحمه الله ، من أن مسخهم إنما كان معنويًا لا صوريًا بل الصحيح أنه معنوي صوري ، والله أعلم.
وقوله تعالى : { فَجَعَلْنَاهَا نَكَالا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ } قال بعضهم : الضمير في { فَجَعَلْنَاهَا } عائد على القردة ، وقيل : على الحيتان ، وقيل : على العقوبة ، وقيل : على القرية ؛ حكاها ابن جرير.
والصحيح أن الضمير عائد على القرية ، أي : فجعل الله هذه القرية ، والمراد أهلها بسبب اعتدائهم في سبتهم { نَكَالا } أي : عاقبناهم عقوبة ، فجعلناها (6). عبرة ، كما قال الله عن فرعون : { فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الآخِرَةِ وَالأولَى } [النازعات : 25].
__________
في جـ : "شيئًا" وهو خطأ.
زيادة من جـ.
في جـ ، ط ، ب ، أ ، و : "الفقهاء".
في أ ، و : "فتحتم له".
في أ : "فقال بعضهم".
في جـ ، ط ، ب ، أ ، و : "فجعلناهم".
(1/291)
وقوله : { لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا } أي من القرى. قال (1) ابن عباس : يعني جعلناها بما أحللنا بها من العقوبة عبرة لما حولها من القرى. كما قال تعالى : { وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا مَا حَوْلَكُمْ مِنَ الْقُرَى وَصَرَّفْنَا الآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ } [الأحقاف : 27] ، ومنه قوله تعالى : { أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الأرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا } الآية [الرعد : 41 ] ، على أحد الأقوال ، فالمراد : لما بين يديها وما خلفها في المكان ، كما قال محمد بن إسحاق ، عن داود بن الحصين ، عن عكرمة ، عن ابن عباس : لما بين يديها من القرى وما خلفها من القرى. وكذا قال سعيد بن جبير { لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا } [قال] (2) من بحضرتها من الناس يومئذ.
وروي عن إسماعيل بن أبي خالد ، وقتادة ، وعطية العوفي : { فَجَعَلْنَاهَا نَكَالا لِمَا بَيْنَ يَدَيْها [وَمَا خَلْفَهَا] } (3) قال : ما [كان] (4) قبلها من الماضين في شأن السبت.
وقال أبو العالية والربيع وعطية : { وَمَا خَلْفَهَا } لما (5) بقي بعدهم من الناس من بني إسرائيل أن يعملوا مثل عملهم.
وكان هؤلاء يقولون : المراد بما بين يديها وما خلفها في الزمان.
وهذا مستقيم بالنسبة إلى من يأتي بعدهم من الناس أن يكون أهل تلك القرية عبرة لهم ، وأما بالنسبة إلى من سلف قبلهم من الناس فكيف يصح هذا الكلام أن تفسر الآية به وهو أن يكون عبرة لمن سبقهم ؟ هذا لعل أحدًا من الناس لا يقوله بعد تصوره ، فتعين أن المراد بما بين يديها وما خلفها في المكان ، وهو ما حولها من القرى ؛ كما قاله ابن عباس وسعيد بن جبير ، والله أعلم.
وقال أبو جعفر الرازي ، عن الربيع عن أبي العالية : { فَجَعَلْنَاهَا نَكَالا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا } أي : عقوبة لما خلا من ذنوبهم.
وقال ابن أبي حاتم (6) وروى عن عكرمة ، ومجاهد ، والسدي ، والحسن ، وقتادة ، والربيع بن أنس ، نحو ذلك.
وحكى القرطبي ، عن ابن عباس والسدي ، والفراء ، وابن عطية { لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا } بين ذنوب القوم { وَمَا خَلْفَهَا } لمن يعمل بعدها مثل تلك الذنوب ، وحكى فخر الدين ثلاثة أقوال :
أحدها : أن المراد بما بين يديها وما خلفها : من تقدمها من القرى ، بما عندهم من العلم بخبرها ، بالكتب المتقدمة ومن بعدها.
الثاني : المراد بذلك من بحضرتها من القرى والأمم.
__________
في جـ ، ط ، ب ، أ ، و : "قاله".
زيادة من جـ ، ط ، ب ، أ ، و.
زيادة من جـ.
زيادة من جـ ، ط ، ب ، أ ، و.
في جـ ، ط ، ب ، أ ، و : "لمن".
في أ : "وقال ابن أبي جرير".
(1/292)
وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ (67)
والثالث : أنه جعلها تعالى عقوبة لجميع ما ارتكبوه من قبل هذا الفعل وما بعده ، قال : وهذا قول الحسن. قلت : وأرجح الأقوال أن المراد بما بين يديها وما خلفها : من بحضرتها من القرى التي يبلغهم خبرها ، وما حل بها ، كما قال : { وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا مَا حَوْلَكُمْ مِنَ الْقُرَى وَصَرَّفْنَا الآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ } [الأحقاف : 27] وقال تعالى : { وَلا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِنْ دَارِهِمْ } [الرعد : 31] ، وقال { أَفَلا يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي الأرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا } [الأنبياء : 44 ] ، فجعلهم عبرة ونكالا لمن في زمانهم ، وعبرة لمن يأتي بعدهم بالخبر المتواتر عنهم ، ولهذا قال : { وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ }
وقوله تعالى : { وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ } قال محمد بن إسحاق ، عن داود بن الحصين ، عن عكرمة ، عن ابن عباس : { وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ } الذين من بعدهم إلى يوم القيامة.
وقال الحسن وقتادة : { وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ } بعدهم ، فيتقون نقمة الله ، ويحذرونها.
وقال السدي ، وعطية العوفي : { وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ } قال : أمة محمد {{ص}}.
قلت : المراد بالموعظة هاهنا الزاجر ، أي : جعلنا ما أحللنا بهؤلاء من البأس والنكال في مقابلة ما ارتكبوه من محارم الله ، وما تحيلوا به من الحيل ، فليحذر المتقون صنيعهم لئلا يصيبهم ما أصابهم ، كما قال الإمام أبو عبد الله بن بطة : حدثنا أحمد بن محمد بن مسلم ، حدثنا الحسن بن محمد بن الصباح الزعفراني ، حدثنا يزيد بن هارون ، حدثنا محمد بن عمرو [عن أبي سلمة] (1) عن أبي هريرة : أن رسول الله {{ص}} قال : "لا ترتكبوا ما ارتكب (2) اليهود ، فتستحلوا محارم الله بأدنى الحيل" (3).
وهذا إسناد جيد ، وأحمد بن محمد بن مسلم هذا وثقه الحافظ أبو بكر الخطيب البغدادي ، وباقي رجاله مشهورون على شرط الصحيح. والله أعلم.
== { وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ (67) } ==
يقول تعالى : واذكروا - يا بني إسرائيل - نعمتي عليكم في خرق العادة لكم في شأن البقرة ، وبيان القاتل من هو بسببها وإحياء الله المقتول ، ونصه على من قتله منهم. [مسألة الإبل تنحر والغنم تذبح واختلفوا في البقر فقيل : تذبح ، وقيل : تنحر ، والذبح أولى لنص القرآن ولقرب منحرها من مذبحها. قال ابن المنذر : ولا أعلم خلافا صحيحًا بين ما ينحر أو نحر ما يذبح ، غير أن مالكا كره ذلك. وقد يكره الإنسان ما لا يحرم ، وقال أبو عبد الله : أعلم أن نزول قصة البقرة على موسى ،
__________
زيادة من جـ ، ط ، ب ، أ ، و.
في جـ ، ط ، ب ، أ ، و : "ما ارتكبت".
جزء الخلع وإبطال الحيل لابن بطة (ص24).
(1/293)
عليه السلام ، في أمر القتيل قبل نزول القسامة في التوراة.
بسط القصة] (1) - كما قال ابن أبي حاتم - :
حدثنا الحسن بن محمد بن الصباح ، حدثنا يزيد بن هارون ، أنبأنا هشام بن حسان ، عن محمد بن سيرين ، عن (2) عبيدة السلماني ، قال : كان رجل من بني إسرائيل عقيمًا لا يولد له ، وكان له مال كثير ، وكان (3) ابن أخيه وارثه ، فقتله ثم احتمله ليلا فوضعه على باب رجل منهم ، ثم أصبح يدعيه عليهم حتى تسلحوا ، وركب بعضهم إلى (4) بعض ، فقال ذوو الرأي منهم والنهى : علام يقتل بعضكم بعضًا وهذا رسول الله فيكم ؟ فأتوا موسى ، عليه السلام ، فذكروا ذلك له ، فقال : { إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ } قال : فلو لم يعترضوا [البقر] (5) لأجزأت عنهم أدنى بقرة ، ولكنهم (6) شددوا فشدد عليهم ، حتى انتهوا إلى البقرة التي أمروا بذبحها فوجدوها عند رجل ليس له بقرة غيرها ، فقال : والله لا أنقصها من ملء جلدها ذهبا ، فأخذوها بملء جلدها ذهبًا فذبحوها ، فضربوه ببعضها فقام فقالوا : من قتلك ؟ فقال : هذا ، لابن أخيه. ثم مال ميتًا ، فلم يعط من ماله شيئًا ، فلم يورث قاتل بعد.
ورواه ابن جرير من حديث أيوب ، عن محمد بن سيرين ، عن عبيدة (7) بنحو من ذلك (8) والله أعلم.
ورواه عبد بن حميد في تفسيره : أنبأنا يزيد بن هارون ، به.
ورواه آدم بن أبي إياس في تفسيره ، عن أبي جعفر - هو الرازي - عن هشام بن حسان ، به. وقال آدم بن أبي إياس في تفسيره : أنبأنا أبو جعفر الرازي ، عن الربيع ، عن أبي العالية ، في قول الله تعالى : { إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً } قال : كان رجل من بني إسرائيل ، وكان غنيًا ، ولم يكن له ولد ، وكان له قريب وكان وارثه ، فقتله ليرثه ، ثم ألقاه على مجمع الطريق ، وأتى موسى ، عليه السلام ، فقال له : إن قريبي قتل وإني إلى أمر عظيم ، وإني لا أجد أحدًا يبين [لي] (9) من قتله غيرك يا نبي الله. قال : فنادى موسى في الناس ، فقال : أنشد الله من كان عنده من هذا علم إلا بينه لنا ، [قال] (10) : فلم يكن عندهم علم ، فأقبل القاتل على موسى عليه السلام ، فقال له : أنت نبي الله فاسأل لنا ربك أن يبين لنا ، فسأل ربه فأوحى الله إليه : { إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً } فعجبوا من
__________
زيادة من جـ ، ط ، ب ، و.
في جـ : "بن".
في ط ، ب : "وكان له".
في جـ : "على".
زيادة من ب.
في جـ : "ولكن".
في جـ : "عبدة".
تفسير ابن أبي حاتم (1/214) وتفسير الطبري (1/337).
زيادة من ط ، ب ، أ ، و.
زيادة من أ.
(1/294)
ذلك ، فقالوا : { أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ* قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لا فَارِضٌ } يعني : لا هرمة { وَلا بِكْرٌ } يعني : ولا صغيرة { عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ } أي : نصف بين البكر والهرمة { قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا لَوْنُهَا قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا } أي : صاف لونها { تَسُرُّ النَّاظِرِينَ } أي : تعجب الناظرين { قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ * قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لا ذَلُولٌ } أي : لم يذللها (1) العمل { تُثِيرُ الأرْضَ } يعني : وليست بذلول تثير الأرض { وَلا تَسْقِي الْحَرْثَ } يقول : ولا تعمل في الحرث { مُسَلَّمَةٌ } يعني : مسلمة من العيوب { لا شِيَةَ فِيهَا } يقول : لا بياض فيها { قَالُوا الآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ } قال : ولو أن القوم حين أمروا أن يذبحوا بقرة ، استعرضوا بقرة من البقر فذبحوها ، لكانت إياها ، ولكنهم شددوا على أنفسهم فشدد عليهم ، ولولا أن القوم استثنوا فقالوا : { وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ } لما هدوا إليها أبدًا. فبلغنا أنهم لم يجدوا البقرة التي نعتت لهم إلا عند عجوز عندها يتامى ، وهي القيمة عليهم ، فلما علمت أنه لا يزكو لهم (2) غيرها ، أضعفت عليهم الثمن. فأتوا موسى فأخبروه أنهم لم يجدوا هذا النعت إلا عند فلانة ، وأنها سألتهم أضعاف ثمنها. فقال لهم موسى : إن الله قد كان خفف عليكم فشددتم على أنفسكم فأعطوها رضاها وحكمها. ففعلوا ، واشتروها (3) فذبحوها ، فأمرهم موسى ، عليه السلام ، أن يأخذوا عظمًا (4) منها فيضربوا به القتيل ، ففعلوا ، فرجع إليه روحه ، فسمى لهم قاتله ، ثم عاد ميتًا كما كان ، فأخذ قاتله - وهو الذي كان أتى موسى فشكا إليه [مقتله] (5) - فقتله الله على أسوأ (6) عمله.
وقال محمد بن جرير : حدثني ابن سعد (7) حدثني أبي ، حدثني عمي ، حدثني أبي ، عن أبيه [عن جده] (8) عن ابن عباس ، في قوله في شأن البقرة : وذلك أن شيخًا من بني إسرائيل على عهد موسى ، عليه السلام ، كان مكثرًا من المال ، وكان بنو أخيه فقراء لا مال لهم ، وكان الشيخ لا ولد له وبنو أخيه ورثته فقالوا : ليت (9) عمنا قد مات فورثنا ماله ، وإنه لما تطاول عليهم ألا يموت عمهم ، أتاهم الشيطان فقال لهم : هل لكم إلى أن تقتلوا عمكم ، فترثوا ماله ، وَتُغْرِمُوا أهل المدينة التي لستم بها ديته ، وذلك أنهما كانتا مدينتين ، كانوا في إحداهما وكان القتيل إذا قتل فطرح بين المدينتين (10) قيس ما بين القتيل والقريتين فأيهما (11) كانت أقرب إليه غرمت الدية ، وأنهم لما سول لهم الشيطان ذلك ، وتطاول عليهم ألا يموت عمهم عمدوا إليه فقتلوه ، ثم عمدوا فطرحوه على باب المدينة التي ليسوا فيها. فلما أصبح أهل المدينة جاء بنو أخي الشيخ ، فقالوا : عمنا قتل على باب مدينتكم ، فوالله
__________
في ب ، أ ، و : "لم يذلها".
في أ : "أنهم لا يتركوا".
في ط : "واشتروا".
في جـ : "عظمها".
زيادة من و.
في جـ : "أشر" ، وفي أ : "سوء".
في جـ ، ط ، ب ، أ ، و : "ابن أبي سعيد".
زيادة من أ ، و.
في جـ : "يا ليت".
في ب : "القريتين".
في جـ ، ط ، ب ، أ ، و : "فأيتهما".
(1/295)
لتغرمن لنا دية عمنا. قال أهل المدينة : نقسم بالله ما قتلنا ولا علمنا (1) قاتلا ولا فتحنا باب مدينتنا منذ أغلق حتى أصبحنا. وإنهم عمدوا إلى موسى ، عليه السلام ، فلما أتوه قال بنو أخي الشيخ : عمنا وجدناه مقتولا على باب مدينتهم. وقال أهل المدينة : نقسم بالله ما قتلناه ولا فتحنا باب المدينة من حين أغلقناه حتى أصبحنا ، وإنه جبريل (2) جاء بأمر (3) السميع العليم إلى موسى ، عليه السلام ، فقال : قل لهم : { إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً } فتضربوه ببعضها.
وقال السدي : { وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً } قال : كان رجل من بني إسرائيل مكثرًا من المال وكانت له ابنة ، وكان له ابن أخ محتاج ، فخطب إليه ابن أخيه ابنته ، فأبى أن يزوجه ، فغضب الفتى ، وقال : والله لأقتلن عمي ، ولآخذن ماله ، ولأنكحن ابنته ، ولآكلن ديته. فأتاه الفتى وقد قدم تجار في بعض أسباط بني إسرائيل ، فقال : يا عم (4) انطلق معي فخذ لي من تجارة هؤلاء القوم ، لعلي أن أصيب منها (5) فإنهم إذا رأوك معي أعطوني. فخرج العم مع الفتى ليلا فلما بلغ الشيخ ذلك السبط قتله الفتى ، ثم رجع إلى أهله. فلما أصبح جاء كأنه يطلب عمه ، كأنه لا يدري أين هو ، فلم يجده. فانطلق نحوه ، فإذا هو بذلك السبط مجتمعين عليه ، فأخذهم وقال : قتلتم عمي ، فأدوا إليّ ديته فجعل يبكي ويحثو التراب على رأسه ، وينادي : واعماه. فرفعهم إلى موسى ، فقضى عليهم بالدية ، فقالوا له : يا رسول الله ، ادع الله لنا (6) حتى يبين لنا من صاحبه ، فيؤخذ صاحب الجريمة (7) فوالله إن ديته علينا لهينة ، ولكنا نستحيي أن نعير به فذلك حين يقول الله تعالى : { وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ } فقال لهم موسى ، عليه السلام : { إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً } قالوا : نسألك عن القتيل وعمن قتله ، وتقول : اذبحوا بقرة. أتهزأ بنا! { قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ } قال ابن عباس : فلو اعترضوا بقرة فذبحوها لأجزأت عنهم ، ولكنهم شددوا وتعنتوا [على] (8) موسى فشدد الله عليهم. فقالوا : { ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لا فَارِضٌ وَلا بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ } والفارض : الهرمة التي لا تلد ، والبكر التي لم تلد إلا ولدًا واحدًا. والعوان : النصف التي بين ذلك ، التي قد ولدت وولد ولدها { فَافْعَلُوا مَا تُؤْمَرُونَ* قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا لَوْنُهَا قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا } قال : نقي لونها { تَسُرُّ النَّاظِرِينَ } قال : تعجب الناظرين { قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ* قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لا ذَلُولٌ تُثِيرُ الأرْضَ وَلا تَسْقِي الْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لا شِيَةَ فِيهَا } من بياض ولا سواد ولا حمرة { قَالُوا الآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ } فطلبوها فلم يقدروا عليها.
__________
في جـ : "ما قتلناه ولا علمناه".
في جـ ، ط ، ب ، أ ، و : "وإن جبريل".
في جـ ، ط ، ب ، أ ، و : "بأمر ربه".
في جـ : "يا عمي".
في جـ : "فيها".
في ب ، أ ، و : "ادع لنا الله".
في جـ ، ط ، ب ، أ ، و : "الفرصة".
زيادة من جـ ، أ.
(1/296)
وكان رجل في (1) بني إسرائيل ، من أبر الناس بأبيه ، وإن رجلا مر به معه لؤلؤ يبيعه ، وكان أبوه نائمًا تحت رأسه المفتاح ، فقال له الرجل : تشتري (2) مني هذا اللؤلؤ بسبعين ألفًا ؟ فقال له الفتى : كما أنت حتى يستيقظ أبي فآخذه منك بثمانين ألفًا. فقال الآخر : أيقظ أباك وهو لك بستين ألفًا ، فجعل التاجر يحط له حتى بلغ ثلاثين ألفًا ، وزاد الآخر على أن ينتظر أباه حتى يستيقظ حتى بلغ مائة ألف ، فلما أكثر عليه قال : والله لا أشتريه منك بشيء أبدًا ، وأبى أن يوقظ أباه ، فعوضه الله من ذلك اللؤلؤ أن جعل له تلك البقرة ، فمرت به بنو إسرائيل يطلبون البقرة وأبصروا البقرة عنده ، فسألوه أن يبيعهم إياها بقرة ببقرة ، فأبى ، فأعطوه ثنتين فأبى ، فزادوه حتى بلغوا عشرا ، فأبى ، فقالوا : والله لا نتركك حتى نأخذها منك. فانطلقوا به إلى موسى ، عليه السلام ، فقالوا : يا نبي الله ، إنا وجدناها عند هذا فأبى أن يعطيناها وقد أعطيناه ثمنًا فقال له موسى : أعطهم بقرتك. فقال : يا رسول الله ، أنا أحق بمالي. فقال : صدقت. وقال للقوم : أرضوا صاحبكم ، فأعطوه وزنها ذهبًا ، فأبى ، فأضعفوا (3) له مثل ما أعطوه وزنها ، حتى أعطوه وزنها عشر مرات ذهبًا ، فباعهم إياها وأخذ ثمنها ، فذبحوها. قال : اضربوه ببعضها ، فضربوه بالبضعة التي بين الكتفين ، فعاش ، فسألوه : من قتلك ؟ فقال لهم : ابن أخي ، قال : أقْتُلُهُ ، فآخذُ مالَه ، وأنكح ابنتَه. فأخذوا الغلام فقتلوه (4).
وقال سنيد : حدثنا حجاج ، هو ابن محمد ، عن ابن جريج ، عن مجاهد ، وحجاج ، عن أبي معشر ، عن محمد بن كعب القرظي ومحمد بن قيس - دخل حديث بعضهم في حديث بعض - قالوا : إن سبطًا من بني إسرائيل لما رأوا كثرة شرور الناس ، بنوا مدينة فاعتزلوا شرور الناس ، فكانوا إذا أمسوا لم يتركوا أحدًا منهم خارجًا إلا أدخلوه ، وإذا افتتحوا (5) قام رئيسهم فنظر وأشرف ، فإذا لم ير شيئًا فتح المدينة ، فكانوا مع الناس حتى يمسوا. قال : وكان رجل من بني إسرائيل له مال كثير ، ولم يكن له وارث غير أخيه ، فطال عليه حياته فقتله ليرثه ، ثم حمله فوضعه على باب المدينة ، ثم كمن في مكان هو وأصحابه. قال : فأشرف (6) رئيس المدينة على باب المدينة فنظر ، فلم ير شيئًا ففتح الباب ، فلما رأى القتيل رد الباب ، فناداه أخو المقتول وأصحابه : هيهات! قتلتموه ثم تردون الباب. وكان موسى لما رأى القتل كثيرًا في أصحابه بني إسرائيل ، كان إذا رأى القتيل بين ظهراني القوم أخذهم ، فكاد يكون بين أخى المقتول وبين أهل المدينة قتال ، حتى لبس الفريقان السلاح ، ثم كف بعضهم عن بعض ، فأتوا موسى فذكروا له شأنهم. قالوا : يا رسول الله ، إن هؤلاء قتلوا قتيلا ثم ردوا الباب ، وقال أهل المدينة : يا رسول الله قد عرفت اعتزالنا الشرور (7) وبنينا مدينة ، كما رأيت ، نعتزل شرور الناس ، والله ما قتلنا ولا علمنا قاتلا. فأوحى الله تعالى إليه أن يذبحوا بقرة فقال لهم موسى :
__________
في جـ : "من".
في أ : "اشترى".
في جـ ، ط ، ب : "فأضعفوه".
تفسير الطبري (2/185).
في جـ ، ط ، ب ، أ ، و : "وإذا أصبحوا".
في و : "فتشرف".
في جـ : "اعتزالنا عن الناس الشرور".
(1/297)
{ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً } (1).
وهذه السياقات [كلها] (2) عن عبيدة (3) وأبي العالية والسدي وغيرهم ، فيها اختلاف ما ، والظاهر أنها مأخوذة من كتب بني إسرائيل وهي مما يجوز نقلها (4) ولكن لا نصدق ولا نكذب (5) فلهذا لا نعتمد عليها إلا ما وافق الحق عندنا ، والله أعلم.
== { قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لا فَارِضٌ وَلا بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ فَافْعَلُوا مَا تُؤْمَرُونَ (68) قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا لَوْنُهَا قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ (69) } ==
أخبر تعالى عن تعنت بني إسرائيل وكثرة سؤالهم لرسولهم. ولهذا لما ضيقوا على أنفسهم ضيق عليهم ، ولو أنهم ذبحوا أي بقرة كانت لوقعت الموقع عنهم ، كما قال ابن عباس وعبيدة وغير واحد ، ولكنهم شددوا فشدد عليهم ، فقالوا : { ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ } ما هذه البقرة ؟ وأي شيء صفتها ؟
قال (6) ابن جرير : حدثنا أبو كريب ، حدثنا عثام (7) بن علي ، عن الأعمش ، عن المنهال بن عمرو ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ، قال : لو أخذوا أدنى بقرة اكتفوا بها ، ولكنهم شددوا فشدد الله عليهم (8).
إسناد صحيح ، وقد رواه غير واحد عن ابن عباس. وكذا قال عبيدة ، والسدي ، ومجاهد ، وعكرمة ، وأبو العالية وغير واحد.
وقال ابن جريج : قال [لي] (9) عطاء : لو أخذوا أدنى بقرة كفتهم. قال ابن جريج : قال رسول الله {{ص}} : "إنما أمروا بأدنى بقرة ، ولكنهم لما شددوا على أنفسهم شدد الله عليهم ؛ وايم الله لو أنهم لم يستثنوا ما بينت لهم آخر الأبد" (10).
{ قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لا فَارِضٌ وَلا بِكْرٌ } أي : لا كبيرة هرمة ولا صغيرة لم يلحقها (11)
__________
ورواه الطبري في تفسيره (2/188) من طريق سنيد.
زيادة من جـ.
في أ : "أبي عبيدة".
في أ : "فعله".
في ط ، ب : "لا تصدق ولا تكذب".
في ط : "وقال".
في جـ : "هشام".
تفسير الطبري (2/204).
زيادة من جـ ، ط ، ب ، و.
رواه الطبري في تفسيره (2/205).
في جـ ، ط : "يلقحها" ، وفي أ : "ينكحها".
(1/298)
الفحل ، كما قاله أبو العالية ، والسدي ، ومجاهد ، وعكرمة ، وعطية العوفي ، وعطاء الخراساني (1) ووهب بن منبه ، والضحاك ، والحسن ، وقتادة ، وقاله ابن عباس أيضًا.
وقال الضحاك ، عن ابن عباس { عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ } [يقول : نصف] (2) بين الكبيرة والصغيرة ، وهي أقوى ما يكون من الدواب والبقر وأحسن ما تكون. وروي عن عكرمة ، ومجاهد ، وأبي العالية ، والربيع بن أنس ، وعطاء الخراساني ، والضحاك نحو ذلك.
وقال السدي : العوان : النصف التي بين ذلك التي ولدت ، وولد ولدها.
وقال هشيم ، عن جويبر ، عن كثير بن زياد ، عن الحسن في البقرة : كانت بقرة وحشية.
وقال ابن جريج ، عن عطاء ، عن ابن عباس : من لبس نعلا صفراء لم يزل في سرور ما دام لابسها ، وذلك قوله (3) تعالى : { صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ } وكذا قال مجاهد ، ووهب بن منبه أنها كانت صفراء.
وعن ابن عمر : كانت صفراء الظلف. وعن سعيد بن جبير : كانت صفراء القرن والظلف.
وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي ، حدثنا نصر بن علي ، حدثنا نوح بن قيس ، أنبأنا أبو رجاء ، عن الحسن في قوله : { بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا } قال : سوداء شديدة السواد.
وهذا غريب ، والصحيح الأول ، ولهذا أكد صفرتها بأنه { فَاقِعٌ لَوْنُهَا }
وقال عطية العوفي : { فَاقِعٌ لَوْنُهَا } تكاد تسود من صفرتها.
وقال سعيد بن جبير : { فَاقِعٌ لَوْنُهَا } قال : صافية اللون. وروى عن أبي العالية ، والربيع بن أنس ، والسدي ، والحسن ، وقتادة نحوه.
وقال شريك ، عن مَغْراء (4) عن ابن عمر : { فَاقِعٌ لَوْنُهَا } قال : صاف (5).
وقال العوفي في تفسيره ، عن ابن عباس : { فَاقِعٌ لَوْنُهَا } شديدة الصفرة ، تكاد من صفرتها تبيض.
وقال السدي : { تَسُرُّ النَّاظِرِينَ } أي : تعجب الناظرين (6) وكذا قال أبو العالية ، وقتادة ، والربيع بن أنس.
[وفي التوراة : أنها كانت حمراء ، فلعل هذا خطأ في التعريب أو كما قال الأول : إنها كانت شديدة الصفرة تضرب إلى حمرة وسواد ، والله أعلم] (7).
__________
في جـ : "الخراساني وسيأتي".
زيادة من جـ ، ط ، أ ، و.
في جـ ، ب : "قول الله تعالى" ، وفي ط : "قول الله.
في أ : "عن ابن عباس".
في جـ ، ط ، ب : "صافي".
في جـ : "أي تعجبهم".
زيادة من جـ ، ط ، ب ، و.
(1/299)
وقال وهب بن منبه : إذا نظرت إلى جلدها يخيل إليك أن شعاع الشمس يخرج من جلدها.
(1/300)
قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ (70) قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ وَلَا تَسْقِي الْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لَا شِيَةَ فِيهَا قَالُوا الْآَنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ (71)
== { قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ (70) } ==
وقوله : { إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا } أي : لكثرتها ، فميز لنا هذه البقرة وصفها وحِلَّها لنا { وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ } إذا بينتها لنا { لَمُهْتَدُونَ } إليها.
وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أحمد بن يحيى الأودي (1) الصوفي ، حدثنا أبو سعيد أحمد بن داود الحداد ، حدثنا سرور بن المغيرة الواسطي ، ابن أخي منصور بن زاذان ، عن عباد بن منصور ، عن الحسن ، عن أبي رافع ، عن أبي هريرة ، قال : قال رسول الله {{ص}} : "لولا أن بني إسرائيل قالوا : { وَإِنَّا إِن شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ } لما أعطوا ، ولكن استثنوا" (2).
ورواه الحافظ أبو بكر بن مردويه في تفسيره من وجه آخر ، عن سرور بن المغيرة ، عن (3) زاذان ، عن عباد بن منصور ، عن الحسن ، عن حديث أبي رافع ، عن أبي هريرة ، قال : قال رسول الله {{ص}} : "لولا أن بني إسرائيل قالوا : { وَإِنَّا إِن شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ } ما أعطوا أبدًا ، ولو أنهم اعترضوا بقرة من البقر فذبحوا لأجزأت عنهم ، ولكنهم شددوا ، فشدد الله عليهم" (4).
وهذا حديث غريب من هذا الوجه ، وأحسن أحواله أن يكون من كلام أبي هريرة ، كما تقدم مثله (5) عن السدي ، والله أعلم.
{ قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لا ذَلُولٌ تُثِيرُ الأرْضَ وَلا تَسْقِي الْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لا شِيَةَ فِيهَا قَالُوا الآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ (71) }
{ قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لا ذَلُولٌ تُثِيرُ الأرْضَ وَلا تَسْقِي الْحَرْثَ } أي : إنها ليست مذللة بالحراثة ولا معدة للسقي في السانية ، بل هي مكرمة حسنة صبيحة { مُسَلَّمَةٌ } صحيحة لا عيب فيها { لا شِيَةَ فِيهَا } أي : ليس فيها لون غير لونها.
وقال عبد الرزاق ، عن معمر ، عن قتادة { مُسَلَّمَةٌ } يقول : لا عيب فيها ، وكذا قال أبو العالية والربيع ، وقال مجاهد { مُسَلَّمَةٌ } من الشية.
وقال عطاء الخراساني : { مُسَلَّمَةٌ } القوائم والخلق { لا شِيَةَ فِيهَا } قال مجاهد : لا بياض ولا سواد. وقال أبو العالية والربيع ، والحسن وقتادة : ليس فيها بياض. وقال عطاء الخراساني : { لا شِيَةَ فِيهَا } قال : لونها واحد بهيم. وروي عن عطية العوفي ، ووهب بن منبه ، وإسماعيل بن أبي خالد ، نحو ذلك. وقال السدي : { لا شِيَةَ فِيهَا } من بياض ولا سواد ولا حمرة ، وكل هذه الأقوال متقاربة [في المعنى ، وقد زعم بعضهم أن المعنى في ذلك قوله تعالى : { إِنَّهَا بَقَرَةٌ لا ذَلُولٌ } ليست بمذللة بالعمل ثم استأنف فقال : { تُثِيرُ الأرْضَ } أي : يعمل عليها بالحراثة لكنها لا تسقي الحرث ، وهذا ضعيف ؛ لأنه فسر الذلول التي لم تذلل بالعمل بأنها لا تثير الأرض ولا تسقي الحرث كذا قرره القرطبي وغيره] (6)
__________
في جـ ، ط : "الأزدي".
تفسير ابن أبي حاتم (1/223).
في جـ ، ط ، ب : "بن".
قال الحافظ ابن حجر : "فيه عباد بن منصور وهو ضعيف".
في جـ ، ط : "نقله".
زيادة من جـ ، ط ، ب ، أ.
(1/300)
{ قَالُوا الآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ } قال قتادة : الآن بَيَّنْتَ لنا ، وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم : وقبل ذلك - والله (1) - قد جاءهم الحق.
{ فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ } قال الضحاك ، عن ابن عباس : كادوا ألا يفعلوا ، ولم يكن ذلك الذي أرادوا ، لأنهم أرادوا ألا يذبحوها.
يعني أنَّهم مع هذا البيان (2) وهذه الأسئلة ، والأجوبة ، والإيضاح ما ذبحوها إلا بعد الجهد ، وفي هذا ذم لهم ، وذلك أنه لم يكن غرضهم إلا التعنت ، فلهذا ما كادوا يذبحونها.
وقال محمد بن كعب ، ومحمد بن قيس : { فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ } لكثرة ثمنها.
وفي هذا نظر ؛ لأن كثرة ثمنها لم يثبت إلا من نقل بني إسرائيل ، كما تقدم من حكاية أبي العالية والسدي ، ورواه العوفي عن ابن عباس. وقال عبيدة ، ومجاهد ، ووهب بن منبه ، وأبو العالية ، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم : إنهم اشتروها بمال كثير (3) وفيه اختلاف ، ثم قد قيل في ثمنها غير ذلك. وقال عبد الرزاق : أنبأنا ابن عيينة ، أخبرني محمد بن سوقة ، عن عكرمة ، قال : ما كان ثمنها إلا ثلاثة دنانير (4) وهذا إسناد جيد عن عكرمة ، والظاهر أنه نقله عن أهل الكتاب أيضًا.
وقال ابن جرير : وقال آخرون : لم يكادوا أن يفعلوا ذلك خوف الفضيحة ، إن اطلع الله على قاتل القتيل الذي اختصموا فيه.
ولم يسنده عن أحد ، ثم اختار أن الصواب في ذلك أنهم لم يكادوا يفعلوا ذلك لغلاء ثمنها ، وللفضيحة. وفي هذا نظر ، بل الصواب - والله أعلم - ما تقدم من رواية الضحاك ، عن ابن عباس ، على ما وجهناه. وبالله التوفيق.
مسألة : استدل بهذه الآية في حصر صفات هذه البقرة حتى تعينت أو تم تقييدها بعد الإطلاق على صحة السلم في الحيوان كما هو مذهب مالك والأوزاعي والليث والشافعي وأحمد وجمهور العلماء سلفًا وخلفًا بدليل ما ثبت في الصحيحين عن النبي {{ص}} : "لا تنعت المرأةُ المرأةَ لزوجها كأنه ينظر إليها" (5). وكما وصف النبي {{ص}} إبل الدية في قتل الخطأ وشبه العمد بالصفات المذكورة بالحديث ، وقال أبو حنيفة والثوري والكوفيون : لا يصح السلم في الحيوان لأنه لا تنضبط أحواله ، وحكى مثله عن ابن مسعود وحذيفة بن اليمان وعبد الرحمن بن سمرة وغيرهم.
__________
في جـ ، ط : "والله أعلم".
في جـ : "الشأن".
في ب : "بثمن كثير".
تفسير عبد الرزاق (1/71).
صحيح البخاري برقم (5241).
(1/301)
وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ (72) فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِي اللَّهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آَيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (73)
{ وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ (72) فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِي اللَّهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (73) }
قال البخاري : { فَادَّارَأْتُمْ } اختلفتم. وهكذا قال مجاهد فيما رواه ابن أبي حاتم ، عن أبيه ، عن أبي حذيفة ، عن شبْل عن ابن أبي نَجِيح ، عن مجاهد ، أنه قال في قوله تعالى : { وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا } اختلفتم.
وقال عطاء الخراساني ، والضحاك : اختصمتم فيها. وقال ابن جريج { وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا } قال : قال بعضهم أنتم قتلتموه.
وقال آخرون : بل أنتم قتلتموه. وكذا قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم.
{ وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ } قال مجاهد : ما تُغَيبُون. وقال ابن أبي حاتم : حدثنا عمرو بن مسلم البصري ، حدثنا محمد بن الطفيل العبدي ، حدثنا صدقة بن رستم ، سمعت المسيب بن رافع يقول : ما عمل رجل حسنة في سبعة أبيات إلا أظهرها الله ، وما عمل رجل سيئة في سبعة أبيات إلا أظهرها الله ، وتصديق ذلك في كلام الله : { وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ* فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا } هذا البعض أيُّ شيء كان من أعضاء هذه البقرة فالمعجزة حاصلة به.
وخرق العادة به كائن ، وقد كان معينا في نفس الأمر ، فلو كان في تعيينه لنا فائدة تعود علينا في أمر الدين أو الدنيا لبينه الله تعالى لنا ، ولكن أبهمه ، ولم يجئ من طريق صحيح عن معصوم بيانه (1) فنحن نبهمه كما أبهمه الله.
ولهذا قال ابن أبي حاتم : حدثنا أحمد بن سنان ، حدثنا عفَّان بن مسلم ، حدثنا عبد الواحد بن زياد حدثنا الأعمش ، عن المنهال بن عمرو ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ، قال : إن أصحاب بقرة بني إسرائيل طلبوها أربعين سنة حتى وجدوها عند رجل في بقر له ، وكانت بقرة تعجبه ، قال : فجعلوا يعطونه بها فيأبى ، حتى أعطوه ملء مَسْكها دنانير ، فذبحوها ، فضربوه - يعني القتيل - بعضو منها ، فقام تَشْخُب أوداجه دمًا [فسألوه] (2) فقالوا له : من قتلك ؟ قال : (3) قتلني فلان (4).
وكذا قال الحسن ، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم : إنه ضرب ببعضها.
وفي رواية عن ابن عباس : إنهم ضربوه بالعظم الذي يلي الغضروف.
وقال عبد الرزاق : أنبأنا مَعْمَر ، قال : قال أيوب ، عن ابن سيرين ، عن عبيدة : ضربوا القتيل ببعض لحمها. وقال معمر : قال قتادة : فضربوه بلحم فخذها فعاش ، فقال : قتلني فلان.
وقال أبو أسامة ، عن النضر بن عربي ، عن عكرمة : { فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا } [قال] (5) فضرب
__________
في جـ : "عن معصوم حدثنا به".
زيادة من جـ.
في جـ : "فقال".
تفسير ابن أبي حاتم (1/229).
زيادة من جـ ، أ ، و.
(1/302)
بفخذها فقام ، فقال : قتلني فلان.
قال ابن أبي حاتم : وروي عن مجاهد ، وقتادة ، نحو ذلك.
وقال السدي : فضربوه بالبَضْعة التي بين الكتفين فعاش ، فسألوه ، فقال : قتلني ابن أخي.
وقال أبو العالية : أمرهم موسى ، عليه السلام ، أن يأخذوا عظمًا من عظامها ، فيضربوا به القتيل ، ففعلوا ، فرجع إليه روحه ، فسمى لهم قاتله ثم عاد ميتا كما كان.
وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم : فضربوه ببعض آرابها [وقيل : بلسانها ، وقيل : بعجب ذنبها] (1).
وقوله : { كَذَلِكَ يُحْيِي اللَّهُ الْمَوْتَى } أي : فضربوه فحيى. ونَبَّه تعالى على قدرته وإحيائه الموتى بما شاهدوه من أمر القتيل : جعل تبارك وتعالى ذلك الصنع حجة لهم على المعاد ، وفاصلا ما كان بينهم من الخصومة والفساد (2) ، والله تعالى قد ذكر في هذه السورة ما خلقه في (3) إحياء الموتى ، في خمسة مواضع : { ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ } [البقرة : 56]. وهذه القصة ، وقصة الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت ، وقصة الذي مرَّ على قرية وهي خاوية على عروشها ، وقصة إبراهيم والطيور الأربعة.
ونبه تعالى بإحياء الأرض بعد موتها على إعادة الأجسام بعد صيرورتها (4) رميما ، كما قال أبو داود الطيالسي : حدثنا شعبة ، أخبرني يعلى بن عطاء ، قال : سمعت وَكِيع بن عُدُس ، يحدث عن أبي رَزِين العُقَيلي ، قال : قلت : يا رسول الله ، كيف يحيي الله الموتى ؟ قال : "أما مررت بواد مُمْحِل ، ثم مررت به خَضِرًا ؟" قال : بلى. قال : "كذلك النشور". أو قال : "كذلك يحيي الله الموتى" (5). وشاهد هذا قوله تعالى : { وَآيَةٌ لَهُمُ الأرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ* وَجَعَلْنَا فِيهَا جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ وَفَجَّرْنَا فِيهَا مِنَ الْعُيُون* لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ أَفَلا يَشْكُرُونَ } [يس : 33 - 35].
مسألة : استدل لمذهب مالك في كون قول الجريح : فلان قتلني لوثًا بهذه القصة ؛ لأن القتيل لما حيي سئل عمن قتله فقال : قتلني فلان ، فكان ذلك مقبولا منه ؛ لأنه لا يخبر حينئذ إلا بالحق ، ولا يتهم والحالة هذه ، ورجحوا ذلك بحديث أنس : أن يهوديًا قتل جارية على أوضاح لها ، فرضخ رأسها بين حجرين فقيل : من فعل بك هذا ؟ أفلان ؟ أفلان ؟ حتى ذكر اليهودي ، فأومأت برأسها ، فأخذ اليهودي ، فلم يزل به حتى اعترف ، فأمر رسول الله {{ص}} أن يرد رأسه بين حجرين (6) وعند مالك : إذا كان لوثًا حلف أولياء القتيل قسامة ، وخالف الجمهور في ذلك ولم يجعلوا قول القتيل في
__________
زيادة من جـ ، ط ، ب ، أ ، و.
في جـ ، ط ، ب ، أ ، و : "والعناد".
في جـ ، ط ، ب ، أ ، و : "من".
في جـ ، ط ، ب ، أ ، و : "بعد صيرورتها".
مسند الطيالسي برقم (1089).
رواه البخاري في صحيحه برقم (6885).
(1/303)
ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (74)
ذلك لوثًا.
{ ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الأنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (74) }
يقول تعالى توبيخًا لبني إسرائيل ، وتقريعًا لهم على ما شاهدوه من آيات الله تعالى ، وإحيائه الموتى : { ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ } كله { فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ } التي لا تلين أبدًا. ولهذا نهى الله المؤمنين عن مثل حالهم فقال : { أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نزلَ مِنَ الْحَقِّ وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الأمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ } [الحديد : 16].
وقال العوفي ، في تفسيره ، عن ابن عباس : لما ضُرب المقتول ببعض البقرة جلس أحيا ما كان قط ، فقيل له : من قتلك ؟ فقال : بنو أخي قتلوني. ثم قبض. فقال بنو أخيه حين قبض : والله ما قتلناه ، فكذبوا بالحق بعد إذا رأوا (1). فقال (2) الله : { ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ } يعني : بني (3) أخي الشيخ { فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً } فصارت قلوب بني (4) إسرائيل مع طول الأمد قاسية بعيدة عن الموعظة بعد ما شاهدوه من الآيات والمعجزات فهي في قسوتها كالحجارة التي لا علاج للينها أو أشد قسوة من الحجارة ، فإن من الحجارة ما تتفجر منها العيون الجارية بالأنهار ، ومنها ما يشقق فيخرج منه الماء ، وإن لم يكن جاريا ، ومنها ما يهبط من رأس الجبل من خشية الله ، وفيه إدراك لذلك بحسبه ، كما قال : { تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالأرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا } [الإسراء : 44].
وقال ابن أبي نَجِيح ، عن مجاهد أنه كان يقول : كل حجر يتفجر منه الماء ، أو يتشقق عن ماء ، أو يتردى من رأس جبل ، لمن خشية الله ، نزل بذلك القرآن.
وقال محمد بن إسحاق : حدثني محمد بن أبي محمد ، عن عكرمة أو سعيد بن جبير ، عن ابن عباس : { وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الأنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ } أي وإن من الحجارة لألين من قلوبكم عَمَّا تدعون إليه من الحق { وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ }
[وقال أبو علي الجبائي في تفسيره : { وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ } هو سقوط البرد من
__________
في أ ، و "إذ رأوه".
في جـ : "ثم قال".
في أ ، و : "يعني ابن".
في جـ : "قلوب بنوا" وهو خطأ.
(1/304)
السحاب. قال القاضي الباقلاني : وهذا تأويل بعيد وتبعه في استبعاده فخر الدين الرازي وهو كما قالا ؛ فإن هذا خروج عن ظاهر اللفظ بلا دليل ، والله أعلم] (1).
وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي ، حدثنا هشام بن عمار ، حدثنا الحكم بن هشام الثقفي ، حدثني يحيى بن أبي طالب - يعني يحيى بن يعقوب - في قوله تعالى : { وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الأنْهَارُ } قال : هو كثرة البكاء { وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ } قال : قليل البكاء { وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ } قال : بكاء القلب ، من غير دموع العين.
وقد زعم بعضهم أن هذا من باب المجاز ؛ وهو إسناد الخشوع إلى الحجارة كما أسندت الإرادة إلى الجدار في قوله : { يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ } قال الرازي والقرطبي وغيرهما من الأئمة : ولا حاجة إلى هذا فإن الله تعالى يخلق فيها هذه الصفة كما في قوله تعالى : { إِنَّا عَرَضْنَا الأمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا } الآية ، وقال : { وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ } و { أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ يَتَفَيَّأُ ظِلالُهُ } الآية ، { قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ } { لَوْ أَنزلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ } الآية ، { وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ } الآية ، وفي الصحيح : "هذا جبل يحبنا ونحبه" ، وكحنين الجذع المتواتر خبره ، وفي صحيح مسلم : "إني لأعرف حجرًا بمكة كان يسلم علي قبل أن أبعث إني لأعرفه الآن" وفي صفة الحجر الأسود أنه يشهد لمن استلمه بحق يوم القيامة ، وغير ذلك مما في معناه. وحكى القرطبي قولا أنها للتخيير ؛ أي مثلا لهذا وهذا وهذا مثل جالس الحسن أو ابن سيرين.. وكذا حكاه الرازي في تفسيره وزاد قولا آخر : إنها للإبهام بالنسبة إلى المخاطب كقول القائل أكلت خبزًا أو تمرًا ، وهو يعلم أيهما أكل ، وقال آخر : إنها بمعنى قول القائل كل حلوًا أو حامضًا ؛ أي لا يخرج عن واحد منهما ؛ أي وقلوبكم صارت كالحجارة أو أشد قسوة منها لا تخرج عن واحد من هذين الشيئين. والله أعلم.
تنبيه :
اختلف علماء العربية في معنى قوله تعالى : { فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً } بعد الإجماع على استحالة كونها للشك ، فقال بعضهم : "أو" هاهنا بمعنى الواو ، تقديره : فهي كالحجارة وأشد قسوة كقوله تعالى : { وَلا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا } [الإنسان : 24] ، وكما قال النابغة الذبياني :
قالت ألا ليتما هذا الحمامُ لنا... إلى حَمامتنا أو نِصفُه فَقدِ (2)
تريد : ونصفه ، قاله ابن جرير. وقال جرير بن عطية :
نال الخِلافَةَ أو كانت له قدرًا... كما أتى ربَّه مُوسى على قَدَرِ (3)
قال ابن جرير : يعني نال الخلافة ، وكانت له قدرًا.
وحكى القرطبي قولا أنها للتخيير في مفهومها بهذا أو بهذا مثل جالس الحسن أو ابن سيرين ، وكذا حكاه فخر الدين في تفسيره وزاد قولا آخر وهو : أنها للإبهام وبالنسبة إلى المخاطب ، كقول القائل : أكلت خبزًا أو تمرا وهو يعلم أيهما أكل ، وقولا آخر وهو أنها بمعنى قول القائل : أكلي حلو أو حامض ، أي : لا يخرج عن واحد منهما ، أي : وقلوبكم صارت في قسوتها كالحجارة أو أشد قسوة منها لا يخرج عن واحد من هذين الشيئين والله أعلم.
وقال آخرون : "أو" هاهنا بمعنى بل ، تقديره (4) فهي كالحجارة بل أشد قسوة ، وكقوله : { إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً } [النساء : 77]{ وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ } [الصافات : 147]{ فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى } [النجم : 9] وقال آخرون : معنى (5) ذلك { فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً } عندكم. حكاه ابن جرير.
وقال آخرون : المراد بذلك الإبهام على المخاطب ، كما قال أبو الأسود :
__________
زيادة من جـ ، ط ، ب ، أ ، و.
البيت في تفسير الطبري (2/236).
البيت في تفسير الطبري (2/236).
في جـ ، ط ، ب : "فتقديره".
في جـ : "بمعنى".
(1/305)
أحبّ محمدًا حُبا شديدًا... وعبَّاسا وحمزةَ والوصيا (1)
فإن يك حُبّهم رشدا أصبه... ولست (2) بمخطئ إن كان غيّا (3)
قال ابن جرير : قالوا : ولا شك أن أبا الأسود لم يكن شاكًّا في أن حُبّ من سَمَّى رَشَدٌ ، ولكنه أبهم على من خاطبه ، قال : وقد ذكر عن أبي الأسود أنه لما قال هذه الأبيات قيل له : شككت ؟ فقال : كلا والله. ثم انتزع بقول الله تعالى : { وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ } فقال : أوَ كان شاكًّا من أخبر بهذا في الهادي منهم من الضلال (4) ؟
وقال بعضهم : معنى ذلك : فقلوبكم لا تخرج عن أحد هذين المثلين ، إما أن تكون مثل الحجارة في القسوة وإما أن تكون أشد منها قسوة.
قال ابن جرير : ومعنى ذلك على هذا التأويل : فبعضها كالحجارة قسوة ، وبعضها أشد قسوة من الحجارة. وقد رجحه ابن جرير مع توجيه غيره.
قلت : وهذا القول الأخير يبقى شبيها بقوله تعالى : { مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا } [البقرة : 17] مع قوله : { أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ } [البقرة : 19] وكقوله : { وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ } [النور : 39] مع قوله : { أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ } [النور : 40] ، الآية أي : إن منهم من هو هكذا ، ومنهم من هو هكذا ، والله أعلم.
قال الحافظ أبو بكر بن مردويه : حدثنا محمد بن أحمد بن إبراهيم ، حدثنا محمد بن أيوب ، حدثنا محمد بن عبد الله بن أبي الثلج ، حدثنا علي بن حفص ، حدثنا إبراهيم بن عبد الله بن حاطب ، عن عبد الله بن دينار ، عن ابن عمر أن رسول الله {{ص}} قال : "لا تكثروا الكلام بغير ذكر الله ، فإن كثرة الكلام بغير ذكر الله قسوة القلب ، وإن أبعد الناس من الله القلب القاسي".
رواه الترمذي في كتاب الزهد من جامعه ، عن محمد بن عبد الله بن أبي الثلج ، صاحب الإمام أحمد ، به. ومن وجه آخر عن إبراهيم بن عبد الله بن الحارث بن حاطب ، به ، وقال : غريب لا نعرفه إلا من حديث إبراهيم (5).
[وروى البزار عن أنس مرفوعا : "أربع من الشقاء : جمود العين ، وقسي القلب ، وطول الأمل ، والحرص على الدنيا" (6) ]. (7).
__________
في جـ ، ط ، ب : "أو عليا".
في جـ ، ط ، ب : "وليس".
البيتان في تفسير الطبري (2/235 ، 236).
في جـ ، ط ، ب ، و : "من الضال".
سنن الترمذي برقم (2411) وأورده الإمام مالك في الموطأ (2/986) بلاغًا عن عيس عليه السلام.
مسند البزار برقم (3230) من طريق هانئ بن المتوكل ، عن عبد الله بن سليمان وأبان عن أنس به مرفوعًا ، وقال البزار : "عبد الله بن سليمان حدث بأحاديث لم يتابع عليها" ، وقال الهيثمي في المجمع (10/226) : "وفيه هانئ بن المتوكل ، وهو ضعيف".
زيادة من جـ ، ط ، ب ، أ ، و.
(1/306)
أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (75) وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آَمَنُوا قَالُوا آَمَنَّا وَإِذَا خَلَا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (76)
{ أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (75) وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ أَفَلا تَعْقِلُونَ (76) }
(1/307)
أَوَلَا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ (77)
{ أَوَلا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ (77) }
يقول تعالى : { أَفَتَطْمَعُونَ } أيها المؤمنون { أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ } أي : ينقاد (1) لكم بالطاعة ، هؤلاء الفرقة الضالة من اليهود ، الذين شاهد آباؤهم (2) من الآيات البينات ما شاهدوه (3) ثم قست قلوبهم من بعد ذلك { وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ } أي : يتأولونه على غير تأويله { مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ } أي : فهموه على الجلية ومع هذا يخالفونه على بصيرة { وَهُمْ يَعْلَمُونَ } أنهم مخطئون فيما ذهبوا إليه من تحريفه وتأويله ؟ وهذا المقام شبيه بقوله تعالى : { فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ } [المائدة : 13]. (4).
قال محمد بن إسحاق : حدثني محمد بن أبي محمد ، عن عكرمة أو سعيد بن جبير ، عن ابن عباس أنه قال : ثم قال الله تعالى لنبيه {{ص}} ، ولمن معه من المؤمنين يؤيسهم منهم : { أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ } وليس قوله : { يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ } يسمعون التوراة. كلهم قد سمعها. ولكن الذين سألوا موسى رؤية ربهم فأخذتهم الصاعقة فيها.
قال محمد بن إسحاق : فيما حدثني بعض أهل العلم أنهم قالوا لموسى : يا موسى ، قد حيل بيننا وبين رؤية الله تعالى ، فأسمعنا كلامه حين يكلمك. فطلب ذلك موسى إلى ربه تعالى فقال : نعم ، مُرْهم فليتطهروا ، وليطهروا ثيابهم ويصوموا ففعلوا ، ثم خرج بهم حتى أتوا الطور ، فلما غشيهم الغمام أمرهم موسى أن يسجدوا ، فوقعوا سجودًا ، وكلمه ربه تعالى ، فسمعوا (5) كلامه يأمرهم وينهاهم ، حتى عقلوا عنه ما سمعوا. ثم انصرف بهم إلى بني إسرائيل ، فلما جاءوهم حَرَّف فريق منهم ما أمرهم به ، وقالوا حين قال موسى لبني إسرائيل : إن الله قد أمركم بكذا وكذا. قال ذلك الفريق الذين ذكرهم الله : إنما قال كذا وكذا خلافًا لما قال الله عز وجل لهم ، فهم الذين عنى الله لرسوله {{ص}}.
وقال السدي : { وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ } قال : هي التوراة ، حرفوها.
وهذا الذي ذكره السدي أعم مما ذكره ابن عباس وابن إسحاق ، وإن كان قد اختاره ابن جرير لظاهر السياق. فإنه ليس يلزم من سماع كلام الله أن يكون منه (6) كما سمعه الكليم موسى بن
__________
في جـ ، ط : "ينقادوا".
في جـ : "ما آتاهم".
في ط : "مما شاهدوه".
في أ : "من بعد" وهو خطأ.
في جـ ، ط ، ب : "فلما سمعوا".
في جـ : "لمن يكون منه" ، وفي ط : "لمن تكون منه".
(1/307)
عمران ، عليه الصلاة والسلام (1) ، وقد قال الله تعالى : { وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ } [التوبة : 6] ، أي : مبلَّغًا إليه ؛ ولهذا قال قتادة في قوله : { ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ } قال : هم اليهود كانوا يسمعون كلام الله ثم يحرفونه من بعد ما عقلوه ووعوه.
وقال مجاهد : الذين يحرفونه والذين يكتمونه هم العلماء منهم.
وقال أبو العالية : عمدوا إلى ما أنزل الله في كتابهم ، من نعت (2) محمد {{ص}} ، فحرفوه عن مواضعه.
وقال السدي : { وَهُمْ يَعْلَمُونَ } أي أنهم أذنبوا. وقال ابن وهب : قال ابن زيد في قوله : { يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ } قال : التوراة التي أنزلها الله عليهم يحرفونها يجعلون الحلال فيها حرامًا ، والحرام فيها حلالا والحق فيها باطلا والباطل فيها حقًا ؛ إذا جاءهم المحق برشوة أخرجوا له كتاب الله ، وإذا جاءهم المبطل (3) برشوة أخرجوا له ذلك الكتاب ، فهو فيه محق ، وإن جاءهم أحد يسألهم شيئًا ليس فيه حق ، ولا رشوة ، ولا شيء ، أمروه بالحق ، فقال الله لهم : { أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلا تَعْقِلُونَ } [البقرة : 44].
وقوله : { وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا } الآية.
قال محمد بن إسحاق : حدثنا محمد بن أبي محمد ، عن عكرمة أو سعيد بن جبير ، عن ابن عباس : { وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا } أي بصاحبكم رسول الله ، ولكنه إليكم خاصة. { وَإِذَا خَلا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ قَالُوا } لا تحدثوا العرب بهذا ، فإنكم قد كنتم تستفتحون به عليهم ، فكان منهم. فأنزل الله : { وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ } أي : تقرون بأنه نبي ، وقد علمتم أنه قد أخذ له الميثاق عليكم باتباعه ، وهو يخبرهم أنه النبي الذي كنا ننتظر ، ونجد في كتابنا. اجحدوه ولا تقروا به. يقول الله تعالى : { أَوَلا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ }.
وقال الضحاك ، عن ابن عباس : يعني المنافقين من اليهود كانوا إذا لقوا أصحاب محمد {{ص}} قالوا : آمنا.
وقال السدي : هؤلاء ناس من اليهود آمنوا ثم نافقوا. وكذا قال الربيع بن أنس ، وقتادة وغير واحد من السلف والخلف ، حتى قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم ، فيما رواه ابن وهب عنه : كان رسول الله {{ص}} قد قال : "لا يدخلن (4) علينا قصبة المدينة إلا مؤمن". فقال رؤساؤهم (5) من أهل الكفر والنفاق : اذهبوا فقولوا : آمنا ، واكفروا إذا رجعتم إلينا ، فكانوا يأتون المدينة بالبُكَر ، ويرجعون إليهم بعد العصر. وقرأ قول الله تعالى : { وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنزلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ } [آل عمران : 72]
__________
في جـ : "كما سمعه الكليم عليه السلام" ، وفي ط : "كما سمعه الكليم موسى بن عمران عليه الصلاة والسلام".
في جـ ، ط : "من نص".
في جـ : "الباطل".
في جـ : "لا يدخل".
في جـ : "فقال رؤسائهم" وهو خطأ.
(1/308)
وكانوا يقولون ، إذا دخلوا المدينة : نحن مسلمون. ليعلموا خبر رسول الله {{ص}} وأمره. فإذا رجعوا رجعوا إلى الكفر. فلما أخبر الله نبيه {{ص}} قطع ذلك عنهم فلم يكونوا يدخلون. وكان المؤمنون يظنون أنهم مؤمنون (1) فيقولون : أليس قد قال الله لكم كذا وكذا ؟ فيقولون : بلى. فإذا رجعوا إلى قومهم [يعني الرؤساء] (2) قالوا : { أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ } الآية (3).
وقال أبو العالية : { أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ } يعني : بما أنزل الله عليكم في كتابكم من نعت (4) محمد {{ص}}.
وقال عبد الرزاق ، عن مَعْمَر ، عن قتادة : { أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ } قال : كانوا يقولون : سيكون نبي. فخلا بعضهم ببعض (5) فقالوا : { أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ } (6).
قول آخر في المراد بالفتح : قال ابن جُرَيج : حدثني القاسم بن أبي بَزَّة ، عن مجاهد ، في قوله تعالى : { أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ } قال : قام النبي {{ص}} يوم قريظة تحت حصونهم ، فقال : "يا إخوان (7) القردة والخنازير ، ويا عبدة الطاغوت" ، فقالوا : من أخبر بهذا (8) الأمر محمدًا ؟ ما خرج هذا القول (9) إلا منكم { أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ } بما حكم الله ، للفتح ، ليكون لهم حجة عليكم. قال ابن جريج ، عن مجاهد : هذا حين أرسل إليهم عليا (10) فآذوا محمدًا {{ص}}.
وقال السدي : { أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ } من العذاب { لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ } هؤلاء ناس من اليهود آمنوا ثم نافقوا وكانوا يحدثون المؤمنين من العرب بما عُذِّبوا به. فقال بعضهم لبعض : { أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ } من العذاب ، ليقولوا : نحن أحب إلى الله منكم ، وأكرم على الله منكم.
وقال عطاء الخراساني : { أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ } يعني : بما قضى [الله] (11) لكم وعليكم.
وقال الحسن البصري : هؤلاء اليهود ، كانوا إذا لقوا الذين آمنوا قالوا : آمنا ، وإذا خلا بعضهم إلى بعض ، قال بعضهم : لا تحدثوا أصحاب محمد بما فتح الله عليكم مما في كتابكم ، فيحاجوكم (12) به عند ربكم ، فيخصموكم.
__________
في جـ : "أنهم يؤمنون".
زيادة من جـ ، ب ، أ ، و.
رواه الطبري في تفسيره (2/254) عن يونس عن ابن وهب به.
في أ : "من بعث".
في جـ ، ط ، ب : "فخلا بعضهم ببعض".
تفسير عبد الرزاق (1/71).
في جـ : "أيا إخوان".
في جـ ، ط ، ب : "من أخبر هذا".
في أ ، و : "هذا الأمر".
في جـ : "حين أرسل عليًا إليهم".
زيادة من جـ ، أ.
في جـ ، ط ، ب : "ليحاجوكم".
(1/309)
وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ (78) فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ (79)
وقوله : { أَوَلا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ } قال أبو العالية : يعني ما أسروا من كفرهم بمحمد {{ص}} وتكذيبهم به ، وهو (1) يجدونه مكتوبًا عندهم. وكذا قال قتادة.
وقال الحسن : { أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ } قال : كان ما أسروا أنهم كانوا إذا تولوا عن أصحاب محمد {{ص}} وخلا بعضهم إلى بعض ، تناهوا أن يخبر أحد (2) منهم أصحاب محمد {{ص}} بما فتح الله عليهم مما في كتابهم ، خشيةَ أن يحاجهم أصحاب محمد {{ص}} بما في كتابهم عند (3) ربهم. { وَمَا يُعْلِنُونَ } يعني : حين قالوا لأصحاب محمد {{ص}} : آمنا. وكذا قال أبو العالية ، والربيع ، وقتادة.
{ وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلا أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلا يَظُنُّونَ (78) فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلا فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ (79) }
يقول تعالى : { وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ } أي : ومن أهل الكتاب ، قاله مجاهد : والأميون جمع أمي ، وهو : الرجل الذي لا يحسن الكتابة ، قاله أبو العالية ، والربيع ، وقتادة ، وإبراهيم النَّخَعي ، وغير واحد (4) وهو ظاهر في قوله تعالى : { لا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ [إِلا أَمَانِيَّ] } (5) أي : لا يدرون ما فيه. ولهذا في صفات النبي {{ص}} أنه أمي ؛ لأنه لم يكن يحسن الكتابة ، كما قال تعالى : { وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ } [العنكبوت : 48] وقال عليه الصلاة والسلام : "إنا أمة أمية ، لا نكتب ولا نحسب ، الشهر هكذا وهكذا وهكذا" الحديث. أي : لا نفتقر في عباداتنا ومواقيتها إلى كتاب ولا حساب وقال تعالى : { هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأمِّيِّينَ رَسُولا مِنْهُمْ } [الجمعة : 2].
وقال ابن جرير : نسبت العرب من لا يكتب ولا يَخُط من الرجال إلى أمِّه في جهله بالكتاب دون أبيه ، قال : وقد روي عن ابن عباس ، رضي الله عنهما (6) قول خلاف هذا ، وهو ما حدثنا به أبو كُرَيب : حدثنا عثمان بن سعيد ، عن بشر بن عمارة ، عن أبي روق ، عن الضحاك ، عن ابن عباس ، في قوله : { وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ } قال : الأميون قوم لم يصدِّقوا رسولا أرسله الله ، ولا كتابًا أنزله الله ، فكتبوا كتابًا بأيديهم ، ثم قالوا لقوم سَفلة جُهَّال : { هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ } وقال : قد أخبر أنهم يكتبون بأيديهم ، ثم سماهم أميين ، لجحودهم كتب الله ورسله. ثم قال ابن جرير : وهذا التأويل (7) على خلاف ما يعرف من كلام العرب المستفيض بينهم. وذلك أن الأمي عند العرب : الذي لا يكتب (8).
قلت : ثم في صحة هذا عن ابن عباس ، بهذا الإسناد ، نظر. والله أعلم.
__________
في جـ ، ط ، ب ، أ ، و : "وهم".
في جـ : "يخبروا واحدًا" ، وفي أ : "يخبروا أحد".
في جـ : "وعند".
في أ : "وإبراهيم النخغي وغيرهم".
زيادة من جـ ، ط ، ب.
في ط : "رضي الله عنه".
في جـ ، ط ، ب ، أ ، و : "وهذا التأويل تأويل".
تفسير الطبري (2/259).
(1/310)
قوله (1) تعالى : { إِلا أَمَانِيَّ } قال ابن أبي طلحة عن ابن عباس : { إِلا أَمَانِيَّ } إلا أحاديث.
وقال الضحاك ، عن ابن عباس ، في قوله : { إِلا أَمَانِيَّ } يقول : إلا قولا يقولونه بأفواههم كذبًا. وقال مجاهد : إلا كذبًا. وقال سنيد ، عن حجاج ، عن ابن جريج عن مجاهد : { وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلا أَمَانِيَّ } قال : أنَاس من يهود لم يكونوا يعلمون من الكتاب شيئًا ، وكانوا يتكلمون بالظن (2) بغير ما في كتاب الله ، ويقولون : هو من الكتاب ، أمانيّ يتمنونها. وعن الحسن البصري ، نحوه.
وقال أبو العالية ، والربيع وقتادة : { إِلا أَمَانِيَّ } يتمنون على الله ما ليس لهم.
وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم : { إِلا أَمَانِيَّ } قال : تمنوا فقالوا : نحن من أهل الكتاب. وليسوا منهم.
قال ابن جرير : والأشبه بالصواب قول الضحاك عن ابن عباس ، وقال مجاهد : إن الأميين الذين وصفهم الله أنهم لا يفقهون من الكتاب - الذي أنزل (3) الله على موسى - شيئًا ، ولكنهم يَتَخَرَّصُون الكذب ويتخرصون الأباطيل كذبًا وزورًا. والتمني في هذا الموضع هو تخلق الكذب وتخرصه. ومنه الخبر المروي عن عثمان بن عفان رضي الله عنه : "ما تغنيت ولا تمنيت". يعني ما تخرصت الباطل ولا اختلقت الكذب (4).
وقال محمد بن إسحاق : حدثني محمد بن أبي محمد ، عن عكرمة أو سعيد بن جبير ، عن ابن عباس : { لا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلا أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلا يَظُنُّونَ } ولا يدرون ما فيه ، وهم يجحدون (5) نبوتك بالظن.
وقال مجاهد : { وَإِنْ هُمْ إِلا يَظُنُّونَ } يكذبون.
وقال قتادة : وأبو العالية ، والربيع : يظنون الظنون بغير الحق.
وقوله : { فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلا } الآية : هؤلاء صنف (6) آخر من اليهود ، وهم الدعاة إلى الضلال بالزور والكذب على الله ، وأكل أموال الناس بالباطل.
والويل : الهلاك والدمار ، وهي كلمة مشهورة في اللغة. وقال سفيان الثوري ، عن زياد بن فياض : سمعت أبا عياض يقول : ويل : صديد في أصل جهنم.
وقال عطاء بن يسار. الويل : واد في جهنم لو سيرت فيه الجبال لماعت.
__________
في جـ ، ط : "وقوله".
في جـ : "يتكلمون الظن".
في جـ ، ط ، ب : "الذي أنزله".
تفسير الطبري (1/262).
في أ ، و : "وهم يجدون".
في جـ : "هو صنف".
(1/311)
وقال ابن أبي حاتم : حدثنا يونس بن عبد الأعلى ، أخبرنا ابن وهب ، أخبرني عمرو بن الحارث ، عن دَرَّاج ، عن أبي الهيثم ، عن أبي سعيد الخدري ، عن رسول الله {{ص}} ، قال : "ويل واد في جهنم ، يهوي فيه الكافر أربعين خريفًا قبل أن يبلغ قعره".
ورواه الترمذي عن عبد بن حميد ، عن الحسن بن موسى ، عن ابن لهيعة ، عن دراج ، به (1). وقال : هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث ابن لهيعة.
قلت : لم ينفرد به ابن لهيعة كما ترى ، ولكن الآفة ممن بعده ، وهذا الحديث بهذا الإسناد - مرفوعًا - منكر ، والله أعلم.
وقال ابن جرير : حدثنا المثنى ، حدثنا إبراهيم بن عبد السلام بن صالح العشيري (2) حدثنا علي بن جرير ، عن حماد بن سلمة ، عن عبد الحميد بن جعفر ، عن كنانة العدوي ، عن عثمان بن عفان ، عن رسول الله {{ص}} : { فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ } قال : "الويل جبل في النار. وهو الذي أنزل في اليهود ؛ لأنهم حَرَّفوا التوراة ، زادوا فيها ما أحبوا ، ومحوا منها ما يكرهون ، ومحوا اسم محمد {{ص}} من التوراة. ولذلك غضب الله عليهم ، فرفع بعض التوراة ، فقال : { فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ } (3).
وهذا غريب أيضا جدًا.
[وعن ابن عباس : الويل : السعير من العذاب ، وقال الخليل بن أحمد : الويل : شدة الشر ، وقال سيبويه : ويل : لمن وقع في الهلكة ، وويح لمن أشرف عليها ، وقال الأصمعي : الويل : تفجع والويل ترحم ، وقال غيره : الويل الحزن (4). وقال الخليل : وفي معنى ويل : ويح وويش وويه وويك وويب ، ومنهم من فرق بينها ، وقال بعض النحاة : إنما جاز الابتداء بها وهي نكرة ؛ لأن فيها معنى الدعاء ، ومنهم من جوز نصبها ، بمعنى : ألزمهم ويلا. قلت : لكن لم يقرأ بذلك أحد] (5).
وعن عكرمة ، عن ابن عباس : { فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ } قال : هم أحبار اليهود. وكذا قال سعيد ، عن قتادة : هم اليهود.
وقال سفيان الثوري ، عن عبد الرحمن بن علقمة : سألت ابن عباس عن قوله تعالى : { فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ } قال : نزلت في المشركين وأهل الكتاب.
وقال السدي : كان ناس من اليهود كتبوا كتابًا من عندهم ، يبيعونه من العرب ، ويحدثونهم أنه من عند الله ، ليأخذوا (6) به ثمنًا قليلا.
__________
تفسير ابن أبي حاتم (1/243) وسنن الترمذي برقم (3164).
في جـ : "العيري".
تفسير الطبري (2/268).
في أ : "الخوف".
زيادة من جـ ، ط ، ب.
في جـ ، ط ، ب : "فيأخذوا".
(1/312)
وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (80)
وقال الزهري : أخبرني عبيد الله بن عبد الله ، عن ابن عباس أنه قال : يا معشر المسلمين ، كيف تسألون أهل الكتاب عن شيء ، وكتابكم الذي أنزل الله على نبيه ، أحدث أخبار الله تقرؤونه (1) محضًا (2) لم يشب ؟ وقد حَدَّثكم الله تعالى أن أهل الكتاب قد بدلوا كتاب الله وغيروه ، وكتبوا بأيديهم الكتاب ، وقالوا : هو من عند الله ليشتروا به ثمنًا قليلا ؛ أفلا (3) ينهاكم ما جاءكم من العلم عن مُسَاءلتهم ؟ ولا والله ما رأينا منهم أحدًا قط سألكم عن الذي أنزل إليكم. رواه البخاري (4) من طرق عن الزهري.
وقال الحسن بن أبي الحسن البصري : الثمن القليل : الدنيا بحذافيرها.
وقوله تعالى : { فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ } أي : فويل لهم مما كتبوا بأيديهم من الكذب (5) والبهتان ، والافتراء ، وويل لهم مما أكلوا به من السحت ، كما قال الضحاك عن ابن عباس : { فَوَيْلٌ لَهُمْ } يقول : فالعذاب عليهم ، من الذي كتبوا بأيديهم من ذلك الكذب ، { وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ } يقول : مما يأكلون به الناس السفلة وغيرهم.
{ وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلا أَيَّامًا مَعْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ (80) }
يقول تعالى إخبارًا عن اليهود فيما نقلوه وادعوه لأنفسهم ، من أنهم لن تمسهم النار إلا أيامًا معدودة ، ثم ينجون منها ، فرد الله عليهم ذلك بقوله : { قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا } (6) أي : بذلك ؟ فإن كان قد وقع عهد فهو لا يُخْلِف عهده (7).
ولكن هذا ما جرى ولا كان. ولهذا أتى بـ"أم" التي بمعنى : بل ، أي : بل تقولون على الله ما لا تعلمون من الكذب والافتراء عليه.
قال (8) محمد بن إسحاق ، عن سيف بن سليمان (9) عن مجاهد ، عن ابن عباس : أن اليهود كانوا يقولون : هذه الدنيا سبعة آلاف سنة ، وإنما نُعَذَّب بكل ألف سنة يومًا في النار ، وإنما هي سبعة أيام معدودة (10). فأنزل الله تعالى : { وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلا أَيَّامًا مَعْدُودَةً } إلى قوله : { خَالِدُونَ } [البقرة : 82].
ثم رواه عن محمد ، عن سعيد - أو عكرمة - عن ابن عباس ، بنحوه.
وقال العوفي عن ابن عباس : { وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلا أَيَّامًا مَعْدُودَةً } اليهود قالوا (11) : لن
__________
في ط : "يعرفونه" ، وفي و : "تعرفونه".
في جـ ، ط ، و : "غضًا".
في جـ : "أفلم".
صحيح البخاري برقم (2685 ، 7363 ، 7523).
في جـ : "من الكتب".
بعدها في جـ : "فلن يخلف الله عهده".
في جـ ، ط ، ب ، أ ، و : "وعده".
في جـ ، ط : "وقال".
في جـ : "سلمان".
في جـ ، ط ، ب ، أ ، و : "أيام معدودات".
في جـ : "وقالوا".
(1/313)
تمسنا النار إلا أربعين ليلة ، [زاد غيره : هي مدة عبادتهم العجل ، وحكاه القرطبي عن ابن عباس وقتادة] (1).
وقال الضحاك : قال ابن عباس : زعمت اليهود أنهم وجدوا في التوراة مكتوبًا : أن ما بين طرفي جهنم مسيرة أربعين سنة ، إلى أن ينتهوا إلى شجرة الزقوم ، التي هي نابتة في أصل الجحيم. وقال أعداء الله : إنما نعذب حتى ننتهي إلى شجرة الزقوم فتذهب جهنم وتهلك. فذلك قوله تعالى : { وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلا أَيَّامًا مَعْدُودَةً }
وقال عبد الرزاق ، عن مَعْمَر ، عن قتادة : { وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلا أَيَّامًا مَعْدُودَةً } يعني : الأيام التي عبدنا فيها العجل (2).
وقال عكرمة : خاصمت اليهود رسول الله {{ص}} (3) فقالوا : لن ندخل النار إلا أربعين ليلة ، وسيخلفنا إليها (4) قوم آخرون ، يعنون (5) محمدًا {{ص}} وأصحابه ، فقال رسول الله {{ص}} بيده على رءوسهم : "بل أنتم خالدون مخلدون لا يخلفكم إليها أحد". فأنزل الله : { وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلا أَيَّامًا مَعْدُودَةً } الآية.
وقال الحافظ أبو بكر بن مردويه رحمه الله : حدثنا عبد الرحمن بن جعفر ، حدثنا محمد بن محمد بن صخر ، حدثنا أبو عبد الرحمن المقرئ ، حدثنا ليث بن سعد ، حدثني سعيد بن أبي سعيد ، عن أبي هريرة ، رضي الله عنه ، قال : لما فتحت خيبر أهديت لرسول الله {{ص}} شاة فيها سم ، فقال (6) رسول الله {{ص}} : "اجمعوا لي من كان من اليهود هاهنا" فقال لهم رسول الله {{ص}} : "من أبوكم ؟" قالوا : فلان (7). قال : "كذبتم ، بل أبوكم فلان". فقالوا : صدقت وبَرِرْت ، ثم قال لهم : "هل أنتم صادقيّ عن شيء إن سألتكم عنه ؟". قالوا : نعم ، يا أبا القاسم ، وإن كذبناك عرفت كذبنا كما عرفته في أبينا. فقال لهم رسول الله {{ص}} : "من أهل النار ؟" فقالوا : نكون فيها يسيرًا ثم تخلفونا فيها. فقال لهم رسول الله {{ص}} : "اخسأوا ، والله لا نخلفكم فيها أبدًا". ثم قال لهم رسول الله {{ص}} : "هل أنتم صادقيّ عن شيء إن سألتكم عنه ؟". قالوا : نعم يا أبا القاسم. فقال : "هل جعلتم في هذه الشاة سمًّا ؟". فقالوا : نعم. قال (8) : "فما حملكم على ذلك ؟". فقالوا : أردنا إن كنت كاذبًا أن نستريح منك ، وإن كنت نبيًا لم يضرك.
ورواه أحمد ، والبخاري ، والنسائي ، من حديث الليث بن سعد ، بنحوه (9).
__________
زيادة من جـ ، ط ، ب ، و.
تفسير عبد الرزاق (1/71 ، 72).
في جـ : "رسول الله {{ص}} وأصحابه".
في جـ : "فيها".
في جـ ، ط ، أ ، و : "يعني" ، وفي ب : "تعني".
في ط ، ب : "فقال لهم".
في جـ : "قالوا : أبونا فلان".
في جـ ، ط ، ب : "فقال".
المسند (2/451) وصحيح البخاري برقم (3161 ، 4249) وسنن النسائي الكبرى برقم (11355).
(1/314)
بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (81) وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (82)
{ بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (81) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (82) }
يقول تعالى : ليس الأمر كما تمنيتم ، ولا كما تشتهون ، بل الأمر : أنه من عمل سيئة وأحاطت به خطيئته ، وهو من وافى يوم القيامة وليس له حسنة ، بل جميع عمله سيئات ، فهذا من أهل النار ، والذين آمنوا بالله ورسوله (1) وعملوا الصالحات - من العمل الموافق للشريعة - فهم (2) من أهل الجنة. وهذا المقام شبيه بقوله تعالى : { لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا* وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا } [النساء : 123 ، 124].
قال محمد بن إسحاق : حدثني محمد بن أبي محمد ، عن سعيد - أو عكرمة - عن ابن عباس : { بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً } أي : عمل مثل أعمالكم ، وكفر بمثل ما كفرتم به ، حتى يحيط به كفره (3) فما له من حسنة.
وفي رواية عن ابن عباس ، قال : الشرك.
قال ابن أبي حاتم : وروي عن أبي وائل ، وأبي العالية ، ومجاهد ، وعكرمة ، والحسن ، وقتادة ، والربيع بن أنس ، نحوه (4).
وقال الحسن - أيضًا - والسدي : السيئة : الكبيرة من الكبائر.
وقال ابن جريج ، عن مجاهد : { وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ } قال : بقلبه.
وقال أبو هريرة ، وأبو وائل ، وعطاء ، والحسن : { وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ } قالوا : أحاط به شركه.
وقال الأعمش ، عن أبي رزين ، عن الربيع بن خُثَيم : { وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ } قال : الذي يموت على خطايا (5) من قبل أن يتوب. وعن السدي ، وأبي رزين ، نحوه.
وقال أبو العالية ، ومجاهد ، والحسن ، في رواية عنهما ، وقتادة ، والربيع بن أنس : { وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ } الكبيرة الموجبة.
وكل هذه الأقوال متقاربة في المعنى ، والله أعلم. ويذكر هاهنا الحديث الذي رواه الإمام أحمد حيث قال :
حدثنا سليمان بن داود ، حدثنا عمرو بن قتادة (6) عن عبد ربه ، عن أبي عياض ، عن عبد الله
__________
في أ : "ورسله".
في جـ ، ط ، ب ، أ ، و : "فهو".
في جـ : "فمتى يحيط عمله".
في جـ : "بنحوه".
في أ ، و : "على خطاياه".
في أ : "عن عمر بن صادق".
(1/315)
وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ (83)
بن مسعود : أن رسول الله {{ص}} قال : "إيَّاكم ومحقرات الذنوب ، فإنهن يجتمعن على الرجل حتى يهلكنه". وإن رسول الله {{ص}} ضرب لهُنَّ مثلا كمثل قوم نزلوا بأرض فلاة ، فحضر صنيع القوم ، فجعل الرجل ينطلق فيجيء بالعود ، والرجل يجيء بالعود ، حتى جمعوا سوادًا (1) ، وأججوا نارًا ، فأنضجوا ما قذفوا فيها (2).
وقال محمد بن إسحاق : حدثني محمد ، عن سعيد - أو عكرمة - عن ابن عباس : { وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ } أي من آمن بما كفرتم به ، وعمل بما تركتم من دينه ، فلهم الجنة خالدين فيها. يخبرهم أن الثواب بالخير والشرّ مقيم على أهله ، لا انقطاع له أبدًا (3).
== { وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لا تَعْبُدُونَ إِلا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلا قَلِيلا مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ (83) } ==
يُذكّر تبارك وتعالى بني إسرائيل بما أمرهم به من الأوامر ، وأخذ ميثاقهم على ذلك ، وأنهم تولوا عن ذلك كله ، وأعرضوا قصدًا وعمدًا ، وهم يعرفونه ويذكرونه ، فأمرهم أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئًا. وبهذا أمر جميع خلقه ، ولذلك خلقهم كما قال تعالى : { وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا أَنَا فَاعْبُدُونِ } [الأنبياء : 25] وقال تعالى : { وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ } [النحل : 36] وهذا هو أعلى الحقوق وأعظمها ، وهو حق الله تعالى ، أن يعبد وحده لا شريك له ، ثم بعده حق المخلوقين ، وآكدهم وأولاهم بذلك حق الوالدين ، ولهذا يقرن الله تعالى بين حقه وحق الوالدين ، كما قال تعالى : { أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ } [لقمان : 14] وقال تعالى : { وَقَضَى رَبُّكَ أَلا تَعْبُدُوا إِلا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا } الآية إلى أن قال : { وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ } [الإسراء : 23 - 26] وفي الصحيحين ، عن ابن مسعود ، قلت : يا رسول الله ، أي العمل أفضل ؟ قال : "الصلاة على وقتها". قلت : ثم أي ؟ قال : "بر الوالدين". قلت : ثم أيّ ؟ قال : "الجهاد في سبيل الله" (4). ولهذا جاء في الحديث الصحيح : أن رجلا قال : يا رسول الله ، من أبر ؟ قال : "أمك". قال : ثم من (5) ؟ قال : "أمك". قال : ثم من ؟ قال : "أباك. ثم أدناك أدناك" (6).
__________
في جـ : "جمعوا أعوادًا".
المسند (1/402).
في جـ ، ط ، ب : "أبدًا لا انقطاع له".
صحيح البخاري برقم (527 ، 5970 ، 7534) وصحيح مسلم برقم (85).
في ط : "ثم قال من".
جاء من حديث معاوية بن حيدة ، رواه أبو داود في السنن برقم (5139) ، ومن حديث كليب بن منفعة عن أبيه عن جده ، رواه أبو داود في السنن برقم (5140).
(1/316)
[وقوله : { لا تَعْبُدُونَ إِلا اللَّهَ } قال الزمخشري : خبر بمعنى الطلب ، وهو آكد. وقيل : كان أصله : ألا تعبدوا كما قرأها بعض السلف (1) فحذفت أن فارتفع ، وحكي عن أبي وابن مسعود ، رضي الله عنهما ، أنهما قرآها : "لا تَعْبُدُوا إِلا اللَّه". وقيل : { لا تَعْبُدُونَ } مرفوع على أنه قسم ، أي : والله لا تعبدون إلا الله ، ونقل هذا التوجيه القرطبي في تفسيره عن سيبويه. وقال : اختاره المبرد والكسائي والفراء] (2).
قال : { وَالْيَتَامَى } وهم : الصغار الذين لا كاسب لهم من الآباء. [وقال أهل اللغة : اليتيم في بني آدم من الآباء ، وفي البهائم من الأم ، وحكى الماوردي أن اليتيم أطلق في بني آدم من الأم أيضا] (3) { وَالْمَسَاكِينَ } الذين لا يجدون ما ينفقون على أنفسهم وأهليهم ، وسيأتي الكلام على هذه الأصناف عند آية النساء ، التي أمرنا الله تعالى بها صريحًا في قوله : { وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا } الآية [النساء : 36].
وقوله تعالى : { وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا } أي : كلموهم طيبًا ، ولينُوا لهم جانبًا ، ويدخل في ذلك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالمعروف ، كما قال الحسن البصري في قوله : { وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا } فالحُسْن من القول : يأمُر بالمعروف وينهى عن المنكر ، ويحلم ، ويعفو ، ويصفح ، ويقول للناس حسنًا كما قال الله ، وهو كل خُلُق حسن رضيه الله.
وقال الإمام أحمد : حدثنا روح ، حدثنا أبو عامر الخَزَّاز ، عن أبي عمران الجَوْني ، عن عبد الله بن الصامت ، عن أبي ذر ، رضي الله عنه ، عن النبي {{ص}} أنه قال : "لا تحقرن من المعروف شيئًا ، وإن لم تجد فَالْقَ أخاك بوجه منطلق (4) ".
وأخرجه مسلم في صحيحه ، والترمذي [وصححه] (5) من حديث أبي عامر الخزّاز ، واسمه صالح بن رستم ، به (6).
وناسب أن يأمرهم بأن يقولوا للناس حسنًا ، بعد ما أمرهم بالإحسان إليهم بالفعل ، فجمع بين طرفي الإحسان الفعلي والقولي. ثم أكد الأمر بعبادته والإحسان إلى الناس بالمُعيّن (7) من ذلك ، وهو الصلاة والزكاة ، فقال : { وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ } وأخبر أنهم تولوا عن ذلك كله ، أي : تركوه وراء ظهورهم ، وأعرضوا عنه على عمد بعد العلم به ، إلا القليل منهم ، وقد أمر تعالى هذه الأمة بنظير ذلك في سورة النساء ، بقوله : { وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالا فَخُورًا } [النساء : 36]
__________
في أ : "كما قرأها من قرأها من السلف".
زيادة من جـ ، ط ، ب ، أ.
زيادة من جـ ، ط ، ب ، أ.
في ط : "بوجه طلق".
زيادة من جـ ، ط ، ب ، أ ، و.
المسند (5/173) وصحيح مسلم برقم (2626) وسنن الترمذي برقم (1833).
في جـ ، ط ، ب ، أ ، و : "بالمتعين".
(1/317)
فقامت هذه الأمة من ذلك بما لم تقم به أمة من الأمم قبلها ، ولله الحمد والمنة.
ومن النقول الغريبة هاهنا ما ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره :
حدثنا أبي ، حدثنا محمد بن خلف العسقلاني ، حدثنا عبد الله بن يوسف - يعني التِّنِّيسِي - حدثنا خالد بن صَبِيح ، عن حميد بن عقبة ، عن أسد بن وَدَاعة : أنه كان يخرج من منزله فلا يلقى يهوديًا ولا نصرانيًا إلا سلم عليه ، فقيل له : ما شأنك ؟ تسلم على اليهودي والنصراني. فقال : إن الله يقول : { وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا } وهو : السلام. قال : وروي عن عطاء الخراساني ، نحوه.
قلت : وقد ثبت في السنة أنهم لا يبدؤون بالسلام ، والله أعلم (1).
__________
أخرجه مسلم في صحيحه برقم (2166) عن أبي هريرة ، رضي الله عنه ، أن رسول الله {{ص}} قال : "لا تبدؤوا اليهود ولا النصارى بالسلام ، وإذا لقيتم أحدهم في طريق فاضطروه إلى أضيقه".
(1/318)
وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلَا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ (84) ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (85) أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآَخِرَةِ فَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ (86)
{ وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ (84) ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالإثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (85) أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالآخِرَةِ فَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ (86) }
يقول ، تبارك وتعالى ، منكرًا على اليهود الذين كانوا في زمان رسول الله {{ص}} بالمدينة ، وما كانوا يعانونه من القتال مع الأوس والخزرج ، وذلك أن الأوس والخزرج ، وهم الأنصار ، كانوا في الجاهلية عُبَّاد أصنام ، وكانت بينهم حروب كثيرة ، وكانت يهود المدينة ثلاثَ قبائل : بنو قينقاع. وبنو النضير حلفاء الخزرج. وبنو قريظة حلفاء الأوس. فكانت الحرب إذا نشبت (1) بينهم قاتل كل فريق مع حلفائه ، فيقتل اليهودي أعداءه ، وقد يقتل اليهوديّ الآخرُ من الفريق الآخر ، وذلك حرام عليهم في دينه ونص كتابه ، ويخرجونهم من بيوتهم وينهبون ما فيها من الأثاث والأمتعة والأموال ، ثم إذا وضعت الحرب أوزارها استفكّوا الأسارى من الفريق المغلوب ، عملا بحكم التوراة ؛ ولهذا قال تعالى : { أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ } ولهذا قال تعالى : { وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ } أي : لا يقتل بعضكم بعضًا ، ولا يخرجه من منزله ، ولا يظاهر عليه ، كما قال تعالى : { فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ } [البقرة : 54]
__________
في أ : "نشئت".
(1/318)
وذلك أن أهل الملة الواحدة بمنزلة النفس الواحدة ، كما قال عليه الصلاة والسلام : "مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتواصلهم بمنزلة الجسد الواحد ، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر".
[وقوله] (1) { ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ } أي : ثم أقررتم بمعرفة هذا الميثاق وصحته وأنتم تشهدون به.
{ ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالإثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ } قال محمد بن إسحاق بن يسار : حدثني محمد بن أبي محمد ، عن سعيد بن جبير - أو عكرمة - عن ابن عباس : { ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ } الآية ، قال : أنبهم الله (2) من فعلهم ، وقد حرّم عليهم في التوراة سفك دمائهم (3) وافترض عليهم فيها فدَاء أسراهم ، فكانوا فريقين : طائفة منهم بنو قينقاع وإنهم (4) حلفاء الخزرج ، والنضير ، وقريظة وإنهم (5) حلفاء الأوس ، فكانوا إذا كانت بين الأوس والخزرج حرب خرجت بنو قينقاع مع الخزرج ، وخرجت النضير وقريظة مع الأوس ، يظاهر (6) كل واحد من الفريقين حلفاءه على إخوانه ، حتى يتسافكوا دماءهم بينهم ، وبأيديهم التوراة يعرفون فيها ما عليهم وما لهم. والأوس والخزرج أهل شرك يعبدون الأوثان ، ولا يعرفون جنة ولا نارًا ، ولا بعثًا ولا قيامة ، ولا كتابًا ، ولا حلالا ولا حرامًا ، فإذا وضعت الحرب أوزارها افتدوا أسراهم ، تصديقًا لما في التوراة ، وأخذًا به ؛ بعضهم من بعض ، يفتدي بنو قينقاع ما كان من أسراهم في أيدي (7) الأوس ، ويفتدي النضير وقريظة ما كان في أيدي (8) الخزرج منهم ، ويطلبون (9) ما أصابوا من دمائهم (10) وقتلى من قتلوا منهم فيما بينهم ، مظاهرة لأهل الشرك عليهم. يقول الله تعالى ذكره حيث أَنَّبهم (11) بذلك : { أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ } أي : يفاديه بحكم التوراة ويقتله ، وفي حكم التوراة ألا يفعل ، ولا يُخرج (12) من داره ، ولا يُظَاهَر عليه من يُشْرك بالله ، ويعبد الأوثان من دونه ، ابتغاء عرض الدنيا. ففي ذلك من فعلهم مع الأوس والخزرج - فيما بلغني - نزلت هذه القصة (13).
وقال أسباط عن السدي : كانت قريظة حلفاء الأوس ، وكانت النضير حلفاء الخزرج ، فكانوا يقتتلون في حرب سُمَير ، فيقاتل بنو قريظة مع حلفائها النضيرَ وحلفاءهم ، وكانت النضير تقاتل قريظة
__________
زيادة من جـ ، ط ، أ.
في جـ ، ط ، ب ، أ ، و : "أنبأهم الله بذلك".
في جـ : "سفك الدماء".
في جـ : "وهم".
في جـ : "وهم".
في جـ ، ط ، ب : "فظاهر".
في جـ : "يدي".
في جـ : "يدي".
في جـ ، ط ، أ : "يطلبون".
في جـ ، ط ، ب ، أ ، و : "من الدماء وقتلوا".
في جـ ، ط ، ب ، أ ، و : "حين أنبأهم".
في جـ ، ط ، ب : "ويخرجه".
انظر : السيرة النبوية لابن هشام (1/540) وتفسير الطبري (2/305).
(1/319)
وحلفاءها ، ويغلبونهم ، فيخربون ديارهم ، ويخرجونهم منها ، فإذا أسر رجل من الفريقين كليهما ، جمعوا له حتى يفدوه. فتعيرهم العرب بذلك ، ويقولون : كيف تقاتلونهم وتفدونهم ؟ قالوا : إنا أمرنا أن نفديهم ، وحرّم علينا قتالهم ، قالوا : فلم تقاتلونهم ؟ قالوا : إنَّا نستحيى أن تُسْتَذلّ حلفاؤنا (1). فذلك حين عيَّرهم الله ، فقال : { ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ }
وقال شعبة ، عن السدي : نزلت هذه الآية في قيس بن الخَطيم : { ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالإثْمِ وَالْعُدْوَانِ }
وقال أسباط ، عن السدي ، عن عبد خير ، قال : غزونا مع سلمان بن ربيعة الباهلي بَلَنْجَر (2) فحاصرنا أهلها ففتحنا المدينة وأصبنا سبايا واشترى عبد الله بن سلام يهودية بسبعمائة ، فلما مرّ برأس الجالوت نزل به ، فقال له عبد الله : يا رأس الجالوت ، هل لك في عجوز هاهنا من أهل دينك ، تشتريها مني ؟ قال : نعم. قال : أخذتها بسبعمائة درهم. قال : فإني أرْبحُك سبعمائة أخرى. قال : فإني قد حلفت ألا أنقصها من أربعة آلاف. قال : لا حاجة لي فيها ، قال : والله لتشترينها مني ، أو لتكفرن بدينك الذي أنت عليه. قال : ادن مني ، فدنا منه ، فقرأ في أذنه التي في التوراة : إنك لا تجد مملوكًا من بني إسرائيل إلا اشتريته فأعتقته { وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ } قال : أنت عبد الله بن سلام ؟ قال : نعم. قال : فجاء بأربعة آلاف ، فأخذ عبد الله ألفين ، ورد عليه ألفين.
وقال آدم بن أبي إياس في تفسيره : حدثنا أبو جعفر يعني الرازي ، حدثنا الربيع بن أنس ، أخبرنا أبو العالية : أن عبد الله بن سلام مر على رأس الجالوت بالكوفة ، وهو يفادي من النساء من لم يقع عليها العرب ، ولا يفادي من وقع عليها العرب ، فقال (3) عبد الله بن سلام : أما إنه مكتوب عندك في كتابك أن تفاديهن كلهن.
والذي أرشدت إليه الآية الكريمة ، وهذا السياق ، ذم اليهود في قيامهم بأمر التوراة التي يعتقدون صحتها ، ومخالفة شرعها ، مع معرفتهم بذلك وشهادتهم له بالصحة ، فلهذا لا يؤتمنون على ما فيها ولا على نقلها ، ولا يصدقون فيما يكتمونه من صفة رسول الله (4) {{ص}} ونعته ، ومبعثه ومخرجه ، ومهاجره ، وغير ذلك من شؤونه ، التي قد أخبرت بها الأنبياء قبله. واليهود عليهم لعائن الله يتكاتمونه بينهم ، ولهذا قال تعالى { فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا } أي : بسبب مخالفتهم شرع الله وأمره { وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ } جزاء على ما كتموه من كتاب الله الذي بأيديهم { وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ* أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالآخِرَةِ } أي : استحبوها على الآخرة واختاروها { فَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ } أي : لا يفتر عنهم ساعة واحدة { وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ }
__________
في أ ، و : "نستذل بحلفائنا".
في جـ : "بكنجر".
في جـ ، ط ، ب ، أ ، و : "فقال له".
في جـ : "صفة محمد".
(1/320)
وَلَقَدْ آَتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَقَفَّيْنَا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ وَآَتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ (87)
أي : وليس لهم ناصر ينقذهم مما هم فيه من العذاب الدائم السرمدي ، ولا يجيرهم منه.
{ وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَقَفَّيْنَا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ (87) }
ينعت ، تبارك وتعالى ، بني إسرائيل بالعتو والعناد والمخالفة ، والاستكبار على الأنبياء ، وأنهم إنما يتبعون أهواءهم ، فذكر تعالى أنه آتى موسى الكتاب - وهو التوراة - فحرفوها وبدلوها ، وخالفوا أوامرها وأولوها. وأرسل الرسل والنبيين من بعده الذين يحكمون بشريعته ، كما قال تعالى : { إِنَّا أَنزلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالأحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ } الآية [المائدة : 44] ، ولهذا قال : { وَقَفَّيْنَا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ } قال السدي ، عن أبي مالك : أتبعنا. وقال غيره : أردفنا. والكل قريب ، كما قال تعالى : { ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَا } [المؤمنون : 44] حتى ختم أنبياء بني إسرائيل بعيسى ابن مريم ، فجاء بمخالفة التوراة في بعض الأحكام ، ولهذا أعطاه الله من البينات ، وهي : المعجزات. قال ابن عباس : من إحياء الموتى ، وخلقه من الطين كهيئة الطير فينفخ فيها فتكون طيرًا بإذن الله ، وإبرائه الأسقام ، وإخباره بالغيوب ، وتأييده بروح القدس ، وهو جبريل عليه السلام - ما يدلهم (1) على صدقه فيما جاءهم به. فاشتد تكذيب بني إسرائيل له وحَسَدهم وعنادهم لمخالفة التوراة في البعض ، كما قال تعالى إخبارًا عن عيسى : { وَلأحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ } الآية [آل عمران : 50]. فكانت بنو إسرائيل تعامل الأنبياء عليهم السلام (2) أسوأ المعاملة ، ففريقًا يكذبونه. وفريقًا يقتلونه ، وما ذاك إلا لأنهم كانوا يأتونهم بالأمور المخالفة لأهوائهم وآرائهم وبإلزامهم بأحكام التوراة التي قد تصرفوا في مخالفتها ، فلهذا كان يشق ذلك عليهم ، فيكذبونهم ، وربما قتلوا بعضهم ؛ ولهذا قال تعالى : { أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ }
والدليل على أن روح القدس هو جبريل ، كما نص عليه ابن مسعود في تفسير هذه الآية ، وتابعه على ذلك [ابن عباس و] (3) محمد بن كعب القرظي ، وإسماعيل بن أبي خالد ، والسدي ، والربيع بن أنس ، وعطية العوفي ، وقتادة مع قوله تعالى : { نزلَ بِهِ الرُّوحُ الأمِينُ* عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ* [بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ] (4) } [الشعراء : 193 - 195] ما قال البخاري : وقال ابن أبي الزناد ، عن أبيه ، عن عروة ، عن عائشة : أن رسول الله {{ص}} وضع لحسان بن ثابت منْبرًا في المسجد ، فكان ينافح عن رسول الله {{ص}} ، فقال : رسول الله {{ص}} : "اللهم أيد حسان بروح القدس كما نافح عن نبيك" (5). وهذا من
__________
في جـ ، ط ، ب ، أ ، و : "يدلهم به".
في جـ : "عليهم الصلاة والسلام".
زيادة من جـ ، ط ، ب ، أ ، و.
زيادة من جـ.
في جـ ، ط ، ب ، أ ، و : "عن نبيه".
(1/321)
البخاري تعليق (1).
وقد رواه أبو داود في سننه ، عن لُوَين ، والترمذي ، عن علي بن حجر ، وإسماعيل بن موسى الفزاري ، ثلاثتهم عن عبد الرحمن بن أبي الزناد ، عن أبيه وهشام بن عروة ، كلاهما عن عروة ، عن عائشة به (2). وقال الترمذي : حسن صحيح ، وهو حديث أبي الزناد (3).
وفي الصحيحين من حديث سفيان بن عيينة ، عن الزهري ، عن سعيد بن المسيب ، عن أبي هريرة : أن عمر مر بحسان ، وهو ينشد الشعر في المسجد (4) فلحظ إليه ، فقال : قد كنت أنشد فيه ، وفيه من هو خير منك. ثم التفت إلى أبي هريرة ، فقال : أنشدك الله أسمعت رسول الله {{ص}} يقول : "أجب عني ، اللهم أيده بروح القدس" ؟. فقال : اللَّهُمَّ نعم (5).
وفي بعض الروايات : أن رسول الله {{ص}} قال لحسان : "أهجهم - أو : هاجهم - وجبريل معك".
[وفي شعر حسان قوله :
وجبريل رسول الله ينادي... وروح القدس ليس به خفاء] (6)
وقال محمد بن إسحاق : حدثني عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي حسين المكي ، عن شهر بن حوشب الأشعري : أن نفرًا من اليهود سألوا رسول الله {{ص}} فقالوا : أخبرنا عن الروح. فقال : "أنشدكم بالله وبأيامه (7) عند بني إسرائيل ، هل تعلمون أنه جبريل ؟ وهو الذي يأتيني ؟" قالوا : نعم (8).
[وفي صحيح ابن حبان أظنه عن ابن مسعود أن رسول الله {{ص}} قال : "إن روح القدس نفخ (9) في روعي : إن نفسًا لن تموت حتى تستكمل رزقها وأجلها فاتقوا الله وأجملوا في الطلب" (10) ] (11).
أقوال أخر :
قال ابن أبي حاتم : حدثنا أبو زُرْعَة ، حدثنا منْجاب بن الحارث ، حدثنا بشر ، عن أبي روق ، عن الضحاك ، عن ابن عباس : { بِرُوحِ الْقُدُسِ } قال : هو الاسم الأعظم الذي كان عيسى يُحيي به
__________
وكذا عزاه المزي في تحفة الأشراف (12/10) للبخاري ، وقال الحافظ ابن حجر في "النكت الظراف" : "لم أر هذا الموضع في صحيح البخاري ، وقد وصله أحمد والطبراني وصححه الحاكم".
سنن أبي داود برقم (5015) وسنن الترمذي برقم (2846).
في ط ، ب ، أ ، و : "وهو حديث ابن أبي الزناد".
في جـ : "وهو في المسجد ينشد".
صحيح البخاري برقم (3212) وصحيح مسلم برقم (2485).
زيادة من جـ ، ط ، ب ، أ.
في جـ ، أ : "وبآياته".
ورواه الطبري في تفسيره (2/320) من طريق سلمة عن ابن إسحاق به.
في و : "نفث".
ورواه البغوي في شرح السنة (14/304) من طريق أبي عبيد عن هشيم عن إسماعيل بن أبي خالد عن زبيد اليامي ، عمن أخبره ، عن ابن مسعود به مرفوعًا.
زيادة من جـ ، ط ، ب ، و.
(1/322)
الموتى. وقال ابن جرير : حُدثت عن المنجاب. فذكره. قال ابن أبي حاتم : وروي عن سعيد بن جبير نحو ذلك. [ونقله القرطبي عن عبيد بن عمير - أيضا - قال : وهو الاسم الأعظم] (1).
وقال ابن أبي نَجِيح : الروح هو حفظة على الملائكة.
وقال أبو جعفر الرازي ، عن الربيع بن أنس : القدس هو الرب تبارك وتعالى. وهو قول كعب. وقال السدي : القدس : البركة. وقال العوفي ، عن ابن عباس : القدس : الطهر.
[وحكى القرطبي عن مجاهد والحسن البصري أنهما قالا القدس : هو الله تعالى ، وروحه : جبريل ، فعلى هذا يكون القول الأول] (2).
وقال ابن جرير : حدثنا يونس بن عبد الأعلى ، أنبأنا ابن وهب قال : قال ابن زيد (3) في قوله تعالى : { وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ } قال : أيد الله عيسى بالإنجيل روحًا كما جعل القرآن روحًا ، كلاهما روح من الله ، كما قال تعالى : { وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا } [الشورى : 52].
ثم قال ابن جرير : وأولى التأويلات في ذلك بالصواب قولُ من قال : الروح في هذا الموضع جبريل ، لأن الله ، عز وجل ، أخبر أنه أيد عيسى به ، كما أخبر في قوله : { إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلى وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلا وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالإنْجِيلَ } الآية [المائدة : 110]. فذكر أنه أيده به ، فلو كان الروح الذي أيده به هو الإنجيل ، لكان قوله : { إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ } { وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالإنْجِيلَ } تكرير قول لا معنى له ، والله أعز أن يخاطب عباده بما لا يفيدهم به.
قلت : ومن الدليل على أنه جبريل ما تقدم في أول السياق ؛ ولله الحمد (4).
وقال الزمخشري { بِرُوحِ الْقُدُسِ } بالروح المقدسة ، كما يقول : حاتم الجود ورجل صدق ووصفها بالقدس كما قال : { وَرُوحٌ مِنْهُ } فوصفه بالاختصاص والتقريب تكرمة ، وقيل : لأنه لم تضمه الأصلاب والأرحام الطوامث ، وقيل : بجبريل ، وقيل : بالإنجيل ، كما قال في القرآن : { رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا } [الشورى : 52] وقيل باسم الله الأعظم الذي كان يحيي الموتى بذكره ، وتضمن كلامه قولا آخر وهو أن المراد روح عيسى نفسه المقدسة المطهرة.
وقال الزمخشري في قوله : { فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ } إنما لم يقل : وفريقًا قتلتم ؛ لأنه أراد بذلك وصفهم في المستقبل - أيضًا - لأنهم حاولوا قتل النبي {{ص}} بالسم والسحر ، وقد قال ، عليه السلام ، في مرض موته : "ما زالت أكلة خيبر تعاودني فهذا أوان انقطاع أبهري" ، وهذا الحديث في صحيح البخاري وغيره (5).
__________
زيادة من جـ ، ط ، ب ، أ ، و.
زيادة من جـ ، ط ، ب ، أ ، و.
في جـ : "قال ابن أبي زيد".
في جـ ، ط : "ولله الحمد والمنة".
صحيح البخاري برقم (2617) وصحيح مسلم برقم (2190).
(1/323)
وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلًا مَا يُؤْمِنُونَ (88)
{ وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلا مَا يُؤْمِنُونَ (88) }
قال محمد بن إسحاق : حدثني محمد بن أبي محمد ، عن عكرمة أو سعيد بن جبير ، عن ابن عباس : { وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ } أي : في أكنة.
وقال علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس : { وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ } أي : لا تفقه.
وقال العوفي ، عن ابن عباس : { وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ } [قال] (1) هي القلوب المطبوع عليها.
وقال مجاهد : { وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ } عليها غشاوة.
وقال عكرمة : عليها طابع. وقال أبو العالية : أي لا تفقه. وقال السدي : يقولون : عليها غلاف ، وهو الغطاء.
وقال عبد الرزاق ، عن مَعْمَر ، عن قتادة : { وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ } هو كقوله : { وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ } [فصلت : 5].
وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم ، في قوله : { غُلْفٌ } قال : يقول : قلبي في غلاف فلا يَخْلُص إليه ما تقول ، قرأ (2) { وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ }
وهذا هو الذي رجحه ابن جرير ، واستشهد مما روي من حديث عمرو بن مُرّة الجملي ، عن أبي البختري ، عن حذيفة ، قال : القلوب أربعة. فذكر منها : وقلب أغلف مَغْضُوب عليه ، وذاك قلب الكافر.
وقال ابن أبي حاتم : حدثنا محمد بن عبد الرحمن العَرْزَمي ، أنبأنا أبي ، عن جدي ، عن قتادة ، عن الحسن في قوله : { قُلُوبُنَا غُلْفٌ } قال : لم تختن.
هذا (3) القول يرجع معناه إلى ما تقدم من عدم طهارة قلوبهم ، وأنها بعيدة من الخير.
قول آخر :
قال الضحاك ، عن ابن عباس في قوله : { وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ } قال قالوا : قلوبنا مملوءة علمًا لا تحتاج إلى علم محمد ، ولا غيره.
وقال عطية العوفي : { وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ } أي : أوعية للعلم.
وعلى هذا المعنى جاءت قراءة بعض الأنصار (4) فيما حكاه ابن جرير : "وقالوا قلوبنا غُلُف" بضم اللام ، أي : جمع غلاف ، أي : أوعية ، بمعنى أنهم ادعوا (5) أن قلوبهم مملوءة بعلم لا يحتاجون معه إلى علم آخر. كما كانوا يَمُنُّون (6) بعلم التوراة. ولهذا قال تعالى : { بَل لَّعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلا مَّا يُؤْمِنُونَ } ، أي : ليس الأمر كما ادعوا بل
__________
زيادة من جـ ، ط.
في جـ ، ط ، ب : "وقرأ".
في جـ ، ط ، ب : "وهذا".
في أ ، و : "بعض الأمصار".
ف جـ : "أنهم زعموا".
في أ : "كما كانوا يكتمون".
(1/324)
قلوبهم ملعونة مطبوع عليها ، كما قال في سورة النساء : { وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلا يُؤْمِنُونَ إِلا قَلِيلا } [النساء : 155]. وقد اختلفوا في معنى قوله : { فَقَلِيلا مَّا يُؤْمِنُونَ } وقوله : { فَلا يُؤْمِنُونَ إِلا قَلِيلا } ، فقال بعضهم : فقليل من يؤمن منهم [واختاره فخر الدين الرازي وحكاه عن قتادة والأصم وأبي مسلم الأصبهاني] وقيل : فقليل إيمانهم. بمعنى أنهم يؤمنون بما جاءهم به موسى من أمر المعاد والثواب والعقاب ، ولكنه إيمان لا ينفعهم ، لأنه مغمور بما كفروا به من الذي جاءهم به محمد {{ص}}.
وقال بعضهم : إنهم كانوا غير مؤمنين بشيء ، وإنما قال : { فَقَلِيلا مَا يُؤْمِنُونَ } وهم بالجميع كافرون ، كما تقول العرب : قلما رأيت مثل هذا قط. تريد : ما رأيت مثل هذا قط. [وقال الكسائي : تقول العرب : من زنى بأرض قلما تنبت ، أي : لا تنبت شيئًا]. (1).
حكاه (2) ابن جرير ، والله أعلم.
__________
زيادة من جـ ، ط ، ب ، أ ، و.
في جـ ، ط ، ب : "حكاها".
(1/325)
وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ (89)
{ وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ (89) }
يقول تعالى : { وَلَمَّا جَاءَهُمْ } يعني اليهود { كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ } وهو : القرآن الذي أنزل على محمد {{ص}} { مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ } يعني : من التوراة ، وقوله : { وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا } أي : وقد كانوا من قبل مجيء هذا الرسول بهذا الكتاب يستنصرون بمجيئه على أعدائهم من المشركين إذا قاتلوهم ، يقولون : إنه سيبعث نبي في آخر الزمان نقتلكم معه قتل عاد وإرم ، كما قال محمد بن إسحاق ، عن عاصم بن عُمَر عن قتادة الأنصاري ، عن أشياخ منهم قال : قالوا : فينا والله وفيهم - يعني في الأنصار - وفي اليهود الذين كانوا جيرانهم ، نزلت هذه القصة يعني : { وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ } قالوا (1) كنا قد علوناهم دهرًا في الجاهلية ، ونحن أهل شرك وهم أهل كتاب ، فكانوا يقولون : إن نبيًا من [الأنبياء] (2) يبعث الآن نتبعه ، قد أظل زمانه ، نقتلكم معه قتل عاد وإرم. فلما بعث الله رسوله من قريش [واتبعناه] (3) كفروا به. يقول الله تعالى : { فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ } [النساء : 155].
وقال الضحاك ، عن ابن عباس ، في قوله : { وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا } قال : يستظهرون يقولون : نحن نعين محمدًا عليهم ، وليسوا كذلك ، يكذبون.
__________
في جـ ، ط ، ب : "قال".
زيادة من جـ.
زيادة من جـ ، ط ، ب ، أ ، و.
(1/325)
وقال محمد بن إسحاق : أخبرني محمد بن أبي محمد ، أخبرني عكرمة أو سعيد بن جبير ، عن ابن عباس : أن يَهود (1) كانوا يستفتحون على الأوس والخزرج برسول الله {{ص}} قبل مبعثه. فلما بعثه الله من العرب كفروا به ، وجحدوا ما كانوا يقولون فيه. فقال لهم معاذ بن جبل ، وبشر بن البراء بن مَعْرُور ، أخو بني سلمة (2) يا معشر يهود ، اتقوا الله وأسلموا ، فقد كنتم تستفتحون علينا بمحمد {{ص}} ونحن أهل شرك ، وتخبروننا بأنه مبعوث ، وتصفُونه لنا بصفته. فقال سَلام بن مِشْكم أخو بني النضير : ما جاءنا بشيء نعرفه ، وما هو بالذي كنا نذكر لكم فأنزل الله في ذلك من قولهم : { وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ } (3)
وقال العوفي ، عن ابن عباس : { وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا } يقول : يستنصرون بخروج محمد {{ص}} على مشركي العرب - يعني بذلك أهل الكتاب - فلما بعث محمد {{ص}} ورأوه من غيرهم كفروا به وحسدوه.
وقال أبو العالية : كانت اليهود تستنصر بمحمد {{ص}} على مشركي العرب ، يقولون : اللهم ابعث هذا النبي الذي نجده مكتوبًا عندنا حتى نعذب المشركين ونقتلهم. فلما بعث الله محمدًا {{ص}} ، ورأوا أنه (4) من غيرهم ، كفروا به حسدًا للعرب ، وهم يعلمون أنه رسول الله {{ص}} فقال الله : { فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ }
وقال قتادة : { وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا } قال : كانوا يقولون : إنه سيأتي نبي. { فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ }
وقال مجاهد : { فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ } قال : هم اليهود.
وقال الإمام أحمد : حدثنا يعقوب ، حدثنا أبي ، عن ابن إسحاق ، حدثني صالح بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف ، عن محمود بن لبيد ، أخي بني عبد الأشهل عن سلمة بن سلامة بن وقش ، وكان من أهل بدر قال : كان لنا جار يهودي في بني عبد الأشهل قال : فخرج علينا يومًا من بيته قبل مبعث رسول الله {{ص}} بيسير ، حتى وقف على مجلس بني عبد الأشهل. قال سلمة : وأنا يومئذ أحدث من فيهم سنًّا على بردة مضطجعًا فيها بفناءٍ أصلي. فذكر البعث والقيامة والحسنات والميزان والجنة والنار. قال ذلك لأهل شرك أصحاب أوثان لا يرون بعثًا كائنًا بعد الموت ، فقالوا له : ويحك يا فلان ، ترى هذا كائنا أن الناس يبعثون بعد موتهم إلى دار فيها جنة ونار ، يجزون فيها بأعمالهم ؟ فقال : نعم ، والذي يحلف به ، لود أن له بحظه من تلك النار أعظم تنور في الدنيا يحمونه ثم يدخلونه إياه فيطبق به عليه ، وأن ينجو من تلك النار غدًا. قالوا له : ويحك وما آية ذلك ؟ قال : نبي
__________
في جـ ، ط ، ب ، أ ، و : "أن يهودًا".
في جـ ، ط ، ب ، أ ، و : "وداود بن سلمة".
انظر : السيرة النبوية لابن هشام (1/547) وتفسير الطبري (2/233).
في جـ : "ورأوه".
(1/326)
بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ بَغْيًا أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ (90)
يبعث من نحو هذه البلاد ، وأشار بيده نحو مكة واليمن. قالوا : ومتى نراه ؟ قال : فنظر إليّ وأنا من أحدثهم سنًّا ، فقال : إن يستنفذ هذا الغلام عمره يدركه. قال سلمة : فوالله ما ذهب الليل والنهار حتى بعث الله رسوله {{ص}} وهو بين أظهرنا ، فآمنا به وكفر به بغيًا وحسدًا.
فقلنا : ويلك يا فلان ، ألست بالذي قلت لنا ؟ قال : بلى وليس به. تفرد به أحمد (1).
وحكى القرطبي وغيره عن ابن عباس ، رضي الله عنهما : أن يهود خيبر اقتتلوا في زمان الجاهلية مع غطفان فهزمتهم غطفان ، فدعا اليهود عند ذلك ، فقالوا : اللهم إنا نسألك بحق النبي الأمي الذي وعدتنا بإخراجه في آخر الزمان ، إلا نصرتنا عليهم. قال : فنصروا عليهم. قال : وكذلك كانوا يصنعون يدعون الله فينصرون على أعدائهم ومن نازلهم. قال الله تعالى : { فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا } أي من الحق وصفة محمد {{ص}} "كَفَرُوا به" فلعنة الله على الكافرين.
{ بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِمَا أَنزلَ اللَّهُ بَغْيًا أَنْ يُنزلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ (90) }
قال مجاهد : { بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ } يهودُ شَرَوُا الحقَّ بالباطل ، وكتمانَ مَا جاءَ به مُحَمَّد {{ص}} بأن يبينوه.
وقال السدي : { بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ } يقول : باعوا به أنفسهم ، يعني : بئسما اعتاضوا لأنفسهم ورضوا به [وعدلوا إليه من الكفر بما أنزل الله على محمد {{ص}} إلى تصديقه ومؤازرته ونصرته] (2).
وإنما حملهم على ذلك البغي والحسد والكراهية { أَنْ يُنزلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ } ولا حسد أعظم من هذا.
قال ابن إسحاق عن محمد ، عن عكرمة أو سعيد ، عن ابن عباس : { بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِمَا أَنزلَ اللَّهُ بَغْيًا أَنْ يُنزلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ } أي : إن الله جعله من غيرهم { فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ } قال ابن عباس : فالغضب على الغضب ، فغضبه عليهم فيما كانوا ضيعوا من التوراة وهي معهم ، وغضب بكفرهم بهذا النبي الذي أحدث الله إليهم.
قلت : ومعنى { بَاءُوا } استوجبوا ، واستحقوا ، واستقروا بغضب على غضب. وقال أبو العالية : غضب الله عليهم بكفرهم بالإنجيل وعيسى ، ثم غضب عليهم بكفرهم بمحمد ، وبالقرآن (3) عليهما السلام ، [وعن عكرمة وقتادة مثله] (4).
__________
المسند (3/467).
زيادة من جـ ، ط ، ب ، أ ، و.
في جـ ، ط ، ب ، أ ، و : "بكفرهم بمحمد والقرآن".
زيادة من جـ ، ط ، ب ، أ ، و.
(1/327)
وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آَمِنُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (91) وَلَقَدْ جَاءَكُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ (92)
قال السدي : أما الغضب الأول فهو حين غضب عليهم في العِجْل ، وأما الغضب الثاني فغضب عليهم حين كفروا بمحمد {{ص}} [وعن ابن عباس مثله] (1).
وقوله : { وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ } لما كان كفرهم سببه البغي والحسد ، ومنشأ ذلك التكبر ، قوبلوا بالإهانة والصغار في الدنيا والآخرة ، كما قال تعالى : { إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ } [غافر : 60] ، [أي : صاغرين حقيرين ذليلين راغمين] (2).
وقد قال الإمام أحمد : حدثنا يحيى ، حدثنا ابن عَجْلان ، عن عمرو بن شعيب ، عن أبيه ، عن جده ، عن النبي {{ص}} قال : "يحشر المتكبرون يوم القيامة أمثال الذر في صور الناس ، يعلوهم كل شيء من الصغار حتى يدخلوا سجنًا في جهنم ، يقال له : بُولَس فيعلوهم نار الأنيار يسقون (3) من طينة الخبال : عصارة أهل النار" (4).
{ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِمَا أَنزلَ اللَّهُ قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنزلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (91) وَلَقَدْ جَاءَكُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ (92) }
يقول تعالى : { وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ } أي : لليهود وأمثالهم من أهل الكتاب { آمِنُوا بِمَا أَنزلَ اللَّهُ } [أي] (5) : على محمد {{ص}} وصدقوه واتبعوه { قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنزلَ عَلَيْنَا } أي : يكفينا الإيمان بما أنزل علينا من التوراة والإنجيل ولا نقر إلا بذلك ، { وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ } يعنى : بما بعده { وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ } أي : وهم يعلمون أن ما أنزل على محمد {{ص}} الحق (6) { مُصَدِّقًا } (7) منصوب على الحال ، أي في حال تصديقه لما معهم من التوراة والإنجيل ، فالحجة قائمة عليهم بذلك ، كما قال تعالى : { الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ } [البقرة : 146] ثم قال تعالى : { [قُلْ] (8) فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ } أي : إن كنتم صادقين في دعواكم الإيمان بما أنزل إليكم ، فلم قتلتم الأنبياء الذين جاؤوكم بتصديق التوراة التي بأيديكم والحكم بها وعدم نسخها ، وأنتم تعلمون صدقهم ؟ قتلتموهم بغيًا [وحسدًا] (9) وعنادًا واستكبارًا على رسل الله ، فلستم تتبعون إلا مجرد الأهواء ، والآراء والتشهي (10) كما قال تعالى { أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ } [البقرة : 87].
__________
زيادة من جـ ، ط ، ب ، أ ، و.
زيادة من جـ ، ط ، ب ، أ ، و.
في جـ ، ط : "ويسقون".
المسند (2/179).
زيادة من ط ، ب ، و.
في و : "هو الحق".
في جـ : "مصدقا لما معهم".
زيادة من جـ ، ط ، ب ، و.
زيادة من جـ.
في جـ : "والشهوة".
(1/328)
وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آَتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاسْمَعُوا قَالُوا سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (93)
وقال السدي : في هذه الآية يعيرهم الله تعالى : { قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ }
وقال أبو جعفر بن جرير : قل يا محمد ليهود بني إسرائيل - [الذين] (1) إذا قلت لهم : آمنوا بما أنزل الله قالوا : { نُؤْمِنُ بِمَا أُنزلَ عَلَيْنَا } - : لم تقتلون (2) - إن كنتم يا معشر اليهود مؤمنين بما أنزل الله عليكم - أنبياءه وقد حرم الله في الكتاب الذي أنزل عليكم قتلهم ، بل أمركم فيه باتباعهم وطاعتهم وتصديقهم ، وذلك من الله تكذيب لهم في قولهم : { نُؤْمِنُ بِمَا أُنزلَ عَلَيْنَا } وتعيير لهم.
{ وَلَقَدْ جَاءَكُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ } أي : بالآيات الواضحات (3) والدلائل القاطعة (4) على أنه رسول الله ، وأنه لا إله إلا الله. والبينات هي : الطوفان ، والجراد ، والقمل ، والضفادع ، والدم ، والعصا ، واليد ، وفَلْق البحر ، وتظليلهم بالغمام ، والمن والسلوى ، والحجر ، وغير ذلك من الآيات التي شاهدوها { ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ } أي : معبودًا من دون الله في زمان موسى وآياته. وقوله { مِنْ بَعْدِهِ } أي : من بعد ما ذهب عنكم إلى الطور لمناجاة الله كما قال تعالى : { وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ } [الأعراف : 148] ، { وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ } [أي وأنتم ظالمون] (5) في هذا الصنيع الذي صنعتموه من عبادتكم العجل ، وأنتم تعلمون أنه لا إله إلا الله ، كما قال تعالى : { وَلَمَّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ وَرَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّوا قَالُوا لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا وَيَغْفِرْ لَنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ } [الأعراف : 149].
{ وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاسْمَعُوا قَالُوا سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (93) }
يعدد ، تبارك وتعالى ، عليهم خطأهم ومخالفتهم للميثاق وعتوهم وإعراضهم عنه ، حتى رفع الطور عليهم حتى قبلوه ثم خالفوه ؛ ولهذا قال : { قَالُوا سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا } وقد تقدم تفسير ذلك.
{ وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ } قال عبد الرزاق ، عن مَعْمَر ، عن قتادة : { وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ [بِكُفْرِهِمْ] (6) } قال : أشربوا [في قلوبهم] (7) حبه ، حتى خلص ذلك إلى قلوبهم. وكذا قال أبو العالية ، والربيع بن أنس.
وقال الإمام أحمد : حدثنا عصام بن خالد ، حدثني أبو بكر بن عبد الله بن أبي مريم الغساني ، عن خالد بن محمد الثقفي ، عن بلال بن أبي الدرداء ، عن أبي الدرداء ، عن النبي {{ص}} قال : "حُبُّك
__________
زيادة من ب.
في جـ ، ط : "تقتلون أنبياء الله من قبل".
في جـ ، ط ، ب : "الواضحة".
في أ : "القاطعات".
زيادة من جـ ، ط ، ب ، أ ، و.
زيادة من جـ ، ط ، ب ، و.
زيادة من جـ ، ط ، ب ، و.
(1/329)
الشيء يُعْمِي ويُصم".
ورواه أبو داود عن حيوة بن شريح عن بَقِيَّة ، عن أبي بكر بن عبد الله بن أبي مريم به (1) وقال السدي : أخذ موسى ، عليه السلام ، العجل فذبحه ثم حرقه بالمبرد ، ثم ذراه في البحر ، فلم يبق بحر يجري يومئذ إلا وقع فيه شيء منه ، ثم قال لهم موسى : اشربوا منه. فشربوا ، فمن كان يحبه خرج على شاربيه الذهب. فذلك حين يقول الله تعالى : { وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ }
وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي ، حدثنا عبد الله بن رجاء ، حدثنا إسرائيل (2) عن أبي إسحاق ، عن عمارة بن عبد (3) وأبي عبد الرحمن السلمي ، عن علي بن أبي طالب ، قال : عمد موسى إلى العجل ، فوضع عليه المبارد ، فبرده بها ، وهو على شاطئ نهر ، فما شرب أحد من ذلك الماء ممن كان يعبد العجل إلا اصفر وجهه مثل الذهب (4).
وقال سعيد بن جبير : { وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ } قال : لما أحرق العجل بُرِدَ ثم نسف ، فحسوا الماء حتى عادت وجوههم كالزعفران.
وحكى القرطبي عن كتاب القشيري : أنه ما شرب منه أحد ممن عبد العجل إلا جنَّ [ثم قال القرطبي] (5) وهذا شيء غير ما هاهنا ؛ لأن المقصود من هذا السياق ، أنه ظهر النقير على شفاههم ووجوههم ، والمذكور هاهنا : أنهم أشربوا في قلوبهم حب العجل ، يعني : في حال عبادتهم له ، ثم أنشد قول النابغة في زوجته عثمة :
تغلغل حب عثمة في فؤادي... فباديه مع الخافي يسير...
تغلغل حيث لم يبلغ شراب... ولا حزن ولم يبلغ سرور...
أكاد إذا ذكرت العهد منها... أطير لو أن إنسانا يطير...
وقوله : { قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ } أي : بئسما تعتمدونه في قديم الدهر وحديثه ، من كفركم بآيات الله ومخالفتكم الأنبياء ، ثم اعتمادكم في كفركم بمحمد {{ص}} - وهذا أكبر ذنوبكم ، وأشد الأمور عليكم - إذ كفرتم بخاتم الرسل وسيد الأنبياء والمرسلين المبعوث إلى الناس أجمعين ، فكيف تدّعون لأنفسكم الإيمان وقد فعلتم هذه الأفاعيل القبيحة ، من نقضكم المواثيق ، وكفركم بآيات الله ، وعبادتكم العجل ؟!
__________
المسند (5/194) وسنن أبي داود برقم (5130).
في أ : "حدثنا إسماعيل".
في هـ : "عبد الله" وهو خطأ.
تفسير ابن أبي حاتم (1/282).
زيادة من أ ، و.
(1/330)
قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآَخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خَالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (94) وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (95) وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ (96)
{ قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خَالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (94) وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (95) وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ (96) }
قال محمد بن إسحاق : حدثني محمد بن أبي محمد ، عن عكرمة أو سعيد بن جبير ، عن ابن عباس : يقول الله لنبيه {{ص}} : { قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خَالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ } أي : ادعوا بالموت على أي الفريقين أكذب. فأبوا ذلك على رسول الله {{ص}} { وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ } أي : بِعِلْمِهِم بما عندهم من العلم بك ، والكفر بذلك ، ولو تمنوه يوم قال لهم ذلك ما بقي على الأرض يهودي إلا مات.
وقال الضحاك ، عن ابن عباس : { فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ } فسلوا الموت.
وقال عبد الرزاق ، عن مَعْمَر ، عن عبد الكريم الجزري ، عن عكرمة ، قوله : { فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ } قال : قال ابن عباس : لو تمنى اليهود الموت لماتوا.
وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي ، حدثنا علي بن محمد الطَّنَافِسِي ، حدثنا عثام ، سمعت الأعمش - قال : لا أظنه إلا عن المِنْهال ، عن سعيد بن جبير - عن ابن عباس ، قال : لو تمنوا الموت لشرق أحدهم بريقه.
وهذه أسانيد صحيحة إلى ابن عباس.
وقال ابن جرير في تفسيره : وبلغنا أن رسول الله {{ص}} قال : "لو أن اليهود تمنوا الموت لماتوا. ولرأوا مقاعدهم من النار. ولو خرج الذين يُباهلون رسول الله {{ص}} لرجعوا لا يجدون (1) أهلا ولا مالا". حدثنا بذلك أبو كُرَيْب ، حدثنا زكريا بن عدي ، حدثنا عبيد الله (2) بن عمرو ، عن عبد الكريم ، عن عكرمة ، عن ابن عباس ، عن رسول الله {{ص}}.
ورواه الإمام أحمد عن إسماعيل بن يزيد (3) الرقي [أبي يزيد] (4) حدثنا فرات ، عن عبد الكريم ، به (5).
وقال ابن أبي حاتم : حدثنا الحسن بن أحمد [قال] (6) : حدثنا إبراهيم بن عبد الله بن بشار ،
__________
في جـ : "ولا يجدون".
في أ : "عبد الله".
في جـ : "عن إسماعيل عن زيد" ، وفي أ ، و : "عن إسماعيل بن يزيد".
زيادة من جـ ، ط ، ب ، أ ، و.
تفسير الطبري (2/362) والمسند (1/248).
زيادة من جـ.
(1/331)
حدثنا سرور بن المغيرة ، عن عباد بن منصور ، عن الحسن ، قال : قول الله ما كانوا ليتمنوه بما قدمت أيديهم. قلت : أرأيتك لو أنهم أحبوا الموت حين قيل لهم : تمنوا ، أتراهم كانوا ميتين ؟ قال : لا والله ما كانوا ليموتوا ولو تمنوا الموت ، وما كانوا ليتمنوه ، وقد قال الله ما سمعت : { وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ }
وهذا غريب عن الحسن. ثم هذا الذي فسر به ابن عباس الآية هو المتعين ، وهو الدعاء على أي الفريقين أكذب منهم أو من المسلمين على وجه المباهلة ، ونقله (1) ابن جرير عن قتادة ، وأبي العالية ، والربيع بن أنس ، رحمهم الله.
ونظير هذه الآية قوله تعالى في سورة الجمعة : { قُلْ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ هَادُوا إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَاءُ لِلَّهِ مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ* وَلا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ* قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلاقِيكُمْ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ } [الجمعة : 6 - 8] فهم - عليهم لعائن الله - لما زعموا أنهم أبناء الله وأحباؤه ، وقالوا : لن يدخل الجنة إلا من كان هودًا أو نصارى ، دعوا إلى المباهلة والدعاء على أكذب الطائفتين منهم ، أو من المسلمين. فلما نكلوا عن ذلك علم كل أحد (2) أنهم ظالمون ؛ لأنهم لو كانوا جازمين بما هم فيه لكانوا أقدموا على ذلك ، فلما تأخروا علم كذبهم. وهذا (3) كما دعا رسول الله {{ص}} وفد نجران من النصارى بعد قيام الحجة عليهم في المناظرة ، وعتوّهم وعنادهم إلى المباهلة ، فقال تعالى : { فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ } [آل عمران : 61] فلما رأوا ذلك قال بعض القوم لبعض : والله لئن باهلتم هذا النبيّ لا يبقى منكم عين تطرف. فعند ذلك جنحوا للسلم وبذلوا الجزية عن يد وهم صاغرون ، فضربها عليهم. وبعث معهم أبا عبيدة بن الجراح ، رضي الله عنه ، أمينًا. ومثل هذا المعنى أو قريب منه قوله تعالى لنبيه {{ص}} أن يقول للمشركين : { قُلْ مَنْ كَانَ فِي الضَّلالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا } [مريم : 75] ، أي : من كان في الضلالة منا أو منكم ، فزاده الله مما هو فيه ومَدّ له ، واستدرجه ، كما سيأتي تقريره في موضعه ، إن شاء الله (4).
فأما من فسر الآية على معنى : { قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خَالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ } أي : إن كنتم صادقين في دعواكم ، فتمنوا الآن الموت. ولم يتعرض هؤلاء للمباهلة كما قرره طائفة من المتكلمين وغيرهم ، ومال إليه ابن جرير بعد ما قارب القول الأول ؛ فإنه قال : القول في تفسير (5) قوله تعالى : { قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خَالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ } وهذه الآية مما احتج الله به لنبيه {{ص}} على اليهود الذين كانوا
__________
في جـ : "ونقل".
في أ : "واحد".
في جـ : "وهكذا".
في جـ : "إن شاء الله وبه الثقة".
في جـ ، ط ، ب ، أ ، و : "في تأويله".
(1/332)
بين ظهراني مُهَاجَره ، وفضح بها أحبارهم وعلماءهم ؛ وذلك أن الله تعالى أمر نبيه {{ص}} إلى قضية عادلة بينه وبينهم ، فيما كان بينه وبينهم من الخلاف ، كما أمره أن يدعو الفريق الآخر من النصارى إذا خالفوه في عيسى ابن مريم ، عليه السلام ، وجادلوه فيه ، إلى فاصلة بينه وبينهم من المباهلة. فقال لفريق [من] (1) اليهود : إن كنتم محقين فتمنوا الموت ، فإن ذلك غير ضار بكم (2) إن كنتم محقين فيما تدعون من الإيمان وقرب المنزلة من الله ، بل أعطيكم أمنيتكم من الموت إذا تمنيتم ، فإنما تصيرون إلى الراحة من تعب الدنيا ونصبها وكدر عيشها ، والفوز بجوار الله في جناته (3) إن كان الأمر كما تزعمون : من أن الدار الآخرة لكم خالصة دوننا. وإن لم تعطوها علم الناس أنكم المبطلون ونحن المحقون في دعوانا ، وانكشف أمرنا وأمركم لهم فامتنعت اليهود من الإجابة إلى ذلك لعلمها (4) أنها إن تمنت الموت هلكت ، فذهبت دنياها وصارت إلى خزي الأبد في آخرتها ، كما امتنع فريق [من] (5) النصارى.
فهذا الكلام منه أوله حسن ، وأما آخره فيه نظر ؛ وذلك أنه لا تظهر الحجة عليهم على هذا التأويل ، إذ يقال : إنه لا يلزم من كونهم يعتقدون أنهم صادقون في دعواهم أنهم يتمنوا الموت فإنه لا ملازمة بين وجود الصلاح وتمني الموت ، وكم من صالح لا يتمنى الموت ، بل يود أن يعمر ليزداد خيرًا وترتفع درجته في الجنة ، كما جاء في الحديث : "خيركم من طال عمره وحسن عمله" (6). [وجاء في الصحيح النهي عن تمني الموت ، وفي بعض ألفاظه : "لا يتمنين أحدكم الموت لضر نزل به إما محسنًا فلعله أن يزداد ، وإما مسيئًا فلعله أن يستعتب" (7) ] (8). ولهم مع ذلك أن يقولوا على هذا : فها أنتم تعتقدون - أيها المسلمون - أنكم أصحاب الجنة ، وأنتم لا تتمنون في حال الصحة الموت ؛ فكيف تلزمونا بما لا نُلزمكم ؟
وهذا كله إنما نشأ من تفسير الآية على هذا المعنى ، فأما على تفسير ابن عباس فلا يلزم عليه شيء من ذلك ، بل قيل لهم كلام نَصَف : إن كنتم تعتقدون أنكم (9) أولياء الله من دون الناس ، وأنكم أبناء الله وأحبّاؤه ، وأنكم من أهل الجنة ومن عداكم [من] (10) أهل النار ، فباهلوا على ذلك وادعوا على الكاذبين منكم أو من غيركم ، واعلموا أن المباهلة تستأصل الكاذب لا محالة. فلما تيقَّنوا ذلك وعرفوا صدقه نكلوا عن المباهلة لما يعلمون من كذبهم وافترائهم وكتمانهم الحق من صفة الرسول {{ص}} ونعته ، وهم يعرفونه كما يعرفون أبناءهم ويتحققونه. فعلم كل أحد باطلهم ، وخزيهم ، وضلالهم وعنادهم
__________
زيادة من جـ.
في أ ، و : "غير ضايركم".
في جـ : "وجنانه".
في جـ ، ط ، ب ، أ ، و : "لعلمهم".
زيادة من جـ.
جاء من حديث عبد الله بن يسر ، وأبي بكرة ، وأبي هريرة رضي الله عنهم ، فأما حديث عبد الله بن بسر ، فرواه الترمذي في السنن برقم (2329) وقال : "هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه" وأما حديث أبي بكرة ، فرواه الترمذي في السنن برقم (2330) وقال : "هذا حديث حسن صحيح" ، وأما حديث أبي هريرة ، فرواه أحمد في المسند (2/235).
صحيح البخاري برقم (5671) وصحيح مسلم برقم (2680) من حديث أنس رضي الله عنه.
زيادة من جـ ، ب ، أ ، و.
في و : "أنهم".
زيادة من أ.
(1/333)
عليهم لعائن الله المتتابعة (1) إلى يوم القيامة.
[وسميت هذه المباهلة تمنيًا ؛ لأن كل محق يود لو أهلك الله المبطل المناظر له ولا سيما إذا كان في ذلك حجة له فيها بيان حقه وظهوره ، وكانت المباهلة بالموت ؛ لأن الحياة عندهم عزيزة عظيمة لما يعلمون من سوء مآلهم بعد الموت] (2).
ولهذا قال تعالى : { وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ* وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ } : أي : [أحرص الخلق على حياة أي] (3) : على طول عُمْر ، لما يعلمون من مآلهم السيئ وعاقبتهم عند الله الخاسرة ؛ لأن الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر ، فهم يودون لو تأخروا عن مقام الآخرة بكل ما أمكنهم. وما يحذرون (4) واقع بهم لا محالة ، حتى وهم أحرص [الناس] (5) من المشركين الذين لا كتاب لهم. وهذا من باب عطف الخاص على العام.
قال ابن أبي حاتم : حدثنا أحمد بن سنان ، حدثنا عبد الرحمن بن مهدي ، عن سفيان ، عن الأعمش ، عن مسلم البطين ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس : { وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا } قال : الأعاجم.
ورواه الحاكم في مستدركه من حديث الثوري ، وقال : صحيح على شرطهما ، ولم يخرجاه. قال : وقد اتفقا على سند تفسير الصحابي (6). وقال الحسن البصري : { وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ } قال : المنافق أحرص الناس على حياة ، وهو أحرص على الحياة من المشرك { يَوَدُّ أَحَدُهُمْ } أي : أحد اليهود كما يدل عليه نظم السياق.
وقال أبو العالية : { يَوَدُّ أَحَدُهُمْ } يعني : المجوس ، وهو يرجع إلى الأول.
{ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ } قال الأعمش ، عن مسلم البطين ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس : { يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ } قال : هو كقول الفارسي : "زه هزارسال" يقول : عشرة آلاف سنة. وكذا روي عن سعيد بن جبير نفسه أيضًا.
وقال ابن جرير : حدثنا محمد بن علي بن الحسن بن شقيق قال : سمعت أبي يقول : حدثنا أبو حمزة ، عن الأعمش ، عن مجاهد ، عن ابن عباس ، في قوله تعالى : { يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ } قال : هو الأعاجم : "هزارسال نوروزر مهرجان".
وقال مجاهد : { يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ } قال : حببت إليهم الخطيئة طول العمر.
__________
في جـ ، ط ، ب : "التابعة" ، وفي أ : "البالغة".
زيادة من جـ ، ط ، ب ، أ ، و.
زيادة من جـ ، ب ، أ ، و.
في أ : "وما يجدون".
زيادة من ط.
تفسير ابن أبي حاتم (1/ 286) والمستدرك (2/ 263).
(1/334)
قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ (97) مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ (98)
وقال محمد بن إسحاق ، عن محمد ، عن سعيد أو عكرمة ، عن ابن عباس : { وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ } أي : ما هو بمنجيه من العذاب. وذلك أن المشرك لا يرجو بعثًا بعد الموت ، فهو يحب طول الحياة (1) وأن اليهودي قد عرف ما له في الآخرة من الخزي بما صنع (2) بما عنده من العلم.
وقال العوفي ، عن ابن عباس : { وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ } قال : هم الذين عادوا جبريل.
وقال أبو العالية وابن عمر (3) فما ذاك بمغيثه (4) من العذاب ولا منجيه منه.
وقال عبد الرحمن بن زيد (5) بن أسلم [في هذه الآية] (6) يهود أحرص على [هذه] (7) الحياة من هؤلاء ، وقد ود هؤلاء أن (8) يعمر أحدهم ألف سنة ، وليس ذلك بمزحزحه من العذاب لو عمر ، كما عمر إبليس لم ينفعه إذ كان كافرًا.
{ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ } أي : خبير بما يعمل عباده من خير وشر ، وسيجازي كل عامل بعمله.
{ قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نزلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ (97) مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ (98) }
قال الإمام أبو جعفر بن جرير الطبري رحمه الله : أجمع أهل العلم بالتأويل جميعًا [على] (9) أن هذه الآية نزلت جوابًا لليهود من بني إسرائيل ، إذ زعموا أن جبريل عدو لهم ، وأن ميكائيل ولي لهم ، ثم اختلفوا في السبب الذي من أجله قالوا ذلك. فقال بعضهم : إنما كان سبب قيلهم ذلك من أجل مناظرة جَرَت بينَهم وبين رسول الله {{ص}} في (10) أمر نبوته. ذكر من قال ذلك
حدثنا أبو كُرَيْب ، حدثنا يونس بن بُكَيْر ، عن عبد الحميد بن بَهرام ، عن شَهْر بن حَوْشَب ، عن ابن عباس أنه قال : حضرت عصابة من اليهود رسول الله {{ص}} ، فقالوا : يا أبا القاسم ، حدثنا عن خلال نسألك عنهن ، لا يعلمهن إلا نبي ، فقال رسول الله {{ص}} : "سلوا عما شئتم ، ولكن اجعلوا لي
__________
في أ : "طول العمر".
في ب : "بما ضيع".
في جـ ، ط ، ب : "وإن عمر".
في جـ : "لا ذاك بمغنيه".
في جـ : "بز يزيد".
زيادة من جـ ، ط ، ب ، و.
زيادة من جـ.
في ط ، ب ، أ ، و : "هؤلاء لو".
زيادة من جـ ، ط.
في جـ ، ط ، ب ، أ : "من".
(1/335)
ذمة وما أخذ يعقوب على بنيه ، لئن أنا حدثتكم شيئًا فعرفتموه لتتابِعُنِّي على الإسلام". فقالوا : ذلك لك. فقال رسول الله {{ص}} : "سلوني عما شئتم". فقالوا : أخبرنا عن أربع خلال نسألك عنهن : أخبرنا أيّ الطعام حرم (1) إسرائيل على نفسه من قبل أن تنزل التوراة ؟ وأخبرنا كيف ماء (2) المرأة وماء الرجل ؟ وكيف يكون الذكر منه والأنثى ؟ وأخبرنا بهذا النبي الأمي في النوم (3) ووليه من الملائكة ؟ فقال رسول الله {{ص}} : "عليكم عهد الله لئن أنا أنبأتكم لتتابعنِّي ؟" فأعطوه ما شاء الله من عهد وميثاق. فقال : "نشدتكم (4) بالذي أنزل التوراة على موسى ، هل تعلمون أن إسرائيل يعقوب مرض مرضًا شديدًا فطال سقمه منه ، فنذر لله نذرًا لئن عافاه الله من سقمه ليحرّمن أحب الطعام والشراب إليه ، وكان أحب الطعام إليه لحوم (5) الإبل وأحب الشراب إليه ألبانها ؟". فقالوا : اللهم نعم. فقال رسول الله {{ص}} : "اللهم اشهد (6) عليهم. وأنشدكم بالله الذي لا إله إلا هو ، الذي أنزل التوراة على موسى ، هل تعلمون أن ماء الرجل أبيض غليظ ، وأن ماء المرأة أصفر رقيق ، فأيهما علا كان له الولد والشبه بإذن الله ، وإذا علا ماء الرجل ماء المرأة كان الولد ذكرًا بإذن الله ، وإذا علا ماء المرأة ماء الرجل كان الولد أنثى بإذن الله ؟". قالوا : اللهم نعم. قال : "اللهم اشهد". قال : "وأنشدكم بالله الذي أنزل التوراة على موسى ، هل تعلمون أن هذا النبي الأمي تنام عيناه ولا ينام قلبه ؟". قالوا : اللهم نعم. قال : "اللهم اشهد". قالوا : أنت الآن ، فحدثنا من وليك من الملائكة ، فعندها نجامعك أو نفارقك. قال : "فإن وليي جبريل ، ولم يبعث الله نبيًا قط إلا وهو وليُّه". قالوا : فعندها نفارقك ، لو كان وليّك سواه من الملائكة تابعناك (7) وصدقناك. قال : "فما مَنَعكم أن تصدقوه ؟" قالوا : إنه عدونا. فأنزل الله عز وجل : { قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ } إلى قوله : { لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ } [البقرة : 103] فعندها باؤوا بغضب على غضب (8).
وقد رواه الإمام أحمد في مسنده ، عن أبي النضر هاشم بن القاسم وعبد بن حميد في تفسيره ، عن أحمد بن يونس ، كلاهما عن عبد الحميد بن بَهرام ، به (9).
ورواه الإمام أحمد - أيضاً - عن الحسين بن محمد المروزي ، عن عبد الحميد ، بنحوه [به] (10) (11).
وقد رواه محمد بن إسحاق بن يسار : حدثني عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي حسين ، عن شهر بن حوشب ، فذكره مرسلا وزاد فيه : قالوا : فأخبرنا عن الروح قال : "أنشدكم بالله وبآياته (12)
__________
في جـ ، ط : "الذي حرم".
في جـ : "كيف يكون ماء".
في جـ ، ط ، ب ، أ : "في التوراة".
في جـ : "أنشدكم".
في جـ : "لحم" ، وفي ط ، ب ، أ ، و : "لحمان".
في جـ : "اللهم أشهدك".
في جـ : "لتابعناك" وفي ط : : "بايعناك".
تفسير الطبري (2/377).
المسند (1/278).
زيادة من جـ ، ط ، ب ، أ ، و.
المسند (1/273).
في ط ، ب : "وبأيامه".
(1/336)
عند بني إسرائيل ، هل تعلمون أنه جبريل ، وهو الذي يأتيني ؟" قالوا : نعم ، ولكنه لنا عدو ، وهو ملك إنما يأتي بالشدة وسفك الدماء ، فلولا ذلك اتبعناك (1). فأنزل الله فيهم : { قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نزلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ } إلى قوله : { كَأَنَّهُمْ لا يَعْلَمُونَ } [البقرة : 101].
وقال الإمام أحمد : حدثنا أبو أحمد (2) حدثنا عبد الله بن الوليد العجلي ، عن بكير بن شهاب ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ، قال : أقبلت يهود إلى رسول الله {{ص}} فقالوا : يا أبا القاسم ، إنا نسألك عن خمسة أشياء ، فإن أنبأتنا بهن عرفنا أنك نبي واتبعناك. فأخذ عليهم ما أخذ إسرائيل على بنيه إذ قال : { اللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ } [يوسف : 66] قال : "هاتوا". قالوا : أخبرنا عن علامة النبي. قال : "تنام عيناه ولا ينام قلبه". قالوا : أخبرنا كيف تؤنث المرأة وكيف يذكر الرجل ؟ قال : "يلتقي الماءان فإذا علا ماء الرجل ماء المرأة أذكرت ، وإذا علا ماء المرأة ماء الرجل أنثت" ، قالوا : أخبرنا ما (3) حرّم إسرائيل على نفسه. قال : "كان يشتكي عِرْق النَّساء ، فلم يجد شيئًا يلائمه إلا ألبان كذا وكذا" - قال أحمد : قال بعضهم : يعني الإبل ، فحرم لحومها - قالوا : صدقت. قالوا : أخبرنا ما هذا الرعد ؟ قال "ملك من ملائكة الله ، عز وجل ، موكل بالسحاب بيديه - أو في يده - مِخْراق من نار يزجر به السحاب ، يسوقه حيث أمره الله عز وجل". قالوا : فما هذا الصوت الذي نسمعه ؟ قال : "صوته". قالوا : صدقت. إنما بقيت واحدة وهي التي نتابعك إن أخبرتنا (4) إنه ليس من نبي إلا وله مَلَك يأتيه بالخبر ، فأخبرنا من صاحبك ؟ قال : "جبريل عليه السلام" ، قالوا : جبريل ذاك الذي ينزل بالحرب والقتال والعذاب عدونا ، لو قلت : ميكائيل الذي ينزل بالرحمة والنبات والقطر لكان (5) فأنزل الله عز وجل : { قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ } إلي آخر الآية.
ورواه الترمذي ، والنسائي من حديث عبد الله بن الوليد ، به (6). وقال الترمذي : حسن غريب.
وقال سُنَيْد في تفسيره ، عن حجاج بن محمد ، عن ابن جُرَيْج : أخبرني القاسم بن أبي بَزَّة أن يهود سألوا النبي {{ص}} عن صاحبه الذي ينزل (7) عليه بالوحي. قال : "جبريل". قالوا : فإنه لنا عدو ، ولا يأتي إلا بالشدة والحرب والقتال. فنزل : { قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ } الآية. قال ابن جريج : وقال مجاهد : قالت يهود : يا محمد ، ما ينزل (8) جبريل إلا بشدة وحرب وقتال ، وإنه لنا عدو. فنزل : { قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ } الآية.
وقال البخاري : قوله : { مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ } قال عكرمة : جبر ، وميك ، وإسراف : عبد. وإيل : الله. حدثنا عبد الله بن مُنير (9) سَمِع عبد الله بن بكر (10) حدثنا حُمَيد ، عن أنس بن مالك ،
__________
في جـ : "لتبعناك".
في جـ : "أبو عمر".
في جـ ، ط : "أخبرنا عما".
في ب "أخبرتنا بها".
في جـ : "لكنا تابعناك".
المسند (1/274) وسنن الترمذي برقم (3117) وسنن النسائي الكبرى برقم (9072).
في أ : "نزل".
في جـ ، ط ، أ : "ما نزل".
في جـ ، ط ، ب ، أ ، و : "بن نمير".
في أ : "بن بكير".
(1/337)
قال : سمع عبد الله بن سلام بمقدم رسول الله {{ص}} وهو في أرض يخترف. فأتى النبي {{ص}} فقال : إني سائلك عن ثلاث لا يعلمهن (1) إلا نبي : ما أول أشراط الساعة ؟ وما أول طعام أهل الجنة ؟ وما ينزع الولد إلى أبيه أو إلى أمه ؟ قال : "أخبرني بِهن جبريل آنفًا". قال : جبريل ؟ قال : "نعم". قال : ذاك عدو اليهود من الملائكة ، فقرأ هذه الآية : { مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نزلَهُ عَلَى قَلْبِكَ } "أما أول أشراط الساعة فنار تحشر الناس من المشرق إلى المغرب ، وأما أول طعام يأكله أهل الجنة فزيادة كبد الحوت ، وإذا سبق ماء الرجل ماء المرأة نزع الولد ، وإذا سبق ماء المرأة [ماء الرجل] (2) نزعت". قال : أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أنك (3) رسول الله. يا رسول الله ، إن اليهود قوم بُهُت ، وإنهم إن يعلموا بإسلامي قبل أن تسألهم يبهتوني (4). فجاءت اليهود فقال النبي {{ص}} : "أي رجل عبد الله بن سلام فيكم ؟" قالوا : خيرنا وابن خيرنا ، وسيدنا وابن سيدنا. قال : "أرأيتم إن أسلم عبد الله بن سلام". فقالوا : أعاذه الله من ذلك. فخرج عبد الله فقال : أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا رسول الله. فقالوا : شرنا وابن شرنا. فانتقصوه.
قال (5) هذا الذي كنت أخاف يا رسول الله.
انفرد به البخاري من هذا الوجه (6) وقد أخرجه من وجه آخر ، عن أنس بنحوه (7) وفي صحيح مسلم ، عن ثوبان مولى رسول الله {{ص}} قريب من هذا السياق (8) كما سيأتي في موضعه (9).
وحكاية البخاري عن عكرمة هو المشهور أن "إيل" هو الله. وقد رواه سفيان الثوري ، عن خَصِيف ، عن عكرمة.
ورواه عبد بن حميد ، عن إبراهيم بن الحكم ، عن أبيه ، عن عكرمة ، ورواه ابن جرير ، عن الحسين بن يزيد الطحان ، عن إسحاق بن منصور ، عن قيس ، عن عاصم ، عن عكرمة ، أنه قال : إن جبريل اسمه عبد الله وميكائيل : عبيد الله. إيل : الله.
ورواه يزيد النحوي ، عن عكرمة ، عن ابن عباس ، مثله سواء. وكذا قال غير واحد من السلف ، كما سيأتي قريبا.
__________
في أ : "لا يعرفهن".
زيادة من جـ.
في جـ ، ط : "وأن محمدًا".
في جـ : "بهتوني".
في جـ : "فقال".
صحيح البخاري برقم (4480).
صحيح البخاري برقم (3329) من طريق مروان بن معاوية عن حميد ، عن أنس ، وصحيح البخاري برقم (3938) من طريق بشر ابن المفضل ، عن حميد ، عن أنس.
صحيح مسلم برقم (315).
في جـ : "كما سيأتي في موضعه إن شاء الله".
(1/338)
[وقال الإمام أحمد في أثناء حديث سمرة بن جندب : حدثنا محمد بن سلمة ، حدثنا محمد بن إسحاق ، حدثنا محمد بن عمرو بن عطاء قال : قال لي علي بن الحسين : اسم جبريل عبد الله ، واسم ميكائيل : عبيد الله] (1).
ومن الناس من يقول : "إيل" عبارة عن عبد ، والكلمة الأخرى هي اسم الله ؛ لأن كلمة "إيل" لا تتغير في الجميع ، فوزانه : عبد الله ، عبد الرحمن ، عبد الملك ، عبد القدوس ، عبد السلام ، عبد الكافي ، عبد الجليل. فعبد موجودة في هذا كله ، واختلفت الأسماء المضاف إليها ، وكذلك جبريل وميكائيل وإسرافيل وعزرائيل ونحو ذلك ، وفي كلام غير العرب يقدمون المضاف إليه على المضاف ، والله أعلم.
ثم قال ابن جرير : وقال آخرون : بل كان سبب قيلهم ذلك من أجل مناظرة جرت بين عمر بن الخطاب وبينهم في أمر النبي {{ص}}. ذكر من قال ذلك :
حدثني محمد بن المثنى ، حدثني ربعي بن عُلَيّة ، عن داود بن أبي هند ، عن الشعبي ، قال : نزل عمر الروحاء ، فرأى رجالا يبتدرون أحجارًا يصلون إليها ، فقال : ما بال هؤلاء ؟ قالوا : يزعمون أن رسول الله {{ص}} صلى هاهنا. قال : فكفر ذلك. وقال : إنما رسول الله {{ص}} أدركته الصلاة بواد صلاها ثم ارتحل ، فتركه. ثم أنشأ يحدثهم ، فقال : كنت أشهد اليهود يوم مِدْرَاسهم (2) فأعجب من التوراة كيف تصدق الفرقان ومن الفرقان كيف يصدق التوراة ؟ فبينما أنا عندهم ذات يوم ، قالوا : يا ابن الخطاب ، ما من أصحابك أحد أحب إلينا منك. قلت : ولم ذلك ؟ قالوا : إنك تغشانا وتأتينا. فقلت : إني آتيكم فأعجب من الفرقان (3) كيف يصدق التوراة ، ومن التوراة كيف تصدق الفرقان. قال : ومر رسول الله {{ص}} فقالوا : يا ابن الخطاب ، ذاك صاحبكم فالحق به ، قال : فقلت لهم عند ذلك : نشدتكم (4) بالله الذي لا إله إلا هو ، وما استرعاكم من حقه واستودعكم من كتابه : أتعلمون أنه رسول الله ؟ قال : فسكتوا. فقال لهم عالمهم وكبيرهم : إنه قد غَلَّظ عليكم فأجيبوه. فقالوا : فأنت عالمنا وكبيرنا فأجبه أنت. قال : أما إذ نشدتنا بما نشدتنا به فإنا نعلم أنه رسول الله ، قال : قلت : ويحكم فأنَّي هلكتم ؟! قالوا (5) إنا لم نهلك (6) [قال] (7) : قلت : كيف ذلك وأنتم تعلمون أنه رسول الله [ثم] (8) ولا تتبعونه ولا تصدقونه ؟ قالوا : إن لنا عدوا من الملائكة وسِلْمًا من الملائكة ، وإنه قرن بنبوته عدونا من الملائكة. قال : قلت : ومن عدوكم ومن سلمكم ؟ قالوا : عدونا جبريل ، وسلمنا ميكائيل. قال : قلت : وفيم عاديتم جبريل ، وفيم سالمتم ميكائيل ؟ قالوا : إن جبريل مَلَك الفظاظة والغلظة والإعسار والتشديد والعذاب ونحو هذا ، وإن ميكائيل ملك الرأفة والرحمة والتخفيف ونحو هذا.
__________
زيادة من جـ ، ط.
في جـ ، أ : "يوم مدارستهم".
في أ ، و : "القرآن".
في أ : "أنشدكم".
في جـ : "فقالوا".
في جـ ، ط : "إياكم يهلك".
زيادة من أ.
زيادة من ط.
(1/339)
قال : قلت : وما منزلتهما من ربهما عز وجل ؟ قالوا : أحدهما عن يمينه والآخر عن يساره. قال : قلت : فو [الله] (1) الذي لا إله إلا هو ، إنهما والذي بينهما لعدو لمن عاداهما وسلم لمن سالمهما وما ينبغي لجبريل أن يسالم عدو ميكائيل وما ينبغي لميكائيل أن يسالم عدو جبريل. ثم قمت فاتبعت النبي {{ص}} فلحقته وهو خارج من خَوْخة لبني فلان ، فقال : يا ابن الخطاب ، ألا أقرئك آيات نزلن (2) قبل ؟" فقرأ عليّ : { مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نزلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ } حتى قرأ هذه الآيات. قال : قلت : بأبي وأمي يا رسول الله ، والذي بعثك بالحق لقد جئت وأنا أريد أن أخبرك ، فأسمع اللطيف الخبير قد سبقني إليك بالخبر (3).
وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبو سعيد الأشج ، حدثنا أبو أسامة ، عن مجالد ، أنبأنا عامر ، قال : انطلق عمر بن الخطاب إلى اليهود ، فقال : أنشدكم بالذي أنزل التوراة على موسى : هل تجدون محمدًا في كتبكم ؟ قالوا : نعم. قال : فما يمنعكم أن تتبعوه ؟ قالوا : إن الله لم يبعث رسولا (4) إلا جعل له من الملائكة كفْلا وإن جبريل كَفَل محمَّدًا ، وهو الذي يأتيه ، وهو عدونا من الملائكة ، وميكائيل سلمنا ؛ لو كان ميكائيل هو الذي يأتيه أسلمنا. قال : فإني أنشدكم بالله الذي أنزل التوراة على موسى : ما منزلتهما من رب العالمين ؟ قالوا : جبريل عن يمينه وميكائيل عن شماله. قال عمر. وإني أشهد ما ينزلان إلا بإذن الله ، وما كان ميكائيل ليسالم عدو جبريل ، وما كان جبريل ليسالم عدو ميكائيل. فبينما هو عندهم إذ مر النبي {{ص}} فقالوا : هذا صاحبك يا ابن الخطاب : فقام إليه عمر ، فأتاه ، وقد أنزل الله ، عز وجل ، عليه : { مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ } (5).
وهذان الإسنادان يدلان على أن الشعبي حدث به عن عمر ، ولكن فيه انقطاع بينه وبين عمر ، فإنه لم يدرك وفاته (6) ، والله أعلم.
وقال ابن جرير : حدثنا بشر (7) حدثنا يزيد بن زُرَيع ، عن سعيد ، عن قتادة ، قال : ذُكر لنا أن عمر بن الخطاب انطلق ذات يوم إلى اليهود. فلما أبصروه (8) رحبوا به ، فقال لهم عمر : أما والله ما جئت لحبكم ولا للرغبة فيكم ، ولكن جئت لأسمع منكم. فسألهم وسألوه. فقالوا : من صاحب صاحبكم (9) ؟ فقال لهم : جبريل. فقالوا : ذاك عدونا من أهل السماء ، يُطلع محمدًا على سرنا ، وإذا جاء جاء الحرب والسَّنَة ، ولكن صاحب صاحبنا ميكائيل ، وكان إذا جاء جاء الخصب والسلم. فقال لهم عمر : هل تعرفون جبريل وتنكرون محمدًا {{ص}} ؟ ففارقهم عمر عند ذلك وتوجه نحو النبي {{ص}} ،
__________
زيادة من جـ ، ب ، أ ، و.
في جـ : "نزلت".
تفسير الطبري (2/ 382).
في جـ : "نبيا رسولا".
تفسير ابن أبي حاتم (1/290).
في جـ ، ط ، ب ، أ ، و : "زمانه".
في أ : "محمد بن بشر".
في جـ ، ط ، ب ، أ ، و : "فلما انصرف".
في أ ، و : "صاحبكم".
(1/340)
ليحدثه حديثهم ، فوجده قد أنزلت عليه هذه الآية : { قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نزلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ } (1).
ثم قال : حدثني المثنى ، حدثنا آدم ، حدثنا أبو جعفر عن قتادة ، قال : بلغنا أن عمر أقبل إلى اليهود يومًا ، فذكر نحوه. وهذا - أيضًا - منقطع ، وكذلك رواه أسباط ، عن السدي ، عن عمر مثل هذا أو نحوه ، وهو (2) منقطع أيضًا.
وقال ابن أبي حاتم : حدثنا محمد بن عمار ، حدثنا عبد الرحمن - يعني الدَّشْتَكي - حدثنا أبو جعفر ، عن حصين بن عبد الرحمن ، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى أن يهوديا أتي (3) عمر بن الخطاب ، فقال : إن جبريل الذي يذكر صاحبكم عدو لنا. فقال عمر : { مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ } قال : فنزلت على لسان عمر ، رضي الله عنه (4).
وقال ابن جرير : حدثني يعقوب بن إبراهيم ، حدثنا هشيم ، أخبرنا حصين بن عبد الرحمن ، عن ابن أبي ليلى في قوله : { مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ } قال : قالت اليهود للمسلمين : لو أن ميكائيل كان الذي ينزل عليكم اتبعناكم ، فإنه ينزل بالرحمة والغيث ، وإن جبريل ينزل بالعذاب والنقمة ، فإنه لنا عدو (5) قال : فنزلت هذه الآية.
حدثني يعقوب قال : حدثنا هُشَيْم ، أخبرنا عبد الملك ، عن عطاء ، بنحوه. وقال عبد الرزاق : أخبرنا مَعْمَر ، عن قتادة في قوله : { قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ } قال : قالت اليهود : إن جبريل عدونا ، لأنه ينزل بالشدة والسَّنَة ، وإن ميكائيل ينزل بالرخاء والعافية والخصب ، فجبريل عدونا. فقال الله تعالى : { مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ } [الآية] (6).
وأما تفسير الآية فقوله تعالى : { قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نزلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ } أي : من عادى جبريل فليعلم أنه الروح الأمين الذي نزل بالذكر الحكيم على قلبك من الله بإذنه له في ذلك ، فهو رسول من رسل الله مَلَكي [عليه وعلى سائر إخوانه من الملائكة السلام] (7) ومن عادى رسولا فقد عادى جميع الرسل ، كما أن من آمن برسول فإنه يلزمه الإيمان بجميع الرسل ، وكما أن من كفر برسول فإنه يلزمه الكفر بجميع الرسل ، كما قال تعالى : { إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلا* أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا } [النساء : 150 ، 151] فحكم عليهم بالكفر المحقّق ، إذْ آمنوا ببعض الرسل وكفروا ببعضهم (8) وكذلك من عادى جبريل فإنه عدو لله ؛
__________
تفسير الطبري (2/383).
في أ : "وهذا".
في جـ ، ط ، ب ، أ ، و : "لقي".
تفسير ابن أبي حاتم (1/ 291) وهذا منقطع ، ابن أبي ليلي لم يدرك عمر.
في جـ : "فإنه عدونا".
زيادة من جـ.
زيادة من جـ.
في أ : "وكفروا ببعض".
(1/341)
لأن جبريل لا ينزل بالأمر من تلقاء نفسه ، وإنما ينزل بأمر ربه كما قال : { وَمَا نَتَنزلُ إِلا بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا } [مريم : 64] وقال تعالى : { وَإِنَّهُ لَتَنزيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ* نزلَ بِهِ الرُّوحُ الأمِينُ* عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ } [الشعراء : 192 - 194] وقد روى البخاري في صحيحه ، عن أبي هريرة ، قال : قال رسول الله {{ص}} : "من عادى لي وليا فقد بارزني بالحرب" (1). ولهذا غضب الله لجبريل على من عاداه ، فقال : { مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نزلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ } أي : مِنَ الكتب المتقدمة { وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ } أي : هدى لقلوبهم وبشرى لهم بالجنة ، وليس ذلك إلا للمؤمنين. كما قال تعالى : { قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ } [فصلت : 44] ، وقال تعالى : { وَنُنزلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلا خَسَارًا } [الإسراء : 82].
ثم قال تعالى : { مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ } يقول تعالى : من عاداني وملائكتي ورسلي - ورسله تشمل رسله من الملائكة والبشر ، كما قال تعالى : { اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلا وَمِنَ النَّاسِ } [الحج : 75].
{ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ } (2) وهذا من باب عطف الخاص على العام ، فإنهما دخلا في الملائكة ، ثم (3) عموم الرسل ، ثم خصصا بالذكر ؛ لأن السياق في الانتصار لجبريل وهو السفير بين الله وأنبيائه ، وقرن معه ميكائيل في اللفظ ؛ لأن اليهود زعموا أن جبريل عدوهم وميكائيل وليهم ، فأعلمهم أنه من عادى واحدًا منهما فقد عادى الآخر وعادى الله أيضًا ؛ لأنه - أيضًا - ينزل على الأنبياء بعض الأحيان ، كما قُرن (4) برسول الله {{ص}} في ابتداء الأمر ، ولكن جبريل أكثر ، وهي وظيفته ، وميكائيل موكل بالقطر والنبات ، هذاك بالهدى وهذا بالرزق ، كما أن إسرافيل موكل بالصور للنفخ للبعث يوم (5) القيامة ؛ ولهذا جاء في الصحيح : أن رسول الله {{ص}} كان إذا قام من الليل يقول (6) "اللهم رب جبريل وإسرافيل وميكائيل (7) ، فاطر السموات والأرض ، عالم الغيب والشهادة ، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون ، اهدني لما اختُلِف فيه من الحق بإذنك ، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم" (8). وقد تقدم ما حكاه البخاري ، ورواه ابن جرير (9) عن عكرمة أنه قال : جبر ، وميك ، وإسراف : عُبَيد. وإيل : الله.
__________
صحيح البخاري برقم (6502).
في جـ ، ط ، ب : "وميكائيل".
في أ : "في".
في أ : "كما مر".
في ط ، ب : "ليوم".
في جـ ، ط : "قال".
في جـ ، ط ، ب : "رب جبريل وميكائيل وإسرافيل".
صحيح مسلم برقم (770) من حديث عائشة رضي الله عنها.
في ب : "وغيره".
(1/342)
وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أحمد بن سِنان ، حدثنا عبد الرحمن بن مهدي ، عن سفيان ، عن الأعمش ، عن إسماعيل بن رجاء ، عن عمير (1) مولى ابن عباس ، عن ابن عباس ، قال : إنما قوله : "جبريل" كقوله : "عبد الله" و "عبد الرحمن". وقيل (2) جبر : عبد. وإيل : الله.
وقال محمد بن إسحاق ، عن الزهري ، عن علي بن الحسين ، قال : أتدرون (3) ما اسم جبرائيل (4) من أسمائكم ؟ قلنا : لا. قال : اسمه عبد الله ، قال : فتدرون ما اسم ميكائيل من أسمائكم ؟ قلنا : لا. قال : اسمه عبيد الله (5). وكل اسم مرجعه إلى "يل" (6) فهو إلى الله.
قال ابن أبي حاتم : وروي عن مجاهد وعكرمة والضحاك ويحيى بن يعمر نحو ذلك. ثم قال : حدثني أبي ، حدثنا أحمد بن أبي الحَوَارِي ، حدثني عبد العزيز بن عمير قال : اسم جبريل في الملائكة خادم الله. قال : فحدثت (7) به أبا سليمان الداراني ، فانتفض وقال : لهذا الحديث أحبّ إليَّ من كل شيء [وكتبه] (8) في دفتر كان بين يديه.
وفي جبريل وميكائيل لغات وقراءات ، تذكر في كتب اللغة والقراءات ، ولم نطوّل كتابنا هذا بسَرد ذلك إلا أن يدور فهم المعنى عليه ، أو يرجع الحكم في ذلك إليه ، وبالله الثقة ، وهو المستعان.
وقوله تعالى : { فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ } فيه إيقاع المظهر مكان المضمر حيث لم يقل : فإنه عدو للكافرين. قال : { فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ } كما قال الشاعر :
لا أرى الموتَ يسبق (9) الموتَ شيء... نَغَّص (10) الموتُ ذا الغنى والفقيرا...
وقال آخر :
ليتَ الغرابَ غداة ينعَبُ (11) دائبا... كان الغرابُ مقطَّع الأوداج (12)
وإنما أظهر الاسم هاهنا لتقرير هذا المعنى وإظهاره ، وإعلامهم أن من عادى أولياء الله فقد عادى الله ، ومن عادى الله فإن الله عدو له ، ومن كان الله عدوه فقد خسر الدنيا والآخرة ، كما تقدم الحديث : "من عادى لي وليًّا فقد بارزني بالحرب". وفي الحديث الآخر : "إني لأثأر لأوليائي كما يثأر الليث الحرب". وفي الحديث الصحيح : "وَمَن كنتُ خَصْمَه خَصَمْتُه".
__________
في أ : "عمر".
في جـ ، ط ، ب ، أ ، و : "وقال".
في جـ ، ط ، ب ، أ ، و : "تدرون".
في جـ ، ط ، ب : "جبريل".
في جـ : "عبد الله".
في أ ، و : "إيل".
في جـ : "فحدث".
زيادة من جـ.
في جـ : "سوى".
في جـ ، ط ، ب : "سبق" ، وفي أ : "مسبق" وفي و : "يسبق".
في جـ : "ينعق".
البيت في تفسير الطبري (2/396) وهو لجرير بن عطية.
(1/343)
وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ آَيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَمَا يَكْفُرُ بِهَا إِلَّا الْفَاسِقُونَ (99) أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (100) وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (101)
{ وَلَقَدْ أَنزلْنَا إِلَيْكَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَمَا يَكْفُرُ بِهَا إِلا الْفَاسِقُونَ (99) أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (100) وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لا يَعْلَمُونَ (101) }
(1/344)
وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآَخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (102) وَلَوْ أَنَّهُمْ آَمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (103)
{ وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنزلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (102) وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (103) }
قال الإمام أبو جعفر بن جرير في قوله تعالى : { وَلَقَدْ أَنزلْنَا إِلَيْكَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ } أي : أنزلنا إليك يا محمد علامات واضحات [دلالات] (1) على نبوتك ، وتلك الآيات هي ما حواه كتاب الله من خفايا علوم اليهود ، ومكنونات سرائر أخبارهم ، وأخبار أوائلهم من بني إسرائيل ، والنبأ عما تضمنته كتبهم التي لم يكن يعلمها إلا أحبارُهم وعلماؤهم ، وما حرفه أوائلهم وأواخرهم وبدلوه من أحكامهم ، التي كانت في التوراة. فأطلع الله في كتابه الذي أنزله إلى نبيه محمد {{ص}} ؛ فكان في ذلك من أمره الآيات البينات لمن أنصف نفسه ، ولم يَدْعُه إلى هلاكها الحسد (2) والبغي ، إذ كان في فطرة كل ذي فطرة صحيحة تصديقُ من أتى بمثل (3) ما جاء به محمد {{ص}} من الآيات البينات التي وَصَفَ ، من غير تعلُّم تعلَّمه من بَشَريٍّ (4) ولا أخذ شيئًا (5) منه عن آدمي. كما قال الضحاك ، عن ابن عباس : { وَلَقَدْ أَنزلْنَا إِلَيْكَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ } يقول : فأنت تتلوه عليهم وتخبرهم به غدوة وعشية ، وبين ذلك ، وأنت عندهم أمي لا تقرأ (6) كتابًا ، وأنت تخبرهم بما في أيديهم على وجهه. يقول الله : في ذلك لهم عبرة وبيان ، وعليهم حجة لو كانوا يعلمون.
وقال محمد بن إسحاق : حدثني محمد بن أبي محمد ، عن عكرمة أو سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ، قال : قال ابن صُوريا الفطْيُوني لرسول الله {{ص}} : يا محمد ، ما جئتنا بشيء نعرفه ، وما أنزل الله عليك من آية بينة فنتبعك. فأنزل الله في ذلك من قوله : { وَلَقَدْ أَنزلْنَا إِلَيْكَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَمَا يَكْفُرُ بِهَا إِلا الْفَاسِقُونَ }
__________
زيادة من جـ ، ط ، ب ، أ ، و.
في جـ : "هلاكه بالحسد".
في جـ : "تصديق ذلك من أن يمثل".
في جـ : "من بشر".
في جـ ، ط ، ب : "شيء" وهو خطأ.
في جـ ، ط ، ب : "لم تقرأ".
(1/344)
وقال مالك بن الصيف - حين بُعث رسولُ الله {{ص}} وذكرهم (1) ما أخذ عليهم من الميثاق ، وما عهد إليهم في محمد {{ص}} (2) والله ما عَهِد إلينا في محمد {{ص}} ولا أخذ [له] (3) علينا ميثاقًا. فأنزل الله : { أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ }
وقال الحسن البصري في قوله : { بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يُؤْمِنُونَ } قال : نَعَم ، ليس في الأرض عَهْدٌ يعاهدون عليه إلا نقضوه ونبذوه ، يعاهدون اليوم ، وينقضون غدًا.
وقال السدي : لا يؤمنون بما جاء به محمد {{ص}}. وقال قتادة : { نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ } أي : نقضه فريق منهم.
وقال ابن جرير : أصل النبذ : الطرح والإلقاء ، ومنه سمي اللقيط : منبوذًا ، ومنه سمي النبيذ ، وهو التمر والزبيب إذا طرحا في الماء. قال أبو الأسود الدؤلي :
نظرتُ إلى عنوانه فنبذْتُه كنبذك نَعْلا أخْلقَتْ من نعَالكا (4)
قلت : فالقوم ذمهم الله بنبذهم العهود التي تقدم اللهُ إليهم في التمسك بها والقيام بحقها. ولهذا أعقبهم ذلك التكذيب بالرسول المبعوث إليهم وإلى الناس كافة ، الذي في كتبهم نعتُه وصفتُه وأخبارُه ، وقد أمروا فيها باتباعه ومؤازرته ومناصرته ، كما قال : { الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإنْجِيلِ } الآية [الأعراف : 157] ، وقال هاهنا : { وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لا يَعْلَمُونَ } أي : اطَّرَحَ طائفة منهم كتاب الله الذي بأيديهم ، مما فيه البشارة بمحمد {{ص}} وراء ظهورهم ، أي : تركوها ، كأنهم لا يعلمون ما فيها ، وأقبلوا على تعلم السحر واتباعه. ولهذا أرادوا كيْدًا برسول الله {{ص}} وسَحَروه في مُشْط ومُشَاقة وجُفّ طَلْعَة ذَكر ، تحت راعوثة بئر ذي أروان. وكان الذي تولى ذلك منهم رجل ، يقال له : لبيد بن الأعصم ، لعنه الله ، فأطلع الله على ذلك رسوله {{ص}} ، وشفاه منه وأنقذه ، كما ثبت ذلك مبسوطًا في الصحيحين عن عائشة أم المؤمنين ، رضي الله عنها ، كما سيأتي بيانه (5) قال (6) السدي : { وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ } قال : لما جاءهم محمد {{ص}} عارضوه بالتوراة فخاصموه بها ، فاتفقت التوراة والقرآن ، فنبذوا التوراة وأخذوا بكتاب آصف وسحر هاروت وماروت ، فلم يوافق القرآن ، فذلك قوله : { كَأَنَّهُمْ لا يَعْلَمُونَ }
وقال قتادة في قوله : { كَأَنَّهُمْ لا يَعْلَمُونَ } قال : إن القوم كانوا يعلمون ، ولكنهم نبذوا علمهم ، وكتموه وجحدوا به.
__________
في أ : "وما ذكر لهم".
في أ : "وما عهد الله إليهم فيه".
زيادة من أ.
البيت في تفسير الطبري (2/401).
في جـ : "كما سيأتي بيانه إن شاء الله وبه الثقة" ، وفي أ : "كما سيأتي بيانه إن شاء اله تعالى".
في جـ ، ط : "وقال".
(1/345)
وقال العوفي في تفسيره ، عن ابن عباس في قوله تعالى : { وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا } وكان حين ذهب مُلْكُ سليمان ارتد فِئَامٌ من الجن والإنس واتبعوا الشهوات ، فلما رجع (1) اللهُ إلى سليمان ملكَه ، وقام الناس على الدين كما كان أوان سليمان ، ظهر على كتبهم فدفنها تحت كرسيه ، وتوفي سليمان ، عليه السلام ، حدثان ذلك ، فظهر الإنس والجن على الكتب بعد وفاة سليمان ، وقالوا : هذا كتاب من الله نزل (2) على سليمان وأخفاه عنا فأخذوا به فجعلوه دينًا. فأنزل الله : { وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لا يَعْلَمُونَ } واتبعوا الشهوات ، [أي] : (3) التي كانت [تتلو الشياطين] (4) وهي المعازف واللعب وكل شيء يصد عن ذكر الله.
وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبو سعيد الأشج ، حدثنا أبو أسامة ، عن الأعمش ، عن المنهال ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ، قال : كان آصف كاتب سليمان ، وكان يعلم الاسم "الأعظم" ، وكان يكتب كل شيء بأمر سليمان ويدفنه تحت كرسيه ، فلما مات سليمان أخرجه (5) الشياطين ، فكتبوا بين كل سطرين سحرًا وكفرًا ، وقالوا : هذا الذي كان سليمان يعمل بها (6). قال : فأكفره جُهَّالُ الناس وسبّوه ، ووقف علماؤهم فلم يزل جهالهم يسبونه ، حتى أنزل الله على محمد {{ص}} : { وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا } (7).
وقال ابن جرير : حدثني أبو السائب سلم (8) بن جنادة السوائي ، حدثنا أبو معاوية ، حدثنا عن الأعمش ، عن المنهال ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ، قال : كان سليمان ، عليه السلام ، إذا أراد أن يدخل الخلاء ، أو يأتي شيئًا من نسائه ، أعطى الجرادة - وهي امرأة - خاتمه. فلما أراد الله أن يبتلي سليمان ، عليه السلام ، بالذي ابتلاه به ، أعطى الجرادة ذات يوم خاتَمه ، فجاء (9) الشيطان في صورة سليمان فقال لها : هاتي خاتمي. فأخذه فلبسه. فلما لبسه دانت له الشياطين والجن والإنس. قال : فجاءها سليمان ، فقال : هاتي خاتمي فقالت : كذبت ، لست سليمان. قال : فعرف سليمان أنه بلاء ابتلي به. قال : فانطلقت الشياطين فكتبت في تلك الأيام كتبًا فيها سحر وكفر. ثم دفنوها تحت كرسي سليمان ، ثم أخرجوها وقرؤوها (10) على الناس ، وقالوا : إنما كان سليمان يغلب الناس بهذه الكتب. قال : فبرئ الناس من سليمان ، عليه السلام ، وأكفروه حتى بعث الله محمدًا {{ص}} وأنزل عليه : { وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا }
ثم قال ابن جرير : حدثنا ابن حميد ، حدثنا جرير ، عن حصين بن عبد الرحمن ، عن عمران ،
__________
في جـ : "فلما أرجع".
في جـ : "أنزل".
زيادة من جـ.
زيادة من جـ ، ط ، ب ، أ ، و.
في جـ ، ط ، أ ، و : "أخرجته".
في هـ : "به" ، والصواب ما أثبتناه من جـ ، ط ، ب ، أ ، و.
تفسير ابن أبي حاتم (1/297).
في جـ ، ط ، ب : "مسلم".
في جـ : "فجاءها".
في جـ ، ط ، ب ، أ : "فقرؤوها".
(1/346)
وهو ابن الحارث قال : بينا نحن عند ابن عباس - رضي الله عنهما (1) - إذ جاء (2) رجل فقال له : مِنْ أين جئت ؟ قال : من العراق. قال : من أيِّه ؟ قال : من الكوفة. قال : فما الخبر ؟ قال : تركتهم يتحدثون أن عليا خارج إليهم. ففزع ثم قال : ما تقول ؟ لا أبا لك! لو شعرنا ما نكحنا نساءه ، ولا قسمنا ميراثه ، أما إني سأحدثكم (3) عن ذلك : إنه كانت الشياطين يسترقون السمع من السماء ، فيجيء أحدهم بكلمة حق قد سمعها ، فإذا جُرِّبَ منه صدق كذب معها سبعين كذْبة ، قال : فَتَشْرَبُها قلوب الناس. فأطلع الله عليها سليمان. عليه السلام ، فدفنها تحت كرسيه. فلما توفي سليمان ، عليه السلام ، قام شيطانُ الطريق ، فقال : أفلا أدلكم على كنزه الممنَّع (4) الذي لا كنز له مثله ؟ تحت الكرسي. فأخرجوه ، فقالوا هذا سحره (5) فتناسخا الأمم - حتى بقاياها ما يتحدث به أهل العراق - وأنزل الله عز وجل (6) { وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا }
ورواه الحاكم في مستدركه ، عن أبي زكريا العَنْبري ، عن محمد بن عبد السلام ، عن إسحاق بن إبراهيم ، عن جرير ، به (7).
وقال السدي في قوله تعالى : { وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ } أي : على عهد سليمان. قال : كانت الشياطين تصعد إلى السماء ، فتقعد منها مقاعد للسمع ، فيستمعون من كلام الملائكة مما يكون في الأرض من موت أو غيب (8) أو أمر ، فيأتون الكهنة فيخبرونهم. فتحدِّث الكهنة الناسَ فيجدونه كما قالوا. حتى إذا أمنتهم الكهنة كذبوا لهم. وأدخلوا فيه غيره ، فزادوا مع كل كلمة سبعين كلمة ، فاكتتب الناسُ ذلك الحديثَ في الكتب ، وفشا في بني إسرائيل أن الجن تعلم الغيب. فبُعث سليمانُ في الناس فجمع تلك الكتب فجعلها في صندوق. ثم دفنها تحت كرسيه. ولم يكن أحد من الشياطين يستطيع أن يدنو من الكرسي إلا احترق. وقال : لا أسمع أحدًا يذكر أن الشياطين يعلمون الغيب إلا ضربت عنقه. فلما مات سليمان ، عليه السلام ، وذهبت العلماء الذين كانوا يعرفون أمر سليمان ، وخلف من بعد ذلك خَلْف تمثل شيطان في صورة إنسان ، ثم أتى نفرًا من بني إسرائيل ، فقال لهم : هل أدلكم على كنز لا تأكلونه أبدًا ؟ قالوا : نعم. قال : فاحفروا تحت الكرسي. وذهب معهم وأراهم المكان ، وقام ناحية ، فقالوا له : فَادْنُ. قال (9) لا ولكنني هاهنا في أيديكم ، فإن لم تجدوه فاقتلوني. فحفروا فوجدوا تلك الكتب. فلما أخرجوها قال الشيطان : إن سليمان إنما كان يضبط الإنس والشياطين (10) والطير بهذا السحر. ثم طار وذهب. وفشا في الناس أن سليمان كان
__________
في ط : "عنه".
في ط ، ب ، أ ، و : "إذ جاءه".
في جـ ، ط : "سأحدثك"
في جـ : "الممتنع".
في ب ، أ ، و : "هذا سحر".
في جـ : "الله تعالى".
تفسير الطبري (2/ 415) والمستدرك (2/ 265).
في جـ : "أو عبس".
في جـ : "فقال".
في جـ : "والجن".
(1/347)
ساحرًا. واتخذت بنو إسرائيل تلك الكتب ، فلما جاء محمد {{ص}} خاصموه بها (1) ؛ فذلك حين يقول الله تعالى : { وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا }
وقال الربيع بن أنس : إن اليهود سألوا محمدًا {{ص}} زمانًا عن أمور من التوراة ، لا يسألونه عن شيء من ذلك إلا أنزل الله تعالى عليه ما سألوه عنه ، فيخصمهم (2) ، فلما رأوا ذلك قالوا : هذا أعلم بما أنزل الله إلينا منا. وإنهم سألوه عن السحر وخاصموه به ، فأنزل الله عز وجل : { وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ } وإن الشياطين عَمَدوا إلى كتاب فكتبوا فيه السحر والكهانة وما شاء الله من ذلك ، فدفنوه تحت مجلس سليمان ، وكان [سليمان] (3) عليه السلام ، لا يعلم الغيب. فلما فارق سليمان الدنيا استخرجوا ذلك السحر وخدعوا الناس ، وقالوا : هذا علم كان سليمان يكتمه ويحسد (4) الناس عليه. فأخبرهم النبي {{ص}} بهذا الحديث فرجعوا من عنده وقد حزنوا ، وأدحض الله حجتهم.
وقال مجاهد في قوله : { وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ } قال : كانت الشياطين تستمع (5) الوحي فما سمعوا من كلمة [إلا] (6) زادوا فيها مائتين مثلها. فأرسِل سليمان ، عليه السلام ، إلى ما كتبوا من ذلك. فلما توفي سليمان وجدته الشياطين فعلمته الناس [به] (7) وهو السحر.
وقال سعيد بن جبير : كان سليمان ، عليه السلام ، يتتبع ما في أيدي الشياطين من السحر فيأخذه منهم ، فيدفنه تحت كرسيه في بيت خزانته ، فلم يقدر الشياطين أن يصلوا إليه ، فدبَّت (8) إلى الإنس ، فقالوا لهم : أتدرون ما العلم (9) الذي كان سليمان يسخر به الشياطين والرياح وغير ذلك ؟ قالوا : نعم. قالوا : فإنه في بيت خزانته وتحت كرسيه. فاستثار به (10) الإنسُ واستخرجوه فعملوا (11) بها. فقال أهل الحجا : كان سليمان يعمل بهذا وهذا سحر. فأنزل الله تعالى على [لسان] (12) نبيه محمد {{ص}} براءة سليمان عليه السلام ، فقال : { وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا }
وقال محمد بن إسحاق بن يسار (13) عمدت الشياطين حين عرفت موت سليمان بن داود ، عليه السلام (14) فكتبوا أصناف السحر : "من كان يحب أن يبلغ كذا وكذا فليقل كذا وكذا". حتى إذا صنفوا أصناف السحر جعلوه في كتاب. ثم ختموا بخاتم على نقش خاتم سليمان ، وكتبوا في
__________
في جـ : "بهذا".
في جـ : "فيخصهم".
زيادة من جـ ، ط ، ب ، أ ، و.
في جـ : "ويحشر" ، وفي ط : "ففسد".
في جـ ، ط ، أ ، و : "تسمع".
زيادة من أ.
زيادة من ط.
في جـ ، ب ، أ ، و : "فدنت".
في جـ : "أن العلم".
في جـ ، ط ، ب ، أ ، و : "فاستثارته".
في جـ : "فعلموا".
زيادة من جـ ، ط ، ، أ ، و.
في جـ ، ط : "بشار".
في جـ ، ب : "عليهما السلام".
(1/348)
عُنْوانه : "هذا ما كتب آصف بن برخيا الصديق للملك سليمان بن داود ، عليهما السلام (1) من ذخائر كنوز العلم". ثم دفنوه تحت كرسيه واستخرجته (2) بعد ذلك بقايا بني إسرائيل حتى أحدثوا ما أحدثوا. فلما عثروا عليه قالوا : والله ما كان سليمان بن داود إلا بهذا. فأفشوا السحر في الناس [وتعلموه وعلموه] (3). وليس هو في أحد أكثر (4) منه في اليهود لعنهم الله. فلما ذكر رسول الله {{ص}} فيما نزل عليه من الله ، سليمان بن داود ، وعده فيمن عَدَّه من المرسلين ، قال من كان بالمدينة من يهود : ألا تعجبون من محمد! يزعم أن ابن داود كان نبيًا ، والله ما كان إلا ساحرًا. وأنزل الله [في] (5) ذلك من قولهم : { وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا } الآية.
وقال ابن جرير : حدثنا القاسم ، حدثنا حسين ، حدثنا الحجاج (6) عن أبي بكر ، عن شَهْر بن حَوشب ، قال : لما سلب سليمان ، عليه السلام ، ملكه ، كانت الشياطين تكتب السحر في غيبة سليمان. فكتبت : "من أراد أن يأتي كذا وكذا فليستقبل الشمس ، وليقل كذا وكذا (7) ومن أراد أن يفعل كذا وكذا فليستدبر الشمس وليقل كذا وكذا. فكتبته وجعلت عنوانه : هذا ما كتب آصف بن برخيا للملك سليمان [بن داود] (8) من ذخائر كنوز العلم". ثم دفنته تحت كرسيه. فلما مات سليمان ، عليه السلام ، قام إبليس ، لعنه الله ، خطيبًا ، [ثم] (9) قال : يا أيها الناس ، إن سليمان لم يكن نَبيًّا ، إنما كان ساحرًا ، فالتمسوا سحره في متاعه وبيوته. ثم دلهم على المكان الذي دفن فيه. فقالوا : والله لقد كان سليمان ساحرًا! هذا (10) سحره ، بهذا تَعَبدنا ، وبهذا قهرنا. وقال المؤمنون : بل كان نبيًا مؤمنًا. فلما بعث الله النبي {{ص}} جعل يذكر الأنبياء حتى ذكر داود وسليمان. فقالت اليهود [لعنهم الله] (11) انظروا إلى محمد يخلط الحق بالباطل. يذكر سليمان مع الأنبياء. إنما كان ساحرًا يركب الريح ، فأنزل الله تعالى : { وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ } الآية.
وقال ابن جرير : حدثنا محمد بن عبد الأعلى الصنعاني ، قال : حدثنا المعتمر بن سليمان ، قال : سمعت عمران بن حُدَير ، عن أبي مِجْلَز ، قال : أخذ سليمان ، عليه السلام ، من كل دابة عهدًا ، فإذا أصيب رجل فسأل بذلك العهد ، خلى عنه. فزاد الناس السجع والسحر ، وقالوا : هذا يعمل به
__________
في ط : "عليه السلام".
في ط : "واستخرجه".
زيادة من جـ ، ط ، ب ، أ ، و.
في جـ : "اكبر".
زيادة من جـ ، ط ، ب ، أ ، و.
في جـ ، ط ، ب ، أ ، و : "حجاج".
في جـ ، ط ، ب ، أ ، و : "كذا وكذا".
زيادة من جـ ، ط ، ب ، أ ، و.
زيادة من جـ.
في جـ : "وهذا".
زيادة من جـ.
(1/349)
سليمان. فقال الله تعالى : { وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ } (1).
وقال ابن أبي حاتم : حدثنا عصام بن رَوّاد ، حدثنا آدم ، حدثنا المسعودي ، عن زياد مولى ابن مصعب ، عن الحسن : { وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ } قال : ثلث الشعر ، وثلث السحر ، وثلث الكهانة.
وقال : حدثنا الحسن بن أحمد ، حدثنا إبراهيم بن عبد الله بن بشار الواسطي ، حدثني سُرور بن المغيرة ، عن عباد بن منصور ، عن الحسن : { وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ } واتبعته اليهود على ملكه. وكان السحر قبل ذلك في الأرض لم يزل بها ، ولكنه إنما اتبع على ملك سليمان.
فهذه نبذة من أقوال أئمة السلف في هذا المقام ، ولا يخفى ملخص القصة والجمع بين أطرافها ، وأنه لا تعارض بين السياقات على اللبيب الفَهِم ، والله الهادي. وقوله تعالى : { وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ } أي : واتبعت اليهود - الذين أوتوا الكتاب بعد إعراضهم عن كتاب الله الذي بأيديهم ومخالفتهم الرسول محمدا {{ص}} ما تتلوه (2) الشياطين ، أي : ما ترويه وتخبر به وتُحدثه الشياطين على ملك سليمان. وعداه بعلى ؛ لأنه تضمن تتلو : تكذب. وقال ابن جرير : "على" (3) هاهنا بمعنى "في" ، أي : تتلو في ملك سليمان. ونقله عن ابن جُرَيج ، وابن إسحاق.
قلت : والتضمن أحسن وأولى ، والله أعلم.
وقول الحسن البصري ، رحمه الله : "قد كان السحر قبل زمان (4) سليمان بن داود" صحيح لا شك فيه ؛ لأن السحرة كانوا في زمان (5) موسى ، عليه السلام ، وسليمان بن داود بعده ، كما قال تعالى : { أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلإ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ } الآية [البقرة : 246] ، ثم ذكر القصة بعدها ، وفيها : { وَقَتَلَ دَاوُدُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ } [البقرة : 251]. وقال قوم صالح - وهم قبل إبراهيم الخليل ، عليه السلام ، لنبيهم صالح : { إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ } [الشعراء : 153] أي : [من] (6) المسحورين على المشهور.
وقوله تعالى : { وَمَا أُنزلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ } اختلف الناس في هذا المقام ، فذهب بعضهم إلى أن "ما" نافية ، أعني التي في قوله : { وَمَا أُنزلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ } قال القرطبي : "ما" نافية ومعطوفة على قوله : { وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ } ثم قال : { وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنزلَ } أي : السحر { عَلَى الْمَلَكَيْنِ } وذلك أن اليهود - لعنهم الله - كانوا يزعمون أنه نزل
__________
تفسير الطبري (2/ 414).
في جـ ، ط ، ب ، أ ، و : "ما تتلوه".
في جـ ، ط ، : "وعلي".
في جـ ، ط ، ب ، أ ، و : "قبل زمن".
في جـ : "زمن".
زيادة من جـ ، ط.
(1/350)
به جبريل وميكائيل فأكذبهم الله في ذلك وجعل قوله : { هَارُوتَ وَمَارُوتَ } بدلا من : { الشياطين } قال : وصح ذلك ، إما لأن الجمع قد يطلق على الاثنين كما في قوله : { فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ } [النساء : 11] أو يكون لهما أتباع ، أو ذكرا من بينهم لتمردهما ، فتقدير الكلام عنده : تعلمون الناس السحر ببابل ، هاروت وماروت. ثم قال : وهذا أولى ما حملت عليه الآية وأصح ولا يلتفت إلى ما سواه.
وروى ابن جرير بإسناده من طريق العوفي ، عن ابن عباس ، في قوله : { وَمَا أُنزلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ } يقول : لم ينزل الله السحر. وبإسناده ، عن الربيع بن أنس ، في قوله : { وَمَا أُنزلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ } قال : ما أنزل الله عليهما السحر.
قال ابن جرير : فتأويل الآية على هذا : واتبعوا ما تتلو الشياطين على ملك سليمان من السحر ، وما كفر سليمان ، ولا أنزل الله السحر على الملكين ، ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر ببابل ، هاروت وماروت. فيكون قوله : { بِبَابِلَ هَارُوتَ [وَمَارُوت (1) ] } من المؤخر الذي معناه المقدم. قال : فإن قال لنا قائل : وكيف وجه تقديم ذلك ؟ قيل : وجه تقديمه أن يقال : { وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ } - "من السحر" - { وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ } وما أنزل الله "السحر" على الملكين ، { وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ } ببابل وهاروت وماروت فيكون معنيا بالملكين : جبريل وميكائيل ، عليهما السلام ؛ لأن سحرة اليهود فيما ذكر كانت تزعم أن الله أنزل السحر على لسان جبريل وميكائيل إلى سليمان بن داود ، فأكذبهم الله بذلك ، وأخبر نبيه محمدًا {{ص}} أن جبريل وميكائيل لم ينزلا بسحر ، وبرأ سليمان ، عليه السلام ، مما نحلوه من السحر ، وأخبرهم أن السحر من عمل الشياطين ، وأنها تعلم الناس ذلك ببابل ، وأن الذين يعلمونهم ذلك رجلان ، اسم أحدهما هاروت ، واسم الآخر ماروت ، فيكون هاروت وماروت على هذا التأويل ترجمة عن الناس ، وردًا عليهم.
هذا لفظه بحروفه (2).
وقد قال ابن أبي حاتم : حُدّثت عن عُبَيد الله بن موسى ، أخبرنا فضيل بن مرزوق ، عن عطية { وَمَا أُنزلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ } قال : ما أنزل الله على جبريل وميكائيل السحر.
حدثنا (3) الفضل بن شاذان ، حدثنا محمد بن عيسى ، حدثنا يعلى - يعني ابن أسد - حدثنا بكر (4) - يعني ابن مصعب - حدثنا الحسن بن أبي جعفر : أن عبد الرحمن بن أبزى كان يقرؤها : "وما أنزل على الملكين داود وسليمان".
وقال أبو العالية : لم ينزل عليهما السحر ، يقول : علما الإيمان والكفر ، فالسحر من الكفر ، فهما ينهيان عنه أشد النهي. رواه ابن أبي حاتم.
__________
زيادة من جـ ، ط ، ب ، أ ، و.
تفسير الطبري (2/ 419 ، 420).
في و : "وقال ابن أبي حاتم : حدثنا".
في جـ ، ط ، ب : "بكير".
(1/351)
ثم شرع ابن جرير في رد هذا القول ، وأن "ما" بمعنى الذي ، وأطال القول في ذلك ، وادعى (1) أن هاروت وماروت ملكان أنزلهما الله إلى الأرض ، وأذن لهما في تعليم السحر اختبارًا لعباده وامتحانًا ، بعد أن بين لعباده أن ذلك مما ينهى عنه على ألسنة الرسل ، وادعى أن هاروت وماروت مطيعان في تعليم ذلك ؛ لأنهما امتثلا ما أمرا به.
وهذا الذي سلكه غريب جدًا! وأغرب منه قول من زعم أن هاروت وماروت قبيلان من الجن [كما زعمه ابن حزم] (2) !
وروى ابن أبي حاتم بإسناده. عن الضحاك بن مزاحم : أنه كان يقرؤها : { وَمَا أُنزلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ } ويقول : هما علجان من أهل بابل.
وَوَجَّه أصحابُ هذا القول الإنزال بمعنى الخَلْق ، لا بمعنى الإيحاء ، في قوله : { وَمَا أُنزلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ } كما قال تعالى : { وَأَنزلَ لَكُمْ مِنَ الأنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ } [الزمر : 6] ، { وَأَنزلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ } [الحديد : 25] ، { وَيُنزلُ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ رِزْقًا } [غافر : 13]. وفي الحديث : "ما أنزل الله داء إلا أنزل له دواء". وكما يقال : أنزل الله الخير والشر.
[وحكى القرطبي عن ابن عباس وابن أبزى والضحاك والحسن البصري : أنهم قرؤوا : "وَمَا أُنزلَ عَلَى الْمَلِكَيْنِ" بكسر اللام. قال ابن أبزى : وهما داود وسليمان. قال القرطبي : فعلى هذا تكون "ما" نافية أيضًا] (3).
وذهب آخرون إلى الوقف على قوله : { يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ } [و "ما" نافية] (4) قال ابن جرير : حدثني يونس ، أخبرنا ابن وهب ، أخبرنا الليث ، عن يحيى بن سعيد ، عن القاسم بن محمد ، وسأله رجل عن قول الله تعالى : { يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنزلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ } قال الرجل : يعلمان الناس السحر ، ما أنزل عليهما (5) أو يعلمان الناس ما لم ينزل عليهما ؟ فقال القاسم : ما أبالي أيتهما كانت.
ثم روى عن يونس ، عن أنس بن عياض ، عن بعض أصحابه : أن القاسم قال في هذه القصة : لا أبالي أيّ ذلك كان ، إني آمنت به.
وذهب كثير من السلف إلى أنهما كانا ملكين من السماء ، وأنهما أنزلا إلى الأرض ، فكان من أمرهما ما كان. وقد ورد في ذلك حديث مرفوع رواه الإمام أحمد في مسنده كما سنورده إن شاء الله تعالى. وعلى هذا فيكون الجمع بين هذا وبين ما ثبت من الدلائل على عصمة الملائكة أن هذين سبق في علم الله لهما هذا ، فيكون تخصيصًا لهما ، فلا تعارض حينئذ ، كما سبق في علمه من أمر إبليس
__________
في جـ : "وادعى على".
زيادة من جـ ، ط.
زيادة من جـ ، ط.
زيادة من جـ ، ط ، ب ، و.
في جـ : "إليهما".
(1/352)
ما سبق ، وفي قول : إنه كان من الملائكة ، لقوله تعالى : { وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إِلا إِبْلِيسَ أَبَى } [طه : 116] ، إلى غير ذلك من الآيات الدالة على ذلك. مع أن شأن هاروت وماروت - على ما ذكر - أخف مما وقع من إبليس لعنه الله.
[وقد حكاه القرطبي عن على ، وابن مسعود ، وابن عباس ، وابن عمر ، وكعب الأحبار ، والسدي ، والكلبي] (1).
ذكر الحديث الوارد في ذلك - إن صح سنده ورفعه - وبيان الكلام عليه :
قال الإمام أحمد بن حنبل ، رحمه الله ، في مسنده : حدثنا يحيى بن [أبي] (2) بكير ، حدثنا زهير بن محمد ، عن موسى بن جبير ، عن نافع ، عن عبد الله بن عمر : أنه سمع نبي الله {{ص}} يقول : "إن آدم - عليه السلام - لما أهبطه الله إلى الأرض قالت الملائكة : أي رب (3) { أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ } [البقرة : 30] ، قالوا : ربنا ، نحن أطوع لك من بني آدم. قال الله تعالى للملائكة : هَلُموا ملكين من الملائكة حتى نهبطهما إلى الأرض ، فننظر كيف يعملان ؟ قالوا : برَبِّنا ، هاروتَ وماروتَ. فأهبطا إلى الأرض ومثُلت لهما (4) الزُّهَرة امرأة من أحسن البشر ، فجاءتهما ، فسألاها نفسها. فقالت : لا والله حتى تتكلما بهذه الكلمة من الإشراك. فقالا والله (5) لا نشرك بالله شيئًا أبدًا. فذهبت عنهما ثم رجعت بصبي تحمله ، فسألاها نفسها. فقالت : لا والله حتى تقتلا هذا الصبي. فقالا لا والله لا نقتله أبدًا. ثم ذهبت فرجعت (6) بقَدَح خَمْر تحمله ، فسألاها نفسها. فقالت : لا والله حتى تشربا هذا الخمر. فشربا فسكرا ، فوقعا عليها ، وقتلا الصبي. فلما أفاقا قالت المرأة : والله ما تركتما شيئًا أبيتماه عليّ إلا قد (7) فعلتماه حين سكرتما. فخيرَا بين عذاب الدنيا وعذاب الآخرة ، فاختارا عذاب الدنيا".
وهكذا رواه أبو حاتم بن حبان في صحيحه ، عن الحسن عن سفيان ، عن أبي بكر بن أبي شيبة ، عن يحيى بن بكير ، به (8).
وهذا حديث غريب من هذا الوجه ، ورجاله كلهم ثقات من رجال الصحيحين ، إلا موسى بن جبير هذا ، وهو الأنصاري السلمي مولاهم المديني الحذاء ، رَوَى عن ابن عباس وأبي أمامة بن سهل بن حنيف ، ونافع ، وعبد الله بن كعب بن مالك. وروى عنه ابنه عبد السلام ، وبكر بن مضر ، وزهير بن محمد ، وسعيد بن سلمة ، وعبد الله بن لَهِيعة ، وعمرو بن الحارث ، ويحيى بن أيوب. وروى له أبو داود ، وابن ماجه ، وذكره ابن أبي حاتم في كتاب الجرح والتعديل ، ولم يحك فيه شيئًا
__________
زيادة من جـ ، ط.
زيادة من ط.
في جـ : "يا رب".
في جـ : "لهم".
في جـ ، ط : "لا والله".
في ج ، ط ، ب : "فذهبت ثم رجعت".
في جـ : "وقد".
المسند (2/ 134) وصحيح ابن حبان برقم (1717) "موارد" وقال أبو حاتم في العلل (2/ 69) : "هذا حديث منكر".
(1/353)
من هذا ولا هذا ، فهو مستور الحال (1) وقد تفرد به عن نافع مولى ابن عمر ، عن ابن عمر عن النبي {{ص}}. وروي له متابع من وجه آخر عن نافع ، كما قال ابن مَرْدُويه : حدثنا دَعْلَجُ بن أحمد ، حدثنا هشام [بن علي بن هشام] (2) حدثنا عبد الله بن رجاء ، حدثنا سعيد بن سلمة ، حدثنا موسى بن سَرْجِس ، عن نافع ، عن ابن عمر : سمع النبي {{ص}} يقول. فذكره بطوله.
وقال أبو جعفر بن جرير : حدثنا القاسم ، حدثنا الحسين - وهو سنيد بن داود صاحب التفسير - حدثنا الفرج بن فضالة ، عن معاوية بن صالح ، عن نافع ، قال : سافرت مع ابن عمر ، فلما كان من آخر الليل قال : يا نافع ، انظر ، طلعت الحمراء ؟ قلت : لا - مرتين أو ثلاثًا - ثم قلت : قد طلعت. قال : لا مرحبًا بها ولا أهلا ؟ قلت : سبحان الله! نجم مسخر سامع مطيع. قال : ما قلت لك إلا ما سمعت من رسول الله {{ص}} - أو قال : قال لي رسول الله {{ص}} - : "إن الملائكة قالت : يا رب ، كيف صبرك على بني آدم في الخطايا (3) والذنوب ؟ قال : إني ابتليتهم وعافيتكم. قالوا : لو كنا مكانهم ما عصيناك. قال : فاختاروا ملكين منكم. قال : فلم يألوا جهدًا أن يختاروا ، فاختاروا هاروت وماروت" (4).
وهذان - أيضاً - غريبان جدًّا. وأقرب ما في هذا أنه من رواية عبد الله بن عمر ، عن كعب الأحبار ، لا عن النبي (5) {{ص}} ، كما قال عبد الرزاق في تفسيره ، عن الثوري ، عن موسى بن عقبة ، عن سالم ، عن ابن عمر ، عن كعب ، قال (6) ذكرت الملائكة أعمال بني آدم ، وما يأتون من الذنوب ، فقيل لهم : اختاروا منكم اثنين ، فاختاروا هاروت وماروت. فقال (7) لهما : إني أرسل إلى بني آدم رسلا وليس بيني وبينكم رسول ، انزلا لا تشركا بي شيئًا ولا تزنيا ولا تشربا الخمر. قال كعب : فوالله ما أمسيا من يومهما الذي أهبطا فيه حتى استكملا جميع ما نهيا عنه.
ورواه ابن جرير من طريقين ، عن عبد الرزاق ، به (8).
ورواه ابن أبي حاتم ، عن أحمد بن عصام ، عن مُؤَمَّل ، عن سفيان الثوري ، به (9).
ورواه ابن جرير أيضًا : حدثني المثنى ، حدثنا المعلى - وهو ابن أسد - حدثنا عبد العزيز بن المختار ، عن موسى بن عقبة ، حدثني سالم أنه سمع عبد الله يحدث ، عن كعب الأحبار ، فذكره (10).
فهذا أصح وأثبت إلى عبد الله بن عمر من الإسنادين المتقدمين ، وسالم أثبت في أبيه من مولاه
__________
الجرح والتعديل (8/ 139) وذكره ابن حبان في الثقات (7/451) وقال : "يخطئ ويخالف".
زيادة من جـ ، ط ، و.
في ط ، ب : "الخطأ".
تفسير الطبري (2/433).
في جـ : "رسول الله".
في ط : "وقال".
في جـ ، ط ، ب ، و : "فقيل".
تفسير عبد الرزاق (1/ 73 ، 74). وتفسير الطبري (2/429).
تفسير ابن أبي حاتم (1/ 306).
تفسير الطبري (2/ 430).
(1/354)
نافع. فدار الحديث ورجع إلى نقل كعب الأحبار ، عن كتب بني إسرائيل ، والله أعلم.
ذكر الآثار الواردة في ذلك عن الصحابة والتابعين رضي الله عنهم أجمعين :
قال ابن جرير : حدثني المثنى ، حدثنا الحجاج (1) حدثنا حماد ، عن خالد الحذاء ، عن عمير بن سعيد ، قال : سمعت عليًا ، رضي الله عنه ، يقول : كانت الزُّهَرة امرأة جميلة من أهل فارس ، وإنها خاصمت إلى الملكين هاروت وماروت ، فراوداها (2) عن نفسها ، فأبت عليهما إلا أن يعلماها الكلام الذي إذا تكَلَّم [المتكلم] (3) به يُعْرج به إلى السماء. فعلماها فتكلمت به فعرجت إلى السماء. فمسخت كوكبًا!
وهذا الإسناد [جيد و] (4) رجاله ثقات ، وهو غريب جداً.
وقال ابن أبي حاتم : حدثنا الفضل بن شاذان ، حدثنا محمد بن عيسى ، حدثنا إبراهيم بن موسى ، حدثنا أبو معاوية ، عن [ابن أبي] (5) خالد ، عن عمير بن سعيد ، عن علي قال : هما ملكان من ملائكة السماء. يعني : { وَمَا أُنزلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ } (6).
ورواه الحافظ أبو بكر بن مَرْدُويه في تفسيره بسنده ، عن مغيث ، عن مولاه جعفر بن محمد ، عن أبيه ، عن جده ، عن علي - مرفوعًا. وهذا لا يثبت من هذا الوجه.
ثم رواه من طريقين آخرين ، عن جابر ، عن أبي الطفيل ، عن علي ، قال : قال رسول الله {{ص}} : "لعن الله الزّهَرة ، فإنها هي التي فتنت الملكين هاروت وماروت". وهذا أيضًا لا يصح (7) وهو منكر جدًا. والله أعلم.
وقال ابن جرير : حدثني المثنى بن إبراهيم ، حدثنا الحجاج بن مِنْهال ، حدثنا حماد ، عن علي بن زيد ، عن أبي عثمان النهدي ، عن ابن مسعود وابن عباس أنهما قالا جميعًا : لما كثر (8) بنو آدم وعصوا ، دعت الملائكة عليهم والأرض والجبال ربنا لا تهلكهم (9) فأوحى الله إلى الملائكة : إني أزلت الشهوة والشيطان من قلوبكم ، ولو نزلتم لفعلتم أيضًا. قال : فحدثوا أنفسهم أن لو ابتلوا اعتصموا ، فأوحى الله إليهم أن اختاروا ملكين من أفضلكم. فاختاروا هاروت وماروت. فأهبطا إلى الأرض ، وأنزلت الزُّهَرة إليهما في صورة (10) امرأة من أهل فارس يسمونها بيذخت. قال : فوقعا بالخطيَّة (11). فكانت الملائكة يستغفرون للذين آمنوا : { رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا } [غافر : 7]
__________
في جـ : "المثنى بن الحجاج".
في جـ : "فراودوها".
زيادة من جـ ، ط.
زيادة من جـ.
زيادة من ط ، ب ، و.
تفسير ابن أبي حاتم (1/ 303).
ورواه ابن السني في عمل اليوم والليلة برقم (654) من طريق عيسى بن يونس عن أخيه إسرائيل عن جابر عن أبي الطفيل عن علي به.
في جـ : "كثر سواد".
في جـ ، ط : "تمهلهم".
في جـ : "في أحسن صورة".
في جـ : "بالخطيئة".
(1/355)
فلما وقعا بالخطيئة استغفروا لمن في الأرض ألا إن الله هو الغفور الرحيم. فخيرا بين عذاب الدنيا وعذاب الآخرة ، فاختاروا (1) عذاب الدنيا (2).
وقال : ابن أبي حاتم : حدثنا أبي ، حدثنا عبد الله بن جعفر الرقي ، أخبرنا عبيد الله - يعني ابن عمرو - عن زيد بن أبي أنيسة ، عن المِنْهال بن عمرو ويونس بن خباب ، عن مجاهد ، قال : كنت نازلا على عبد الله بن عمر في سفر ، فلما كان (3) ذات ليلة قال لغلامه : انظر ، هل طلعت الحمراء ، لا مرحبًا بها ولا أهلا ولا حياها الله هي صاحبة الملكين. قالت الملائكة : يا رب ، كيف تدع عصاة بني آدم وهم يسفكون الدم الحرام وينتهكون محارمك ويفسدون في الأرض! قال : إني ابتليتهم ، فعلَّ (4) إن ابتليتكم بمثل الذي ابتليتهم به فعلتم كالذي يفعلون. قالوا : لا. قال : فاختاروا من خياركم اثنين. فاختاروا هاروت وماروت. فقال لهما : إني مهبطكما إلى الأرض ، وعاهد إليكما ألا تشركا ولا تزنيا ولا تخونا. فأهبطا إلى الأرض وألقي عليهما الشَّبَق ، وأهبطت لهما الزُّهَرة في أحسن صورة امرأة ، فتعرضت لهما ، فراوداها (5) عن نفسها. فقالت : إني على دين لا يصح (6) لأحد أن يأتيني إلا من كان على مثله. قالا وما دينك ؟ قالت : المجوسية. قالا الشرك! هذا شيء لا نقر به. فمكثت عنهما ما شاء الله. ثم تعرضت لهما فأراداها عن نفسها. فقالت : ما شئتما ، غير أن لي زوجًا ، وأنا أكره أن يطلع على هذا مني فأفتضح ، فإن أقررتما لي بديني ، وشرطتما لي أن تصعدا بي إلى السماء فعلت. فأقرا لها بدينها وأتياها فيما يريان ، ثم صعدا بها إلى السماء. فلما انتهيا بها إلى السماء اختطفت منهما ، وقطعت أجنحتهما (7) فوقعا خائفين نادمين يبكيان ، وفي الأرض نبي يدعو بين الجمعتين ، فإذا كان يوم الجمعة أجيب. فقالا لو أتينا فلانًا فسألناه فطلب (8) لنا التوبة فأتياه ، فقال : رحمكما الله (9) كيف يطلب التوبة أهل الأرض لأهل السماء! قالا إنا قد ابتلينا. قال : ائتياني (10) يوم الجمعة. فأتياه ، فقال : ما أجبت فيكما بشيء ، ائتياني في الجمعة الثانية. فأتياه ، فقال : اختارا ، فقد خيرتما ، إن أحببتما معافاة الدنيا وعذاب الآخرة ، وإن أحببتما فعذاب الدنيا وأنتما يوم القيامة على حكم الله. فقال أحدهما : إن الدنيا لم يمض منها إلا القليل. وقال الآخر : ويحك ؟ إني قد أطعتك في الأمر الأول فأطعني الآن ، إن عذابا يفنى ليس كعذاب يبقى. وإننا يوم القيامة على حكم الله ، فأخاف أن يعذبنا. قال : لا إني أرجو إن علم الله أنا قد اخترنا عذاب الدنيا مخافة عذاب الآخرة لا يجمعهما علينا. قال : فاختارا عذاب الدنيا ، فجعلا في بكرات من حديد في قَلِيب مملوءة من نار ، عَاليهُمَا
__________
في جـ ، ط ، ب : "فاختارا".
تفسير الطبري (2/ 428)
في جـ : "فلما كانت".
في جـ : "بفعل".
في جـ : "فأراداها".
في جـ ، ط ، ب : "لا يصلح".
في جـ : "أجنحتها".
في جـ ، ط ، ب : "يطلب".
في جـ : "ما رحمكم الله".
في جـ : "فأتياني".
(1/356)
سافلَهما (1).
وهذا إسناد جيد إلى عبد الله بن عمر. وقد تقدم في رواية ابن جرير من حديث معاوية بن صالح ، عن نافع ، عنه رفعه. وهذا أثبت وأصح إسنادًا. ثم هو - والله أعلم - من رواية ابن عمر عن كعب ، كما تقدم بيانه من رواية سالم عن أبيه. وقوله : إن الزُّهَرة نزلت في صورة امرأة حسناء ، وكذا في المروي عن علي ، فيه غرابة جدًا.
وأقرب ما ورد في ذلك ما قال ابن أبي حاتم : حدثنا عصام بن روّاد ، حدثنا آدم ، حدثنا أبو جعفر ، حدثنا الربيع بن أنس ، عن قيس بن عباد ، عن ابن عباس ، رضي الله عنهما (2) قال : لما وقع الناس من بعد آدم ، عليه السلام ، فيما وقعوا فيه من المعاصي والكفر بالله ، قالت الملائكة في السماء : يا رب ، هذا العالم الذي إنما خلقتهم لعبادتك وطاعتك ، قد وقعوا فيما وقعوا فيه وركبوا الكفر وقتل النفس وأكل المال الحرام ، والزنا والسرقة وشرب الخمر. فجعلوا يدعون عليهم ، ولا يعذرونهم ، فقيل : إنهم في غَيْب. فلم يعذروهم. فقيل لهم : اختاروا منكم من أفضلكم ملكين ، آمرهما وأنهاهما. فاختاروا هاروت وماروت. فأهبطا إلى الأرض ، وجعل لهما شهوات بني آدم ، وأمرهما الله أن يعبداه ولا يشركا به شيئًا ، ونهيا عن قتل النفس الحرام وأكل المال الحرام ، وعن الزنا والسرقة وشرب الخمر. فلبثا في الأرض زمانًا يحكمان بين الناس بالحق وذلك في زمان إدريس عليه السلام. وفي ذلك الزمان امرأة حسنها في النساء كحسن الزُّهَرة في سائر الكواكب ، وأنهما أتيا عليها فخضعا لها في القول وأراداها على نفسها فأبت إلا أن يكونا على أمرها وعلى دينها ، فسألاها (3) عن دينها ، فأخرجت لهما صنمًا فقالت : هذا أعبده. فقالا لا حاجة لنا في عبادة هذا. فذهبا فغَبَرا ما شاء الله. ثم أتيا عليها فأراداها على نفسها ، ففعلت مثل ذلك. فذهبا ، ثم أتيا عليها فراوداها (4) على نفسها ، فلما رأت أنهما قد أبيا أن يعبدا الصنم قالت لهما : اختارا إحدى الخلال الثلاث : إما أن تعبدا هذا الصنم ، وإما أن تقتلا هذه النفس ، وإما أن تشربا هذا الخمر. فقالا كل هذا لا ينبغي ، وأهون هذا شرب الخمر. فشربا الخمر فأخذت فيهما فواقعا (5) المرأة ، فخشيا أن يخبر الإنسان عنهما فقتلاه (6) فلما ذهب عنهما السكر وعلما ما وقعا فيه من الخطيئة أرادا أن يصعدا إلى السماء ، فلم يستطيعا ، وحيل بينهما وبين ذلك ، وكشف الغطاء فيما بينهما وبين أهل السماء ، فنظرت الملائكة إلى ما وقعا فيه ، فعجبوا كل العجب ، وعَرَفوا أنه من كان في غيب فهو أقل خشية ، فجعلوا بعد ذلك يستغفرون لمن في الأرض ، فنزل في ذلك : { وَالْمَلائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الأرْضِ } [الشورى : 5] فقيل لهما : اختارا عذاب الدنيا أو عذاب الآخرة فقالا أما عذاب الدنيا فإنه ينقطع
__________
تفسير ابن أبي حاتم (1/ 306 ، 307).
في جـ ، ط : "عنه".
في جـ ، ط ، ب : "فسألا".
في جـ ، ط ، ب : "فأراداها".
في جـ : "فوقعا".
في جـ : "فقتلاها".
(1/357)
ويذهب ، وأما عذاب الآخرة فلا انقطاع له. فاختارا عذاب الدنيا ، فجعلا ببابل ، فهما يعذبان (1).
وقد رواه الحاكم في مستدركه مطولا عن أبي زكريا العنبري ، عن محمد بن عبد السلام ، عن إسحاق بن راهويه ، عن حكام بن سلم (2) الرازي ، وكان ثقة ، عن أبي جعفر الرازي ، به. ثم قال : صحيح الإسناد ، ولم يخرجاه. فهذا أقرب ما روي في شأن الزُّهَرة ، والله أعلم (3).
وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي ، حدثنا مسلم ، حدثنا القاسم بن الفضل الحُدَّاني (4) حدثنا يزيد - يعني الفارسي - عن ابن عباس [قال] (5) أن أهل سماء الدنيا أشرفوا على أهل الأرض فرأوهم يعملون المعاصي (6) فقالوا : يا رب أهل الأرض كانوا يعملون بالمعاصي! فقال الله : أنتم معي ، وهم غُيَّب عني. فقيل لهم : اختاروا منكم ثلاثة ، فاختاروا منهم ثلاثة على أن يهبطوا إلى الأرض ، على أن يحكموا بين أهل الأرض ، وجعل فيهم شهوة الآدميين ، فأمروا ألا يشربوا خمرًا ولا يقتلوا نفسا ، ولا يزنوا ، ولا يسجدوا لوثن. فاستقال منهم واحد ، فأقيل. فأهبط اثنان إلى الأرض ، فأتتهما امرأة من أحسن الناس (7) يقال لها : مناهية (8). فَهَويَاها جميعًا ، ثم أتيا منزلها فاجتمعا عندها ، فأراداها فقالت لهما : لا حتى تشربا خمري ، وتقتلا ابن جاري ، وتسجدا لوثني. فقالا لا نسجد. ثم شربا من الخمر ، ثم قتلا ثم سجدا. فأشرف أهل السماء عليهما. فقالت (9) لهما : أخبراني بالكلمة التي إذا قلتماها طرتما. فأخبراها فطارت فمسخت جمرة. وهي هذه الزهَرة. وأما هما فأرسل إليهما سليمان بن داود فخيرهما بين عذاب الدنيا وعذاب الآخرة. فاختارا عذاب الدنيا. فهما مناطان بين السماء والأرض (10).
وهذا السياق فيه زيادات كثيرة وإغراب ونكارة ، والله أعلم بالصواب.
وقال عبد الرزاق : قال مَعْمَر : قال قتادة والزهري ، عن عبيد الله بن عبد الله : { وَمَا أُنزلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ } كانا ملكين من الملائكة ، فأهبطا ليحكما بين الناس. وذلك أن الملائكة سخروا من حكام بني آدم ، فحاكمت إليهما امرأة ، فحافا لها. ثم ذهبا يصعدان فحيل بينهما وبين ذلك ، ثم خيرا بين عذاب الدنيا وعذاب الآخرة ، فاختارا عذاب الدنيا. وقال مَعْمَر : قال قتادة : فكانا يعلمان الناس السحر ، فأخذ عليهما ألا يعلما أحدا حتى يقولا { إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ } (11).
وقال أسباط عن السدي أنه قال : كان من أمر هاروت وماروت أنهما طعنا على أهل الأرض في
__________
تفسير ابن أبي حاتم (1/ 305).
في و : "بن سالم".
وقد أبطل الإمام ابن حزم قصة هاروت وماروت ورد على من ادعى شربهما الخمر وارتكابهما الزنا والقتل في كتابه الفصل (3 / 303 - 308 ، 4/ 61 - 65).
في جـ : "الحراني".
زيادة من جـ ، ط ، ب ، أ ، و.
في جـ ، ط ، أ ، و : "بالمعاصي".
في جـ : "النساء".
في أ : "أناهيد".
في جـ ، ط ، ب ، : "وقالت.
تفسير ابن أبي حاتم (1/ 308).
تفسير عبد الرزاق (1/ 73).
(1/358)
أحكامهم ، فقيل لهما : إني أعطيت بني آدم عشرًا من الشهوات ، فبها (1) يعصونني. قال هاروت وماروت : ربنا ، لو أعطيتنا تلك الشهوات ثم نزلنا لحكمنا بالعدل. فقال لهما : انزلا فقد أعطيتكما تلك الشهوات العشر ، فاحكما بين الناس. فنزلا ببابل دَنْباوَند ، فكانا يحكمان ، حتى إذا أمسيا عرجا ، فإذا أصبحا هبطا ، فلم يزالا كذلك حتى أتتهما امرأة تخاصم زوجها ، فأعجبهما (2) حسنها - واسمها بالعربية "الزّهَرة" ، وبالنبطية "بيذخت" وبالفارسية "أناهيد" - فقال أحدهما لصاحبه : إنها لتعجبني. قال الآخر : قد أردت أن أذكر لك فاستحييت منك. فقال الآخر : هل لك أن أذكرها لنفسها ؟ قال : نعم ولكن كيف لنا بعذاب الله ؟ قال الآخر : إنا لنرجو رحمة الله. فلما جاءت تخاصم زوجها ذكرا إليها نفسها ، فقالت : لا حتى تقضيا لي على زوجي. فقضيا لها على زوجها ، ثم واعدتهما خَربة من الخَرِب يأتيانها فيها ، فأتياها لذلك. فلما أراد الذي يواقعها قالت : ما أنا بالذي أفعل حتى تخبراني بأي كلام تصعدان إلى السماء ، وبأي كلام تنزلان منها ؟ فأخبراها ، فتكلمت فصعدت ، فأنساها الله ما تنزل به ، فبقيت (3) مكانها ، وجعلها (4) الله كوكبًا. فكان عبد الله بن عمر كلما رآها لعنها ، فقال : هذه التي فتنت هاروت وماروت ، فلما كان الليل أرادا أن يصعدا فلم يطيقا ، فعرفا الهلكة فخيرا بين عذاب الدنيا وعذاب الآخرة. فاختارا عذاب الدنيا ، فعلقا ببابل ، وجعلا يكلمان الناس كلامهما وهو السحر.
وقال ابن أبي نَجِيح (5) عن مجاهد : أما شأن هاروت وماروت ، فإن الملائكة عجبت من ظلم بني آدم ، وقد جاءتهم الرسل والكتب والبينات ، فقال لهم ربهم تعالى : اختاروا منكم ملكين أنزلهما يحكمان في الأرض بين بنى آدم فاختاروا فلم يألوا [إلا] (6) هاروت وماروت ، فقال لهما حين أنزلهما : أعجبتما (7) من بني آدم من ظلمهم ومن معصيتهم ، وإنما تأتيهم الرسل والكتب [والبينات] (8) من وَرَاء وَرَاء ، وأنتما ليس بيني وبينكما رسول ، فافعلا كذا وكذا ، ودعا كذا وكذا ، فأمرهما بأمر ونهاهما ، ثم نزلا على ذلك ليس أحد أطوع لله منهما ، فحكما فعدلا. فكانا يحكمان في النهار بين بني آدم ، فإذا أمسيا عرجا فكانا مع الملائكة ، وينزلان حين يصبحان فيحكمان فيعدلان ، حتى أنزلت عليهما الزهرة في أحسن صورة امرأة تُخَاصم ، فقضيا عليها. فلما قامت وجد كل واحد منهما في نفسه ، فقال أحدهما لصاحبه : وجدتَ مثل الذي وجدتُ ؟ قال : نعم. فبعثا إليها أن ائتيانا نقض لك. فلما رجعت قالا وقضيا لها ، فأتتهما فتكشفا لها عن عورتيهما ، وإنما كانت شهوتهما (9) في أنفسهما ، ولم يكونا كبني آدم في شهوة النساء ولذتها. فلما بلغا ذلك واستحلا افتُتنا ، فطارت الزهرة فرجعت حيث كانت. فلما أمسيا عَرَجا فزُجرا فلم يؤذن لهما ، ولم تحملهما أجنحتهما. فاستغاثا برجل من بني آدم
__________
في ط ، ب : "فما".
في جـ ، ط ، ب ، أ ، و : "فأعجبهما من ".
في ب ، أ ، و : "فثبتت".
في أ : "وخلقها".
في ط : "جريج".
زيادة من جـ.
في جـ ، ط ، ب : "أعجبتم".
زيادة من جـ.
في أ ، و : "سوآتهما".
(1/359)
فأتياه ، فقالا ادع لنا ربك. فقال : كيف يشفع أهل الأرض لأهل السماء ؟ قالا سمعنا ربك يذكرك بخير في السماء. فوعدهما يومًا ، وغدا يدعو لهما ، فدعا لهما ، فاستجيب له ، فخيرا بين عذاب الدنيا وعذاب الآخرة ، فنظر أحدهما إلى صاحبه ، فقال : ألا تعلم أن أفواج عذاب الله في الآخرة كذا وكذا في الخلد ، وفي الدنيا تسع مرات مثلها ؟ فأمرا أن ينزلا ببابل ، فثَمَّ عذابهما. وزعم أنهما معلقان في الحديد مطويان ، يصفقان بأجنحتهما.
وقد روى في قصة هاروت وماروت عن جماعة من التابعين ، كمجاهد والسدي والحسن [البصري] (1) وقتادة وأبي العالية والزهري والربيع بن أنس ومقاتل بن حيان وغيرهم ، وقصها خلق من المفسرين من المتقدمين والمتأخرين ، وحاصلها راجع في تفصيلها إلى أخبار بني إسرائيل ، إذ ليس فيها حديث مرفوع صحيح متصل الإسناد إلى الصادق المصدوق المعصوم الذي لا ينطق عن الهوى ، وظاهر سياق القرآن إجمال القصة من غير بسط ولا إطناب فيها ، فنحن نؤمن بما ورد في القرآن على ما أراده الله تعالى ، والله أعلم بحقيقة الحال.
وقد ورد في ذلك أثر غريب وسياق عجيب في ذلك أحببنا أن ننبه عليه ، قال : الإمام أبو جعفر بن جرير ، رحمه الله : حدثنا الربيع بن سليمان ، أخبرنا ابن وهب ، أخبرني ابن أبي الزناد ، حدثني هشام بن عُرْوَة ، عن أبيه ، عن عائشة زوج النبي {{ص}} [رضي الله عنها وعن أبيها] (2) أنها قالت : قدمت امرأة عليَّ من أهل دومة الجندل ، جاءت تبتغي رسول الله {{ص}} بعد موته حَدَاثة ذلك ، تسأله عن شيء (3) دخلت فيه من أمر السحر ، ولم تعمل به. قالت عائشة ، رضي الله عنها ، لعُرْوَة : يا ابن أختي ، فرأيتها تبكي حين لم تجد رسول الله {{ص}} فيشفيها كانت تبكي حتى إني لأرحمها ، وتقول : إني أخاف أن أكون قد هلكت. كان لي زوج فغاب عني ، فدخلت على عجوز فشكوت ذلك إليها ، فقالت : إن فعلت ما آمرك به فأجعله يأتيك. فلما كان الليل جاءتني بكلبين أسودين ، فركبتُ أحدهما (4) وركبت الآخر ، فلم يكن كشيء حتى وقفنا ببابل ، وإذا برجلين معلقين بأرجلهما. فقالا ما جاء بك ؟ فقلتُ : أتعلم (5) السحر. فقالا إنما نحن فتنة فلا تكفري ، فارجعي. فأبيت وقلت : لا. قالا فاذهبي (6) إلى ذلك التنور ، فبولي فيه. فذهبت ففزعتُ ولم أفعل ، فرجعت إليهما ، فقالا أفعلت ؟ فقلت : نعم. فقالا هل رأيت شيئًا ؟ فقلت : لم أر شيئًا. فقالا لم تفعلي ، ارجعي إلى بلادك ولا تكفري [فإنك على رأس أمري] (7). فأرْبَبْت وأبيت (8). فقالا اذهبي إلى ذلك التنور فبولي فيه. فذهبت فاقشعررت [وخفت] (9) ثم رجعت إليهما فقلت : قد فعلت. فقالا فما رأيت ؟ فقلت : لم
__________
زيادة من جـ ، ط ، ب ، أ ، و.
زيادة من جـ.
في أ ، و : "عن أشياء".
في جـ : "فركبت إحداهما".
في جـ ، ب ، أ ، و : "فقلنا نتعلم".
في أ : "فقالا فاذهبا".
زيادة من جـ.
في جـ : "فأبت وأبيت".
زيادة من جـ ، ب ، أ ، و.
(1/360)
أر شيئًا. فقالا كذبت ، لم تفعلي ، ارجعي إلى بلادك ولا تكفري (1) ؛ فإنك على رأس أمرك. فأرببتُ وأبيتُ. فقالا اذهبي إلى ذلك التنور ، فبولي فيه. فذهبت إليه فبلت فيه ، فرأيت فارسًا مقنعًا (2) بحديد خَرَج مني ، فذهب في السماء وغاب [عني] (3) حتى ما أراه ، فجئتهما فقلت : قد فعلت. فقالا فما رأيت ؟ قلت : رأيت فارسًا مقنعًا خرج مني فذهب في السماء ، حتى ما أراه. فقالا صدقت ، ذلك إيمانك خرج منك ، اذهبي. فقلت للمرأة : والله ما أعلم شيئًا وما قالا لي شيئًا. فقالت : بلى ، لم تريدي شيئًا إلا كان ، خذي هذا القمح فابذري ، فبذرت ، وقلت : أطلعي (4) فأطلعت (5) وقلت : أحقلي فأحقلت (6) ثم قلت : أفْركي فأفرَكَتْ. ثم قلت : أيبسي فأيبست (7). ثم قلت : أطحني فأطحنت (8). ثم قلت : أخبزي فأخبزت (9). فلما رأيتُ أني لا أريد شيئًا إلا كان ، سقط في يدي وندمت - والله - يا أم المؤمنين والله ما فعلت شيئًا قط ولا أفعله أبدًا (10).
ورواه ابن أبي حاتم عن الربيع بن سليمان ، به مطولا كما تقدم (11). وزاد بعد قولها : ولا أفعله أبدًا : فسألت أصحاب رسول الله {{ص}} حداثة وفاة رسول الله {{ص}} ، وهم يومئذ متوافرون ، فما دَرَوا ما يقولون لها ، وكلهم هاب وخاف أن يفتيها بما لا يعلمه ، إلا أنه قد قال لها ابن عباس - أو بعض من كان عنده - : لو كان أبواك حيين أو أحدهما [لكان يكفيانك] (12).
قال هشام : فلو جاءتنا أفتيناها بالضمان [قال] (13) : قال ابن أبي الزناد : وكان هشام يقول : إنهم كانوا أهل الورع والخشية (14) من الله. ثم يقول هشام : لو جاءتنا مثلها اليوم لوجدت نوكى أهل حمق وتكلف بغير علم.
فهذا إسناد جيد إلى عائشة ، رضي الله عنها.
وقد استدل بهذا الأثر من ذهب إلى أن (15) الساحر له تمكن في قلب الأعيان ؛ لأن هذه المرأة بذرت واستغلت في الحال.
وقال آخرون : بل ليس له قدرة إلا على التخييل ، كما قال [الله] (16) تعالى : { سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ } [الأعراف : 116] وقال تعالى : { يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى } [طه : 66]
__________
في جـ : "ولم تكفري".
في جـ : "معلقا".
زيادة من أ.
في جـ ، ط : "اطلع فطلع".
في جـ : "احقل فأحقل" ، وفي أ ، و : "فطلعت".
في ط : "احقلى فأجعلت".
في جـ : "أيبس فيبس".
في جـ : "اطحن فطحن".
في جـ : "اختبز فاختبز".
تفسير الطبري (2/ 439 - 441).
تفسير ابن أبي حاتم (1/ 312) ورواه البيهقي في السنن الكبرى (8/ 137) من طريق الربيع بن سليمان به مطولا ، وهذه الزيادة لم ترد في المطبوع من تفسير ابن أبي حاتم ، وقد نبه إلى ذلك المحقق الفاضل ، جزاه الله خيرًا.
زيادة من أ.
زيادة من أ.
في جـ : "وأهل خشية".
في أ : "من ذهب بأن".
زيادة من أ.
(1/361)
واستدل به على أن بابل المذكورة في القرآن هي بابل العراق ، لا بابل دُنْباوَنْد (1) كما قاله السدي وغيره. ثم الدليل على أنها بابل العراق ما قال (2) ابن أبي حاتم : حدثنا علي بن الحسين ، حدثنا أحمد بن صالح ، حدثني ابن وهب ، حدثني ابن لَهِيعة ويحيى بن أزهر ، عن عمار بن سعد المرادي ، عن أبي صالح الغفاري أن علي بن أبي طالب ، رضي الله عنه [مر ببابل وهو يسير ، فجاء المؤذن يُؤْذنه بصلاة العصر ، فلما برز منها أمر المؤذن فأقام الصلاة ، فلما فرغ] قال : إن حبيبي {{ص}} نهاني أن أصلي [بأرض المقبرة ، ونهاني أن أصلي] ببابل فإنها ملعونة (3).
وقال أبو داود : حدثنا سليمان بن داود ، حدثنا ابن وهب ، حدثني ابن لَهِيعة ويحيى بن أزهر ، عن عمار بن سعد المرادي ، عن أبي صالح الغفاري : أن عليا مر ببابل ، وهو يسير ، فجاءه المؤذن يؤذنه بصلاة العصر ، فلما برز منها أمر المؤذن فأقام الصلاة فلما فرغ قال : إن حبيبي {{ص}} نهاني أن أصلي في المقبرة ، ونهاني أن أصلي بأرض بابل ، فإنها ملعونة.
حدثنا أحمد بن صالح : حدثنا ابن وهب ، أخبرني يحيى بن أزهر وابن لهيعة ، عن الحجاج بن شداد ، عن أبي صالح الغفاري ، عن علي ، بمعنى حديث سليمان بن داود ، قال : فلما "خرج" مكان "برز" (4).
وهذا الحديث حسن عند الإمام أبي داود ، لأنه رواه وسكت عنه (5) ؛ ففيه من الفقه كراهية الصلاة بأرض بابل ، كما تكره بديار ثمود الذين نهى رسول الله {{ص}} عن الدخول إلى منازلهم ، إلا أن يكونوا باكين.
قال أصحاب الهيئة : وبُعْدُ ما بين بابل ، وهي من إقليم العراق ، عن البحر المحيط الغربي ، ويقال له : أوْقيانُوس (6) سبعون درجة ، ويسمون هذا طولا وأما عرضها وهو بعد ما بينها وبين وسط الأرض من ناحية الجنوب ، وهو المسامت لخط الاستواء ، اثنان (7) وثلاثون درجة ، والله أعلم.
وقوله تعالى : { وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ } قال أبو جعفر الرازي ، عن الربيع بن أنس ، عن قيس (8) بن عباد ، عن ابن عباس ، قال : فإذا أتاهما الآتي يريد السحر نهياه أشد النهي ، وقالا له : إنما نحن فتنة فلا تكفر ، وذلك أنهما علما الخير والشر والكفر والإيمان ، فعرفا أن السحر من الكفر (9). [قال] (10) فإذا أبى عليهما أمراه أن يأتي مكان كذا وكذا ، فإذا أتاه عاين الشيطان فَعلمه ، فإذا تعلم خرج منه النور ، فنظر (11) إليه ساطعًا في السماء ، فيقول : يا حسرتاه!
__________
في ط ، ب ، أ ، و : "ديناوند".
في أ : "ما قاله".
تفسير ابن أبي حاتم (1/ 304) ، وما بين المعقوفين ليس في تفسير ابن أبي حاتم.
سنن أبي داود برقم (490 ، 491).
في جـ ، ط ، ب ، أ ، و : "وسكت عليه".
في ب : "أوليانوس".
في ب ، أ ، و : "ثنتان".
في أ : "عن بشر".
في ب : "أن الكفر من السحر".
زيادة من جـ ، أ ، و.
في أ : "فينظر".
(1/362)
يا ويله! ماذا أصنع (1) ؟.
وعن الحسن البصري أنه قال في تفسير هذه الآية : نعم ، أنزل الملكان بالسحر ، ليعلما (2) الناس البلاء الذي أراد الله أن يبتلي به الناس ، فأخذ عليهما الميثاق أن لا يعلما أحدًا حتى يقولا { إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ } رواه ابن أبي حاتم ، وقال قتادة : كان أخذ عليهما ألا يعلما أحدًا حتى يقولا { إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ } - أي : بلاء ابتلينا به - { فَلا تَكْفُرْ }
وقال [قتادة و] (3) السدي : إذا أتاهما إنسان يريد السحر ، وعظاه ، وقالا له : لا تكفر ، إنما نحن فتنة. فإذا أبى قالا له : ائت هذا الرماد ، فبُلْ عليه. فإذا بال عليه خرج منه نور فسطع حتى يدخل السماء ، وذلك الإيمان. وأقبل شيء أسود كهيئة الدخان حتى يدخل في مسامعه وكلِّ شيء [منه] (4). وذلك غضب الله. فإذا أخبرهما بذلك علماه السحر ، فذلك قول الله تعالى : { وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ } الآية.
وقال سُنَيد ، عن حجاج ، عن ابن جريج في هذه الآية : لا يجترئ على السحر إلا كافر.
وأما الفتنة فهي المحنة والاختبار ، ومنه قول الشاعر :
وقد فُتن النَّاسُ في دينهم... وخَلَّى ابنُ عفان شرًا طويلا (5)
وكذلك (6) قولُه تعالى إخبارًا عن موسى ، عليه السلام ، حيث قال : { إِنْ هِيَ إِلا فِتْنَتُكَ } أي : ابتلاؤك واختبارك وامتحانك { تُضِلُّ بِهَا مَنْ تَشَاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشَاءُ } [الأعراف : 155] (7).
وقد استدل بعضهم بهذه الآية على تكفير من تعلم السحر ، ويُستشهد له بالحديث الذي رواه الحافظ أبو بكر البزار : حدثنا محمد بن المثنى ، حدثنا أبو معاوية ، عن الأعمش ، عن إبراهيم ، عن همام ، عن عبد الله ، قال : من أتى كاهنًا أو ساحرًا فصدقه بما يقول ، فقد كفر بما أنزل على محمد {{ص}}.
وهذا إسناد جيد (8) وله شواهد أخر.
وقوله تعالى : { فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ } أي : فيتعلم الناس من هاروت وماروت من علم السحر ما يتصرفون به فيما يتصرفون فيه من الأفاعيل المذمومة ، ما إنهم ليفَرِّقُون به بين الزوجين مع ما بينهما من الخلطة والائتلاف. وهذا من صنيع الشياطين ، كما رواه مسلم في صحيحه ، من حديث الأعمش ، عن أبي سفيان طلحة بن نافع ، عن جابر بن عبد الله ، رضي الله
__________
في أ ، و : "ماذا صنع".
في أ ، و : "ليعلموا" وهو خطأ.
زيادة من و.
زيادة من أ ، و.
البيت في تفسير الطبري (2/ 444) وانظر هناك الاختلاف في قائله.
في ط ، ب ، أ ، و : "وكذا".
في جـ ، ط ، ب ، أ ، و : "وتهدي من تشاء الآية".
في جـ ، ط ، ب ، أ ، و : "إسناد صحيح".
(1/363)
عنه (1) عن النبي {{ص}} ، قال : "إن الشيطان ليضع عرشه على الماء ، ثم يبعث سراياه في الناس ، فأقربهم عنده منزلة أعظمهم عنده فتنة ، يجيء أحدهم فيقول : ما زلت بفلان حتى تركته وهو يقول كذا وكذا. فيقول إبليس : لا والله ما صنعت شيئًا. ويجيء أحدهم فيقول : ما تركته حتى فرقت بينه وبين أهله (2) قال : فيقربه ويدنيه ويلتزمه ، ويقول : نِعْم أنت (3).
وسبب التفرق بين الزوجين بالسحر : ما يخيل إلى الرجل أو المرأة من الآخر من سوء منظر ، أو خلق أو نحو ذلك أو عَقد أو بَغْضه ، أو نحو ذلك من الأسباب المقتضية للفرقة.
والمرء عبارة عن الرجل ، وتأنيثه امرأة ، ويثنى كل منهما ولا يجمعان ، والله أعلم.
وقوله تعالى : { وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلا بِإِذْنِ اللَّهِ } قال سفيان الثوري : إلا بقضاء الله. وقال محمد بن إسحاق إلا بتخلية الله بينه وبين ما أراد. وقال الحسن البصري : { وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلا بِإِذْنِ اللَّهِ } قال : نَعَم ، من شاء الله سلطهم عليه ، ومن لم يشأ الله لم يسلط ، ولا يستطيعون ضر أحد إلا بإذن الله ، كما قال الله تعالى ، وفي رواية عن الحسن أنه قال : لا يضر هذا السحر إلا من دخل فيه.
وقوله تعالى : { وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ } أي : يضرهم في دينهم ، وليس له نفع يوازي ضرره.
{ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ } أي : ولقد علم اليهود الذين استبدلوا بالسحر عن متابعة الرسول (4) {{ص}} لمن فعل فعلهم ذلك ، أنه ما له في الآخرة من خلاق.
قال ابن عباس ومجاهد والسدي : من نصيب. وقال عبد الرزاق ، عن مَعْمَر ، عن قتادة : ما له في الآخرة من جهة عند الله (5) وقال : وقال الحسن : ليس له دين.
وقال سعد (6) عن قتادة : { مَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ } قال : ولقد علم أهل الكتاب فيما عهد الله إليهم أن الساحر لا خلاق له في الآخرة.
وقوله تعالى : { وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ* وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ } يقول تعالى : { ولبئس } البديل ما استبدلوا به من السحر عوضًا عن الإيمان ، ومتابعة الرسل (7) لو كان لهم علم بما وعظوا به { وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ } أي : ولو أنهم آمنوا بالله ورسله واتقوا المحارم ، لكان مثوبة الله على ذلك خيرا لهم مما استخاروا لأنفسهم ورضوا به ، كما قال تعالى : { وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا وَلا يُلَقَّاهَا إِلا الصَّابِرُونَ } [القصص : 80].
__________
في ب : "عنهما".
في جـ : "وبين زوجه".
صحيح مسلم برقم (2813).
في أ : "متابعة الرسل".
في أ : "ما له في الآخرة من خلاق".
في ط ، ب ، و : "سعيد".
في أ : "الرسول".
(1/364)
وقد استدل بقوله : { وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا } من ذهب إلى تكفير الساحر ، كما هو رواية عن الإمام أحمد بن حنبل وطائفة من السلف. وقيل : بل لا يكفر ، ولكن حَده ضَرْبُ عنقه ، لما رواه الشافعي وأحمد بن حنبل ، رحمهما الله : أخبرنا سفيان ، عن عمرو بن دينار ، أنه سمع بجالة بن عَبَدَةَ يقول : كتب [أمير المؤمنين] (1) عمر بن الخطاب ، رضي الله عنه ، أن اقتلوا كل ساحر وساحرة. قال : فقتلنا ثلاث سواحر (2). وقد أخرجه البخاري في صحيحه أيضًا (3). وهكذا صح أن حفصة أم المؤمنين سحرتها جارية لها ، فأمرت بها فقتلت (4). قال أحمد بن حنبل : صح من أصحاب النبي {{ص}} [أذنوا] (5) في قتل الساحر.
وروى الترمذي من حديث إسماعيل بن مسلم ، عن الحسن ، عن جندب الأزدي أنه قال : قال رسول الله {{ص}} : "حد الساحر ضَرْبُه بالسيف" (6).
ثم قال : لا نعرفه مرفوعًا إلا من هذا الوجه. وإسماعيل بن مسلم يُضعَّف في الحديث ، والصحيح : عن الحسن عن جُنْدُب موقوفًا.
قلت : قد رواه الطبراني من وجه آخر ، عن الحسن ، عن جندب ، مرفوعًا (7). والله أعلم.
وقد روي من طرق متعددة أن الوليد بن عقبة كان عنده ساحر يلعب بين يديه ، فكان يضرب رأس الرجل ثم يصيح به فيرد إليه رأسه ، فقال الناس : سبحان الله! يحيي الموتى! ورآه رجل من صالحي المهاجرين ، فلما كان الغد جاء مشتملا على سيفه ، وذهب يلعب لعبه ذلك ، فاخترط الرجل سيفه فضرب (8) عنق الساحر ، وقال : إن كان صادقا (9) فليحي نفسه. وتلا قوله تعالى : { أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ } [الأنبياء : 3] فغضب الوليد إذ لم يستأذنه في ذلك فسجنه ثم أطلقه ، (10) والله أعلم.
وقال (11) أبو بكر الخلال : أخبرنا عبد الله بن أحمد بن حنبل ، حدثني أبي ، حدثنا يحيى بن سعيد ، حدثني أبو إسحاق ، عن حارثة قال : كان عند بعض الأمراء رجل يلعب فجاء جندب مشتملا
__________
زيادة من جـ.
رواه عبد الله بن أحمد في مسائل أبيه ، ط. المكتب الإسلامي برقم (1542) عن أبيه عن سفيان به.
صحيح البخاري برقم (3156).
رواه عبد الله بن أحمد في مسائل أبيه ، ط. المكتب الإسلامي برقم (1543) عن أبيه عن يحيى بن سعيد ، عن عبيد الله ، عن نافع ، عن ابن عمر : أن حفصة سحرتها جاريتها ، فذكره.
زيادة من جـ.
سنن الترمذي برقم (1460).
المعجم الكبير (2/ 161) من طريق محمد بن الحسن بن سيار ، عن خالد العبد عن الحسن عن سمرة به.
في جـ : "وضرب".
في أ ، و : "إن كان ساحرًا".
الرجل الذي قتله هو جندب بن كعب ، انظر القصة في : أسد الغابة لابن الأثير في ترجمة جندب بن كعب (1 /361) وفي الإصابة للحافظ ابن حجر (1/ 251).
في و : "وقال الإمام".
(1/365)
على سيفه فقتله ، فقال : أراه كان ساحرًا ، وحمل الشافعي ، رحمه الله ، قصة عمر ، وحفصة (1) على سِحْر يكون شركا. والله أعلم. فصل
حكى أبو عبد الله الرازي في تفسيره عن المعتزلة أنهم أنكروا وجود السحر ، قال : وربما كفروا من اعتقد وجوده. قال : وأما أهل السنة فقد جَوَّزُوا أن يقدر الساحر أن يطير في الهواء ، ويقلب الإنسان حمارًا ، والحمار إنسانًا ، إلا أنهم قالوا : إن الله يخلق الأشياء عندما يقول الساحر تلك الرقى و [تلك] (2) الكلمات المُعَيَّنة ، فأما أن يكون المؤثر في ذلك هو الفلك والنجوم فلا خلافًا للفلاسفة والمنجمين الصابئة ، ثم استدل على وقوع السحر وأنه بخلق الله تعالى ، بقوله تعالى : { وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلا بِإِذْنِ اللَّهِ } ومن الأخبار بأن رسول الله {{ص}} سُحِر ، وأن السحر عَمِل فيه ، وبقصة تلك المرأة مع عائشة ، رضي الله عنها ، وما ذكرت تلك المرأة من إتيانها بابل وتعلمها السحر ، قال : وبما يذكر (3) في هذا الباب من الحكايات الكثيرة ، ثم قال بعد هذا :
المسألة الخامسة في أن العلم بالسحر ليس بقبيح ولا محظور : اتفق المحققون على ذلك ؛ لأن (4) العلم لذاته شريف وأيضًا لعموم قوله تعالى : { قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ } [الزمر : 9] ؛ ولأن السحر لو لم يكن يعلم لما أمكن الفرق بينه وبين المعجزة ، والعلم بكون المعجز مُعْجِزًا واجب ، وما يتوقف الواجب عليه فهو واجب ؛ فهذا يقتضي أن يكون تحصيل العلم بالسحر واجبًا ، وما يكون واجبًا فكيف يكون حرامًا وقبيحًا ؟!
هذا لفظه بحروفه في هذه المسألة ، وهذا الكلام فيه نظر من وجوه ، أحدها : قولُهُ : "العلم بالسحر ليس بقبيح". إن عنى به ليس بقبيح عقلا فمخالفوه من المعتزلة يمنعون هذا (5) وإن عنى أنه ليس بقبيح شرعًا ، ففي هذه الآية الكريمة تبشيع (6) لتعلم السحر ، وفي الصحيح : "من أتى عرافًا أو كاهنًا ، فقد كفر بما أنزل على محمد" (7). وفي السنن : "من عقد عقدة ونفث فيها فقد سحر" (8). وقوله : ولا محظور اتفق المحققون على ذلك". كيف لا يكون محظورًا مع ما ذكرناه من الآية والحديث ؟! واتفاق المحققين (9) يقتضي أن يكون قد نص على هذه المسألة أئمة العلماء أو أكثرهم ، وأين نصوصهم على ذلك ؟ ثم إدخاله [علم] (10) السحر في عموم قوله : { قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ } فيه نظر ؛ لأن هذه الآية إنما دلت على مدح العالمين بالعلم الشرعي ، ولم
__________
في جـ : "في قصة حفصة وعمر".
زيادة من جـ.
في جـ : "وما يذكر".
في جـ ، ط : "فإن".
في جـ : "ذلك".
في أ : "متسع".
صحيح مسلم برقم (2230) من حديث بعض أزواج النبي {{ص}} وليس فيه : "كاهنًا" والعراف من جملة أنواع الكهان.
رواه النسائي في السنن (7/ 112) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
في أ : "المحدثين".
زيادة من جـ ، ب ، أ ، و. وفي ط "تعلم".
(1/366)
قلتَ إن هذا منه ؟ ثم تَرَقيه (1) إلى وجوب تعلمه بأنه لا يحصل العلم بالمعجز إلا به ، ضعيف بل فاسد ؛ لأن معظم (2) معجزات رسولنا ، عليه الصلاة والسلام (3) هي القرآن العظيم ، الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد. ثم إن العلم بأنه معجز لا يتوقف على علم السحر أصلا ثم من المعلوم بالضرورة أن الصحابة والتابعين وأئمة المسلمين وعامتهم ، كانوا يعلمون المعجز ، ويفرّقُون بينه وبين غيره ، ولم يكونوا يعلمون السحر ولا تعلموه ولا علموه ، والله أعلم.
ثم قد ذكر أبو عبد الله الرازي أن أنواع السحر ثمانية :
الأول : سحر الكلُدْانيين والكُشْدانيين ، الذين كانوا يعبدون الكواكب السبعة المتحيرة ، وهي السيارة ، وكانوا يعتقدون أنها مُدَبّرة العالم (4) وأنها تأتي بالخير والشر ، وهم الذين بَعث (5) إليهم إبراهيم الخليل {{ص}} مبطلا لمقالتهم ورادا لمذهبهم (6) وقد استقصى في "كتاب السر المكتوم ، في مخاطبة الشمس والنجوم" المنسوب إليه فيما (7) ذكره القاضي ابن خلكان وغيره (8) ويقال : إنه تاب منه. وقيل (9) إنه (10) صنفه على وجه إظهار الفضيلة لا على سبيل الاعتقاد. وهذا هو المظنون به ، إلا أنه ذكر فيه طرائقهم في مخاطبة كل من هذه الكواكب السبعة ، وكيفية ما يفعلون وما يلبسونه ، وما يتنسكون به.
قال : والنوع الثاني : سحر أصحاب الأوهام والنفوس القوية ، ثم استدلّ على أن الوهم له تأثير ، بأن الإنسان يمكنه أن يمشي على الجسر الموضوع على وجه الأرض ، ولا يمكنه المشي عليه إذا كان ممدودًا على نهر أو نحوه. قال : وكما أجمعت الأطباء على نهي المَرْعُوف (11) عن النظر إلى الأشياء الحُمْر ، والمصروع إلى الأشياء القوية اللمعان أو الدوران ، وما ذاك إلا لأن النفوس خلقت مُطِيعة (12) للأوهام.
قال : وقد اتفق العقلاء على أن الإصابة بالعين حق.
وله أن يستدل على ذلك بما ثبت في الصحيح أن رسول الله {{ص}} ، قال : "العين حَقّ ، ولو كان شيء سَابِقَ القدر لسبقته العين" (13).
قال : فإذا عرفت هذا ، فنقول : النفس التي تفعل هذه الأفاعيل قد تكون قوية جدًا ، فتستغني في هذه الأفاعيل (14) عن الاستعانة بالآلات والأدوات ، وقد تكون ضعيفة فتحتاج إلى الاستعانة بهذه
__________
في أ : "فرقته".
في جـ ، ب ، أ ، و : "لأن أعظم".
في جـ : "{{ص}}".
في جـ : "مدبرة للعالم".
في جـ ، ب ، أ : "بعث الله".
في جـ ، ط ، ب ، أ ، و : "لمذاهبهم".
في ب : "كما".
وفيات الأعيان (3/ 381).
في جـ ، ط : "ويقال".
في جـ ، ط ، ب : "بل".
في جـ : "المرفوع" ، وفي ط : "الموضوع".
في جـ ، ط ، ب ، و : "منطبعة" ، وفي أ : "منطبقة".
صحيح مسلم برقم (2188) من حديث عبد الله بن عباس رضي الله عنه.
في جـ ، ط ، ب ، أ ، و : "هذه الأفعال".
(1/367)
الآلات. وتحقيقه أن النفس إذا كانت مستعلية (1) على البدن شديدة الانجذاب إلى عالم السماوات ، صارت كأنها رُوح من الأرواح السماوية ، فكانت قوية على التأثير في مواد هذا العالم. وإذا كانت ضعيفة شديدة التعلق بهذه الذات (2) البدنية ، فحينئذ لا يكون لها تصرف البتة إلا في هذا البدن. ثم أرشد إلى مداواة هذا الداء بتقليل الغذاء ، والانقطاع عن الناس والرياء (3).
قلت : وهذا الذي يشير إليه هو التصرف بالحال ، وهو على قسمين : تارة تكون حالا صحيحة شرعية يتصرف بها فيما أمر الله ورسوله {{ص}} ، ويترك ما نهى الله عنه ورسوله ، وهذه الأحوال مواهب من الله تعالى وكرامات للصالحين من هذه الأمة ، ولا يسمى هذا سحرًا في الشرع. وتارة تكون الحال فاسدة لا يمتثل صاحبها ما أمر الله ورسوله {{ص}} ولا يتصرف بها في ذلك. فهذه (4) حال الأشقياء المخالفين للشريعة ، ولا يدل إعطاء الله (5) إيَّاهم هذه الأحوال على محبته لهم ، كما أن الدجَّال - لعنه الله - له من الخوارق العادات (6) ما دلت عليه الأحاديث الكثيرة ، مع أنه مذموم شرعًا لعنه الله. وكذلك من شابهه من مخالفي الشريعة المحمدية ، على صاحبها أفضل الصلاة والسلام. وبسط هذا يطول جدًا ، وليس هذا موضعه.
قال : النوع الثالث من السحر : الاستعانة بالأرواح الأرضية ، وهم الجن ، خلافًا للفلاسفة والمعتزلة : وهم على قسمين : مؤمنون ، وكفار ، وهم الشياطينُ. قال : واتصال النفوس الناطقة بها أسهل من اتصالها بالأرواح السماوية ، لما بينهما من المناسبة (7) والقرب ، ثم إن أصحاب الصنعة وأرباب التجربة شاهدوا أن الاتصال بهذه الأرواح الأرضية يحصل بأعمال سهلة قليلة من الرقى والدخل (8) والتجريد. وهذا النوع هو المسمى بالعزائم وعمل التسخير (9).
النوع الرابع من السحر : التخيلات ، والأخذ بالعيون والشعبذة ، ومبناه [على] (10) أن البصر قد يخطئ ويشتغل بالشيء المعين دون غيره ، ألا ترى أن المشعبذ الحاذق يظهر عمل شيء يذهل أذهان الناظرين به ، ويأخذ عيونهم إليه ، حتى إذا استفرغهم (11) الشغل بذلك الشيء بالتحديق ونحوه ، عمل شيئًا آخر عَمَلا بسرعة شديدة ، وحينئذ يظهر لهم شيء آخر غير ما انتظروه. فيتعجَّبون منه جدًا ، ولو أنه سكت ولم يتكلم بما (12) يصرف الخواطر إلى ضد ما يريد أن يعمله ، ولم تتحرك النفوس والأوهام إلى غير ما يريد إخراجه ، لفطن الناظرون لكل ما يفعله.
قال : وكلما كانت الأحوال تفيد حسن البصر نوعًا من أنواع الخلل (13) أشد ، كان العمل
__________
في جـ ، ط ، ب ، و : "مشتغلة" ، وفي أ : "مستقبلة".
في جـ ، ط ، ب ، أ ، و : "اللذات".
في جـ ، ط ، ب ، و : "والرياضة".
في جـ : "فهذا".
في جـ : "أعطاهم الله" ، وفي أ : "على عطاء الله".
في جـ : "والعادات".
في جـ : "من المناسب".
في جـ ، ط ، ب ، أ ، و : "والدخن".
في ط ، ب ، أ ، و : "وعمل تسخير".
زيادة من جـ ، ط ، ب ، أ ، و.
في جـ : "إذا استقر".
في ط : "مما".
في جـ : "الخلال".
(1/368)
أحسنَ ، مثل أن يجلس المشعبذ في موضع مضيء جدًا ، أو مظلم ، فلا تقف القوة الناظرة (1) على أحوالها بكلالها (2) والحالة هذه.
قلت : وقد قال بعض المفسرين : إن سحر السحرة بين يدي فرعون إنما كان من باب الشعبذة ، ولهذا قال تعالى : { فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ } [الأعراف : 116] وقال تعالى : { يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى } [طه : 66] قالوا : ولم تكن تسعى في نفس الأمر. والله أعلم.
النوع الخامس من السحر : الأعمال العجيبة التي تظهر من تركيب الآلات المركبة من النسب الهندسية ، كفارس على فرس في يده بوق ، كلما مضت ساعة من النهار ضرب (3) بالبوق ، من غير أن يمسه أحد. ومنها الصور التي تُصَوِّرها الرومُ والهند ، حتى لا يفرق الناظر بينها وبين الإنسان ، حتى يصورونها ضاحكة وباكية.
إلى أن قال : فهذه الوجوه من لطيف أمور المخاييل. قال : وكان سحر سحرة فرعون من هذا القبيل.
قلت : يعني ما قاله بعض المفسرين : أنهم عمدوا إلى تلك الحبال والعصي ، فحشوها زئبقًا فصارت تتلوى بسبب ما فيها من ذلك الزئبق ، فيخيل إلى الرائي أنها تسعى باختيارها.
قال الرازي : ومن هذا الباب تركيب صندوق الساعات ، ويندرج في هذا الباب علم جَرِّ الأثقال بالآلات الخفيفة.
قال : وهذا في الحقيقة لا ينبغي أن يعد من باب السحر ؛ لأن لها أسبابًا (4) معلومة يقينية (5) من اطلع عليها قدر عليها.
قلت : ومن هذا القبيل حيل النصارى على عامتهم ، بما يُرُونَهم إياه من الأنوار ، كقضية قُمَامة الكنيسة التي لهم ببلد (6) المقدس ، وما يحتالون به من إدخال النار خفية إلى الكنيسة ، وإشعال ذلك القنديل بصنعة لطيفة تروج على العوام (7) [منهم] (8) وأما الخواص فهم يعترفون بذلك ، ولكن يتأولون أنهم يجمعون شمل أصحابهم على دينهم ، فيرون ذلك سائغًا لهم. وفيه شبه (9) للجهلة الأغبياء من متعبدي (10) الكَرّامية الذين يرون جواز وضع الأحاديث في الترغيب والترهيب ، فيدخلون في عداد من قال رسول الله {{ص}} فيهم (11) : "من كذب عليّ متعمدًا فليتبوأ مقعده من
__________
في جـ ، ط ، ب : "الباصرة".
في جـ ، ط ، ب : "لكلالها" وفي أ : "بكمالها".
في جـ ، ط : "ضرب مرة".
في أ : "أنسابًا".
في ط ، أ : "متيقنة".
في جـ : "ببيت" وفي و : "بالبلد".
في جـ ، ط ، ب : "الطعام".
زيادة من جـ ، ط ، ب.
في جـ : "وفيه شبهة" ، في أ : "وفيهم شبه".
في أ : "متعدي".
في جـ : "من قال فيهم رسول الله {{ص}}".
(1/369)
النار (1) ". وقوله : "حدثوا عني ولا تكذبوا عَلَيّ فإنه من يكذب عليّ يلج النار" (2).
ثم ذكر ههنا حكاية عن بعض الرهبان ، وهو أنه سمع صوت طائر حزين (3) الصوت ضعيف الحركة ، فإذا سمعته الطيور تَرِقّ له فتذهب فتلقي في وَكْره من ثمر الزيتون ، ليتبلغ (4) به ، فعَمَد هذا الراهبُ إلى صنعة طائر على شكله ، وتوصل إلى أن جعله أجوف ، فإذا دخلته الريح يسمع له (5) صوت كصوت ذلك الطائر ، وانقطع في صومعة ابتناها ، وزعم أنها على قبر بعض صالحيهم ، وعلق ذلك الطائر في مكان منها ، فإذا كان زمان الزيتون فتح بابًا من ناحيه ، فتدخل الريح إلى داخل هذه الصورة ، فَيُسْمَعُ صوتها كذلك الطائر في شكله أيضًا ، فتأتي الطيور فتحمل من الزيتون شيئًا كثيرًا فلا ترى النصارى إلا ذلك الزيتون في هذه الصومعة ، ولا يدرون ما سببه ؟ ففتنهم بذلك ، وأوهم (6) أن هذا من كرامات صاحب هذا القبر ، عليهم لعائن الله المتتابعة (7) إلى يوم القيامة.
قال الرازي : النوع السادس من السحر : الاستعانة بخواص الأدوية يعني في الأطعمة والدهانات (8). قال : واعلم أن لا سبيل إلى إنكار الخواص ، فإن أثر المغناطيس مشاهد.
قلت : يدخل في هذا القبيل كثير ممن يَدّعي الفقر ويتخيل على جهلة الناس بهذه الخواص ، مدعيًا أنها أحوال له (9) من مخالطة النيران ومسك الحيات إلى غير ذلك من المحالات.
قال : النوع السابع من السحر : تعليق (10) القلب ، وهو أن يدعي الساحرُ أنه عرف الاسم الأعظم ، وأن الجن يطيعونه وينقادون له في أكثر الأمور ، فإذا اتفق أن يكون ذلك السامع لذلك ضعيف العقل (11) قليل التمييز اعتقد أنه حق ، وتعلق قلبه بذلك وحصل في نفسه نوع من الرهب والمخافة ، فإذا حصل الخوف ضعفت القوى الحساسة (12) فحينئذ يتمكن الساحر أن يفعل ما يشاء.
قلت : هذا النمط يقال له التنبلة ، وإنما يروج على الضعفاء العقول من بني آدم. وفي علم الفراسة ما يرشد إلى معرفة كامل العقل من ناقصه ، فإذا كان المُتَنْبِلُ حاذقًا في علم الفراسة عرف من ينقاد له مِنَ الناس مِنْ غيره.
قال : النوع الثامن من السحر : السعي بالنميمة والتضريب (13) من وجوه خفيفة لطيفة ، وذلك شائع في الناس.
__________
هذا الحديث رواه جمع من الصحابة عن النبي {{ص}} عدهم الإمام الطبراني في جزء له فأوصلهم فوق الستين ، وانظره في : صحيح البخاري برقم (107) من حديث الزبير رضي الله عنه ، وفي مقدمة صحيح مسلم برقم (2 - 4) من حديث أنس وأبي هريرة والمغيرة رضي الله عنهم".
رواه مسلم في مقدمة صحيحه برقم (1) من حديث علي رضي الله عنه.
في أ ، و ك : "حنين".
في جـ ، أ : "ليبتلع".
في جـ ، ط ، ب ، أ ، و : "يسمع منه".
في جـ : "وأوهمهم".
في جـ ، ط ، ب : "التابعة" ، وفي أ : "البالغة".
في جـ : "في الأطعمة والدهان".
في جـ : "أنها أحواله".
في جـ : "تعلق".
في ب ، أ ، و : "القلب".
في جـ : "القوى الحسية".
في ب : "التضرب".
(1/370)
قلت : النميمة على قسمين ، تارة تكون على وجه التحريش [بين الناس] (1) وتفريق قلوب المؤمنين ، فهذا حرام متفق عليه. فأما إذا (2) كانت على وجه الإصلاح [بين الناس] (3) وائتلاف كلمة المسلمين ، كما جاء في الحديث : "ليس بالكذاب من يَنمّ خيرًا" أو يكون على وجه التخذيل والتفريق بين جموع الكفرة" فهذا أمر مطلوب ، كما جاء في الحديث : "الحرب خدعة". وكما فعل نعيم بن مسعود (4) في تفريقه بين كلمة الأحزاب وبين (5) قريظة ، وجاء إلى هؤلاء فنمى إليهم عن هؤلاء كلامًا ، ونقل من هؤلاء إلى أولئك شيئًا آخر ، ثم لأم بين ذلك ، فتناكرت النفوس وافترقت. وإنما يحذو على مثل هذا الذكاء والبصيرة النافذة. والله المستعان.
ثم قال الرازي : فهذه جملة الكلام في أقسام السحر وشرح أنواعه وأصنافه.
قلت : وإنما أدخل كثيرًا من هذه الأنواع المذكورة في فَنّ السحر ، للطافة مداركها ؛ لأن السحر في اللغة : عبارة عما لطُف وخفي سببه. ولهذا جاء في الحديث : "إن من البيان لسحرًا (6). وسمي السحور لكونه يقع خفيًا آخر الليل (7) والسَّحْر : الرئة ، وهي محل الغذاء ، وسميت بذلك لخفائها ولطف مجاريها إلى أجزاء البدن وغضونه ، كما قال أبو جهل يوم بدر لعتبة : انتفخ سحرك (8) أي : انتفخت رئته من الخوف. وقالت عائشة ، رضي الله عنها : توفي رسول {{ص}} بين سَحْري ونَحْري. وقال : { سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ } أي : أخفوا عنهم عملهم ، والله أعلم (9).
[فصل] (10) وقد ذكر الوزير أبو المظفر يحيى بن هَبيرة بن محمد بن هبيرة في كتابه : "الإشراف على مذاهب الأشراف" بابًا في السحر ، فقال : أجمعوا على أن السحر له حقيقة إلا أبا حنيفة ، فإنه قال : لا حقيقة له عنده. واختلفوا فيمن يتعلم السحر ويستعمله ، فقال أبو حنيفة ومالك وأحمد : يكفر بذلك. ومن أصحاب أبي حنيفة من قال : إن تعلمه ليتقيه أو ليجتنبه فلا يكفر ، ومن تعلمه معتقدًا جوازه أو أنه ينفعه كَفَر. وكذا من اعتقد أن الشياطين تفعل له ما يشاء فهو كافر. وقال الشافعي ، رحمه الله : إذا تعلم السحر قلنا له : صف لنا سحرك. فإن وصف ما يوجب الكفر مثل ما اعتقده أهل بابل من التقرب إلى الكواكب السبعة ، وأنها تفعل ما يلتمس منها ، فهو كافر. وإن كان لا يوجب الكفر فإن اعتقد إباحته فهو كافر.
قال ابن هبيرة : وهل يقتل بمجرد فعله واستعماله ؟ فقال مالك وأحمد : نعم. وقال الشافعي وأبو حنيفة : لا. فأما إن قتل بسحره إنسانا فإنه يُقْتل عند مالك والشافعي وأحمد. وقال أبو حنيفة : لا
__________
زيادة من جـ ، ط ، ب ، أ ، و : "فأما إن".
في جـ ، ط ، ب ، أ ، و.
زيادة من جـ ، ط ، ب ، أ ، و.
في جـ : "ابن الأسود".
في جـ ، ط ، ب ، أ ، و : "وبني".
في جـ ، ط ، ب ، أ ، و : "سحرًا".
في جـ : "الليلة".
في جـ ، ب ، أ ، و : "سحره".
في جـ : "والله تبارك وتعالى أعلم".
زيادة من جـ ، ط ، ب ، أ ، و.
(1/371)
يقتل حتى يتكرر منه ذلك (1) أو يقر بذلك في حَقّ شخص (2) معين. وإذا قُتل فإنه يُقْتَل حدًا عندهم إلا الشافعي ، فإنه قال : يقتل - والحالة هذه - قصاصًا.
قال : وهل إذا تاب الساحر تقبل توبته ؟ فقال مالك ، وأبو حنيفة وأحمد في المشهور عنهما : لا تقبل. وقال الشافعي وأحمد في الرواية الأخرى : تقبل. وأما ساحر أهل الكتاب فعند أبي حنيفة أنه يقتل ، كما يقتل الساحر المسلم. وقال مالك والشافعي وأحمد : لا يقتل. يعني لقصة لبيد بن أعصم (3).
واختلفوا في المسلمة الساحرة ، فعند أبي حنيفة (4) لا تقتل ، ولكن تحبس. وقال الثلاثة : حكمها حكم الرجل ، والله أعلم.
وقال أبو بكر الخلال : أخبرنا أبو بكر المروزي ، قال : قَرَأ على أبي عبد الله - يعني أحمد بن حنبل - عُمَرُ بن هارون ، حدثنا يونس ، عن الزهري ، قال : يقتل ساحر المسلمين ولا يقتل ساحر المشركين ؛ لأن رسول الله {{ص}} سحرته امرأة من اليهود فلم يقتلها.
وقد نقل القرطبي عن مالك ، رحمه الله ، أنه قال في الذمي إذا سحر يقتل إن قتل سحره ، وحكى ابن خويز منداد عن مالك روايتين في الذمي إذا سحر : إحداهما : أنه يستتاب فإن أسلم وإلا قتل ، والثانية : أنه يقتل وإن أسلم ، وأما الساحر المسلم فإن تضمن سحره كفرًا كفر عند الأئمة الأربعة وغيرهم لقوله تعالى : " وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ ". لكن قال مالك : إذا ظهر عليه لم تقبل توبته لأنه كالزنديق ، فإن تاب قبل أن يظهر عليه وجاءنا تائبًا قبلناه ولم نقتله ، فإن قتل سحره قتل. قال الشافعي : فإن قال : لم أتعمد القتل فهو مخطئ تجب عليه الدية.
مسألة : وهل يسأل الساحر حل سحره ؟ فأجاز سعيد بن المسيب فيما نقله عنه البخاري ، وقال عامر الشعبي : لا بأس بالنشرة ، وكره ذلك الحسن البصري ، وفي الصحيح عن عائشة : أنها قالت : يا رسول الله ، هلا تنشرت ، فقال : "أما الله فقد شفاني ، وخشيت أن أفتح على الناس شرًا" (5). وحكى القرطبي عن وهب : أنه قال : يؤخذ سبع ورقات من سدر فتدق بين حجرين ثم تضرب بالماء ويقرأ عليها آية الكرسي ويشرب منها المسحور ثلاث حسوات ثم يغتسل بباقيه فإنه يذهب ما به ، وهو جيد للرجل الذي يؤخذ عن امرأته.
قلت : أنفع ما يستعمل لإذهاب السحر ما أنزل الله على رسوله {{ص}} في إذهاب ذلك وهما المعوذتان ، وفي الحديث : "لم يتعوذ المتعوذون بمثلهما" (6) وكذلك قراءة آية الكرسي فإنها مطردة للشيطان. وقال أبو عبد الله القرطبي : وعندنا أن السحر حق ، وله حقيقة يخلق الله عنده ما يشاء.
__________
في جـ : "منه الفعل".
في أ : "في حق رجل".
في أ : "لقضية لبيد بن الأعصم".
في جـ ، ط ، ب ، أ ، و : "فعند أبي حنيفة أنها".
صحيح البخاري برقم (5766) وصحيح مسلم برقم (2189).
رواه النسائي في السنن (8/ 251) من حديث عقبة بن عامر رضي الله عنه.
(1/372)
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا وَاسْمَعُوا وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ (104) مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (105)
خلافًا للمعتزلة وأبي إسحاق الإسفرايني من الشافعية حيث قالوا : إنه تمويه وتخيل. قال : ومن السحر ما يكون بخفة اليد كالشعوذة والشعوذي البريد ؛ لخفة سيره. قال ابن فارس : هذه الكلمة من كلام أهل البادية. قال القرطبي : ومنه ما يكون كلامًا يحفظ ورقى من أسماء الله تعالى ، وقد يكون من عهود الشياطين ويكون أدوية وأدخنة وغير ذلك. قال : وقوله ، عليه السلام : "إن من البيان لسحرا" (1) يحتمل أن يكون مدحًا كما تقوله طائفة ، ويحتمل أن يكون ذمًا للبلاغة. قال : وهذا الأصح. قال : لأنها تصوب الباطل حين يوهم السامع أنه حق كما قال : "فلعل بعضكم أن يكون ألحن لحجته من بعض" فاقتضى له ، الحديث.
{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا وَاسْمَعُوا وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ (104) مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنزلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (105) }
نهى الله تعالى المؤمنين أن يتشبهوا بالكافرين في مقالهم وفعالهم ، وذلك أن اليهود كانوا يُعَانُون من الكلام ما فيه تورية لما يقصدونه من التنقيص - عليهم لعائن الله - فإذا أرادوا أن يقولوا : اسمع لنا يقولون : راعنا. يورون (2) بالرعونة ، كما قال تعالى : { مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانْظُرْنَا لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَقْوَمَ وَلَكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلا يُؤْمِنُونَ إِلا قَلِيلا } [النساء : 46] وكذلك جاءت الأحاديث بالإخبار عنهم ، بأنهم كانوا إذا سَلَّموا إنما يقولون : السامُ عليكم. والسام هو : الموت. ولهذا (3) أمرنا أن نرد عليهم بـ "وعليكم". وإنما يستجاب لنا فيهم ، ولا يستجاب لهم فينا.
والغرض : أن الله تعالى نهى المؤمنين عن مشابهة الكافرين قولا وفعلا. فقال : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا وَاسْمَعُوا وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ }
وقال الإمام أحمد : حدثنا أبو النضر ، حدثنا عبد الرحمن بن ثابت ، حدثنا حسان بن عطية ، عن أبي مُنيب الجُرَشي ، عن ابن عمر ، رضي الله عنهما ، قال : قال رسول الله {{ص}} : "بعثت بين يدي الساعة بالسيف ، حتى يُعبد الله وحده لا شريك له. وجعل رزقي تحت ظل رمحي ، وجعلت الذلة والصَّغارُ على من خالف أمري ، ومن تشبه بقوم فهو منهم".
وروى أبو داود ، عن عثمان بن أبي شيبة ، عن أبي النضر هاشم بن القاسم به (4) "من تشبه بقوم فهو منهم"
__________
رواه أبو داود في السنن برقم (5011) والترمذي في السنن برقم (2845) من حديث ابن عباس رضي الله عنه ، ورواه أبو داود في السنن برقم (5012) من حديث بريده رضي الله عنه.
في جـ ، ط ، ب : "ويورون" ، وفي أ : "ويرون".
في جـ : "ولقد".
المسند (2/92) وسنن أبي دواد برقم (4031).
(1/373)
ففيه دلالة على النهي الشديد والتهديد والوعيد ، على التشبه بالكفار في أقوالهم وأفعالهم ، ولباسهم وأعيادهم ، وعباداتهم وغير ذلك من أمورهم التي لم تشرع لنا ولا نُقَرر عليها.
وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي ، حدثنا نعيم بن حماد ، حدثنا عبد الله بن المبارك ، حدثنا مِسْعَر ، عن مَعْن وعَوْن - أو أحدهما - أن رجلا أتى عبد الله بن مسعود ، فقال : اعهد إلي. فقال : إذا سمعت الله يقول { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا } فأرعها سَمْعك ، فإنه خير يأمر به أو شر ينهى عنه (1).
وقال الأعمش ، عن خيثمة ، قال : ما تقرؤون في القرآن : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا } فإنه في التوراة : "يا أيها المساكين".
وقال محمد بن إسحاق : حدثني محمد بن أبي محمد ، عن سعيد بن جبير أو عكرمة ، عن ابن عباس : { راعنا } أي : أرعنا (2) سمعك.
وقال الضحاك ، عن ابن عباس : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقُولُوا رَاعِنَا } قال : كانوا يقولون للنبي {{ص}} أرعنا سمعك. وإنما { راعنا } كقولك : عاطنا.
وقال ابن أبي حاتم : وروي عن أبي العالية ، وأبي مالك ، والربيع بن أنس ، وعطية العوفي ، وقتادة ، نحو ذلك.
وقال مجاهد : { لا تَقُولُوا رَاعِنَا } لا تقولوا خلافا. وفي رواية : لا تقولوا : اسمع منا ونسمع منك.
وقال عطاء : { لا تَقُولُوا رَاعِنَا } كانت لُغة تقولها الأنصار فنهى الله عنها.
وقال الحسن : { لا تَقُولُوا رَاعِنَا } قال : الراعن من القول السخري منه. نهاهم الله أن يسخروا من قول محمد {{ص}} ، وما يدعوهم إليه من الإسلام. وكذا روي عن ابن جُرَيج أنه قال مثله.
وقال أبو صخر : { لا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا وَاسْمَعُوا } قال : كان رسول الله {{ص}} ، إذا أدبر ناداه من كانت له حاجة من المؤمنين ، فيقول : أرعنا (3) سمعك. فأعظم الله رسوله {{ص}} أن يقال ذلك له (4).
وقال السدي : كان رجل من اليهود من بني قينقاع ، يدعى رفاعة بن زيد (5) يأتي النبي {{ص}} ، فإذا لقيه فكلمه قال : أرعني سمعك واسمع غير مُسْمع. وكان المسلمون يحسبون أن الأنبياء كانت تُفَخم بهذا ، فكان ناس منهم يقولون : اسمع غير مسمع : غَيْرَ صاغر. وهي كالتي (6) في سورة النساء. فتقدم الله إلى المؤمنين أن لا يقولوا : راعنا.
__________
تفسير ابن أبي حاتم (1/317).
في أ : "أى راعنا".
في أ : "فيقول راعنا".
في جـ : "أن يقال له ذلك".
في جـ : "بن يزيد".
في جـ : "هي التي".
(1/374)
وكذا قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم ، بنحو من هذا.
قال ابن جرير : والصواب من القول في ذلك عندنا : أن الله نهى المؤمنين أن يقولوا لنبيه {{ص}} : راعنا ؛ لأنها كلمة كرهها الله تعالى أن يقولها لنبيه {{ص}} ، نظير الذي ذكر عن النبي قال : "لا تقولوا للعنب الكرم ، ولكن قولوا : الحَبَلَة. ولا تقولوا : عبدي ، ولكن قولوا : فتاي". وما أشبه ذلك.
وقوله تعالى : { مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنزلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ } يبين بذلك تعالى شدة عداوة (1) الكافرين من أهل الكتاب والمشركين ، الذين حذر تعالى من مشابهتهم للمؤمنين ؛ ليقطع المودة بينهم وبينهم. وينبِّه تعالى على ما أنعم به على المؤمنين من الشرع التام الكامل ، الذي شرعه لنبيهم محمد {{ص}} ، حيث يقول تعالى : { وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ }
__________
في أ : "شدة عداوته".
(1/375)
مَا نَنْسَخْ مِنْ آَيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (106) أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ (107)
{ مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (106) أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ (107) }
قال ابن أبي طلحة ، عن ابن عباس : { مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ } ما نبدل من آية.
وقال ابن جُرَيج ، عن مجاهد : { مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ } أي : ما نمح من آية.
وقال ابن أبي نَجِيح ، عن مجاهد : { مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ } قال : نثبت خطها ونبدل حكمها. حَدَّث به عن أصحاب عبد الله بن مسعود.
وقال ابن أبي حاتم : وروي عن أبي العالية ، ومحمد بن كعب القرظي ، نحو ذلك.
وقال الضحاك : { مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ } ما نُنْسِكَ. وقال عطاء : أما { مَا نَنْسَخْ } فما نترك (1) من القرآن. وقال ابن أبي حاتم : يعني : تُرِكَ فلم ينزل على محمد {{ص}}.
وقال السدي : { مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ } نسخها : قبضها. وقال ابن أبي حاتم : يعني : قبضها : رفعها ، مثل قوله : الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة. وقوله : "لو كان لابن آدم واديان من مال لابتغى لهما ثالثًا".
وقال ابن جرير : { مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ } ما ينقل من حكم آية إلى غيره فنبدله ونغيره ، وذلك أن يُحوَّل الحلالُ حرامًا والحرام حلالا والمباح محظورًا ، والمحظور مباحًا. ولا يكون ذلك إلا في الأمر والنهي والحظر والإطلاق والمنع والإباحة. فأما الأخبار فلا يكون فيها ناسخ ولا منسوخ. وأصل النسخ من نسخ الكتاب ، وهو نقله من نسخة أخرى إلى غيرها ، فكذلك معنى نسخ الحكم إلى غيره ،
__________
في أ : "فما ترك".
(1/375)
إنما هو تحويله ونقل عبَادَة إلى غيرها. وسواء نسخ حكمها أو خطها ، إذ هي في كلتا حالتيها منسوخة. وأما علماء الأصول فاختلفت عباراتهم في حد النسخ ، والأمر في ذلك قريب ؛ لأن معنى النسخ الشرعي معلوم عند العلماء ولخَّص (1) بعضهم أنه رفع الحكم بدليل شرعي متأخر. فاندرج في ذلك نسخ الأخف بالأثقل ، وعكسه ، والنسخ لا إلى بدل. وأما تفاصيل أحكام النسخ وذكر أنواعه وشروطه فمبسوط في فَنِّ أصول الفقه.
وقال الطبراني : حدثنا أبو شبيل (2) عبيد الله بن عبد الرحمن بن واقد ، حدثنا أبي ، حدثنا العباس بن الفضل ، عن سليمان بن أرقم ، عن الزهري ، عن سالم ، عن أبيه ، قال : قرأ رجلان سورة أقرأهما رسول الله {{ص}} فكانا يقرآن بها ، فقاما ذات ليلة يصليان ، فلم يقدرا منها على حرف فأصبحا غاديين على رسول الله {{ص}} فذكرا ذلك له ، فقال رسول الله {{ص}} : "إنها مما نسخ وأنسي ، فالهوا عنها". فكان الزهري يقرؤها : { مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا } (3) بضم النون خفيفة (4). سليمان بن أرقم ضعيف.
[وقد روى أبو بكر بن الأنباري ، عن أبيه ، عن نصر بن داود ، عن أبي عبيد ، عن عبد الله بن صالح ، عن الليث ، عن يونس وعبيد وعقيل ، عن ابن شهاب ، عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف مثله مرفوعًا ، ذكره القرطبي (5) ] (6).
وقوله تعالى : { أَوْ نُنْسِهَا } (7) فقرئ على وجهين : "ننسأها ونُنْسها". فأما من قرأها : "نَنسأها" - بفتح النون والهمزة بعد السين - فمعناه : نؤخرها. قال علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس : { مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسئهَا } يقول : ما نبدل من آية ، أو نتركها لا نبدلها.
وقال مجاهد عن أصحاب ابن مسعود : { أَوْ نُنسِئَهَا } نثبت خطها ونبدل حكمها. وقال (8) عبيد بن عمير ، ومجاهد ، وعطاء : { أَوْ نُنسِئَهَا } نؤخرها ونرجئها. وقال عطية العوفي : { أَوْ نُنسِئَهَا } نؤخرها فلا ننسخها. وقال السدي مثله أيضا ، وكذا [قال] (9) الربيع بن أنس. وقال الضحاك : { مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِئَهَا } يعني : الناسخ من المنسوخ. وقال أبو العالية : { مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِئَهَا } أي : نؤخرها عندنا.
وقال ابن حاتم : حدثنا عبيد الله بن إسماعيل البغدادي ، حدثنا خلف ، حدثنا الخفاف ، عن إسماعيل - يعني ابن مسلم - عن حبيب بن أبي ثابت ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس قال :
__________
في ط : "ويخص".
في هـ : "أبو سنبل" وهو خطأ.
في ط : "أو ننسيها".
المعجم الكبير (12/288).
ورواه الطحاوى في مشكل الآثار برقم (2034) من طريق ابن وهب ، عن يونس عن ابن شهاب ، عن أبي أمامة به ، وبرقم (2035) من طريق شعيب بن أبي حمزة عن الزهري عن أبي أمامة به.
زيادة من جـ ، ط.
في ط ، ب ، أ : "أو ننساها".
في جـ ، ط ، أ : "وكما قال".
زيادة من أ.
(1/376)
خطبنا عمر ، رضي الله عنه ، فقال : يقول الله عز وجل : { مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا } أي : نؤخرها.
وأما على قراءة : { أَوْ نُنْسِهَا } فقال عبد الرزاق ، عن قتادة في قوله : { مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا } قال : كان الله تعالى ينسي نبيه ما يشاء وينسخ ما يشاء.
وقال ابن جرير : حدثنا سواد (1) بن عبد الله ، حدثنا خالد بن الحارث ، حدثنا عوف ، عن الحسن أنه قال في قوله : { أَوْ نُنْسِهَا } (2) قال : إن نبيكم {{ص}} أقرئ قرآنا ثم نسيه.
وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي ، حدثنا ابن نُفَيل ، حدثنا محمد بن الزبير الحراني ، عن الحجاج - يعني الجزري (3) - عن عِكرمة ، عن ابن عباس ، قال : كان مما ينزل على النبي {{ص}} الوحي بالليل وينساه بالنهار ، فأنزل الله ، عز وجل : { مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا }
قال أبو حاتم : قال لي أبو جعفر بن نفيل : ليس هو الحجاج بن أرطاة ، هو شيخ لنا جَزَري.
وقال عبيد بن عمير : { أَوْ نُنْسِهَا } نرفعها من عندكم.
وقال ابن جرير : حدثني يعقوب بن إبراهيم ، حدثنا هُشَيْم ، عن يعلى بن عطاء ، عن القاسم بن ربيعة قال : سمعت سعد بن أبي وقاص يقرأ : " ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَو تَنْسَهَا" قال : قلت له : فإن سعيد بن المسيَّب يقرأ : "أَو تُنْسَأها". قال : فقال (4) سعد : إن القرآن لم ينزل على المسيب ولا على آل المسيب ، قال الله ، جل ثناؤه : { سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسَى } [الأعلى : 6]{ وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ } [الكهف : 24]. (5).
وكذا رواه عبد الرزاق ، عن هشيم (6) وأخرجه الحاكم في مستدركه من حديث أبي حاتم الرازي ، عن آدم ، عن شعبة ، عن يعلى بن عطاء ، به. وقال : على شرط الشيخين ، ولم يخرجاه.
قال ابن أبي حاتم : وروي عن محمد بن كعب ، وقتادة وعكرمة ، نحو قول سعيد.
وقال الإمام أحمد : أخبرنا يحيى ، حدثنا سفيان الثوري ، عن حبيب بن أبي ثابت ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ، قال : قال عمر : عليٌّ أقضانا ، وأُبيٌّ أقرؤنا ، وإنا لندع بعض ما يقول أُبيُّ ، وأبيّ يقول : سمعت رسول الله {{ص}} يقول ، فلن أدعه لشيء. والله يقول : { مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِئَها نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا }.
قال البخاري : حدثنا عمرو بن علي ، حدثنا يحيى ، حدثنا سفيان ، عن حبيب ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ، قال : قال عمر : أقرؤنا أُبيٌّ ، وأقضانا علي ، وإنا لندع من قول أبيّ ، وذلك أن
__________
في جـ ، ط ، ب ، أ ، و : "حدثنا سوار".
في جـ ، ب ، أ : "أو ننسئها".
في جـ : "الجوزي".
في جـ : "فقال قال".
تفسير الطبري (2/475).
تفسير عبد الرزاق (1/75).
(1/377)
أبيا يقول : لا أدع شيئًا سمعته من رسول الله {{ص}}. وقد قال الله : { مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا } (1)
وقوله : { نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا } أي : في الحكم بالنسبة إلى مصلحة المكلفين ، كما قال علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس : { نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا } يقول : خير لكم في المنفعة ، وأرفق بكم.
وقال أبو العالية : { مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ } فلا نعمل بها ، { أَوْ نُنسئهَا } أي : نرجئها (2) عندنا ، نأت بها أو نظيرها.
وقال السدي : { نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا } يقول : نأت بخير من الذي نسخناه ، أو مثل الذي تركناه.
وقال قتادة : { نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا } يقول : آية فيها تخفيف ، فيها رخصة ، فيها أمر ، فيها نهي.
وقوله : { أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ* أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ } يرشد تعالى بهذا إلى أنه المتصرف في خلقه بما يشاء ، فله الخلق والأمر وهو المتصرف ، فكما خلقهم كما يشاء ، ويسعد من يشاء ، ويشقي من يشاء ، ويصح من يشاء ، ويمرض من يشاء ، ويوفق من يشاء ، ويخذل من يشاء ، كذلك يحكم في عباده بما يشاء ، فيحل ما يشاء ، ويحرم ما يشاء ، ويبيح ما يشاء ، ويحظر ما يشاء ، وهو الذي يحكم ما يريد لا معقب لحكمه. ولا يسأل عما يفعل وهم يسألون. ويختبر عباده وطاعتهم لرسله بالنسخ ، فيأمر بالشيء لما فيه من المصلحة التي يعلمها تعالى ، ثم ينهى عنه لما يعلمه تعالى.. فالطاعة كل الطاعة في امتثال أمره واتباع رسله في تصديق ما أخبروا. وامتثال ما أمروا. وترك ما عنه زجروا. وفي هذا المقام رد عظيم وبيان بليغ لكفر (3) اليهود وتزييف شبهتهم - لعنهم الله (4) - في دعوى استحالة النسخ إما عقلا كما زعمه بعضهم جهلا وكفرا ، ً وإما نقلا كما تخرصه آخرون منهم افتراء وإفكا.
قال الإمام أبو جعفر بن جرير ، رحمه الله : فتأويل الآية : ألم تعلم يا محمد أن لي ملك السماوات والأرض وسلطانهما دون غيري ، أحكم فيهما وفيما فيهما بما أشاء ، وآمر فيهما وفيما فيهما بما أشاء ، وأنهى عما أشاء ، وأنسخ وأبدل وأغير من أحكامي التي أحكم بها في عبادي ما أشاء إذا أشاء ، وأقر فيهما ما أشاء.
ثم قال : وهذا الخبر وإن كان من الله تعالى خطابا لنبيه {{ص}} على وجه الخبر عن عظمته ، فإنه منه تكذيب لليهود الذين أنكروا نَسْخَ أحكام التوراة ، وجحدوا نبوة عيسى ومحمد ، عليهما الصلاة
__________
صحيح البخاري برقم (4481).
في جـ : "نؤخرها" ، وفي أ : "نركثها".
في أ : "لكفار".
في أ : "لعنة الله عليهم".
(1/378)
والسلام ، لمجيئهما (1) بما جاءا به من عند الله بتغير ما غير الله من حكم التوراة. فأخبرهم الله أن له ملك السماوات والأرض وسلطانهما ، وأن الخلق أهل مملكته وطاعته وعليهم السمع والطاعة لأمره ونهيه ، وأن له أمرهم بما يشاء ، ونهيهم عما يشاء ، ونسخ ما يشاء ، وإقرار ما يشاء ، وإنشاء ما يشاء من إقراره وأمره ونهيه.
[وأمر إبراهيم ، عليه السلام ، بذبح ولده ، ثم نسخه قبل الفعل ، وأمر جمهور بنى إسرائيل بقتل من عبد العجل منهم ، ثم رفع عنهم القتل كيلا يستأصلهم القتل (2) ].
قلت : الذي يحمل اليهود على البحث في مسألة النسخ ، إنما هو الكفر والعناد ، فإنه ليس في العقل ما يدل على امتناع النسخ في أحكام الله تعالى ؛ لأنه يحكم ما يشاء كما أنه يفعل ما يريد ، مع أنه قد وقع ذلك في كتبه المتقدمة وشرائعه الماضية ، كما أحل لآدم تزويج بناته من بنيه ، ثم حرم ذلك ، وكما أباح لنوح بعد خروجه من السفينة أكل جميع الحيوانات ، ثم نسخ حِلُّ بعضها ، وكان نكاح الأختين مباح لإسرائيل وبنيه ، وقد حرم ذلك في شريعة التوراة وما بعدها. وأشياء كثيرة يطول ذكرها ، وهم يعترفون بذلك ويصدفون عنه. وما يجاب به عن هذه الأدلة بأجوبة لفظية ، فلا تصرف الدلالة في المعنى ، إذ هو المقصود ، وكما في كتبهم مشهورا من البشارة بمحمد {{ص}} والأمر باتباعه ، فإنه يفيد وجوب متابعته ، عليه والسلام ، وأنه لا يقبل عمل إلا على شريعته. وسواء قيل إن الشرائع المتقدمة مُغَيَّاة إلى بعثته ، عليه السلام ، فلا يسمى ذلك نسخًا كقوله : { ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ } [البقرة : 187] ، وقيل : إنها مطلقة ، وإن شريعة محمد {{ص}} نسختها ، فعلى كل تقدير فوجوب اتباعه معين (3) لأنه جاء بكتاب هو آخر (4) الكتب عهدا بالله تبارك وتعالى.
ففي هذا المقام بين تعالى جواز النسخ ، ردا على اليهود ، عليهم لعائن الله ، حيث قال تعالى : { أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ* أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ } الآية ، فكما أن له الملك بلا منازع ، فكذلك له الحكم بما يشاء ، { أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأمْرُ } [الأعراف : 54] وقرئ في سورة آل عمران ، التي نزل صدرها خطابًا مع أهل الكتاب ، وقوع النسخ عند اليهود في وقوله تعالى : { كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ } الآية [آل عمران : 93] كما سيأتي تفسيرها ، والمسلمون كلهم متفقون على جواز النسخ في أحكام الله تعالى ، لما له في ذلك من الحكم البالغة ، وكلهم قال بوقوعه. وقال أبو مسلم الأصبهاني المفسر : لم يقع شيء من ذلك في القرآن ، وقوله هذا ضعيف مردود مرذول. وقد تعسف في الأجوبة عما وقع من النسخ ، فمن ذلك قضية العدة بأربعة أشهر وعشرا بعد الحول لم يجب على ذلك بكلام مقبول ، وقضية تحويل القبلة إلى الكعبة ، عن بيت المقدس لم يجب
__________
في جـ ، ط : "بمجيئها".
زيادة من جـ ، ط.
في ط ، ب : "متعين".
في ط : "هو أحدث".
(1/379)
أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ (108)
بشيء ، ومن ذلك نسخ مصابرة المسلم لعشرة من الكفرة إلى مصابرة الاثنين ، ومن ذلك نسخ وجوب الصدقة قبل مناجاة الرسول {{ص}} وغير ذلك ، والله أعلم.
== { أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالإيمَانِ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ (108) } ==
نهى الله تعالى في هذه الآية الكريمة ، عن كثرة سؤال النبي {{ص}} عن الأشياء قبل كونها ، كما قال تعالى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنزلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ } [المائدة : 101] أي : وإن تسألوا عن تفصيلها بعد نزولها تبين لكم ، ولا تسألوا عن الشيء قبل كونه ؛ فلعله أن يحرم من أجل تلك المسألة. ولهذا جاء في الصحيح : "إن أعظم المسلمين جُرْمًا من سأل عن شيء لم يحرم ، فحرم من أجل مسألته" (1). ولما سُئِل رسول الله {{ص}} عن الرجل يجد مع امرأته رجلا فإن تكلم تكلم بأمر عظيم ، وإن سكتَ سكتَ على مثل ذلك ؛ فكره رسول الله {{ص}} المسائل وعابها. ثم أنزل الله حكم الملاعنة (2). ولهذا ثبت في الصحيحين من حديث المغيرة بن شعبة : أن رسول الله {{ص}} كان ينهى عن قيل وقال ، وكثرة السؤال ، وإضاعة المال (3) وفي صحيح مسلم : "ذروني ما تركتكم ، فإنما هلك من قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم ، فإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم ، وإن (4) نهيتكم عن شيء فاجتنبوه" (5). وهذا إنما قاله بعد ما أخبرهم أن الله كتب عليهم الحج. فقال رجل : أكُل عام يا رسول الله ؟ فسكت عنه رسول الله {{ص}} ثلاثًا. ثم قال ، عليه السلام : "لا ولو قلت : نعم لوجَبَتْ ، ولو وَجَبَتْ لما استطعتم". ثم قال : "ذروني ما تركتكم" الحديث. وهكذا قال أنس بن مالك : نُهينا أن نسأل رسول الله {{ص}} عن شيء ، فكان يعجبنا أن يأتي (6) الرجل من أهل البادية فيسأله ونحن نسمع (7).
وقال الحافظ أبو يعلى الموصلي في مسنده : حدثنا أبو كُرَيب ، حدثنا إسحاق بن سليمان ، عن أبي سنان ، عن أبي إسحاق ، عن البراء بن عازب ، قال : إن كان ليأتي علَيَّ السنة أريد أن أسأل رسول الله {{ص}} عن شيء فأتهيب منه ، وإن كنا لنتمنى الأعراب.
وقال البزار : حدثنا محمد بن المثنى ، حدثنا ابن فضيل ، عن عطاء بن السائب ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ، قال : ما رأيت قوما خيرا من أصحاب محمد {{ص}} ، ما سألوه إلا عن ثنْتَي
__________
صحيح البخاري برقم (7289) وصحيح مسلم برقم (2358) من حديث سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه.
رواه البخاري في صحيحه برقم (5308 ، 5259) ومسلم في صحيحه برقم (1492) من حديث سهل بن سعد رضي الله عنه.
صحيح البخاري برقم (1477) وصحيح مسلم برقم (593).
في ط ، ب ، أ ، و : "وإذا".
صحيح مسلم برقم (1337) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
في جـ : "أن يجيء".
رواه مسلم في صحيحه برقم (12).
(1/380)
عشرة مسألة ، كلها في القرآن : { يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ } [البقرة : 219] ، و { يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ } [البقرة : 217] ، و { وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى } [البقرة : 220] يعني : هذا وأشباهه (1).
وقوله تعالى : { أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ } أي : بل تريدون. أو هي (2) على بابها في الاستفهام ، وهو إنكاري ، وهو يعم المؤمنين والكافرين ، فإنه ، عليه السلام ، رسول الله إلى الجميع ، كما قال تعالى : { يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنزلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ } [النساء : 153].
قال محمد بن إسحاق : حدثني محمد بن أبي محمد ، عن عكرمة أو سعيد [بن جبير] (3) عن ابن عباس ، قال : قال رافع بن حُرَيْمَلة - أو وهب بن زيد - : يا محمد ، ائتنا بكتاب تُنزلُه علينا من السماء نقرؤه ، وفجر لنا أنهارا نتبعك ونصدقك. فأنزل الله من قولهم : { أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالإيمَانِ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ }
وقال أبو جعفر الرازي ، عن الربيع بن أنس ، عن أبي العالية في قوله تعالى : { أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالإيمَانِ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ } (4) قال : قال رجل : يا رسول الله ، لو كانت كَفَّاراتنا كَفَّارات (5) بني إسرائيل! فقال النبي {{ص}} : "اللهم لا نبغيها - ثلاثًا - ما أعطاكم الله خَيْر مما أعطى بني إسرائيل ، كانت (6) بنو إسرائيل إذا أصاب أحدُهم الخطيئة وجدها مكتوبة على بابه وكفَّارتها ، فإن كفرها كانت له خزْيًا في الدنيا ، وإن لم يكفرها كانت له خزيًا في الآخرة. فما أعطاكم الله خير مما أعطى بني إسرائيل". قال : { وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا } [النساء : 110] ، وقال : "الصلوات الخمس من الجمعة إلى الجمعة كفارات لما بينهن". وقال : "من هم بسيئة فلم يعملها لم تكتب عليه ، وإن عملها كتبت سيئة واحدة ، ومن هم بحسنة فلم يعملها كتبت له حسنة واحدة ، وإن عملها كتبت له عشر أمثالها ، ولا يهلك على الله إلا هالك". فأنزل الله : { أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ }
وقال مجاهد : { أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ } أن يريهم الله جهرة ، قال : سألت قريش محمدا {{ص}} أن يجعل لهم الصَّفَا ذهبًا. قال : "نعم وهو لكم كالمائدة لبني إسرائيل إن كفرتم" ، فأبوا ورجعوا.
وعن السدي وقتادة نحو هذا ، والله أعلم.
والمراد أن الله ذمَّ من سأل الرسولَ {{ص}} عن شَيء ، على وجه التعنُّت والاقتراح ، كما سألت بنو إسرائيل موسى ، عليه السلام ، تعنتًا وتكذيبًا وعنادًا ، قال الله تعالى : { وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالإيمَانِ } أي :
__________
ورواه الطبراني في المعجم الكبير (11/454) من طريق عبد الله بن عمر بن أبان ، عن محمد بن فضيل به مطولاً.
في جـ : "وقيل بل هي".
زيادة من جـ.
زيادة من جـ ، ط.
في أ ، و : "ككفارات".
في جـ : "قال : كانت".
(1/381)
وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (109) وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (110)
من يَشْتَر الكفر بالإيمان { فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ } أي : فقد خرج عن (1) الطريق المستقيم إلى الجهل والضلال وهكذا حال الذين عدلوا عن تصديق الأنبياء واتباعهم والانقياد لهم ، إلى مخالفتهم وتكذيبهم والاقتراح عليهم بالأسئلة التي لا يحتاجون إليها ، على وجه التعنت والكفر ، كما قال تعالى : { أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ* جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وَبِئْسَ الْقَرَارُ } [إبراهيم : 28 ، 29].
وقال أبو العالية : يتبدل الشدة بالرخاء.
{ وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (109) وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَمَا تُقَدِّمُوا لأنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (110) }
يحذر تعالى (2) عباده المؤمنين عن سلوك طَرَائق الكفار من أهل الكتاب ، ويعلمهم بعداوتهم لهم في الباطن والظاهر وما هم مشتملون عليه من الحسد للمؤمنين ، مع علمهم بفضلهم وفضل نبيهم. ويأمر عباده المؤمنين بالصفح والعفو والاحتمال ، حتى يأتي أمر الله من النصر والفتح. ويأمرهم بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة. ويحثهم على ذلك ويرغبهم فيه ، كما قال محمد بن إسحاق : حدثني محمد بن أبي محمد ، عن سعيد بن جبير ، أو عكرمة ، عن ابن عباس ، قال : كان حُيَيُّ بن أخطب وأبو ياسر بن أخطب من أشد يهودَ للعرب حسدًا ، إذْ خَصهم الله برسوله {{ص}} وكانا جَاهدَين في ردِّ الناس عن الإسلام ما استطاعا ، فأنزل الله فيهما : { وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ } الآية.
وقال عبد الرزاق ، عن مَعْمَر عن الزهري ، في قوله تعالى : { وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ } قال : هو كعب بن الأشرف.
وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي ، حدثنا أبو اليمان ، حدثنا شعيب ، عن الزهري ، أخبرني عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك ، عن أبيه : أن كعب بن الأشرف اليهودي كان شاعرًا ، وكان يهجو النبي {{ص}}. وفيه (3) أنزل الله : { وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ } إلى قوله : { فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا }
وقال الضحاك ، عن ابن عباس : أن رسولا أميا يخبرهم بما في أيديهم من الكتب والرسل (4) والآيات ، ثم يصدق بذلك كله مثل تصديقهم ، ولكنهم جحدوا ذلك كفرًا وحسدًا وبغيًا ؛ ولذلك قال
__________
في أ : "من".
في جـ : "يحذر تبارك وتعالى".
في ط ، ب : "وفيهم".
في جـ ، ط ، ب : "من الرسل والكتب".
(1/382)
الله تعالى : { كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ } يقول : من بعد ما أضاء لهم الحق لم يجهلوا منه شيئا ، ولكن الحسد حملهم على الجحود ، فعيرَّهم ووبخهم ولامهم أشدَّ الملامة ، وشرع لنبيه {{ص}} وللمؤمنين ما هم عليه من التصديق والإيمان والإقرار بما أنزل (1) عليهم وما أنزل من قبلهم ، بكرامته وثوابه الجزيل ومعونته لهم.
وقال الربيع بن أنس : { مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ } من قبل أنفسهم. وقال أبو العالية : { مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ } من بعد ما تبين [لهم] (2) أن محمدا رسول الله يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل ، فكفروا به حسدا وبغيًا ؛ إذ كان من غيرهم. وكذا قال قتادة والربيع والسدي.
وقوله : { فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ } مثل قوله تعالى : { وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأمُورِ } [آل عمران : 186].
قال علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس في قوله : { فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ } نسخ ذلك قوله : { فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ } وقوله : { قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ } إلى قوله : { وَهُمْ صَاغِرُونَ } [التوبة : 29] فنسخ هذا عفوه عن المشركين. وكذا قال أبو العالية ، والربيع بن أنس ، وقتادة ، والسدي : إنها منسوخة بآية السيف ، ويرشد إلى ذلك أيضًا قوله : { حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ }
وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي ، حدثنا أبو اليمان (3) أخبرنا شعيب ، عن الزهري ، أخبرني عُرْوَة بن الزبير : أن أسامة بن زيد أخبره ، قال : كان رسول الله {{ص}} وأصحابه يعفون عن المشركين وأهل الكتاب ، كما أمرهم الله ، ويصبرون على الأذى ، قال الله : { فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } وكان رسول الله {{ص}} يتأوَّل من العفو ما أمره الله به ، حتى أذن الله فيهم بقتل ، فقتل الله به من قتل من صناديد قريش (4).
وهذا إسناده (5) صحيح ، ولم أره في شيء من الكتب الستة [ولكن له أصل في الصحيحين عن أسامة بن زيد رضي الله عنهما] (6).
وقوله تعالى : { وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَمَا تُقَدِّمُوا لأنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ } يَحُثُّ (7) تعالى على الاشتغال بما ينفعهم وتَعُودُ عليهم عاقبتُه يوم القيامة ، من إقام الصلاة وإيتاء الزكاة ،
__________
في جـ ، ط ، أ ، و : "أنزل الله".
زيادة من ب ، أ ، و.
في أ : "أبو الوليد".
تفسير ابن أبي حاتم (1/333).
في ط ، ب : "وهذا إسناد".
زيادة من جـ ، ط.
في جـ ، ط ، ب ، أ ، و : "يحثهم".
(1/383)
وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (111) بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (112)
حتى يمكن لهم الله (1) النصر في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد { يَوْمَ لا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ } [غافر : 52] ؛ ولهذا قال تعالى : { إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ } يعني : أنه تعالى لا يغفل عن عمل عامل ، ولا يضيع لديه ، سواء كان خيرًا أو شرًا ، فإنه سيجازي كل عامل بعمله.
وقال أبو جعفر بن جرير في قوله تعالى : { إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ } وهذا الخبر من الله للذين خاطبهم بهذه الآيات من المؤمنين ، أنهم مهما فعلوا من خير أو شر ، سرا أو علانية ، فهو به بصير لا يخفى عليه منه شيء ، فيجزيهم بالإحسان خيرًا ، وبالإساءة مثلها. وهذا الكلام وإن كان خرج مخرج الخبر ، فإن فيه وعدًا ووعيدًا وأمرًا وزجرًا. وذلك أنه أعْلَم القوم أنه بصير بجميع أعمالهم ليجدوا في طاعته إذ كان ذلك مُدَّخرًا (2) لهم عنده ، حتى يثيبهم عليه ، كما قال : { وَمَا تُقَدِّمُوا لأنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ } وليحذروا معصيته.
قال : وأما قوله : { بصير } فإنه مبصر صرف إلى "بصير" كما صرف مبدع إلى "بديع" ، ومؤلم إلى "أليم" ، والله أعلم.
وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبو زُرْعَة ، حدثنا ابن بُكَير ، حدثني ابن لَهِيعة ، عن يزيد بن أبي حبيب ، عن أبي الخير ، عن عقبة بن عامر ، قال : رأيت رسول الله {{ص}} يفسر (3) في هذه الآية { سَمِيعٌ بَصِيرٌ } يقول : بكل شيء بصير (4).
{ وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (111) بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (112) }
__________
في جـ ، ط ، ب : "يمكن الله لهم".
في ب ، أ ، و : "مذخورا".
في جـ ، ط ، ب ، أ : "يقرأ" ، وفي و : "يقترئ".
تفسير ابن أبي حاتم (1/336).
(1/384)
وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (113)
{ وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (113) }
يبين تعالى اغترار اليهود والنصارى بما هم فيه ، حيث ادعت كل طائفة من اليهود والنصارى أنه لن يدخل الجنة إلا من كان على ملتها ، كما أخبر الله عنهم في سورة المائدة أنهم قالوا : { نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ } [المائدة : 18]. فأكذبهم الله تعالى بما أخبرهم أنه معذبهم بذنوبهم ، ولو كانوا كما ادعوا لما كان الأمر كذلك ، وكما تقدم من (1) دعواهم أنه لن تمسهم النار إلا أياما معدودة ، ثم ينتقلون إلى الجنة. وردَّ عليهم تعالى في ذلك ، وهكذا قال لهم في هذه الدعوى التي ادعوها بلا دليل ولا حجة
__________
في جـ ، ط : "في".
(1/384)
ولا بينة ، فقال { تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ }
وقال أبو العالية : أماني تمنوها على الله بغير حق. وكذا قال قتادة والربيع بن أنس.
ثم قال : { قُلْ } أي : يا محمد ، { هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ }
وقال أبو العالية ومجاهد والسدي والربيع بن أنس : حجتكم. وقال قتادة : بينتكم على ذلك. { إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ } كما تدعونه (1).
ثم قال تعالى : { بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ } أي : من أخلص العمل لله وحده لا شريك له ، كما قال تعالى : { فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ } الآية [آل عمران : 20].
وقال أبو العالية والربيع : { بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ } يقول : من أخلص لله.
وقال سعيد بن جبير : { بَلَى مَنْ أَسْلَمَ } أخلص ، { وَجْهَهُ } قال : دينه ، { وَهُوَ مُحْسِنٌ } أي : متبع فيه الرسول {{ص}}. فإن للعمل (2) المتقبل شرطين ، أحدهما : أن يكون خالصًا لله وحده والآخر : أن يكون صوابًا موافقا للشريعة. فمتى كان خالصًا ولم يكن صوابًا لم يتقبل ؛ ولهذا قال رسول الله {{ص}} : "من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد". رواه مسلم من حديث عائشة ، عنه ، عليه السلام.
فعمل الرهبان ومن شابههم - وإن فرض أنهم مخلصون فيه لله - فإنه لا يتقبل منهم ، حتى يكون ذلك متابعًا للرسول [محمد] (3) {{ص}} المبعوث إليهم وإلى الناس كافة ، وفيهم وأمثالهم ، قال الله تعالى : { وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا } [الفرقان : 23] ، وقال تعالى : { وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا } [النور : 39].
وروي عن أمير المؤمنين عمر أنه تأولها في الرهبان كما سيأتي.
وأما إن كان العمل موافقًا للشريعة في الصورة الظاهرة ، ولكن لم يخلص عامله القصد لله فهو أيضًا مردود على فاعله وهذا حال المنافقين والمرائين ، كما قال تعالى : { إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلا قَلِيلا } [النساء : 142] ، وقال تعالى : { فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ* الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُونَ* الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ* وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ } [الماعون : 4 - 7] ، ولهذا قال تعالى : { فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاَءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلا صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا } [الكهف : 110]. وقال في هذه الآية الكريمة : { بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ }
وقوله : { فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ } ضمن لهم تعالى على ذلك تحصيل الأجور ، وآمنهم مما يخافونه من المحذور فـ { لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ } فيما يستقبلونه ، { وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ } على ما مضى مما يتركونه ، كما قال سعيد بن جبير : فـ { لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ } يعني : في الآخرة { وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ }
__________
في جـ ، ط ، ب ، و : "أي فيما تدعونه" ، وفي أ : "أي مما تدعونه".
في أ : "في العمل".
زيادة من جـ ، ط ، ب.
(1/385)
[يعني : لا يحزنون] (1) للموت.
وقوله تعالى : { وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ } يبين به تعالى تناقضهم وتباغضهم وتعاديهم وتعاندهم. كما قال محمد بن إسحاق : حدثني محمد بن أبي محمد ، عن عكرمة أو سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ، قال : لما قدم أهل نجران من النصارى على رسول الله {{ص}} ، أتتهم أحبار يهود ، فتنازعوا عند رسول الله {{ص}} ، فقال رافع بن حُرَيْملة (2) ما أنتم على شيء ، وكفر بعيسى وبالإنجيل. وقال رجل من أهل نجران من النصارى لليهود : ما أنتم على شيء. وجحد نبوة موسى وكفر بالتوراة. فأنزل الله في ذلك من قولهما (3) { وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ } قال : إن كلا يتلو في كتابه تصديق من كفر به ، أي : يكفر اليهود بعيسى وعندهم التوراة ، فيها ما أخذ الله عليهم على لسان موسى بالتصديق بعيسى ، وفي الإنجيل ما جاء به عيسى بتصديق موسى ، وما جاء (4) من التوراة من عند الله ، وكل يكفر بما في يد (5) صاحبه.
وقال مجاهد في تفسير هذه الآية : قد كانت أوائل اليهود والنصارى على شيء.
وقال قتادة : { وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ } قال : بلى ، قد كانت أوائل النصارى على شيء ، ولكنهم ابتدعوا وتفرقوا. { وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ } قال : بلى قد كانت أوائل اليهود على شيء ، ولكنهم ابتدعوا وتفرقوا.
وعنه رواية أخرى كقول أبي العالية ، والربيع بن أنس في تفسير (6) هذه الآية : { وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ } هؤلاء أهل الكتاب الذين كانوا على عهد رسول الله {{ص}}.
وهذا القول يقتضي أن كلا من الطائفتين صدقت فيما رمت به الطائفة الأخرى. ولكن ظاهر سياق الآية يقتضي ذمهم فيما قالوه ، مع علمهم بخلاف ذلك ؛ ولهذا قال تعالى : { وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ } أي : وهم يعلمون شريعة التوراة والإنجيل ، كل منهما قد كانت مشروعة في وقت ، ولكن تجاحدوا فيما بينهم عنادًا وكفرًا (7) ومقابلة للفاسد بالفاسد ، كما تقدم عن ابن عباس ، ومجاهد ، وقتادة في الرواية الأولى عنه في تفسيرها ، والله أعلم.
وقوله تعالى : { كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ } يُبَيِّن بهذا جهل اليهود والنصارى فيما تقابلوا من القول ، وهذا من باب الإيماء والإشارة. وقد اختلف فيما عنى بقوله تعالى : { الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ }
__________
زيادة من جـ ، ط ، ب ، أ ، و.
في أ : "بن خزيمة".
في جـ : "من قوله".
في أ ، و : "جاء به".
في جـ ، ط ، ب : "بما في يدي".
في أ ، و : "في تفسيره".
في جـ : "كفرا وعنادا".
(1/386)
وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا أُولَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآَخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (114)
فقال الربيع بن أنس وقتادة : { كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ } قالا وقالت النصارى مثل قول اليهود وقيلهم. وقال ابن جُرَيج : قلت لعطاء : من هؤلاء الذين لا يعلمون ؟ قال : أمم كانت قبل اليهود والنصارى وقبل التوراة والإنجيل. وقال السدي : { كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ } فهم : العرب ، قالوا : ليس محمد على شيء.
واختار أبو جعفر بن جرير أنها عامة تصلح للجميع ، وليس ثمَّ دليل قاطع يعين واحدًا من هذه الأقوال ، فالحمل على الجميع أولى ، والله أعلم.
وقوله تعالى : { فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ } أي : أنه تعالى يجمع (1) بينهم يوم المعاد ، ويفصل بينهم بقضائه العدل الذي لا يجور فيه ولا يظلم مثقال ذرة. وهذا كقوله تعالى في سورة الحج : { إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ } [الحج : 17] ، وكما قال تعالى : { قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنَا رَبُّنَا ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَهُوَ الْفَتَّاحُ الْعَلِيمُ } [ سبأ : 26].
{ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا أُولَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلا خَائِفِينَ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (114) }
اختلف المفسرون في المراد من الذين منعوا مساجد الله (2) وسَعَوا في خرابها على قولين :
أحدهما : ما رواه العوفي في تفسيره ، عن ابن عباس في قوله : { وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ } قال : هم النصارى. وقال مجاهد : هم النصاري ، كانوا يطرحون في بيت المقدس الأذى ، ويمنعون الناس أن يصلوا فيه.
وقال عبد الرزاق : أخبرنا مَعْمَر ، عن قتادة في قوله : { وَسَعَى فِي خَرَابِهَا } هو بُخْتَنَصَّر وأصحابه ، خَرَّب بيت المقدس ، وأعانه على ذلك النصارى.
وقال سعيد ، عن قتادة : قال : أولئك أعداء الله النصارى ، حملهم بغض اليهود على أن أعانوا بختنصر البابلي المجوسي على تخريب بيت المقدس.
وقال السدي : كانوا ظاهروا بختنصر على خراب بيت المقدس حتى خربه ، وأمر به أن تطرح فيه الجيف ، وإنما أعانه الروم على خرابه من أجل أن بني إسرائيل قتلوا يحيى بن زكريا. وروي نحوه عن الحسن البصري.
القول الثاني : ما رواه ابن جرير : حدثني يونس بن عبد الأعلى ، حدثنا ابن وهب قال : قال ابن
__________
في أ : "يحكم".
في جـ : "مساجد الله أن يذكر فيها اسمه".
(1/387)
زيد في قوله : { وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا } قال : هؤلاء المشركون الذين حالوا بين رسول الله {{ص}} يوم الحديبية ، وبين أن يدخلوا مكة حتى نحر هديه بذي طُوَى وهادنهم ، وقال لهم : ما كان أحد يَصُد عن هذا البيت ، وقد كان الرجل يلقى قاتل أبيه وأخيه فلا يصده. فقالوا : لا يدخل علينا مَنْ قتل آباءنا يوم بدر وفينا باق.
وفي قوله : { وَسَعَى فِي خَرَابِهَا } قال : إذ قطعوا من يَعْمُرُها بذكره ويأتيها للحج والعمرة.
وقال ابن أبي حاتم : ذكر عن سلمة قال : قال محمد بن إسحاق : حدثني محمد بن أبي محمد ، عن عكرمة أو سعيد بن جبير ، عن ابن عباس : أن قُرَيشًا منعوا النبي {{ص}} الصلاة عند الكعبة في المسجد الحرام ، فأنزل الله : { وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ }
ثم اختار ابن جرير القول الأول ، واحتج بأن قريشًا لم تسع في خراب الكعبة. وأما الروم فسعوا في تخريب بيت المقدس.
قلت : الذي (1) يظهر - والله أعلم - القول الثاني ، كما قاله ابن زيد ، وروي عن ابن عباس ؛ لأن النصارى إذا منعت اليهود الصلاة في البيت المقدس ، كأن دينهم أقوم من دين اليهود ، وكانوا أقرب منهم ، ولم يكن ذكر الله من اليهود مقبولا إذ ذاك ؛ لأنهم لعنوا من قبل على لسان داود وعيسى ابن مريم ، ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون. وأيضا فإنه تعالى لما وجه الذم في حق اليهود والنصارى ، شرع في ذم المشركين الذين أخرجوا الرسول {{ص}} وأصحابه من مكة ، ومنعوهم من الصلاة في المسجد الحرام ، وأما اعتماده على أن قريشا لم تسع في خراب الكعبة ، فأي خراب أعظم مما فعلوا ؟ أخرجوا عنها رسول الله {{ص}} وأصحابه ، واستحوذوا عليها بأصنامهم وأندادهم وشركهم ، كما قال تعالى : { وَمَا لَهُمْ أَلا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلا الْمُتَّقُونَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ } [الأنفال : 34] ، وقال تعالى : { مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ* إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلا اللَّهَ فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ } [التوبة : 17 ، 18] ، وقال تعالى : { هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ وَلَوْلا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَئُوهُمْ فتَصُيِبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ لِيُدْخِلَ اللهُ فِي رَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا } [الفتح : 25] ، فقال تعالى : { إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلا اللَّهَ } [التوبة : 18] ، فإذا كان من هو كذلك مطرودًا منها مصدودًا عنها ، فأي خراب لها أعظم من ذلك ؟ وليس المراد من عمارتها زخرفتها وإقامة صورتها فقط ، إنما عمارتها بذكر الله فيها وإقامة شرعه فيها ، ورفعها عن الدنس والشرك.
__________
في ط ، ب : "قلت والذي".
(1/388)
وقوله تعالى : { أُولَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلا خَائِفِينَ } هذا خبر معناه الطلب ، أي لا تُمَكِّنوا هؤلاء - إذا قَدَرُتم عليهم - من دخولها إلا تحت الهدنة والجزية. ولهذا لما فتح رسولُ الله {{ص}} مكة أمر من العام القابل في سنة تسع أن ينادى برحاب منى : "ألا لا يَحُجَّن (1) بعد العام مشرك ، ولا يطوفن بالبيت عُريان ، ومن كان له أجل فأجله إلى مدته". وهذا كان تصديقًا وعملا بقوله تعالى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا } الآية [التوبة : 28] ، وقال بعضهم : ما كان ينبغي لهم أن يدخلوا مساجد الله إلا خائفين على حال التهيب ، وارتعاد الفرائص من المؤمنين أن يبطشوا بهم ، فضلا أن يستولوا عليها ويمنعوا (2) المؤمنين منها. والمعنى : ما كان الحق والواجب إلا ذلك ، لولا ظلم الكفرة وغيرهم.
وقيل : إن هذا بشارة من الله للمسلمين أنه سيُظْهرهم على المسجد الحرام وعلى سائر المساجد ، وأنه يذل المشركين لهم حتى لا يدخل المسجد الحرام أحد منهم إلا خائفا ، يخاف أن يؤخذ فيعاقب أو يقتل إن لم يسلم. وقد أنجز الله هذا الوعد كما تقدم من منع المشركين من دخول المسجد الحرام ، وأوصى رسول الله {{ص}} أن لا يبقى بجزيرة العرب دينان ، وأن تجلى اليهود والنصارى منها ، ولله الحمد والمنة. وما ذاك إلا تشريف أكناف المسجد الحرام وتطهير البقعة [المباركة] (3) التي بعث [الله] (4) فيها رسوله إلى الناس كافة بشيرًا ونذيرًا صلوات الله وسلامه عليه (5). وهذا هو الخزي لهم في الدنيا ؛ لأن الجزاء من جنس العمل. فكما صدوا المؤمنين (6) عن المسجد الحرام ، صُدوا عنه ، وكما أجلوهم من مكة أجلوا منها { وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ } على ما انتهكوا من حرمة البيت ، وامتهنوه من نصب الأصنام حوله ، والدعاء إلى غير الله عنده والطواف به عريا ، وغير ذلك من أفاعيلهم التي يكرهها الله ورسوله.
وأما من فَسَّر بيت (7) المقدس ، فقال كعب الأحبار : إن النصارى لما ظهروا على بيت المقدس خربوه (8) فلما بعث الله محمدا {{ص}} أنزل عليه : { وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا أُولَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلا خَائِفِينَ } الآية ، فليس في الأرض نصراني يدخل بيت المقدس إلا خائفا.
وقال السدي : فليس في الأرض رومي يدخله اليوم إلا وهو خائف أن يُضْرَب (9) عُنُقُه ، أو قد أخيف بأداء الجزية فهو يؤديها.
__________
في ب ، و : "ألا لا يحج" ، وفي أ : "أن لا يحج".
في جـ ، ط ، ب : "ويمنعوا".
زيادة من جـ.
زيادة من جـ ، ط ، ب ، أ ، و.
في جـ ، ب ، و : "صلوات الله وسلامه عليه".
في أ : "المسلمين".
في ط ، ب : "ببيت".
في أ : حرقوه".
في جـ ، ط ، ب : "أن تضرب".
(1/389)
وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (115)
وقال قتادة : لا يدخلون المساجد إلا مسارقة.
قلت : وهذا لا ينفي أن يكون داخلا في معنى عموم الآية فإن النصارى ما ظلموا بيت المقدس ، بامتهان الصخرة التي كانت يصلي (1) إليها اليهود ، عوقبوا شرعًا وقَدَرا بالذلة فيه ، إلا في أحيان من الدهر امتحن (2) بهم بيت المقدس وكذلك اليهودُ لما عَصَوا الله فيه أيضا أعظم من عصيان النصارى كانت عقوبتهم أعظم والله أعلم.
وفسر هؤلاء الخزي من الدنيا ، بخروج المهدي عند السدي ، وعكرمة ، ووائل بن داود. وفسره قتادة بأداء الجزية عن يد وهم صاغرون.
والصحيح أن الخزي في الدنيا أعم من ذلك كله ، وقد ورد الحديث بالاستعاذة من خزي الدنيا وعذاب الآخرة كما قال الإمام أحمد : حدثنا الهيثم بن خارجة ، حدثنا محمد بن أيوب بن ميسرة بن حَلبس (3) سمعت أبي يحدث ، عن بُسْر (4) بن أرطاة ، قال : كان رسول الله {{ص}} يدعو : "اللهم أحسن عاقبتنا في الأمور كلها ، وأجرنا من خزي الدنيا وعذاب الآخرة" (5).
وهذا حديث حسن ، وليس في شيء من الكتب الستة ، وليس لصحابيه وهو بسر (6) بن أرطاة - ويقال : ابن أبي أرطاة - حديث سواه ، وسوى [حديث] (7) "لا تقطع الأيدي في الغزو".
{ وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (115) }
وهذا - والله أعلم - فيه تسلية للرسول {{ص}} وأصحابه
الذين أخرجوا (8) من مكة وفارقوا مسجدهم ومُصَلاهم ، وقد كان رسول الله {{ص}} يصلي بمكةَ إلى بيت المقدس والكعبةُ بين يديه. فلما قدم المدينة وُجه إلى بيت المقدس ستة عشر شهرًا ، أو سبعة عشر شهرًا ، ثم صرفه الله إلى الكعبة بعدُ ، ولهذا يقول (9) تعالى : { وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ }
قال أبو عبيد القاسم بن سلام ، في كتاب الناسخ والمنسوخ : أخبرنا حجاج بن محمد ، أخبرنا ابن جريج وعثمان بن عطاء ، عن عطاء ، عن ابن عباس ، قال : أول ما نسخ من القرآن فيما ذكر لنا - والله أعلم - شأنُ القبلة : قال (10) تعالى : { وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ } فاستقبل
__________
في جـ ، ب ، و : "كانت تصلى" ، وفي أ : "كانت تصل".
في أ : "سخر".
في جـ ، ط ، ب : "بن حابس".
في أ : "عن بشر".
المسند (4/181).
في أ : "وهو بشر".
زيادة من جـ ، ط ، ب ، أ ، و.
في أ : "الذين خرجوا".
في جـ : "يقول الله".
في جـ ، ب ، و : "قال الله".
(1/390)
رسول الله {{ص}} فصلى نحو بيت المقدس ، وترك البيت العتيق ، ثم صرفه إلى بيته (1) العتيق ونسخها ، فقال : { وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُمَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ } (2).
وقال علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس قال : كان أول ما نسخ من القرآن القبلة. وذلك أن رسول {{ص}} لما هاجر إلى المدينة - وكان أهلُها اليهودَ - أمره الله أن يستقبل بيت المقدس. ففرحت اليهود فاستقبلها رسول الله {{ص}} بضعة عشر شهرا ، وكان رسول الله {{ص}} يحب قبلة إبراهيم ، فكان يدعو وينظر إلى السماء ، فأنزل الله : { قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ [فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا] } (3) إلى قوله : { فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ } فارتاب من ذلك اليهود ، وقالوا : ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها ، فأنزل الله : { قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ [يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ] } (4) وقال : { فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ }
وقال عكرمة عن ابن عباس : { فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ } قال : قبلة الله أينما توجهت شرقًا أو غربًا. وقال مجاهد : { فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ } [قال : قبلة الله] (5) حيثما كنتم فلكم قبلة تستقبلونها : الكعبة.
وقال ابن أبي حاتم بعد روايته الأثر المتقدم ، عن ابن عباس ، في نسخ القبلة ، عن عطاء ، عنه : وروي عن أبي العالية ، والحسن ، وعطاء الخراساني ، وعكرمة ، وقتادة ، والسدي ، وزيد بن أسلم ، نحو ذلك.
وقال ابن جرير : وقال آخرون : بل أنزل الله هذه الآية قبل أن يفرض التوجه إلى الكعبة ، وإنما أنزلها (6) تعالى ليعلم نبيه {{ص}} وأصحابه أن لهم التوجه بوجوههم للصلاة ، حيث شاؤوا من نواحي المشرق والمغرب ؛ لأنهم لا يوجهون وجوههم وجهًا من ذلك وناحية إلا كان جل ثناؤه في ذلك الوجه (7) وتلك الناحية ؛ لأن له تعالى المشارق والمغارب ، وأنه لا يخلو منه مكان ، كما قال تعالى : { وَلا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا } [المجادلة : 7] قالوا : ثم نسخ ذلك بالفرض الذي فَرَضَ عليهم التوجُّهَ إلى المسجد الحرام.
هكذا قال ، وفي قوله : "وإنه تعالى لا يخلو منه مكان" : إن أراد علمه تعالى فصحيح ؛ فإن علمه تعالى محيط بجميع المعلومات ، وأما ذاته تعالى فلا تكون محصورة في شيء من خلقه ، تعالى الله
__________
في جـ ، أ ، و : "البيت".
ورواه ابن أبي حاتم في تفسيره (1/346) من طريق حجاج بن محمد به ، ورواه الحاكم في المستدرك (2/267) من طريق ابن جريج عن عطاء به وقال : "هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه بهذا السياق".
زيادة من جـ.
زيادة من جـ ، ط.
زيادة من جـ.
في جـ : "أنزلها الله".
في أ : "التوجيه".
(1/391)
عن ذلك علوًا كبيرًا.
قال ابن جرير : وقال آخرون : بل نزلت هذه الآية على رسول الله {{ص}} إذنا من الله أن يصلي التطوع حيث توجه من شرق أو غرب ، في مسيره في سفره ، وفي حال المسايفة وشدة الخوف.
حدثنا أبو كُرَيْب ، حدثنا ابن إدريس ، حدثنا عبد الملك - هو ابن أبي سليمان - عن سعيد بن جبير ، عن ابن عمر : أنه كان يصلي حيث توجهت به راحلته. ويذكر أن رسول الله {{ص}} كان يفعل ذلك ، ويتأول هذه الآية : { فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ }
ورواه مسلم والترمذي والنسائي وابن أبي حاتم وابن مَرْدُوَيه ، من طرق ، عن عبد الملك بن أبي سليمان ، به (1). وأصله في الصحيحين من حديث ابن عمر وعامر بن ربيعة ، من غير ذكر الآية.
وفي صحيح البخاري من حديث نافع ، عن ابن عمر : أنه كان إذا سئل عن صلاة الخوف وصفها. ثم قال : فإن كان خوف أشد من ذلك صلوا رجالا قياما على أقدامهم ، وركبانا مستقبلي القبلة وغير مستقبليها.
قال نافع : ولا أرى ابن عمر ذكر ذلك إلا عن النبي {{ص}} (2).
مسألة : ولم يفرق الشافعي في المشهور عنه ، بين سفر المسافة وسفر العدوي ، فالجميع عنه يجوز التطوع فيه على الراحلة ، وهو قول أبي حنيفة خلافا لمالك وجماعته ، واختار أبو يوسف وأبو سعيد الإصطخري ، التطوع على الدابة في المصر ، وحكاه أبو يوسف عن أنس بن مالك ، رضي الله عنه ، واختاره أبو جعفر الطبري ، حتى للماشي أيضا.
قال ابن جرير : وقال آخرون : بل نزلت هذه الآية في قوم عُمِّيتْ عليهم القبلة ، فلم يعرفوا شَطرها ، فصلوا على أنحاء مختلفة ، فقال الله (3) لي المشارق والمغارب فأين وليتم وجوهكم فهنالك وجهي ، وهو قبلتكم فيعلمكم بذلك أن صلاتكم ماضية.
حدثنا أحمد بن إسحاق الأهوازي ، حدثنا أبو أحمد الزبيري ، حدثنا أبو الربيع السمان ، عن عاصم بن عبيد الله ، عن عبد الله بن عامر بن ربيعة ، عن أبيه ، قال : كنا مع رسول الله {{ص}} في ليلة سوداء مظلمة ، فنزلنا منزلا فجعل الرَّجل يأخذُ الأحجارَ فيعمل مسجدا يصلي فيه. فلما [أن] (4) أصبحنا إذا نحن قد صلينا على غير القبلة. فقلنا : يا رسول الله ، لقد صلينا ليلتنا هذه لغير القبلة ؟ فأنزل الله تعالى : { وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ } الآية.
__________
تفسير الطبري (2/530) وصحيح مسلم برقم (700) وسنن الترمذي برقم (2958) وسنن النسائي (1/244) وتفسير ابن أبي حاتم (1/344).
صحيح البخاري برقم (4535).
في أ : "فقال الله لهم".
زيادة من ط.
(1/392)
ثم رواه عن سفيان بن وَكِيع ، عن أبيه ، عن أبي الربيع السمان ، بنحوه (1).
ورواه الترمذي ، عن محمود بن غيلان ، عن وَكِيع. وابن ماجه ، عن يحيى بن حكيم ، عن أبي داود ، عن أبي الربيع السمان (2).
ورواه ابن أبي حاتم ، عن الحسن بن محمد بن الصباح ، عن سعيد (3) بن سليمان ، عن أبي الربيع السمان (4) - واسمه أشعث بن سعيد البصري - وهو ضعيف الحديث.
وقال الترمذي : هذا حديث حسن. ليس إسناده بذاك ، ولا نعرفه إلا من حديث أشعث السمان ، وأشعث يُضَعَّف في الحديث.
قلت : وشيخه عاصم أيضًا ضعيف (5).
قال البخاري : منكر الحديث. وقال ابن معين : ضعيف لا يحتج به. وقال ابن حبان : متروك ، والله أعلم.
وقد روي من طرق أخرى ، عن جابر.
وقال الحافظ أبو بكر بن مَرْدُويه في تفسير هذه الآية : حدثنا إسماعيل بن علي بن إسماعيل ، حدثنا الحسن بن علي بن شبيب ، حدثني أحمد بن عبيد الله (6) بن الحسن ، قال : وجدت في كتاب أبي : حدثنا عبد الملك العرزمي ، عن عطاء ، عن جابر ، قال : بَعَث رسولُ الله {{ص}} سَرِيَّة كنت فيها ، فأصابتنا ظلمة فلم نعرف القبلة ، فقالت طائفة منا : قد عرفنا القبلة ، هي هاهنا قبل السماك (7). فصلُّوا وخطُّوا خطوطًا ، فلما أصبحوا وطلعت الشمس أصبحت تلك الخطوط لغير القبلة. فلما قفلنا من سفرنا (8) سألنا النبي {{ص}} ، فسكت ، وأنزل الله تعالى : { وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ }
ثم رواه من حديث محمد بن عبيد الله العَرْزَمي ، عن عطاء ، عن جابر ، به (9).
وقال الدارقطني : قرئ على عبد الله بن عبد العزيز - وأنا أسمع - حدثكم داود بن عمرو ، حدثنا محمد بن يزيد (10) الواسطي ، عن محمد بن سالم ، عن عطاء ، عن جابر ، قال : كنا مع رسول الله
__________
تفسير الطبري (2/ 531 ، 532).
سنن الترمذي برقم (345) وسنن ابن ماجة برقم (1020).
في و : "عن سعد".
تفسير ابن أبي حاتم (1/344).
في أ : "ضعيف الحديث".
في هـ : "عبد الله".
في جـ ، ط ، ب ، أ ، و : "قبل الشمال".
في أ : "سيرنا".
ورواه الدارقطني في السنن (1/271) من طريق إسماعيل بن علي عن الحسن بن علي بن شبيب به ، ورواه البيهقي في السنن الكبرى (2/12) من طريق محمد بن الحارث عن أحمد بن عبيد الله قال : وجدت في كتاب أبي فذكر مثله ، ورواه أيضا (2/10) من طريق محمد بن يزيد الواسطي ، عن محمد بن عبيد الله العرزمي عن عطاء به.
في جـ : "بن زيد".
(1/393)
{{ص}} في مسير فأصابنا غيم ، فتحيرنا فاختلفنا في القبلة ، فصلى كل (1) منا على حدة ، وجعل أحدنا يخط بين يديه لنعلم أمكنتنا ، فذكرنا ذلك للنبي {{ص}} فلم يأمرنا بالإعادة ، وقال : "قد أجزأت صلاتكم".
ثم قال الدارقطني : كذا قال : عن محمد بن سالم ، وقال غيره : عن محمد بن عبد الله العرزمي ، عن عطاء ، وهما ضعيفان (2).
ثم رواه ابن مَرْدُويه أيضا من حديث الكلبي ، عن أبي صالح ، عن ابن عباس : أن رسول الله {{ص}} بعث سرِيَّة فأخذتهم ضبابة ، فلم يهتدوا إلى القبلة ، فصلوا لغير القبلة. ثم استبان لهم بعد طلوع (3) الشمس أنهم صلوا لغير القبلة. فلما جاؤوا إلى رسول الله {{ص}} حدَّثُوه ، فأنزل الله عز وجل ، هذه الآية : { وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ }
وهذه الأسانيد فيها ضعف ، ولعله يشد بعضها بعضا. وأما إعادة الصلاة لمن تبين له خطؤه ففيها قولان للعلماء ، وهذه دلائل على عدم القضاء ، والله أعلم.
قال ابن جرير : وقال آخرون : بل نزلت هذه الآية في سبب النجاشي ، كما حدثنا محمد بن بشار ، حدثنا هشام بن معاذ (4) حدثني أبي ، عن قتادة : أن النبي {{ص}} قال : "إن أخا لكم قد مات فصلوا عليه". قالوا : نصلي على رجل ليس بمسلم ؟ قال : فنزلت : { وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنزلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنزلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ } [آل عمران : 199] قال قتادة : فقالوا : فإنه كان لا يصلي إلى القبلة. فأنزل الله : { وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ } (5).
وهذا غريب والله أعلم.
وقد قيل : إنه كان يصلي إلى بيت المقدس قبل أن يبلغه الناسخ إلى الكعبة ، كما حكاه القرطبي عن قتادة ، وذكر القرطبي أنه لما مات صلى عليه رسول الله {{ص}} فأخذ بذلك من ذهب إلى الصلاة على الغائب ، قال : وهذا خاص عند أصحابنا من ثلاثة أوجه : أحدها : أنه عليه السلام ، شاهده حين صلى عليه طويت له الأرض. الثاني : أنه لما لم يكن عنده من يصلي عليه صلى عليه ، واختاره ابن العربي ، قال القرطبي : ويبعد أن يكون ملك مسلم ليس عنده أحد من قومه على دينه ، وقد أجاب ابن العربي عن هذا لعلهم لم يكن عندهم شرعية الصلاة على الميت. وهذا جواب جيد. الثالث : أنه عليه الصلاة والسلام إنما صلى عليه ليكون ذلك كالتأليف لبقية الملوك ، والله أعلم.
__________
في جـ ، ط ، ب ، أ ، و : "كل رجل".
سنن الدارقطني (1/271) ورواه الحاكم في المستدرك (1/206) من طريق داود بن عمرو به ، وقال : "هذا حديث صحيح رواته كلهم ثقات غير محمد بن سالم فإني لا أعرفه بعدالة ولا جرح". قال الذهبي : قلت : "هو أبو سهل واه".
في جـ ، ط ، ب ، أ ، و : "بعدما طلعت".
في جـ ، ط ، ب ، أ : "معاذ بن هشام".
تفسير الطبري (2/532).
(1/394)
وقد أورد الحافظ أبو بكر بن مَرْدُويه في تفسير هذه الآية من حديث أبي معشر ، عن محمد بن عمرو بن علقمة ، عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة ، قال : قال رسول الله {{ص}} : "ما بين المشرق والمغرب قبْلَة لأهل المدينة وأهل الشام وأهل العراق".
وله مناسبة هاهنا ، وقد أخرجه الترمذي وابن ماجه من حديث أبي معشر ، واسمه (1) نَجِيح بن عبد الرحمن السَّندي المدني ، به (2) "ما بين المشرق والمغرب قبلة".
وقال الترمذي : وقد روي من غير وجه عن أبي هريرة. وتكلم بعض أهل العلم في أبي معشر من قبل حفظه ، ثم قال الترمذي : حدثني الحسن بن [أبي] (3) بكر المروزي ، حدثنا المعلى بن منصور ، حدثنا عبد الله بن جعفر المخزومي ، عن عثمان بن محمد الأخنسي ، عن سعيد (4) المقبري ، عن أبي هريرة ، عن النبي {{ص}} قال : "ما بين المشرق والمغرب قبلة" (5).
ثم قال الترمذي : هذا حديث حسن صحيح.
وحكى عن البخاري أنه قال : هذا أقوى من حديث أبي معشر وأصح. قال الترمذي : وقد روي عن غير واحد من الصحابة : ما بين المشرق والمغرب قبلة - منهم عمر بن الخطاب ، وعلي ، وابن عباس.
وقال ابن عمر : إذا جعلت المغرب عن يمينك والمشرق عن يسارك ، فما بينهما قبلة ، إذا استقبلت القبلة.
ثم قال ابن مَرْدُويه : حدثنا علي بن أحمد بن عبد الرحمن ، حدثنا يعقوب بن يونس مولى بني هاشم ، حدثنا شعيب بن أيوب ، حدثنا ابن نمير ، عن عبيد الله بن عمر ، عن نافع ، عن ابن عمر ، عن النبي {{ص}} ، قال : "ما بين المشرق والمغرب قبلة".
وقد رواه الدارقطني والبيهقي (6) وقال المشهور : عن ابن عمر ، عن عمر ، قوله.
قال ابن جرير : ويحتمل : فأينما تولوا وجوهكم في دعائكم لي فهنالك وجهي أستجيب لكم دعاءكم ، كما حدثنا القاسم ، حدثنا الحسين ، حدثني حجاج ، قال : قال ابن جُرَيج : قال مجاهد : لما نزلت : { ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ } [غافر : 60] قالوا : إلى أين ؟ فنزلت : { فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ }
__________
في و : "وابن".
سنن الترمذي برقم (342) وسنن ابن ماجة برقم (1011).
زيادة من جـ.
في أ : "عن شعبة".
سنن الترمذي برقم (344).
سنن الدارقطني (1/270) وسنن البيهقي (2/9) وهو معلول والصواب وقفه. قال ابن أبي حاتم في العلل (1/184) : "سئل أبو زرعة عن حديث رواه يزيد بن هارون ، عن محمد بن عبد الرحمن ، عن نافع ، عن ابن عمر ، عن النبي {{ص}} : "ما بين المشرق والمغرب قبلة" قال أبو زرعة : "هذا وهم ، الحديث حديث ابن عمر موقوف".
(1/395)
وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ (116) بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (117)
قال ابن جرير : ويعني قوله : { إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ } يسع خلقه كلهم بالكفاية ، والإفضال والجود (1).
وأما قوله : { عليم } فإنه يعني : عليم بأعمالهم ، ما يغيب عنه منها شيء ، ولا يعزب عن علمه ، بل هو بجميعها عليم.
{ وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ (116) بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (117) }
اشتملت هذه الآية الكريمة ، والتي تليها على الرد على النصارى - عليهم لعائن الله - وكذا من أشبههم من اليهود ومن مشركي العرب ، ممن (2) جعل الملائكة بنات الله ، فأكذب الله جميعهم في دعواهم وقولهم : إن لله ولدا. فقال تعالى : { سُبْحَانَهُ } أي : تعالى وتقدس وتنزه عن ذلك علوًا كبيرًا { بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ } أي : ليس الأمر كما افتروا ، وإنما له ملك السماوات والأرض ، وهو المتصرف فيهم ، وهو خالقهم ورازقهم ، ومُقَدِّرهم ومسخرهم ، ومسيرهم ومصرفهم ، كما يشاء ، والجميع عبيد (3) له وملك له ، فكيف يكون له ولد منهم ، والولد إنما يكون متولدًا من شيئين متناسبين ، وهو تبارك وتعالى ليس له نظير ، ولا مشارك في عظمته وكبريائه ولا صاحبة له ، فكيف يكون له ولد! كما قال تعالى : { بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ } [الأنعام : 101] وقال تعالى : { وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا* لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا* تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الأرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا* أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا* وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا* إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ إِلا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا* لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا* وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا } [مريم : 88 - 95] وقال تعالى : { قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ* اللَّهُ الصَّمَدُ* لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ* وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ } [سورة الإخلاص].
فقرر (4) تعالى في هذه الآيات الكريمة أنه السيد العظيم ، الذي لا نظير له ولا شبيه له ، وأن جميع الأشياء غيره مخلوقة له مربوبة ، فكيف يكون له منها ولد! ولهذا قال البخاري في تفسير هذه الآية من البقرة : أخبرنا أبو اليمان ، أخبرنا شعيب ، عن عبد الله بن أبي حُسَين ، حدثنا نافع بن جبير - هو ابن مطعم - عن ابن عباس ، عن النبي {{ص}} قال : "قال الله تعالى : كَذَّبني ابن آدم ولم يكن له ذلك ، وشتمني ولم يكن له ذلك ، فأما تكذيبه إيَّاي فيزعم أني لا أقدر أن أعيده كما كان ، وأما شتمه إياي فقوله : لي ولد. فسبحاني (5) أن أتخذ صاحبة أو ولدا".
__________
في ط : "بالكفاية والجود والإفضال" ، وفي ب : "بالكفاية والأفضال والجود والإفضال".
في ب ، أ : "من".
في ط : "والجميع عبد".
في أ ، و : "يقرر".
في ط : "سبحاني".
(1/396)
انفرد به البخاري من هذا الوجه (1).
وقال ابن مَرْدُويه : حدثنا أحمد بن كامل ، حدثنا محمد بن إسماعيل الترمذي ، حدثنا إسحاق بن محمد الفَرْوي ، حدثنا مالك ، عن أبي الزناد ، عن الأعرج ، عن أبي هريرة ، قال : قال رسول الله {{ص}} : "يقول الله عز وجل : كذبني ابن آدم ولم ينبغ له أن يكذبني ، وشتمني ولم ينبغ له أن يشتمني ، أما تكذيبه إياي فقوله : لن يعيدني كما بدأني. وليس أول الخلق بأهون علي من إعادته (2). وأما شتمه إياي فقوله : اتخذ الله ولدا. وأنا الله الأحد الصمد ، لم يلد ولم يولد ، ولم يكن له كفوًا أحد" (3).
وفي الصحيحين عن رسول الله {{ص}} أنه قال : "لا أحد أصبر على أذى سمعه من الله ؛ إنهم يجعلون له ولدا ، وهو يرزقهم ويعافيهم" (4).
وقوله : { كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ } قال ابن أبي حاتم : أخبرنا أبو سعيد الأشج ، حدثنا أسباط ، عن مطرف ، عن عطية ، عن ابن عباس ، قال : { قَانِتينَ } مصلين.
وقال عكرمة وأبو مالك : { كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ } مُقرُّون له بالعبودية. وقال سعيد بن جبير : { كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ } يقول : الإخلاص. وقال الربيع بن أنس : يقول كل له قائم يوم القيامة. وقال السدي : { كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ } يقول : له مطيعون يوم القيامة.
وقال خَصيف ، عن مجاهد : { كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ } قال : مطيعون ، كن إنسانًا فكان ، وقال : كن حمارًا فكان.
وقال ابن أبي نَجِيح ، عن مجاهد : { كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ } مطيعون ، يقول : طاعة الكافر في سجود ظله وهو كاره.
وهذا القول عن مجاهد - وهو اختيار ابن جرير - يجمع الأقوال كلها ، وهو أن القنوت : هو الطاعة والاستكانة إلى الله ، وذلك شرعي وقَدري ، كما قال تعالى : { وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَظِلالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ } [الرعد : 15].
وقد وَرَد حديث فيه بيان القنوت في القرآن ما هو المراد به ، كما قال ابن أبي حاتم : حدثنا يونُس بن عبد الأعلى ، حدثنا ابن وهب ، أخبرني عمرو بن الحارث : أن دَرَّاجًا أبا السمح حدثه ، عن أبي الهيثم ، عن أبي سعيد الخدري ، عن رسول الله {{ص}} قال : "كل حرف من القرآن يذكر فيه القنوت فهو
__________
صحيح البخاري برقم (4482).
في أ : "بإعادته".
الحديث رواه البخاري في صحيحه برقم (4974) من طريق شعيب عن أبي الزناد به ، وفيه : "ولم يكن لي كفوا أحد".
صحيح البخاري برقم (6099) وصحيح مسلم برقم (2804) من حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه.
(1/397)
الطاعة".
وكذا رواه الإمام أحمد ، عن حسن بن موسى ، عن ابن لَهِيعة ، عن دَرّاج بإسناده ، مثله (1).
ولكن هذا الإسناد ضعيف لا يعتمد عليه. ورفع هذا الحديث منكر ، وقد يكون من كلام الصحابي أو مَنْ دونه ، والله أعلم. وكثيرًا ما يأتي بهذا الإسناد تفاسير فيها نَكَارَة ، فلا يغتر بها ، فإن السند ضعيف ، والله أعلم.
وقوله تعالى : { بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ } أي : خالقهما على غير مثال سبق ، قال مجاهد والسدي : وهو مقتضى اللغة ، ومنه يقال للشيء المحدث : بدعة. كما جاء في الصحيح لمسلم : "فإن كل محدثة بدعة [وكل بدعة ضلالة] (2) " (3). والبدعة على قسمين : تارة تكون بدعة شرعية ، كقوله : فإن كل محدثة بدعة ، وكل بدعة ضلالة. وتارة تكون بدعة لغوية ، كقول أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه عن جمعه إياهم على صلاة التراويح واستمرارهم : نعْمَتْ البدعةُ هذه.
وقال ابن جرير : وبديع السماوات والأرض : مبدعهما. وإنما هو مُفْعِل فصرف إلى فَعيل ، كما صرف المؤلم إلى الأليم ، والمسمع إلى السميع. ومعنى المبدع : المنشئ والمحدث ما لم يسبقه إلى إنشاء (4) مثله وإحداثه أحد.
قال : ولذلك سمي المبتدع في الدين مبتدعًا ؛ لإحداثه فيه ما لم يسبق (5) إليه غيره ، وكذلك كل محدث فعلا أو قولا لم يتقدمه فيه متقدم ، فإن العرب تسميه مبتدعا. ومن ذلك قول أعشى (6) ثعلبة ، في مدح هوذة بن علي الحَنفِي :
يُرعى إلى قَوْل سادات الرّجال إذا... أبدَوْا له الحزْمَ أو ما شاءه ابتدَعا (7)
أي : يحدث ما شاء.
قال ابن جرير : فمعنى الكلام : فسبحان الله أنى يكون لله ولد ، وهو مالك ما في السماوات والأرض ، تشهد له جميعها بدلالتها عليه بالوَحْدانيّة ، وتقر له بالطاعة ، وهو بارئها وخالقها وموجدها من غير أصل ولا مثال احتذاها عليه. وهذا إعلام من الله عباده أن ممن يشهد له بذلك المسيح ، الذي أضافوا إلى الله بُنُوَّته ، وإخبار منه لهم أن الذي ابتدع السماوات والأرض من غير أصل وعلى غير مثال ، هو الذي ابتدع المسيح عيسى من غير والد بقدرته.
__________
تفسير ابن أبي حاتم (1/348) والمسند (3/75).
زيادة من ط.
في صحيح مسلم برقم (867) من حديث جابر رضي الله عنه بلفظ : "وشر الأمور محدثاتها ، وكل بدعة ضلالة".
في أ : "إلى أشباه".
في أ : "ما لم يسبقه".
في و : "بن".
البيت في تفسير الطبري (2/540).
(1/398)
وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ لَوْلَا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ أَوْ تَأْتِينَا آَيَةٌ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ قَدْ بَيَّنَّا الْآَيَاتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (118)
وهذا من ابن جرير ، رحمه الله ، كلام جيد وعبارة صحيحة.
وقوله تعالى : { وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ } يبين بذلك تعالى كمال قدرته وعظيم سلطانه ، وأنه إذا قَدَّر أمرًا وأراد كونه ، فإنما يقول له : كن. أي : مرة واحدة ، فيكون ، أي : فيوجد على وفق ما أراد ، كما قال تعالى : { إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ } [يس : 82] وقال تعالى : { إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ } [النحل : 40] وقال تعالى : { وَمَا أَمْرُنَا إِلا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ } [القمر : 50] ، وقال الشاعر :
إذا ما أراد الله أمرًا فإنَّما... يقول له كن قولة فيكونُ...
ونبه تعالى بذلك أيضا على أن خلق عيسى بكلمة : كن ، فكان كما أمره الله ، قال [الله] (1) تعالى : { إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ } [آل عمران : 59].
{ وَقَالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ لَوْلا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ قَدْ بَيَّنَّا الآيَاتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (118) }
قال محمد بن إسحاق : حدثني محمد بن أبي محمد ، عن عكرمة أو سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ، قال : قال رافع بن حُرَيملة لرسول الله {{ص}} : يا محمد ، إن كنت رسولا من الله كما تقول ، فقل لله فَلْيُكَلمْنا حتى نسمع كلامه. فأنزل الله في ذلك من قوله : { وَقَالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ لَوْلا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ }
وقال مجاهد [في قوله] (2) { وَقَالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ لَوْلا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ } قال : النصارى تقوله.
وهو اختيار ابن جرير ، قال : لأن السياق فيهم. وفي ذلك نظر.
[وحكى القرطبي { لَوْلا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ } أي : لو يخاطبنا بنبوتك يا محمد ، قلت : وظاهر السياق أعم ، والله أعلم] (3).
وقال أبو العالية ، والربيع بن أنس ، وقتادة ، والسدي في تفسير هذه الآية : هذا قول كفار العرب { كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ [مِّثْلَ قَوْلِهِمْ ] (4) } قالوا : هم اليهود والنصارى. ويؤيد هذا القول ، وأن القائلين ذلك هم مشركو العرب ، قوله تعالى : { وَإِذَا جَاءَتْهُمْ آيَةٌ قَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا صَغَارٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا كَانُوا يَمْكُرُونَ } [الأنعام : 123].
__________
زيادة من أ ، و.
زيادة من أ.
زيادة من جـ ، ط.
زيادة من جـ.
(1/399)
إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ (119)
وقوله تعالى : { وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الأرْضِ يَنْبُوعًا* أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الأنْهَارَ خِلالَهَا تَفْجِيرًا* أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ قَبِيلا* أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنزلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَقْرَؤُهُ قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلا بَشَرًا رَسُولا } [الإسراء : 90 - 93] ، وقوله تعالى : { وَقَالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا لَوْلا أُنزلَ عَلَيْنَا الْمَلائِكَةُ أَوْ نَرَى رَبَّنَا لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيرًا } [الفرقان : 21] ، وقوله : { بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُؤْتَى صُحُفًا مُنَشَّرَةً } [المدثر : 52] إلى غير ذلك من الآيات الدالة على كفر مشركي العرب وعتوهم وعنادهم وسؤالهم ما لا حاجة لهم به ، إنما هو الكفر والمعاندة ، كما قال من قبلهم من الأمم الخالية من أهل الكتابين وغيرهم ، كما قال تعالى : { يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنزلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً } [النساء : 153] وقال تعالى : { وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً } [البقرة : 55].
وقوله : { تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ } أي : أشبهت قُلُوب مشركي العرب قلوب من تقدمهم في الكفر والعناد والعتو ، كما قال تعالى : { كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ* أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ } [الذاريات : 52 ، 53].
وقوله : { قَدْ بَيَّنَّا الآيَاتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ } أي : قد وضحنا الدلالات على صدق الرسل بما لا يحتاج معها إلى سؤال آخر وزيادة أخرى ، لمن أيقن (1) وصدق واتبع الرسل ، وفهم ما جاؤوا به عن الله تبارك وتعالى. وأما من ختم الله على قلبه وجعل على بصره غشاوة فأولئك الذين قال الله تعالى فيهم : { إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ* وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الألِيمَ } [يونس : 96 ، 97].
[قوله تعالى] (2)
{ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ (119) }
قال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي ، حدثنا عبد الرحمن بن صالح ، حدثنا عبد الرحمن بن محمد بن عبيد الله الفزاري عن شيبان النحوي ، أخبرني قتادة ، عن عكرمة ، عن ابن عباس ، عن النبي {{ص}} قال : "أنزلت علي : { إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا } قال : "بشيرًا بالجنة ، ونذيرًا من النار" (3).
وقوله : { وَلا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ } قراءة أكثرهم (4) { وَلا تُسْأَلُ } بضم التاء على الخبر. وفي قراءة أبي بن كعب : "وما تسأل" وفي قراءة ابن مسعود : "ولن تسأل عن أصحاب الجحيم"
__________
في أ : "لمن اتقى".
زيادة من ط.
تفسير ابن أبي حاتم (1/354).
في ب ، أ ، و : "قراءة بعضهم".
(1/400)
نقلهما (1) ابن جرير ، أي : لا نسألك عن كفر من كفر بك ، { فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ } [الرعد : 40] وكقوله تعالى : { فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ* لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمصَيْطِرٍ } الآية [ الغاشية : 21 ، 22 ] وكقوله تعالى : { نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ } [ ق : 45 ] وأشباه ذلك من الآيات.
وقرأ آخرون (2) "ولا تَسْأَلْ عن أصحاب الجحيم" بفتح التاء على النهي ، أي : لا تسأل عن حالهم ، كما قال عبد الرزاق :
أخبرنا الثوري ، عن موسى بن عبيدة ، عن محمد بن كعب القرظي ، قال : قال رسول الله {{ص}} : "ليت شعري ما فعل أبواي ، ليت شعري ما فعل أبواي ، ليت شعري ما فعل أبواي ؟". فنزلت : { وَلا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ } فما ذكرهما (3) حتى توفاه الله ، عز وجل.
ورواه ابن جرير ، عن أبي كُرَيب ، عن وَكِيع ، عن موسى بن عبيدة ، [وقد تكلموا فيه عن محمد بن كعب] (4) بمثله (5) وقد حكاه القرطبي عن ابن عباس ومحمد بن كعب قال القرطبي : وهذا كما يقال لا تسأل عن فلان ؛ أي : قد بلغ فوق ما تحسب ، وقد ذكرنا في التذكرة أن الله أحيا له أبويه حتى آمنا ، وأجبنا عن قوله : (إن أبي وأباك في النار).(قلت) : والحديث المروي في حياة أبويه عليه السلام ليس في شيء من الكتب الستة ولا غيرها ، وإسناده ضعيف والله أعلم.
ثم قال [ابن جرير] (6) وحدثني القاسم ، حدثنا الحسين ، حدثني حجاج ، عن ابن جُرَيج ، أخبرني داود بن أبي عاصم : أن النبي {{ص}} قال ذات يوم : "أين أبواي ؟". فنزلت : { إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ } (7).
وهذا مرسل كالذي قبله. وقد رد ابن جرير هذا القول المروي عن محمد بن كعب [القرظي] (8) وغيره في ذلك ، لاستحالة الشك من الرسول {{ص}} في أمر أبويه. واختار القراءة الأولى. وهذا الذي سلكه هاهنا فيه نظر ، لاحتمال أن هذا كان في حال استغفاره لأبويه قبل أن يعلم أمرهما ، فلما علم ذلك تبرأ منهما ، وأخبر عنهما أنهما من أهل النار [كما ثبت ذلك في الصحيح] (9) ولهذا أشباه كثيرة ونظائر ، ولا يلزم ما ذكر (10) ابن جرير. والله أعلم.
وقال الإمام أحمد : حدثنا موسى بن داود ، حدثنا فُلَيح بن سليمان ، عن هلال بن علي ، عن عطاء بن يسار ، قال : لقيت عبد الله بن عَمْرو بن العاص ، فقلت : أخبرني عن صفة رسول الله {{ص}} في التوراة. فقال : أجل ، والله إنه لموصوف في التوراة بصفته في القرآن : يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدًا ومبشرًا ونذيرًا ، وحرزًا للأميين ، وأنت عبدي ورسولي ، سميتك المتوكل ، لا فظٍّ ولا غليظ ولا
__________
في ب ، ط : "نقلهما".
في أ : "وقرأ البصريون".
في أ : "فما ذكره".
تفسير عبد الرزاق (2/78) وتفسير الطبري (2/558) وموسى بن عبيدة ضعيف جدا.
زيادة من ط ، أ.
زيادة من ط ، أ.
تفسير الطبري (2/559).
زيادة من ط.
زيادة من أ.
في أ ، و : "ما ذكره".
(1/401)
سَخَّاب في الأسواق ، ولا يدفع بالسيئة السيئة ولكن يعفو ويغفر ، ولن يقبضه حتى يقيم به الملة العوجاء ، بأن يقولوا : لا إله إلا الله. فيفتح به أعينا عُمْيًا ، وآذانًا صُمًّا ، وقلوبا غُلْفًا.
انفرد بإخراجه البخاري ، فرواه في البيوع عن محمد بن سنان ، عن فُلَيح ، به (1). وقال : تابعه عبد العزيز بن أبي سلمة ، عن هلال. وقال سعيد : عن هلال ، عن عطاء ، عن عبد الله بن سلام. ورواه في التفسير عن عبد الله ، عن عبد العزيز بن أبي سلمة ، عن هلال ، عن عطاء ، عن عبد الله بن عمرو بن العاص ، به (2). فذكر نحوه ، فعبد الله هذا هو ابن صالح ، كما صرح به في كتاب الأدب. وزعم أبو مسعود الدمشقي أنه عبد الله بن رجاء.
وقد رواه الحافظ أبو بكر بن مَرْدُويه في تفسير هذه الآية من البقرة ، عن أحمد بن الحسن بن أيوب ، عن محمد بن أحمد بن البراء ، عن المعافَى بن سليمان ، عن فليح ، به. وزاد : قال عطاء : ثم لقيت كعب الأحبار ، فسألته فما اختلفا في حرف ، إلا أن كعبًا قال بلُغَتِهِ : أعينًا عمومى ، وآذانًا صمومى ، وقلوبًا غلوفًا (3)
__________
المسند (2/174) وصحيح البخاري برقم (2125).
صحيح البخاري برقم (4838).
في ط : "وقلوبا غلفى".
(1/402)
وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ (120) الَّذِينَ آَتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (121)
{ وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ (120) الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (121) }
قال ابن جرير : يعني بقوله (1) جل ثناؤه : { وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ } وليست اليهود - يا محمد - ولا النصارى براضية عنك أبدًا ، فدع طلب ما يرضيهم ويوافقهم ، وأقبل على طلب رضا الله في دعائهم إلى ما بعثك الله به من الحق.
وقوله تعالى : { قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى } أي : قل يا محمد : إن هدى الله الذي بعثني به هو الهدى ، يعني : هو الدين المستقيم الصحيح الكامل الشامل.
قال قتادة في قوله : { قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى } قال : خصومة عَلَّمها الله محمدًا {{ص}} وأصحابه ، يخاصمون بها أهل الضلالة. قال قتادة : وبلغنا أن رسول الله {{ص}} كان يقول : "لا تزال طائفة من أمتي يقتتلون على الحق ظاهرين ، لا يضرهم من خالفهم ، حتى يأتي أمر الله".
قلت : هذا الحديث مُخَرَّج في الصحيح (2) عن عبد الله بن عمرو (3).
__________
في ط : "في قوله".
في ط : "في الصحيحين".
صحيح مسلم برقم (1924).
(1/402)
{ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ } فيه تهديد ووعيد شديد للأمة عن اتباع طرائق اليهود والنصارى ، بعد ما عَلِموا من القرآن والسنة ، عياذًا بالله من ذلك ، فإن الخطاب مع الرسول ، والأمر لأمته.
[وقد استدل كثير من الفقهاء بقوله : { حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ } حيث أفرد الملة على أن الكفر كله ملة واحدة كقوله تعالى : { لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ } [الكافرون : 6] ، فعلى هذا لا يتوارث المسلمون والكفار ، وكل منهم يرث قرينه سواء كان من أهل دينه أم لا ؛ لأنهم كلهم ملة واحدة ، وهذا مذهب الشافعي وأبي حنيفة وأحمد في رواية عنه. وقال في الرواية الأخرى كقول مالك : إنه لا يتوارث أهل ملتين شتى ، كما جاء في الحديث ، والله أعلم] (1).
وقوله تعالى : { الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ } قال عبد الرزاق ، عن مَعْمَر ، عن قتادة : هم اليهود والنصارى. وهو قول عبد الرحمن بن زيد بن أسلم ، واختاره ابن جرير.
وقال : سعيد عن قتادة : هم أصحاب رسول الله {{ص}}.
وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي ، حدثنا إبراهيم بن موسى ، وعبد الله بن عمران الأصبهاني ، قالا حدثنا يحيى بن يمان ، حدثنا أسامة بن زيد ، عن أبيه ، عن عمر بن الخطاب { يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ } قال : إذا مر بذكر الجنة سأل الله الجنة ، وإذا مر بذكر النار تعوذ بالله من النار (2).
وقال أبو العالية : قال ابن مسعود : والذي نفسي بيده ، إن حق تلاوته أن يُحِلَّ حلاله ويحرم حرامه ويقرأه كما أنزله الله ، ولا يحرف الكلم عن مواضعه ، ولا يتأول منه شيئا على غير تأويله.
وكذا رواه عبد الرزاق ، عن مَعْمَر ، عن قتادة ومنصور بن المعتمر ، عن ابن مسعود.
وقال السدي ، عن أبي مالك ، عن ابن عباس في هذه الآية ، قال : يُحِلُّون حلاله ويُحَرِّمُون حرامه ، ولا يُحَرِّفُونه عن مواضعه.
قال ابن أبي حاتم : وروي عن ابن مسعود نحو ذلك.
وقال الحسن البصري : يعملون بمحكمه ، ويؤمنون بمتشابهه ، يَكِلُونَ ما أشكل عليهم إلى عالمه.
وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبو زُرْعَة ، حدثنا إبراهيم بن موسى ، أخبرنا ابن أبي زائدة ، أخبرنا داود بن أبي هند ، عن عكرمة ، عن ابن عباس ، في قوله : { يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ } قال : يتبعونه حق اتباعه ، ثم قرأ : { وَالْقَمَرِ إِذَا تَلاهَا } [ الشمس : 2 ] ، يقول : اتَّبَعَها. قال : ورُوِيَ عن عكرمة ، وعطاء ، ومجاهد ، وأبي رزين ، وإبراهيم النخَعي نحو ذلك.
وقال سفيان الثوري : حدثنا زُبَيد ، عن مُرَّة ، عن عبد الله بن مسعود ، في قوله : { يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ }
__________
زيادة من ط ، أ.
تفسير ابن أبي حاتم (1/357).
(1/403)
يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ (122) وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا تَنْفَعُهَا شَفَاعَةٌ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ (123)
قال : يتبعونه حق اتباعه.
قال القرطبي : وروى نصر بن عيسى ، عن مالك ، عن نافع ، عن ابن عمر ، عن النبي {{ص}} في قوله : { يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ } قال : "يتبعونه حق اتباعه" ، ثم قال : في إسناده غير واحد من المجهولين فيما ذكره الخطيب إلا أن معناه صحيح. وقال أبو موسى الأشعري : من يتبع القرآن يهبط به على رياض الجنة. وعن عمر بن الخطاب ، رضي الله عنه : هم الذين إذا مروا بآية رحمة سألوها من الله ، وإذا مروا بآية عذاب استعاذوا منها ، قال : وقد روي هذا المعنى عن النبي {{ص}} أنه كان إذا مرَّ بآية رحمة سأل ، وإذا مرَّ بآية عذاب تعوذ.
وقوله : { أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ } خَبَر عن { الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ } أي : من أقام كتابه من أهل الكتب المنزلة على الأنبياء المتقدمين حق إقامته ، آمن بما أرسلتك به يا محمد ، كما قال تعالى : { وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالإنْجِيلَ وَمَا أُنزلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لأكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ } الآية [ المائدة : 66 ]. وقال : { قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالإنْجِيلَ وَمَا أُنزلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ } [ المائدة : 68 ] ، أي : إذا أقمتموها حق الإقامة ، وآمنتم بها حَقَّ الإيمان ، وصَدَّقتم ما فيها من الأخبار بمبعث محمد {{ص}} ونَعْتِه وصفته والأمر باتباعه ونصره ومؤازرته ، قادكم ذلك إلى الحق واتباع الخير في الدنيا والآخرة ، كما قال تعالى : { الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإنْجِيلِ } الآية [ الأعراف : 157 ] وقال تعالى : { قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لا تُؤْمِنُوا إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلأذْقَانِ سُجَّدًا* وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولا } [ الإسراء : 107 ، 108 ] أي : إن كان ما وعدنا به من شأن محمد {{ص}} لواقعًا. وقال تعالى : { الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ* وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ } [ القصص : 52 - 54]. وقال تعالى : { وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالأمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ } [ آل عمران : 20 ] ولهذا قال تعالى : { وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ } كما قال تعالى : { وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الأحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ } [ هود : 17 ]. وفي الصحيح : "والذي نفسي بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة : يهودي ولا نصراني ، ثم لا يؤمن بي ، إلا دخل النار" (1).
{ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ (122) وَاتَّقُوا يَوْمًا لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلا تَنْفَعُهَا شَفَاعَةٌ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ (123) }
قد تقدم نظير هذه الآية في صدر السورة ، وكررت هاهنا للتأكيد والحث على اتباع الرسول النبي
__________
صحيح مسلم برقم (153) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
(1/404)
وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ (124)
الأمي الذي يجدون صفته في كتبهم ونعتَه واسمه وأمره وأمته. يحذرهم (1) من كتمان هذا ، وكتمان ما أنعم به عليهم ، وأمرهم أن يذكروا نعمة الله عليهم ، من النعم الدنيوية والدينية ، ولا يحسدوا بني عَمِّهم من العرب على ما رزقهم الله من إرسال الرسول الخاتم منهم. ولا يحملهم ذلك الحسدُ على مخالفته وتكذيبه ، والحيدة عن موافقته ، صلوات الله وسلامه عليه دائمًا إلى يوم الدين.
{ وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ (124) }
يقول تعالى مُنَبِّهًا على شرف إبراهيم خليله ، عليه السلام (2) وأن الله تعالى جعله إماما للناس يقتدى به في التوحيد ، حتى (3) قام بما كلفه الله تعالى به من الأوامر والنواهي ؛ ولهذا قال : { وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ } أي : واذكر - يا محمد - لهؤلاء المشركين وأهل الكتابين الذين ينتحلون ملَّة إبراهيم وليسوا عليها ، وإنما الذي هو عليها مستقيم فأنت والذين (4) معك من المؤمنين ، اذكر لهؤلاء ابتلاء الله إبراهيم ، أي : اختباره له بما كلفه به من الأوامر والنواهي { فَأَتَمَّهُنَّ } أي : قام (5) بهن كلهن ، كما قال تعالى : { وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى } [ النجم : 37 ] ، أي : وفى جميع ما شرع له ، فعمل به صلوات الله عليه ، وقال تعالى : { إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ* شَاكِرًا لأنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ* وَآتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ* ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ } [ النحل : 120 - 123 ] ، وقال تعالى : { قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ } [ الأنعام : 161 ] ، وقال تعالى : { مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ* إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ } [ آل عمران : 67 ، 68 ]
وقوله تعالى : { بِكَلِمَاتٍ } أي : بشرائع وأوامر ونواه ، فإن الكلمات تطلق ، ويراد بها الكلمات القدرية ، كقوله تعالى عن مريم ، عليها السلام ، : { وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ } [ التحريم : 12 ]. وتطلق ويراد بها الشرعية ، كقوله تعالى : { وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلا [لا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ] (6) } [ الأنعام : 115 ] أي : كلماته الشرعية. وهي إما خبر صدق ، وإما طلب عدل إن كان أمرًا أو نهيًا ، ومن ذلك هذه الآية الكريمة : { وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ } أي : قام بهن. قال : { إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا } أي : جزاء على ما فَعَل ، كما قام بالأوامر وتَرَكَ الزواجر ، جعله الله للناس قدوة وإمامًا يقتدى به ، ويحتذى حذوه.
__________
في جـ ، ط ، أ ، و : "فحذرهم".
في جـ : "عليه الصلاة والسلام".
في أ ، و : "حين".
في جـ : "فأنت والذي".
في جـ : "أي أقام".
زيادة من ط.
(1/405)
وقد اختلف [العلماء] (1) في تفسير (2) الكلمات التي اختبر الله بها إبراهيم الخليل ، عليه السلام. فروي عن ابن عباس في ذلك روايات :
فقال عبد الرزاق ، عن معمر ، عن قتادة ، قال ابن عباس : ابتلاه الله بالمناسك. وكذا رواه أبو إسحاق السَّبِيعي ، عن التميمي ، عن ابن عباس.
وقال عبد الرزاق - أيضًا - : أخبرنا معمر ، عن ابن طاووس ، عن أبيه ، عن ابن عباس : { وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ } قال : ابتلاه الله بالطهارة : خمس في الرأس ، وخمس في الجسد ؛ في الرأس : قَص الشارب ، والمضمضة ، والاستنشاق ، والسواك ، وفَرْق الرأس. وفي الجسد : تقليم الأظفار ، وحلق العانة ، والختان ، ونَتْف الإبط ، وغسل أثر الغائط والبول بالماء (3).
قال ابن أبي حاتم : ورُوِي عن سعيد بن المسيب ، ومجاهد ، والشعبي ، والنَّخَعي ، وأبي صالح ، وأبي الجلد ، نحو ذلك.
قلت : وقريب من هذا ما ثبت في صحيح مسلم ، عن عائشة ، رضي الله عنها ، قالت : قال رسول الله {{ص}} : "عَشْرٌ من الفطرة : قص الشارب ، وإعفاء اللحية ، والسواك ، واستنشاق الماء ، وقص الأظفار ، وغسل البرَاجم ، ونتف الإبط ، وحلق العانة ، وانتقاص الماء" [قال مصعب] (4) ونسيت العاشرة إلا أن تكون المضمضة.
قال وَكِيع : انتقاص الماء ، يعني : الاستنجاء (5).
وفي الصحيح ، عن أبي هريرة ، عن النبي {{ص}} ، قال : "الفطرة خمس : الختان ، والاستحداد ، وقص الشارب ، وتقليم الأظفار ، ونتف الإبط". ولفظه لمسلم (6).
وقال ابن أبي حاتم : أنبأنا يونس بن عبد الأعلى ، قراءة ، أخبرنا ابن وهب ، أخبرني ابن لهيعة ، عن ابن هُبيرة ، عن حَنَش (7) بن عبد الله الصنعاني ، عن ابن عباس : أنه كان يقول في هذه الآية : { وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ } قال : عَشْرٌ ، ست في الإنسان ، وأربع في المشاعر. فأما التي في الإنسان : حلق العانة ، ونتف الإبط ، والختان. وكان ابن هبيرة يقول : هؤلاء الثلاثة واحدة. وتقليم الأظفار ، وقص الشارب ، والسواك ، وغسل يوم الجمعة. والأربعة التي في المشاعر : الطواف ، والسعي بين الصفا والمروة ، ورمي الجمار ، والإفاضة.
وقال داود بن أبي هند ، عن عِكْرِمة ، عن ابن عباس أنه قال : ما ابتلي بهذا الدين أحد فقام به
__________
زيادة من أ.
في و : "تعيين".
تفسير عبد الرزاق (1/76).
زيادة من جـ ، ط.
صحيح مسلم برقم (261).
صحيح البخاري برقم (5889) وصحيح مسلم برقم (257).
في جـ ، ط : "حنيش" ، وفي أ : "حسين".
(1/406)
كله إلا إبراهيم ، قال الله تعالى : { وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ } قلت له : وما الكلماتُ التي ابتلى الله إبراهيم بهن فأتمهن ؟ قال : الإسلام ثلاثون سهمًا ، منها عشر آيات في براءة : { التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ [الْحَامِدُونَ ] (1) } [ التوبة : 112 ] إلى آخر الآية (2) وعشر آيات في أول سورة { قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ } و { سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ } وعشر آيات في الأحزاب : { إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ } [ الآية : 35 ] إلى آخر الآية ، فأتمهن كلهن ، فكتبت له براءة. قال الله : { وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى } [ النجم : 37 ].
هكذا رواه الحاكم ، وأبو جعفر بن جرير ، وأبو محمد بن أبي حاتم ، بأسانيدهم إلى داود بن أبي هند ، به (3). وهذا لفظ ابن أبي حاتم.
وقال محمد بن إسحاق ، عن محمد بن أبي محمد ، عن سعيد أو عكرمة ، عن ابن عباس ، قال : الكلمات التي ابتلى الله بهن إبراهيم فأتمهن : فراق قومه - في الله - حين أمر بمفارقتهم. ومحاجَّته نمروذ (4) - في الله - حين وقفه على ما وقفه عليه من خطر الأمر الذي فيه خلافه. وصبره على قذفه إياه في النار ليحرقوه - في الله - على هول ذلك من أمرهم. والهجرة بعد ذلك من وطنه وبلاده - في الله - حين أمره بالخروج عنهم ، وما أمره به من الضيافة والصبر عليها بنفسه وماله ، وما ابتلي به من ذبح ابنه حين أمره بذبحه ، فلما مضى على ذلك من الله كله وأخلصه للبلاء (5) قال الله له : { أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ } على ما كان من خلاف الناس وفراقهم.
وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبو سعيد الأشج ، حدثنا إسماعيل بن عُلَيَّة ، عن أبي رجاء ، عن الحسن - يعني البصري - : { وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ [فَأَتَمَّهُنَّ] (6) } قال : ابتلاه بالكوكب فرضي عنه ، وابتلاه بالقمر فرضي عنه ، وابتلاه بالشمس فرضي عنه ، وابتلاه بالهجرة فرضي عنه ، وابتلاه بالختان فرضي عنه ، وابتلاه بابنه فرضي عنه.
وقال ابن جرير : حدثنا بشر بن معاذ ، حدثنا يزيد بن زُرَيع ، حدثنا سعيد ، عن قتادة ، قال : كان الحسن يقول : أي والله ، ابتلاه بأمر فصبر عليه : ابتلاه بالكوكب والشمس والقمر ، فأحسن في ذلك ، وعرف أن ربه (7) دائم لا يزول ، فوجه وجهه للذي فطر السموات والأرض حنيفًا وما كان من المشركين. ثم ابتلاه بالهجرة فخرج من بلاده وقومه حتى لحق بالشام مهاجرًا إلى الله ، ثم ابتلاه بالنار قبل الهجرة فصبر على ذلك. وابتلاه الله بذبح ابنه (8) والختان فصبر على ذلك.
وقال عبد الرزاق : أخبرنا مَعْمَر ، عمن سمع الحسن يقول في قوله : { وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ [فَأَتَمَّهُنَّ] (9) }
__________
زيادة من جـ.
في و : "إلى آخر الآيات".
تفسير الطبري (3/8) وتفسير ابن أبي حاتم (1/360).
في جـ : "ومحاجته بنمروذ".
في جـ : "ذلك من البلاء كله وأخلصه للبلاء".
زيادة من أ.
في جـ : "أن الله ربه".
في ط : "بذبح ولده".
زيادة من جـ.
(1/407)
قال : ابتلاه الله بذبح ولده ، وبالنار ، والكوكب (1) والشمس ، والقمر.
وقال أبو جعفر بن جرير : حدثنا ابن بشار ، حدثنا سَلْم بن قتيبة ، حدثنا أبو هلال ، عن الحسن { وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ } قال : ابتلاه بالكوكب ، والشمس ، والقمر ، فوجده صابرًا.
وقال العوفي في تفسيره ، عن ابن عباس : { وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ } فمنهن : { إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا } (2) ومنهن : { وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ } ومنهن : الآيات في شأن المنسك والمقام الذي جعل لإبراهيم ، والرزق الذي رزق ساكنو البيت ، ومحمد بعث في دينهما.
وقال ابن أبي حاتم : حدثنا الحسن بن محمد بن الصباح ، حدثنا شبابة ، عن ورقاء ، عن ابن أبي نَجِيح ، عن مجاهد في قوله تعالى : { وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ } قال الله لإبراهيم : إني مبتليك بأمر فما هو ؟ قال : تجعلني للناس إمامًا. قال : نعم. قال : ومن ذريتي ؟ { قَالَ لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ } قال : تجعل البيت مثابة للناس ؟ قال : نعم. قال : وأمنًا. قال : نعم. قال : وتجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا أمة مسلمة لك ؟ قال : نعم. قال : وترزق أهله من الثمرات من آمن منهم بالله ؟ قال : نعم.
قال ابن أبي نَجِيح : سمعته من عكرمة ، فعرضته على مجاهد ، فلم ينكره.
وهكذا رواه ابن جرير من غير وجه ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد.
وقال سفيان الثوري ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد : { وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ } قال : ابتلي بالآيات التي بعدها : { إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ }
وقال أبو جعفر الرازي ، عن الربيع بن أنس : { وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ [فَأَتَمَّهُنَّ] (3) } قال : الكلمات : { إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا } وقوله : { وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا } وقوله { وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى } وقوله : { وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ } الآية ، وقوله : { وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ } الآية ، قال : فذلك كله من الكلمات التي ابتلي بهن إبراهيم.
قال السدي : الكلمات التي ابتلى بهن إبراهيم رَبُّه : { رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ } ، { رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولا مِنْهُمْ [يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ] (4) }.
__________
في أ ، و : "والكواكب".
في جـ ، ط : "قال إني".
زيادة من أ.
زيادة من أ.
(1/408)
[وقال القرطبي : وفي الموطأ وغيره ، عن يحيى بن سعيد أنه سمع سعيد بن المسيب يقول : إبراهيم ، عليه السلام ، أول من اختتن وأول من ضاف الضيف ، وأول من استحد ، وأول من قَلَّم أظفاره ، وأول من قص الشارب ، وأول من شاب فلما رأى الشيب ، قال : ما هذا ؟ قال : وقار ، قال : يا رب ، زدني وقارًا. وذكر ابن أبي شيبة ، عن سعد بن إبراهيم ، عن أبيه ، قال : أول من خطب على المنابر إبراهيم ، عليه السلام ، قال غيره : وأول من برَّد البريد ، وأول من ضرب بالسيف ، وأول من استاك ، وأول من استنجى بالماء ، وأول من لبس السراويل ، وروي عن معاذ بن جبل قال : قال رسول الله {{ص}} : "إن أتخذ المنبر فقد اتخذه أبي إبراهيم ، وإن أتخذ العصا فقد اتخذها أبي إبراهيم" قلت : هذا حديث لا يثبت ، والله أعلم. ثم شرع القرطبي يتكلم على ما يتعلق بهذه الأشياء من الأحكام الشرعية] (1).
قال أبو جعفر بن جرير ما حاصله : أنه يجوز أن يكون المراد بالكلمات جميعُ ما ذكر ، وجائز أن يكون بعض ذلك ، ولا يجوز الجزمُ بشيء منها أنه المرادُ على التعيين إلا بحديث أو إجماع. قال : ولم يصح في ذلك خبر بنقل الواحد ولا بنقل الجماعة الذي يجب التسليم له.
قال : غَيْرَ أنه قد روي عن النبي {{ص}} في نظير معنى ذلك خبران ، أحدهما ما حدثنا به أبو كُرَيْب ، حدثنا رشدين بن سعد ، حدثني زبان بن فائد ، عن سهل بن معاذ بن أنس ، قال : كان النبي {{ص}} يقول : "ألا أخبركم لم سمى الله إبراهيم خليله { الَّذِي وَفَّى } [ النجم : 37 ] ؟ لأنه كان يقول كلما أصبح وكلما أمسى : { فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ } [ الروم : 17 ] حتى يختم الآية" (2).
قال : والآخر منهما : حدثنا به أبو كريب ، أخبرنا الحسن ، عن عطية ، أخبرنا إسرائيل ، عن جعفر بن الزبير ، عن القاسم ، عن أبي أمامة قال : قال رسول الله {{ص}} : { وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى } أتدرون ما وفى ؟". قالوا : الله ورسوله أعلم. قال : "وفَّى عمل يومه ، أربع ركعات في النهار".
ورواه آدم في تفسيره ، عن حماد بن سلمة. وعبد بن حميد ، عن يونس بن محمد ، عن حماد بن سلمة ، عن جعفر بن الزبير ، به (3).
ثم شرع ابن جرير يضعف هذين الحديثين ، وهو كما قال ؛ فإنه لا تجوز روايتهما إلا ببيان ضعفهما ، وضعفهما من وجوه عديدة ، فإن كلا من السندين مشتمل على غير واحد من الضعفاء ، مع ما في متن الحديث مما يدل على ضعفه [والله أعلم] (4).
ثم قال ابن جرير : ولو قال قائل : إن الذي قاله مجاهد وأبو صالح والربيع بن أنس أولى
__________
زيادة من جـ ، ط ، أ.
تفسير الطبري (3/15).
تفسير الطبري (3/16).
زيادة من جـ ، ط ، أ ، و.
(1/409)
بالصواب من القول الذي قاله غيرهم كان مذهبًا ، فإن قوله : { إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا } وقوله : { وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ } وسائر الآيات التي هي نظير ذلك ، كالبيان عن الكلمات التي ذكر الله أنه ابتلى بهن إبراهيم.
قلت : والذي قاله أولا من أن الكلمات تشمل جميع ما ذكر ، أقوى من هذا الذي جوزه من قول مجاهد ومن قال مثله ؛ لأن السياق يعطي غير ما قالوه والله أعلم.
وقوله : { قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ } لما جعل الله إبراهيم إمامًا ، سأل الله أن تكون الأئمةُ من بعده من ذريته ، فأجيب إلى ذلك وأخبر أنه سيكون من ذريته ظالمون ، وأنه لا ينالهم عهد الله ، ولا يكونون أئمة فلا يقتدى بهم ، والدليل على أنه أجيب إلى طَلِبَتِهِ قول الله (1) تعالى في سورة العنكبوت : { وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ } [ العنكبوت : 27 ] فكل نبي أرسله الله وكل كتاب أنزله الله بعد إبراهيم ففي ذريته صلوات الله وسلامه عليه (2).
وأما قوله تعالى : { قَالَ لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ } فقد اختلفوا في ذلك ، فقال خَصِيف ، عن مجاهد في قوله : { قَالَ لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ } قال : إنه سيكون في ذريتك ظالمون.
وقال ابن أبي نَجِيح ، عن مجاهد ، { قَالَ لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ } قال : لا يكون لي إمام ظالم [يقتدى به] (3). وفي رواية : لا (4) أجعل إمامًا ظالمًا يقْتَدَى به. وقال سفيان ، عن (5) منصور ، عن مجاهد في قوله تعالى : { قَالَ لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ } قال : لا يكون إمام ظالم يقتدى به.
وقال ابن أبي حاتم : حدثني أبي ، حدثنا مالك بن إسماعيل ، حدثنا شريك ، عن منصور ، عن مجاهد ، في قوله : { وَمِنْ ذُرِّيَّتِي } قال : أما من كان منهم صالحًا فسأجعله إمامًا يقتدى به ، وأما من كان ظالما فلا ولا نُعْمَةَ عَيْنٍ.
وقال سعيد بن جبير : { لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ } المراد به المشرك ، لا يكون إمام ظالم. يقول : لا يكون إمام مشرك.
وقال ابن جُرَيج ، عن عطاء ، قال : { إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي } فأبى أن يجعل من ذريته إمامًا ظالمًا. قلت لعطاء : ما عهده ؟ قال : أمره.
وقال ابن أبي حاتم : أخبرنا عمرو بن ثور القيساري (6) فيما كتب إلي ، حدثنا الفريابي ، حدثنا إسرائيل ، حدثنا سماك بن حرب ، عن عكرمة ، عن ابن عباس ، قال : قال الله لإبراهيم : { إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي } فأبى أن يفعل ، ثم قال : { لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ }
__________
في جـ : "قوله".
في جـ : "وسلامه عليه وعليهم أجمعين".
زيادة من ط.
في جـ : "أن لا".
في أ : "سفيان بن".
في أ : "النيسابوري".
(1/410)
وقال محمد بن إسحاق ، عن محمد بن أبي محمد ، عن سعيد أو عكرمة ، عن ابن عباس : { قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ } يخبره أنه كائن في ذريته ظالم لا ينال عهده - ولا ينبغي [له] (1) أن يوليه شيئا من أمره وإن كان من ذرية خليله - ومحسن ستنفذ فيه دعوته ، وتبلغ له فيه ما أراد من مسألته.
وقال العوفي ، عن ابن عباس : { لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ } قال : يعني لا عهدَ لظالم عليك في ظلمه ، أن تطيعه فيه.
وقال ابن جرير : حدثنا المثنى ، حدثنا إسحاق ، حدثنا عبد الرحمن بن عبد الله ، عن إسرائيل ، عن مسلم الأعور ، عن مجاهد ، عن ابن عباس ، قال : { لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ } قال : ليس للظالمين عهد ، وإن عاهدته فانتقضه (2).
وروي عن مجاهد ، وعطاء ، ومقاتل بن حيان ، نحو ذلك.
وقال الثوري ، عن هارون بن عنترة ، عن أبيه ، قال : ليس لظالم عهد.
وقال عبد الرزاق : أخبرنا مَعْمَر ، عن قتادة ، في قوله : { لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ } قال : لا ينال عهدُ الله في الآخرة (3) الظالمين ، فأما في الدنيا فقد ناله الظالم فأمن به ، وأكل وعاش.
وكذا قال إبراهيم النخعي ، وعطاء ، والحسن ، وعكرمة.
وقال الربيع بن أنس : عهد الله الذي عهد إلى عباده : دينه ، يقول : لا ينال دينه الظالمين ، ألا ترى أنه قال : { وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَى إِسْحَاقَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ } [ الصافات : 113 ] ، يقول : ليس كل ذريتك يا إبراهيم على الحق.
وكذا روي عن أبي العالية ، وعطاء ، ومقاتل بن حيان.
وقال جويبر ، عن الضحاك : لا ينال طاعتي عدو لي يعصيني ، ولا أنحلها إلا وليًّا لي يطيعني.
وقال الحافظ أبو بكر بن مَرْدويه : حدثنا عبد الرحمن بن محمد بن حامد ، حدثنا أحمد بن عبد الله بن سعيد الأسدي ، حدثنا سليم بن سعيد الدامغاني ، حدثنا وَكِيع ، عن الأعمش ، عن سعد بن عبيدة ، عن أبي عبد الرحمن السلمي ، عن علي بن أبي طالب ، عن النبي {{ص}} ، قال : { لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ } قال : "لا طاعة إلا في المعروف" (4).
__________
زيادة من جـ ، ط ، أ ، و.
في جـ ، ط ، أ ، و : "فأنقضه".
في ط : "لا ينال عهد الله ظالم في الآخرة".
قال البخاري في صحيحه برقم (7257) : حدثنا محمد بن بشار ، حدثنا غندر ، حدثنا شعبة ، عن زيد ، عن سعد بن عبيدة ، عن أبي عبد الرحمن ، عن علي - رضي الله عنه - أن النبي {{ص}} بعث جيشا وأمر عليهم رجلا ، فأوقد نارا وقال : ادخلوها ، فأرادوا أن يدخلوها ، وقال آخرون : إنما فررنا منها ، فذكروا للنبي {{ص}} ، فقال للذين أرادوا أن يدخلوها : "لو دخلوها لم يزالوا فيها إلى يوم القيامة". وقال للآخرين : "لا طاعة في المعصية ، إنما الطاعة في المعروف". فهذا هو أصل هذا الحديث من دون ذكر الآية ، والله أعلم.
(1/411)
وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (125) وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آَمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آَمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ قَالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (126)
وقال السدي : { لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ } يقول : عهدي نبوتي.
فهذه أقوال مفسري السلف في هذه الآية على ما نقله ابن جرير ، وابن أبي حاتم ، رحمهما الله تعالى. واختار ابن جرير أن هذه الآية - وإن كانت ظاهرة في الخبر - أنه لا ينال عهد الله بالإمامة ظالما. ففيها إعلام من الله لإبراهيم الخليل ، عليه السلام ، أنه سيوجد من ذريتك من هو ظالم لنفسه ، كما تقدم عن مجاهد وغيره ، والله أعلم.
== { وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى (125) } ==
قال العوفي ، عن ابن عباس : قوله تعالى : { وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ } يقول : لا يقضون منه وطرًا ، يأتونه ، ثم يرجعون إلى أهليهم ، ثم يعودون إليه.
وقال علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس : { مَثَابَةً لِلنَّاسِ } يقول : يثوبون.
رواهما (1) ابن جرير.
وقال ابن أبي حاتم : أخبرنا أبي ، أخبرنا عبد الله بن رجاء ، أخبرنا إسرائيل ، عن مسلم ، عن مجاهد ، عن ابن عباس ، في قوله تعالى : { وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ } قال : يثوبون إليه ثم يرجعون. قال : وروي عن أبي العالية ، وسعيد بن جبير - في رواية - وعطاء ، ومجاهد ، والحسن ، وعطية ، والربيع بن أنس ، والضحاك ، نحو ذلك. وقال ابن جرير : حدثني عبد الكريم بن أبي عمير ، حدثني الوليد بن مسلم قال : قال أبو عمرو - يعني الأوزاعي - حدثني عبدة بن أبي لبابة ، في قوله تعالى : { وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ } قال : لا ينصرف عنه منصرف وهو يرى أنه قد قضى منه وطرًا.
وحدثني يونس ، عن ابن وهب ، قال : قال ابن زيد : { وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ } قال : يثوبون إليه من البُلْدان كلها ويأتونه.
[وما أحسن ما قال الشاعر في هذا المعنى ، أورده القرطبي (2) :
جعل البيتُ مثابًا لهم... ليس منه الدهر يقضون الوَطَرْ] (3)
وقال سعيد بن جبير - في الرواية الأخرى - وعكرمة ، وقتادة ، وعطاء الخراساني { مَثَابَةً لِلنَّاسِ } أي : مجمعا.
{ وَأَمْنًا } قال الضحاك عن ابن عباس : أي أمنًا للناس.
__________
في جـ ، ط : "رواه".
تفسير القرطبي (2/110).
زيادة من جـ ، ط ، أ.
(1/412)
وقال أبو جعفر الرازي ، عن الربيع بن أنس ، عن أبي العالية : { وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا } يقول : أمنًا من العدو ، وأن يُحْمَل فيه السلاح ، وقد كانوا في الجاهلية يُتَخَطَّف الناس من حولهم ، وهم آمنون لا يُسْبَون.
وروي عن مجاهد ، وعطاء ، والسدي ، وقتادة ، والربيع بن أنس ، قالوا : من دخله كان آمنًا.
ومضمون ما فسر به هؤلاء الأئمة هذه الآية : أن الله تعالى يذكر شرف البيت وما جعله موصوفًا به شرعًا وقدرًا من كونه مثابة للناس ، أي : جعله مَحَلا تشتاق إليه الأرواح وتحن إليه ، ولا تقضي منه وطرًا ، ولو ترددَت إليه كلَّ عام ، استجابة من الله تعالى لدعاء خليله إبراهيم ، عليه السلام ، في قوله : { فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ } إلى أن قال : { رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ (1) } [ إبراهيم : 37 - 40 ] ويصفه تعالى بأنه جعله أمنًا ، من دخله أمن ، ولو كان قد فعل ما فعل ثم دخله كان آمنًا.
وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم : كان الرجل يلقى قاتل أبيه وأخيه فيه فلا يَعْرض له ، كما وصفها في سورة المائدة بقوله تعالى (2) { جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ } [ المائدة : 97 ] أي : يُرْفَع عنهم بسبب تعظيمها (3) السوءُ ، كما قال ابن عباس : لو لم يحج الناسُ هذا البيت لأطبق الله السماءَ على الأرض ، وما هذا الشرف إلا لشرف بانيه أولا وهو خليل الرحمن ، كما قال تعالى : { وَإِذْ بَوَّأْنَا لإبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا } [ الحج : 26 ] وقال تعالى : { إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ* فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا } [ آل عمران : 96 ، 97 ].
وفي هذه الآية الكريمة نَبَّه على مقام إبراهيم مع الأمر بالصلاة عنده. فقال : { وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى } وقد اختلف المفسرون في المراد بالمقام ما هو ؟ فقال ابن أبي حاتم : أخبرنا عمر بن شَبَّة النميري ، حدثنا أبو خلف - يعني عبد الله بن عيسى - حدثنا داود بن أبي هند ، عن مجاهد ، عن ابن عباس : { وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى } قال : مقام إبراهيم : الحرم كله. وروي عن مجاهد وعطاء مثل ذلك.
وقال [أيضا] (4) حدثنا الحسن بن محمد بن الصباح ، حدثنا حجاج ، عن ابن جريج ، قال : سألت عطاء عن { وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى } فقال : سمعت ابن عباس قال : أما مقام إبراهيم الذي ذكر هاهنا ، فمقام إبراهيم هذا الذي (5) في المسجد ، ثم قال : و { مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ } يعد كثير ، " مقام إبراهيم " الحج كله. ثم فسره لي عطاء فقال : التعريف ، وصلاتان بعرفة ، والمشعر ، ومنى ، ورمي الجمار ، والطواف بين الصفا والمروة. فقلت : أفسره ابن عباس ؟ قال : لا ولكن قال : مقام إبراهيم : الحج كله. قلت : أسمعت ذلك ؟ لهذا أجمع. قال : نعم ، سمعته منه.
__________
في جـ ، ط : "دعائي".
في جـ : "بقوله تبارك وتعالى".
في جـ : "لسبب تعظيمهم".
زيادة من و.
في جـ : "الذي هو".
(1/413)
وقال سفيان الثوري ، عن عبد الله بن مسلم ، عن سعيد بن جبير : { وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى } قال : الحَجر مقام إبراهيم نبي الله ، قد جعله الله رحمة ، فكان يقوم عليه ويناوله إسماعيل الحجارة. ولو غَسل رأسَه كما يقولون لاختلف رجلاه.
[وقال السدي : المقام : الحجر الذي وضعته زوجة إسماعيل تحت قدم إبراهيم حتى غسلت رأسه. حكاه القرطبي ، وضعفه ورجحه غيره ، وحكاه الرازي في تفسيره عن الحسن البصري وقتادة والربيع بن أنس] (1).
وقال ابن أبي حاتم : حدثنا الحسن بن محمد بن الصباح ، حدثنا عبد الوهاب بن عطاء ، عن ابن جُرَيج ، عن جعفر بن محمد ، عن أبيه ، سمع جابرًا يحدث عن حجة النبي {{ص}} قال : لما طاف النبي {{ص}} قال له عمر : هذا مقام أبينا إبراهيم ؟ قال : نعم ، قال : أفلا نتخذه مصلى ؟ فأنزل الله ، عز وجل : { وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى } (2).
وقال عثمان بن أبي شيبة : أخبرنا أبو أسامة ، عن زكريا ، عن أبي إسحاق ، عن أبي ميسرة قال : قال عمر : قلت : يا رسول الله ، هذا مقام خليل ربنا ؟ قال : نعم ، قال : أفلا نتخذه مصلى ؟ فنزلت : { وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى } (3).
وقال ابن مَرْدويه : حدثنا دَعْلَج بن أحمد ، حدثنا غيلان بن عبد الصمد ، حدثنا مسروق بن المرزبان ، حدثنا زكريا بن أبي زائدة ، عن أبي إسحاق عن عمرو بن ميمون عن عمر بن الخطاب أنه مَرَّ بمقام إبراهيم فقال : يا رسول الله ، أليس نقوم مقام خليل ربنا (4) ؟ قال : "بلى". قال : أفلا نتخذه مصلى ؟ فلم يلبث إلا يسيرًا حتى نزلت : { وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى }
وقال ابن مردويه : حدثنا محمد (5) بن أحمد بن محمد القزويني ، حدثنا علي بن الحسين الجنيد ، حدثنا هشام بن خالد ، حدثنا الوليد ، عن مالك بن أنس ، عن جعفر بن محمد عن أبيه ، عن جابر ، قال : لما وقف رسول الله {{ص}} يوم فتح مكة عند مقام إبراهيم ، قال له عمر : يا رسول الله ، هذا مقام إبراهيم الذي قال الله : { وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى } ؟ قال : "نعم". قال الوليد : قلت لمالك : هكذا حدثك { وَاتَّخِذُوا } قال : نعم. هكذا وقع في هذه الرواية. وهو غريب.
وقد روى النسائي من حديث الوليد بن مسلم نحوه (6).
وقال البخاري : باب قوله : { وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى } مثابة يثوبون يرجعون.
__________
زيادة من جـ ، ط ، أ.
تفسير ابن أبي حاتم (1/370).
ورواه الدارقطني في "الأفراد" كما في "أطراف الغرائب والأفراد" لابن القيسراني (ق31) وقال : "غريب من حديث أبي إسحاق عن أبي ميسرة - عمرو بن شرحبيل - عن عمر ، تفرد به زكريا بن أبي زائدة عنه".
في جـ : "خليل الله".
في جـ ، و : "علي"
سنن النسائي (5/236).
(1/414)
حدثنا مُسدَّد ، حدثنا يحيى ، عن حميد ، عن أنس بن مالك. قال : قال عمر بن الخطاب وافقتُ ربي في ثلاث ، أو وافقني ربي في ثلاث ، قلت : يا رسول الله ، لو اتخذت من مقام إبراهيم مصلى ؟ فنزلت : { وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى } وقلت : يا رسول الله يدخل عليك البر والفاجر ، فلو أمرت أمهات المؤمنين بالحجاب ؟ فأنزل الله آية الحجاب. وقال : وبلغني مُعَاتبة النبي {{ص}} بعض نسائه ، فدخلت عليهن (1) فقلت : إن انتهيتن أو ليبدلَن الله رسوله خيرًا منكن ، حتى أتيت إحدى نسائه ، فقالت : يا عمر ، أما في رسول الله ما يعظ نساءه حتى تَعظهن أنت ؟! فأنزل الله : { عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ } الآية [ التحريم : 5 ].
وقال ابن أبي مريم : أخبرنا يحيى بن أيوب ، حدثني حميد ، قال : سمعت أنسًا عن عمر ، رضي الله عنهما (2).
هكذا ساقه البخاري هاهنا ، وعلق الطريق الثانية عن شيخه سعيد بن الحكم المعروف بابن أبي مريم المصري. وقد تفرد بالرواية عنه البخاري من بين أصحاب الكتب الستة. وروى عنه الباقون بواسطة ، وغرضه من تعليق هذا الطريق ليبين (3) فيه اتصال إسناد الحديث ، وإنما لم يسنده ؛ لأن يحيى بن أبي أيوب الغافقي فيه شيء ، كما قال الإمام أحمد فيه : هو سيئ الحفظ ، والله أعلم.
وقال الإمام أحمد : حدثنا هُشَيم ، حدثنا حُمَيد ، عن أنس ، قال : قال عمر رضي الله عنه (4) وافقت ربي عز وجل في ثلاث ، قلت : يا رسول الله ، لو اتخذنا من مقام إبراهيم مصلى ؟ فنزلت : { وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى } وقلت : يا رسول الله ، إن نساءكَ يدخلُ عليهن البر والفاجر ، فلو أمرتهن أن يحتجبن ؟ فنزلت آية الحجاب. واجتمع على رسول الله {{ص}} نساؤه في الغيرة فقلت لهن : { عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ } [ التحريم : 5 ] فنزلت كذلك (5) ثم رواه أحمد ، عن يحيى وابن أبي عدي ، كلاهما عن حميد ، عن أنس ، عن عمر أنه قال : وافقت ربي في ثلاث ، أو وافقني ربي في ثلاث فذكره (6).
وقد رواه البخاري عن عَمْرو بن عَوْن والترمذي عن أحمد بن منيع ، والنسائي عن يعقوب بن إبراهيم الدورقي ، وابن ماجه عن محمد بن الصباح ، كلهم عن هُشَيم بن بشير ، به (7). ورواه الترمذي - أيضًا - عن عبد بن حُميد ، عن حجاج بن مِنهال ، عن حماد بن سلمة ، والنسائي عن هناد ، عن
__________
في جـ : "عليهن بالحجاب".
صحيح البخاري برقم (4483).
في جـ : "ليتبين".
في جـ : رضي الله عنهما".
المسند (1/23).
رواية يحيى في المسند (1/36) ورواية ابن أبي عدي (1/24).
صحيح البخاري برقم (4916) وسنن الترمذي برقم (2960) وسنن النسائي الكبرى برقم (11611) وسنن ابن ماجة برقم (1009).
(1/415)
يحيى بن أبي زائدة ، كلاهما عن حميد ، وهو ابن تيرويه الطويل ، به (1). وقال الترمذي : حسن صحيح. ورواه الإمام علي بن المديني عن يزيد بن زُرَيع ، عن حميد به. وقال : هذا من صحيح الحديث ، وهو بصري ، ورواه الإمام مسلم بن الحجاج في صحيحه بسند آخر ، ولفظ آخر ، فقال : حدثنا عقبة بن مُكْرَم ، أخبرنا سعيد بن عامر ، عن جويرية بن أسماء ، عن نافع ، عن ابن عمر ، عن عمر ، قال : وافقت ربي في ثلاث : في الحجاب ، وفي أسارى بدر ، وفي مقام إبراهيم (2).
وقال أبو حاتم الرازي : حدثنا محمد بن عبد الله الأنصاري ، حدثنا حميد الطويل عن أنس بن مالك قال : قال عمر بن الخطاب : وافقني ربي في ثلاث - أو وافقت ربي - قلت (3) يا رسول الله ، لو اتخذت من مقام إبراهيم مصلى ؟ فنزلت : { وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى } وقلت : يا رسول الله لو حجبت النساء ؟ فنزلت آية الحجاب. والثالثة : لما مات عبد الله بن أبي جاء رسول الله {{ص}} ليصلي عليه. قلت : يا رسول الله ، تصلي على هذا الكافر المنافق! فقال : "إيهًا عنك يا بن الخطاب" ، فنزلت : { وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُم مَاتَ أَبَدًا وَلا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ } [ التوبة : 84 ] (4).
وهذا إسناد صحيح أيضًا ، ولا تعارض بين هذا ولا هذا ، بل الكل صحيح ، ومفهوم العدد إذا عارضه منطوق قُدم عليه ، والله أعلم.
وقال ابن جريج (5) أخبرني جعفر بن محمد ، عن أبيه عن جابر : أن رسول الله {{ص}} رمل ثلاثة أشواط ، ومشى أربعًا ، حتى إذا فرغ عَمَد إلى مقام إبراهيم فصلى خلفه ركعتين ، ثم قرأ : { وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى }
وقال ابن جرير : حدثنا يوسف بن سلمان (6) حدثنا حاتم بن إسماعيل ، حدثنا جعفر بن محمد عن أبيه ، عن جابر قال : استلم رسول الله {{ص}} الركن ، فرمل ثلاثًا ، ومشى أربعًا ، ثم تقدم إلى مقام إبراهيم ، فقرأ : { وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى } فجعل المقام بينه وبين البيت ، فصلى ركعتين.
وهذا قطعة من الحديث الطويل الذي رواه مسلم في صحيحه ، من حديث حاتم بن إسماعيل (7).
وروى البخاري بسنده ، عن عمرو بن دينار ، قال : سمعت ابن عمر يقول : قدم رسول الله {{ص}} فطاف بالبيت سبعا ، وصلى خلف المقام ركعتين (8).
فهذا كله مما يدل على أن المراد بالمقام إنما هو الحَجَرُ الذي كان إبراهيم عليه السلام ، يقوم عليه
__________
سنن الترمذي برقم (2959) وسنن النسائي الكبرى برقم (10998).
صحيح مسلم برقم (2399).
في ط : "فقلت".
ورواه البيهقي في السنن الكبرى (7/88) من طريق أبي حاتم الرازي به.
في جـ : "ابن جرير".
في جـ ، ط : "سليمان".
تفسير الطبري (3/36) وصحيح مسلم برقم (1218).
صحيح البخاري برقم (395 ، 1793).
(1/416)
لبناء الكعبة ، لما ارتفع الجدار أتاه إسماعيل ، عليه السلام ، به ليقومَ فوقه ويناوله الحجارة فيضعها بيده لرفع الجدار ، كلَّما كَمَّل ناحية انتقل إلى الناحية الأخرى ، يطوف حول الكعبة ، وهو واقف عليه ، كلما فرغ من جدار نقله إلى الناحية التي تليها هكذا ، حتى تم جدارات الكعبة ، كما سيأتي بيانه في قصة إبراهيم وإسماعيل في بناء البيت ، من رواية ابن عباس عند البخاري. وكانت آثار قدميه ظاهرة فيه ، ولم يزل هذا معروفًا تعرفه العرب في جاهليتها ؛ ولهذا قال أبو طالب في قصيدته المعروفة اللامية :
ومَوطئُ إبراهيم في الصخر رطبة... على قدميه حافيًا غير ناعل (1)
وقد أدرك المسلمون ذلك فيه أيضا. وقال (2) عبد الله بن وهب : أخبرني يونس بن يزيد ، عن ابن شهاب : أن أنس بن مالك حدثهم ، قال : رأيت المقام فيه أثر أصابعه عليه السلام ، وإخْمَص قدميه ، غير أنه أذهبه مسح الناس بأيديهم.
وقال ابن جرير : حدثنا بشر بن معاذ ، حدثنا يزيد بن زُرَيع ، حدثنا سعيد ، عن قتادة : { وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى } إنما أمروا أن يصلوا عنده ولم يؤمروا بمسحه. ولقد تكلفت هذه الأمة شيئًا ما تكلفته الأمم قبلها ، ولقد ذُكِرَ لنا من رأى أثر عَقِبِه وأصابعه فيه (3) فما زالت هذه الأمة يمسحونه حتى اخلولق وانمحى.
قلت : وقد كان المقام ملصقًا بجدار الكعبة قديمًا ، ومكانه معروف اليوم إلى جانب الباب مما يلي الحجر يمنة الداخل من الباب في البقعة المستقلة هناك ، وكان الخليل ، عليه السلام (4) لما فرغ من بناء البيت وضعه إلى جدار الكعبة أو أنه انتهى عنده البناء فتركه هناك ؛ ولهذا - والله أعلم - أمر بالصلاة هناك عند فراغ الطواف ، وناسب أن يكون عند مقام إبراهيم حيث انتهى بناء الكعبة فيه ، وإنما أخره عن جدار الكعبة أمير المؤمنين عُمَرُ بن الخطاب رضي الله عنه (5) [وهو] (6) أحدُ الأئمة المهديين والخلفاء الراشدين ، الذين أُمِرْنا باتباعهم ، وهو أحد الرجلين اللذين قال فيهما رسول الله {{ص}} : "اقتدوا باللَّذَين من بعدي أبي بكر وعمر". وهو الذي نزل القرآن بوفاقه في الصلاة عنده ؛ ولهذا لم ينكر ذلك أحد من الصحابة ، رضي الله عنهم أجمعين.
قال عبد الرزاق ، عن ابن جُرَيج ، حدثني عطاء وغيره من أصحابنا : قالوا : أول من نقله عمر بن الخطاب رضي الله عنه (7) وقال عبد الرزاق أيضًا عن معمر عن حَمِيد الأعرج ، عن مجاهد قال : أول من أخر المقام إلى موضعه الآن ، عمر بن الخطاب رضي الله عنه (8).
__________
البيت في السيرة النبوية لابن هشام (1/273).
في جـ ، ط : "كما قال".
في جـ ، ط : "فيها".
في جـ : "عليه الصلاة والسلام".
في جـ : "رضي الله تعالى عنه".
زيادة من جـ.
المصنف لعبد الرزاق برقم (8955).
المصنف لعبد الرزاق برقم (8953).
(1/417)
وقال الحافظ أبو بكر أحمد بن الحسين بن علي البيهقي (1) أخبرنا أبو [الحسين بن] (2) الفضل القطان ، أخبرنا القاضي أبو بكر أحمد بن كامل ، حدثنا أبو إسماعيل محمد بن إسماعيل السلمي ، حدثنا أبو ثابت ، حدثنا الدراوردي ، عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها : أن المقام كان في زمان رسول الله {{ص}} وزمان أبي بكر ملتصقًا بالبيت ، ثم أخره عمر بن الخطاب رضي الله عنه وهذا إسناد صحيح مع ما تقدم.
وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي ، حدثنا ابن أبي عمر العَدَني قال : قال سفيان - [يعني ابن عيينة] (3) وهو إمام المكيين في زمانه - كان المقام في (4) سُقْع البيت على عهد رسول الله {{ص}} فحوله عمر إلى مكانه بعد النبي {{ص}} وبعد قوله : { وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى } قال : ذهب السيل به بعد تحويل عمر إياه من موضعه هذا ، فرده عمر إليه.
وقال سفيان : لا أدري كم بينه وبين الكعبة قبل تحويله. قال سفيان : لا أدري أكان (5) لاصقًا بها أم لا ؟ (6).
فهذه الآثار متعاضدة على ما ذكرناه ، والله أعلم.
وقد قال الحافظ أبو بكر بن مَرْدُويه : حدثنا أبو عَمْرو ، حدثنا محمد بن عبد الوهاب ، حدثنا آدم ، حدثنا شريك ، عن إبراهيم بن مهاجر ، عن مجاهد ، قال : قال عمر : يا رسول الله لو صلينا خلف المقام ؟ فأنزل الله : { وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى } فكان المقام عند البيت فحوله رسول الله {{ص}} إلى موضعه هذا. قال مجاهد : قد كان عمر يرى الرأي فينزل به القرآن (7).
هذا مرسل عن مجاهد ، وهو مخالف لما تقدم من رواية عبد الرزاق ، عن معمر ، عن حميد الأعرج ، عن مجاهد أن أول من أخَّر المقام إلى موضعه الآن عمر بن الخطاب رضي الله عنه وهذا أصح من طريق ابن مَرْدُويه ، مع اعتضاد هذا بما تقدم ، والله أعلم (8).
{ وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِين وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (125) وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ قَالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (126) }
__________
في أ ، و : "علي بن الحسين".
زيادة من جـ ، ط ، أ ، و.
زيادة من جـ ، ط ، أ ، و.
في هـ : "من" وهو خطأ.
في جـ : "إن كان".
تفسير ابن أبي حاتم (1/372).
قال الحافظ ابن حجر في الفتح (8/169) : "إسناده ضعيف".
وقد ألف سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ - رحمه الله - رسالتين فيما يتعلق بالمقام : الأولى : في جواز نقل المقام سماها : "الجواب المستقيم في جواز نقل مقام إبراهيم" مطبوعة ضمن فتاواه (5/17 - 55). والثانية : في الرد على الشيخ سليمان بن حمدان في اعتراضه على رسالة الشيخ عبد الرحمن المعلمي في جواز نقل المقام سماها : "نصيحة الإخوان ببيان بعض ما في نقض المباني لابن حمدان من الخبط والجهل والبهتان" مطبوعة ضمن فتاواه (5/56 - 132) وهما رسالتان قيمتان حشد فيهما - رحمه الله - جواز نقل المقام ، واستشهد بكلام الحافظ ابن كثير هنا وكلام الحافظ ابن حجر في فتح الباري ، وهما تدلان على تبحره وسعة علمه - رحمه الله وأسكنه فسيح جناته.
(1/418)
== { وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (127) رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (128) } ==
(1/418)
قال الحسن البصري : قوله : { وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ } قال : أمرهما الله أن يطهراه من الأذى والنَّجَس ولا يصيبه من ذلك شيء.
وقال ابن جريج : قلت لعطاء : ما عهده ؟ قال : أمره.
وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم : { وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ } أي : أمرناه. كذا قال. والظاهر أن هذا الحرف إنما عُدِّيَ بإلى ، لأنه في معنى تقدمنا وأوحينا.
وقال سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ، قوله : { أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ } قال : من الأوثان.
وقال مجاهد وسعيد بن جُبَير : { طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ } إن ذلك من الأوثان والرفث وقول الزور والرجس.
قال ابن أبي حاتم : ورُوي عن عُبَيد بن عمير ، وأبي العالية ، وسعيد بن جبير ، ومجاهد ، وعطاء وقتادة : { أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ } أي : بلا إله إلا الله ، من الشرك.
وأما قوله تعالى : { لِلطَّائِفِينَ } فالطواف بالبيت معروف. وعن سعيد بن جبير أنه قال في قوله تعالى : { لِلطَّائِفِينَ } يعني : من أتاه من غُرْبة ، { وَالْعَاكِفِينَ } المقيمين فيه. وهكذا روي عن قتادة ، والربيع بن أنس : أنهما فسرا العاكفين بأهله المقيمين فيه ، كما قال سعيد بن جبير.
وقال يحيى [بن] (1) القطَّان ، عن عبد الملك - هو ابن أبي سليمان - عن عطاء في قوله : { وَالْعَاكِفِينَ } قال : من انتابه (2) من الأمصار فأقام عنده (3) وقال لنا - ونحن مجاورون - : أنتم من العاكفين.
وقال وكيع ، عن أبي بكر الهذلي عن عطاء عن ابن عباس قال : إذا كان جالسًا فهو من العاكفين.
وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي ، حدثنا موسى بن إسماعيل ، حدثنا حماد بن سلمة ، حدثنا ثابت قال : قلنا لعبد الله بن عبيد بن عمير : ما أراني إلا مُكَلِّم الأمير أن أمنع الذين ينامون في
__________
زيادة من أ.
في جـ ، أ : "من أتى".
في أ : "فأقام عندنا".
(1/419)
المسجد الحرام فإنهم يجنبون (1) ويُحدثون. قال : لا تفعل ، فإن ابن عمر سئل عنهم ، فقال : هم العاكفون.
[ورواه عبد بن حميد عن سليمان بن حرب عن حماد بن سلمة ، به] (2).
قلت : وقد ثبت في الصحيح أنّ ابن عمرَ كان ينام في مسجد الرسول {{ص}} وهو عَزَب (3).
وأما قوله تعالى : { وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ } فقال وكيع ، عن أبي بكر الهذلي ، عن عطاء ، عن ابن عباس { وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ } قال : إذا كان مصليًا فهو من الركع السجود. وكذا قال عطاء وقتادة.
وقال ابن جَرير رحمه الله : فمعنى الآية : وأمَرْنا إبراهيم وإسماعيل بتطهير بيتي للطائفين. والتطهير الذي أمرهما به في البيت هو تطهيرُه من الأصنام وعبادة الأوثان فيه ومن الشرك. ثم أورد سؤالا فقال : فإن قيل : فهل كان قبل بناء إبراهيم عند البيت شيء من ذلك الذي أمر بتطهيره منه ؟ وأجاب بوجهين : أحدهما : أنه أمرهما بتطهيره مما كان يعبد عنده زَمَان قوم نوح من الأصنام والأوثان ليكون ذلك سُنَّة لمن بعدهما إذ كان الله تعالى قد جعل إبراهيم إمامًا يقتدى به كما قال عبد الرحمن بن زيد : { أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ } قال : من الأصنام التي يعبدون ، التي كان المشركون يعظمونها.
قلت : وهذا الجواب مُفَرَّع على أنه كان يُعْبَدُ عنده أصنام قبل إبراهيم عليه السلام ، ويحتاج إثبات هذا إلى دليل عن المعصوم مُحَمَّد {{ص}}.
الجواب الثاني : أنه أمرهما أن يخلصا [في] (4) بنائه لله وحده لا شريك له ، فيبنياه مطهرًا من الشرك والرَّيْب ، كما قال جل ثناؤه : { أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ } [ التوبة : 109 ] قال : فكذلك قوله : { وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ } أي : ابنيا بيتي على طهر من الشرك بي والريب ، كما قال السدي : { أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ } ابنيا بيتي للطائفين.
وملخص هذا الجواب : أن الله تعالى أمر إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام ، أن يبنيا الكعبة على اسمه وحده لا شريك له للطائفين به والعاكفين عنده ، والمصلين إليه من الركع السجود ، كما قال تعالى : { وَإِذْ بَوَّأْنَا لإبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ } الآيات [ الحج : 26 - 37 ].
[وقد اختلف الفقهاء : أيما أفضل ، الصلاة عند البيت أو الطواف ؟ فقال مالك : الطواف به لأهل الأمصار أفضل من الصلاة عنده ، وقال الجمهور : الصلاة أفضل مطلقا ، وتوجيه كل منهما يذكر في كتاب الأحكام] (5).
__________
في جـ : "فإنهم يخبثون".
زيادة من و.
صحيح البخاري برقم (440).
زيادة من جـ ، ط ، أ ، و.
زيادة من أ.
(1/320)
والمراد من ذلك الرد على المشركين الذين كانوا يشركون بالله عند بيته ، المؤسس على عبادته وحده لا شريك له ، ثم مع ذلك يصدون أهله المؤمنين عنه ، كما قال تعالى : { إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ } [ الحج : 25 ].
ثم ذكر أن البيت إنما أسس لمن يعبد الله وحده لا شريك له ، إما بطواف أو صلاة ، فذكر في سورة الحج أجزاءها الثلاثة : قيامها ، وركوعها ، وسجودها ، ولم يذكر العاكفين لأنه تقدم { سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ } وفي هذه الآية الكريمة ذكر الطائفين والعاكفين ، واجتزأ بذكر الركوع والسجود عن القيام ؛ لأنه قد علم أنه لا يكون ركوع ولا سجود إلا بعد قيام. وفي ذلك - أيضًا - رَدّ على من لا يحجه من أهل الكتابين : اليهود والنصارى ؛ لأنهم يعتقدون فضيلة إبراهيم الخليل وعظمته ، ويعلمون أنه بنى هذا البيت للطواف في الحج والعمرة وغير ذلك وللاعتكاف والصلاة عنده وهم لا يفعلون شيئًا من ذلك ، فكيف يكونون (1) مقتدين بالخليل ، وهم لا يفعلون ما شرع الله له ؟ وقد حَجَّ البيتَ موسى بن عمران وغيره من الأنبياء عليهم السلام ، كما أخبر بذلك المعصوم الذي لا ينطق عن الهوى { إِنْ هُوَ إِلا وَحْيٌ يُوحَى } [ النجم : 4 ].
وتقدير الكلام إذًا : { وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ } [أي : تقدمنا لوحينا إلى إبراهيم وإسماعيل] (2) { أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ } أي : طهراه من الشرك والريب وابنياه خالصًا لله ، معقلا للطائفين والعاكفين والركع السجود. وتطهير المساجد مأخوذ من هذه الآية ، ومن قوله تعالى : { فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ } [ النور : 36 ] ومن السنة من أحاديث كثيرة ، من الأمر بتطهيرها وتطييبها وغير ذلك ، من صيانتها من الأذى والنجاسات (3) وما أشبه ذلك. ولهذا قال عليه السلام : "إنما بنيت المساجد لما بنيت له" (4). وقد جَمَعْتُ في ذلك جزءًا على حدة ولله الحمد والمنة.
وقد اختلف الناس في أول من بنى الكعبة ، فقيل : الملائكة قبل آدم ، وروي هذا عن أبي جعفر الباقر محمد بن علي بن الحسين ، ذكره القرطبي وحكى لفظه ، وفيه غرابة ، وقيل : آدم عليه السلام رواه عبد الرزاق عن ابن جريج عن عطاء وسعيد بن المسيب وغيرهم : أن آدم بناه من خمسة أجبل : من حراء وطور سيناء وطور زيتا وجبل لبنان والجودي ، وهذا غريب أيضًا. وروي نحوه عن ابن عباس وكعب الأحبار وقتادة وعن وهب بن منبه : أن أول من بناه شيث ، عليه السلام ، وغالب من يذكر هذا إنما يأخذه من كتب أهل الكتاب ، وهي مما لا يصدق ولا يكذب ولا يعتمد عليها بمجردها ، وأما إذا صح حديث في ذلك فعلى الرأس والعين.
__________
في جـ : "فكيف يكون".
زيادة من جـ ، ط ، أ ، و.
في جـ : "والنجاسة".
رواه مسلم في صحيحه برقم (569) من حديث بريدة رضي الله عنه.
(1/421)
وقوله تعالى : { وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ }
قال الإمام أبو جعفر بن جرير : حدثنا ابن بشار قال : حدثنا عبد الرحمن بن مَهْدي ، حدثنا سفيان ، عن أبي الزبير ، عن جابر بن عبد الله قال : قال رسول الله {{ص}} : "إن إبراهيم حَرَّم بيت الله وأمَّنَه وإني حرمت المدينة ما بين لابتيها فلا يُصَادُ صيدها ولا يقطع عضاهها" (1).
وهكذا رواه النسائي ، عن محمد بن بشار عن بُنْدَار به (2).
وأخرجه مسلم ، عن أبي بكر بن أبي شيبة ، وعَمْرو الناقد ، كلاهما عن أبي أحمد الزبيري ، عن سفيان الثوري (3).
وقال ابن جرير - أيضًا - : حدثنا أبو كُرَيْب وأبو السائب قالا حدثنا ابن إدريس ، وحدثنا أبو كريب ، حدثنا عبد الرحيم الرازي ، قالا جميعًا : سمعنا أشعث عن نافع عن أبي هريرة ، قال : قال رسول الله {{ص}} : "إن إبراهيم كان عبد الله وخليله وإني عبدُ الله ورسوله وإن إبراهيم حَرَّم مكة وإني حرمت المدينة ما بين لابتيها ، عضاهَها وصيدَها ، لا يحمل فيها سلاح لقتال ، ولا يقطع منها شجرة إلا لعلف بعير" (4).
وهذه الطريق غريبة ، ليست في شيء من الكتب الستة ، وأصل الحديث في صحيح مسلم من وجه آخر ، عن أبي هريرة ، رضي الله عنه ، قال : كان الناس إذا رأوا أول الثمر ، جاؤوا به إلى رسول الله {{ص}} ، فإذا أخذه رسول الله {{ص}} قال : "اللهم بارك لنا في ثمرنا ، وبارك لنا في مدينتنا ، وبارك لنا في صاعنا ، وبارك لنا في مُدِّنا ، اللهم إن إبراهيمَ عبدُك وخليلك ونبيك ، وإني عبدك ونبيك وإنه دعاك لمكة وإني أدعوك للمدينة بمثل ما دعاك لمكة ومثله معه" ثم يدعو أصْغَرَ وليد له ، فيعطيه ذلك الثمر. وفي لفظ : "بركة مع بركة" ثم يعطيه أصغر من يحضره من الولدان. لفظ مسلم (5).
ثم قال ابن جرير : حدثنا أبو كُريب ، حدثنا قتيبة بن سعيد ، حدثنا بكر بن مضر ، عن ابن الهاد ، عن أبي بكر بن محمد ، عن عبد الله بن عمرو بن عثمان ، عن رافع بن خَديج ، قال : قال رسول الله {{ص}} : "إن إبراهيم حرم مكة ، وإني أحرم ما بين لابتيها".
انفرد بإخراجه مسلم ، فرواه عن قتيبة ، عن بكر بن مضر ، به (6). ولفظه كلفظه سواء. وفي
__________
تفسير الطبري (3/48) واللابتان : هما الحرتان بجانبي المدينة ، والعضاة : كل شجر عظيم له شوك ، وقيل : العظيم من الشجر مطلقا.
سنن النسائي الكبرى برقم (4284).
صحيح مسلم برقم (1362).
تفسير الطبري (3/48).
صحيح مسلم برقم (1373).
تفسير الطبري (3/49).
(1/422)
الصحيحين عن أنس بن مالك ، قال : قال رسول الله {{ص}} لأبي طلحة : "التمس لي غلامًا من غلمانكم يخدمني" فخرج بي أبو طلحة يردفني وراءه ، فكنت أخدم رسول الله {{ص}} كلما نزل. وقال في الحديث : ثم أقْبَلَ حتى إذا بدا له أُحد قال : "هذا جبل يُحبُّنا ونحبه". فلما أشرف على المدينة قال : "اللهم إني أحرم ما بين جبليها ، مثلما حرم به إبراهيم مكة ، اللهم بارك لهم في مُدِّهم وصاعهم". وفي لفظ لهما : "اللهم بارك لهم في مكيالهم ، وبارك لهم في صاعهم ، وبارك لهم في مدهم". زاد البخاري : يعني : أهل المدينة (1).
ولهما أيضا عن أنس : أن رسول الله {{ص}} قال : "اللهم اجعل بالمدينة ضِعْفَي ما جعلته بمكة من البركة" (2) وعن عبد الله بن زيد بن عاصم ، رضي الله عنه ، عن النبي {{ص}} : " إن إبراهيم حرم مكة ودعا لها ، وحَرَّمتُ (3) المدينة كما حرم إبراهيم مكة ، ودعوت (4) لها في مدها وصاعها (5) مثل ما دعا إبراهيم لمكة"
رواه البخاري وهذا لفظه (6) ، ومسلم ولفظه : أن رسول الله {{ص}} قال : "إن إبراهيم حرم مكة ودعا لأهلها. وإني حرَّمتُ المدينة كما حرم إبراهيم مكة ، وإني دعوت لها في صاعها ومدها بمثل ما دعا إبراهيم لأهل مكة" (7).
وعن أبي سعيد ، رضي الله عنه ، عن النبي {{ص}} قال : "اللهم إنَّ إبراهيم حَرَّم مكة فجعلها حرامًا ، وإني حرمت المدينة حرامًا ما بين مأزميها ، لا يهراق فيها دم ، ولا يحمل فيها سلاح لقتال ، ولا يخبط فيها شجرة إلا لعلف. اللهم بارك لنا في مدينتنا ، اللهم بارك لنا في صاعنا ، اللهم بارك لنا في مُدِّنا ، اللهم اجعل مع البركة بركتين". الحديث رواه مسلم (8).
والأحاديث في تحريم المدينة كثيرة ، وإنما أوردنا منها ما هو متعلق بتحريم إبراهيم ، عليه السلام ، لمكة ، لما في ذلك في مطابقة الآية الكريمة.
[وتَمسَّك بها من ذهب إلى أن تحريم مكة إنما كان على لسان إبراهيم الخليل ، وقيل : إنها محرمة منذ خلقت مع الأرض وهذا أظهر وأقوى] (9).
وقد وردت أحاديث أخَرُ تدل على أن الله تعالى حرم مكة قبل خلق السموات والأرض ، كما
__________
صحيح مسلم برقم (1361).
صحيح البخاري برقم (1885) وصحيح مسلم برقم (1369).
في جـ ، ط : "وإني حرمت".
في جـ ، ط : "وإني دعوت".
في جـ ، ط : "صاعها ومدها".
صحيح البخاري برقم (2129).
صحيح مسلم برقم (1360).
صحيح مسلم برقم (1374).
زيادة من جـ ، ط ، أ.
(1/423)
جاء في الصحيحين ، عن عبد الله بن عباس ، رضي الله عنهما ، قال : قال رسول الله {{ص}} يوم فتح مكة : "إن هذا البلد حَرَّمه الله يوم خلق السموات والأرض ، فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة. وإنه لم يحِل القتال فيه لأحد قبلي ، ولم يحل لي إلا ساعة من نهار ، فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة. لا يُعْضَد شوكه ولا ينفر صيده ، ولا تُلْتَقَط لُقَطَتُه إلا من عرَّفها ، ولا يختلى خَلاهَا" فقال العباس : يا رسول الله ، إلا الإذْخَر فإنه لقَينهم ولبيوتهم. فقال : "إلا الإذخر" وهذا لفظ مسلم (1).
ولهما عن أبي هريرة نحو من ذلك (2).
ثم قال البخاري بعد ذلك : قال (3) أبان بن صالح ، عن الحسن بن مسلم ، عن صفية بنت شيبة : سمعت النبي {{ص}} ، مثله (4).
وهذا الذي علقه البخاري رواه الإمام أبو عبد الله بن ماجة ، عن محمد بن عبد الله بن نُمَير ، عن يونس بن بُكَيْر ، عن محمد بن إسحاق ، عن أبان بن صالح ، عن الحسن بن مسلم بن يَنَّاق ، عن صفية بنت شيبة ، قالت : سمعت النبي {{ص}} يخطب عام الفتح ، فقال : "يا أيها الناس ، إن الله حرم مكة يوم خلق السموات والأرض ، فهي حَرَام إلى يوم القيامة ، لا يُعْضَد شجرها ولا يُنَفَّر صيدُها ، ولا يأخذ لُقَطَتَها إلا مُنْشِد" فقال العباس : إلا الإذخر ؛ فإنه للبيوت والقبور. فقال رسول الله {{ص}} : "إلا الإذْخَر" (5).
وعن أبي شُرَيح العدوي أنَّه قال لعَمْرو بن سعيد - وهو يبعث البعوث إلى مكة - : ائذن لي - أيها الأمير - أن أحدثَك قولا قام به رسولُ الله {{ص}} الغَد من يوم الفتح ، سَمِعَته أذناي ووعاه قلبي ، وأبصرته عيناي حين تَكَلَّم به ، إنه حمد الله وأثنى عليه ، ثم قال : "إن مكة حرمها الله ولم يحرمها الناس ، فلا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسفك بها دمًا ، ولا يعضد بها شجرة ، فإن أحد تَرَخَّصَ بقتال رسول الله {{ص}} فقولوا : إن الله أذن لرسوله {{ص}} ولم يأذن لكم. وإنما أذن لي فيها ساعة من نهار ، وقد عادت حرمتها اليوم كحرمتها بالأمس ، فليبلغ الشاهد الغائب". فقيل لأبي شُرَيح : ما قال لك عمرو ؟ قال : أنا أعلم بذلك منك يا أبا شريح ، إن الحرم لا يعيذ عاصيًا ، ولا فارًّا بدم ، ولا فارًّا بخَرَبَة.
رواه البخاري ومسلم ، وهذا لفظه (6).
فإذا علم هذا فلا منافاة بين هذه الأحاديث الدالة على أن الله حَرَّم مكة يوم خلق السموات
__________
صحيح البخاري برقم (1834 ، 1587 ، 3189 ، 3077) وصحيح مسلم برقم (1353).
صحيح البخاري برقم (112 ، 6880) وصحيح مسلم برقم (1355).
في جـ ، ط : "وقال".
صحيح البخاري برقم (1349).
سنن ابن ماجة برقم (3109).
صحيح البخاري برقم (1832) وصحيح مسلم برقم (1354).
(1/424)
والأرض ، وبين الأحاديث الدالة على أن إبراهيم ، عليه السلام ، حَرَّمها ؛ لأن إبراهيم بَلَّغ عن الله حُكْمه فيها وتحريمه إياها ، وأنها لم تزل بلدًا حرامًا عند الله قبل بناء إبراهيم ، عليه السلام ، لها ، كما أنه قد كان رسول الله {{ص}} مكتوبًا عند الله خاتم النبيين ، وإن آدم لمنجَدل في طينته ، ومع هذا قال إبراهيم ، عليه السلام : { رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولا مِنْهُمْ } وقد أجاب الله دعاءه بما سبق في علمه وقَدَره. ولهذا جاء في الحديث أنهم قالوا : يا رسول الله ، أخبرنا عن بَدْءِ أمرك. فقال : "دعوة أبي إبراهيم ، وبشرى عيسى ابن مريم ، ورأت أمي كأنه (1) خرج منها نور أضاء ت له قصور الشام".
أي : أخْبِرْنا عن بدء ظهور أمرك. كما سيأتي قريبًا ، إن شاء الله.
وأما مسألة تفضيل مَكَّة على المدينة ، كما هو قول الجمهور ، أو المدينة على مكة ، كما هو مذهب مالك وأتباعه ، فتذكر في موضع آخر بأدلتها ، إن شاء الله ، وبه الثقة.
وقوله : تعالى إخبارًا عن الخليل أنه قال : { رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا } أي : من الخوف ، لا يَرْعَبُ أهله ، وقد فعل الله ذلك شرعًا وقدرًا. كقوله تعالى (2) { وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا } [ آل عمران : 97 ] وقوله { أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ } [ العنكبوت : 67 ] إلى غير ذلك من الآيات. وقد تقدمت الأحاديث في تحريم القتال فيها. وفي صحيح مسلم عن جابر : سمعت رسول الله {{ص}} يقول : "لا يحل لأحد أن يحمل بمكة السلاح" (3). وقال في هذه السورة : { رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا } أي : اجعل هذه البقعة بلدًا آمنًا ، وناسب هذا ؛ لأنه قبل بناء الكعبة. وقال تعالى في سورة إبراهيم : { وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا } [ إبراهيم : 35 ] وناسب هذا هناك لأنه ، والله أعلم ، كأنه وقع دعاء ثانًيا (4) بعد بناء البيت واستقرار أهله به ، وبعد مولد إسحاق الذي هو أصغر سنًّا من إسماعيل بثلاث عشرة سنة ؛ ولهذا قال في آخر الدعاء : { الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ } [ إبراهيم : 39 ]
وقوله تعالى : { وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ قَالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ }
قال أبو جعفر الرازي ، عن الربيع بن أنس ، عن أبي العالية ، عن أبي بن كعب : { قَالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قليلا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إلى عَذَابِ النَّارِ وَبِئسَ الْمَصِير } قال : هو قول الله تعالى. وهذا قول مجاهد وعكرمة وهو الذي صوبه ابن جرير ، رحمه الله تعالى : قال : وقرأ آخرون : { قَالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ } فجعلوا ذلك من تمام دعاء إبراهيم ، كما رواه أبو جعفر ، عن الربيع ، عن أبي العالية قال : كان ابن عباس يقول : ذلك قول إبراهيم ، يسأل ربه أن من كفر فأمتعه قليلا.
__________
في جـ : "كأنها".
في جـ : "كما قال الله تعالى" ، وفي طـ : "لقوله تعالى".
صحيح مسلم برقم (1356).
في جـ ، طـ ، أ : "دعاء مرة ثانية".
(1/425)
وقال أبو جعفر ، عن ليث بن أبي سليم ، عن مجاهد : { وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلا } يقول : ومن كفر فأرزقه أيضًا { ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ }
وقال محمد بن إسحاق : لما عزل إبراهيم ، عليه السلام ، الدعوة عمَّن أبى الله أن يجعل له الولاية - انقطاعًا إلى الله ومحبته ، وفراقًا لمن خالف أمره ، وإن كانوا من ذريته ، حين عرف أنه كائن منهم أنه ظالم ألا يناله عهدُه ، بخبر الله له بذلك - قال الله : ومن كفر فإني أرزق البر والفاجر وأمتعه قليلا.
وقال حاتم بن إسماعيل عن حُمَيد الخرَّاط ، عن عَمَّار الدُّهْني ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس في قوله تعالى : { رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ } قال ابن عباس : كان إبراهيم يحجُرها على المؤمنين دون الناس ، فأنزل الله ومن كفر أيضًا أرزقهم كما أرزق المؤمنين أأخلق خلقًا لا أرزقهم ؟! أمتعهم قليلا ثم أضطرهم إلى عذاب النار وبئس المصير. ثم قرأ ابن عباس : { كُلا نُمِدُّ هَؤُلاءِ وَهَؤُلاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا } [ الإسراء : 20 ]. رواه ابن مَرْدُويه. ورُوي عن عكرمة ومجاهد نحو ذلك أيضًا. وهذا كقوله تعالى : { إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ* مَتَاعٌ فِي الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ نُذِيقُهُمُ الْعَذَابَ الشَّدِيدَ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ } [ يونس : 69 ، 70 ] ، وقوله تعالى : { وَمَنْ كَفَرَ فَلا يَحْزُنْكَ كُفْرُهُ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ فَنُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ* نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلا ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَى عَذَابٍ غَلِيظٍ } [ لقمان : 23 ، 24 ] ، وقوله : { وَلَوْلا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فَضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ* وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَابًا وَسُرُرًا عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ* وَزُخْرُفًا وَإِنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ } [ الزخرف : 33 ، 35 ]
وقوله { ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ } أي : ثم ألجئه بعد متاعه في الدنيا وبسطنا عليه من ظلها إلى عذاب النار وبئس المصير. ومعناه : أن الله تعالى يُنْظرُهم ويُمْهلهُم ثم يأخذهم أخذ عزيز مقتدر ، كقوله تعالى : { وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ ثُمَّ أَخَذْتُهَا وَإِلَيَّ الْمَصِيرُ } [ الحج : 48 ] ، وفي الصحيحين : "لا أحد أصبر على أذى سمعه من الله ؛ إنهم يجعلون له ولدا ، وهو يرزقهم ويعافيهم" (1) وفي الصحيح أيضًا : "إن الله ليملي (2) للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته". ثم قرأ قوله تعالى : { وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ } [ هود : 102 ] (3).
وأما قوله تعالى : { وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ*رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ }
__________
سبق تخريج هذا الحديث قريبا.
في جـ ، طـ : "يملي".
صحيح البخاري برقم (4686) وصحيح مسلم برقم (2583) من حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه.
(1/426)
فالقواعد : جمع قاعدة ، وهي السارية والأساس ، يقول تعالى : واذكر - يا محمد - لقومك بناء إبراهيم وإسماعيل ، عليهما السلام ، البيت ، ورفْعَهما القواعدَ منه ، وهما يقولان : { رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ } فهما في عمل صالح ، وهما يسألان الله تعالى أن يتقبل منهما ، كما روى ابن أبي حاتم من حديث محمد بن يزيد بن خنيس المكي ، عن وهيب بن الورد : أنه قرأ : { وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا } ثم يبكي ويقول : يا خليل الرحمن ، ترفع قوائم بيت الرحمن وأنت مُشْفق أن لا يتقبل منك. وهذا كما حكى الله تعالى عن حال المؤمنين المخلصين (1) في قوله تعالى : { وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا } أي : يعطون ما أعطوا من الصدقات والنفقات والقربات { وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ } [ المؤمنون : 60 ] أي : خائفة ألا يتقبل منهم. كما جاء به الحديث الصحيح ، عن عائشة ، عن رسول الله {{ص}} كما سيأتي في موضعه.
وقال بعض المفسرين : الذي كان يرفع القواعد هو إبراهيم ، والداعي إسماعيل. والصحيح أنهما كانا يرفعان ويقولان ، كما سيأتي بيانه.
وقد روى البخاري هاهنا حديثًا سنورده ثم نُتْبِعه بآثار متعلقة بذلك. قال البخاري ، رحمه الله :
حدثنا عبد الله بن محمد ، حدثنا عبد الرزاق ، حدثنا مَعْمَر ، عن أيوب السخيتاني (2) وكثير بن كثير بن المطلب بن أبي وَدَاعة - يزيد أحدُهما على الآخر - عن سعيد بن جُبَير ، عن ابن عباس ، رضي الله عنهما ، قال : أول ما (3) اتخذ النساء المنْطَق من قبَل أم إسماعيل ، عليهما (4) السلام اتخذت منطقًا ليعفي أثرها على سارة. ثم جاء بها إبراهيم وبابنها إسماعيل ، عليهما السلام ، وهي ترضعه ، حتى وضعهما عند البيت عند دوحة فوق زَمْزم في أعلى المسجد ، وليس بمكة يومئذ أحد ، وليس بها ماء فوضعهما هنالك ، ووضع عندهما جرابًا فيه تمر وسِقَاء فيه ماء ، ثم قَفَّى إبراهيم ، عليه السلام ، منطلقًا. فتبعته أم إسماعيل فقالت : يا إبراهيم ، أين تذهب وتتركنا بهذا الوادي الذي ليس فيه إنس ولا شيء ؟ فقالت له ذلك مرارًا ، وجعل لا يلتفت إليها. فقالت (5) آلله أمرك بهذا ؟ قال : نعم. قالت : إذًا لا يضيعنا. ثم رجعت. فانطلق إبراهيم ، عليه السلام ، حتى إذا كان عند الثنية حيث لا يرونه ، استقبل بوجهه البيت ، ثم دعا بهؤلاء الدعوات ، ورفع يديه ، قال : { رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ } [ إبراهيم : 37 ] ، وجعلت أم إسماعيل ترضع إسماعيل ، عليهما السلام ، وتشرب من ذلك الماء ، حتى إذا نفد ماء السقاء (6) عطشت وعطش ابنها ، وجعلت تنظر إليه يتلوى -
__________
في أ ، و : "الخلص".
في أ ، و : "السختياني".
في جـ : "أول من".
في جـ : "عليه".
في أ : "فقالت له".
في أ ، و : "نفد ما في السقاء".
(1/427)
أو قال : يتلبط - فانطلقت كراهية أن تنظر إليه ، فوجدت الصفا أقربَ جبل في الأرض يليها (1) فقامت عليه ، ثم استقبلت الوادي تنظر هل ترى أحدًا ؟ فلم تر أحدًا. فهبطت من الصفا حتى إذا بلغت الوادي رفعت طَرْفَ درعها ، ثم سعت سَعْيَ الإنسان المجهود حتى جاوزت الوادي. ثم أتت المروة ، فقامت عليها ونظرت هل ترى أحَدًا ؟ فلم تر أحدًا. ففعلت ذلك سبع مرات ، قال ابن عباس : قال النبي {{ص}} : "فلذلك سعى الناس بينهما".
فلما أشرفت على المروة سمعت صوتًا فقالت : صه ، تريد نفسها ، ثم تَسَمَّعت فسمعَت أيضًا. فقالت : قد أسمعت إن كان عندك غُوَاث فإذا هي بالمَلَك عند موضع زمزم ، فبحث بعقبه - أو قال : بجناحه - حتى ظهر الماء ، فجعلت تُحَوِّضُهُ ، وتقول بيدها هكذا ، وجعلت تغرف من الماء في سقائها وهو يفور بعدما تغرف. قال ابن عباس : قال النبي {{ص}} : "يرحم الله أم إسماعيل ، لو تركت زمزم - أو قال : لو لم تغرف من الماء - لكانت زمزم عينًا مَعينًا".
قال : فشربت وأرضعت ولدها ، فقال لها الملك : لا تخافي الضيعة ؛ فإن هاهنا بيتًا لله ، عز وجل ، يبنيه هذا الغلام وأبوه ، وإن الله ، عز وجل ، لا يضيع أهله. وكان البيت مرتفعًا من الأرض كالرابية تأتيه السيول فتأخذ عن يمينه وعن شماله ، فكانت كذلك حتى مرت بهم رفقة من جُرْهُم - أو أهل بيت من جُرْهم - مقبلين من طريق كَدَاء. فنزلوا في أسفل مكة ، فرأوا طائرًا عائفًا ، فقالوا : إن هذا الطائر ليدور على الماء ، لعَهْدُنا بهذا الوادي وما فيه ماء. فأرسلوا جَرِيًّا أو جَرِيَّين ، فإذا هم بالماء. فرجعوا فأخبروهم بالماء ، فأقبلوا. قال : وأم إسماعيل عند الماء. فقالوا : أتأذنين لنا أن ننزل عندك ؟ قالت : نعم ، ولكن لا حَقَّ لكم في الماء. قالوا : نعم.
قال ابن عباس (2) فقال النبي {{ص}} : "فألفى ذلك أم إسماعيل وهي تحب الأنس. فنزلوا ، وأرسلوا إلى أهليهم فنزلوا معهم. حتى إذا كان بها أهل أبيات منهم وشب الغلامُ ، وتعلم العربية منهم ، وأنْفَسَهم وأعجبهم حين شب ، فلما أدرك زوجوه امرأة منهم. وماتت أم إسماعيل ، عليهما (3) السلام ، فجاء إبراهيم بعد ما تزوج إسماعيلُ ليطالع تَرْكَتَه. فلم يجد إسماعيل ، فسأل امرأته عنه فقالت : خرج يبتغي لنا. ثم سألها عن عيشهم وهيئتهم ، فقالت : نحن بشَرّ ، نحن في ضيق وشدة. وشكت إليه. قال : فإذا جاء زوجك فاقرئي عليه السلام ، وقولي له : يغير عتبة بابه. فلما جاء إسماعيل ، عليه السلام ، كأنه أنس شيئًا. فقال : هل جاءكم من أحد ؟ قالت : نعم ، جاءنا شيخ كذا وكذا ، فسأل (4) عنك ، فأخبرته ، وسألني كيف عيشنا ؟ فأخبرته أنا في جَهْد وشدَّة. قال : فهل أوصاك بشيء ؟ قالت : نعم ، أمرني أن أقرأ عليك السلام ، ويقول (5) غَيِّرْ عتبة بابك. قال : ذاك أبي. وقد أمرني أن أفارقك ، فالحقي بأهلك. فَطَلَّقَها وتزوج منهم بأخرى ، فلبث عنهم إبراهيم ما شاء الله ، ثم أتاهم بعد فلم يجده. فدخل على امرأته ، فسألها عنه ، فقالت : خرج يبتغي لنا. قال : كيف أنتم ؟
__________
في جـ : "إليها".
في ط : "عبد الله بن عباس".
في جـ ، ط : "عليها".
في جـ ، ط : "فسألنا".
في أ : "يقول لك".
(1/428)
وسألها عن عيشهم وَهَيْئَتهم. فقالت : نحن بخير وسعة. وأثنت على الله ، عز وجل. فقال : ما طعامكم ؟ قالت : اللحم. قال : فما شرابكم ؟ قالت : الماء. قال : اللهم بارك لهم في اللحم والماء". قال النبي {{ص}} : "ولم يكن لهم يومئذ حَب ، ولو كان لهم ، لدعا لهم فيه. قال : فهما لا يخلو عليهما أحد بغير مكة إلا لم يوافقاه". قال : "فإذا جاء زوجك فاقرئي عليه السلام ، ومُريه يُثَبِّت عتبة بابه ، فلما جاء إسماعيل ، عليه السلام ، قال : هل أتاكم من أحد ؟ قالت : نعم ، أتانا شيخ حسن الهيئة ، وأثنت عليه (1) فسألني عنك ، فأخبرته ، فسألني : كيف عيشنا ؟ فأخبرته أنا بخير. قال : فأوصاك بشيء ؟ قالت : نعم ، هو يقرأ عليك السلام ، ويأمرك أن تثبت عتبة بابك. قال : ذاك أبي ، وأنت العتبة ، أمرني أن أمسكك. ثم لَبثَ عنهم ما شاء الله ، عز وجل ، ثم جاء بعد ذلك وإسماعيل يَبْرِي نَبْلا (2) له تحت دوحة قريبًا من زمزم ، فلما رآه قام إليه ، فصنعا كما يصنع الولد بالوالد ، والوالد بالولد. ثم قال : يا إسماعيل ، إن الله أمرني بأمر. قال : فاصنع ما أمرك ربك ، عز وجل. قال : وتعينني ؟ قال : وأعينك. قال : فإن الله أمرني أن أبني هاهنا بيتًا - وأشار إلى أكَمَةٍ مرتفعة على ما حولها - قال : فعند ذلك رَفَعا القواعد من البيت فجعل (3) إسماعيل يأتي بالحجارة وإبراهيم يبني ، حتى إذا ارتفع البناء جاء بهذا الحجر فوضعه له ، فقام عليه وهو يبني ، وإسماعيل يناوله الحجارة ، وهما يقولان : { رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ } " قال : "فجعلا يبنيان حتى يدورا حول البيت ، وهما يقولان : { رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ } (4).
[ورواه عبد بن حميد عن عبد الرزاق به مطولا] (5).
ورواه ابن أبي حاتم ، عن أبي عبد الله محمد بن حمَّاد الظهراني. وابن جرير ، عن أحمد بن ثابت الرازي ، كلاهما عن عبد الرزاق به مختصرًا (6).
وقال أبو بكر بن مَرْدُويه : حدثنا إسماعيل بن علي بن إسماعيل ، حدثنا بشر بن موسى ، حدثنا أحمد بن محمد الأزرقي ، حدثنا مسلم بن خالد الزنجي ، عن عبد الملك بن جُرَيج ، عن كثير بن كثير ، قال : كنت أنا وعثمان بن أبي سليمان ، وعبد الله بن عبد الرحمن بن أبي حسين في ناس مع سعيد بن جبير ، في أعلى المسجد ليلا فقال سعيد بن جبير : سلوني قبل أن لا تروني. فسألوه عن المقام. فأنشأ يحدثهم عن ابن عباس ، فذكر الحديث بطوله.
ثم قال البخاري : حدثنا عبد الله بن محمد. حدثنا أبو عامر عبد الملك بن عمرو (7) حدثنا إبراهيم بن نافع ، عن كثير بن كثير ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس قال : لما كان بين إبراهيم وبين أهله ما كان ، خرج بإسماعيل وأم إسماعيل ، ومعهم شَنَّة فيها ماء ، فجعلت أم إسماعيل تشرب من
__________
في جـ : "وأثنت عليه خيرا".
في جـ : "يبني له بيتا".
في جـ : "قال : فجعل".
صحيح البخاري برقم (3364).
زيادة من و.
تفسير ابن أبي حاتم (1/381).
في أ : "بن عمير".
(1/429)
الشنَّة ، فيَدِرُّ لبنها على صبيها ، حتى قدم مكة فوضعها تحت دوحة ، ثم رجع إبراهيم إلى أهله ، فاتبعته أم إسماعيل ، حتى (1) بلغوا كَدَاء نادته (2) من ورائه : يا إبراهيم ، إلى من تتركنا ؟ قال : إلى الله ، عز وجل. قالت : رضيت بالله. قال : فرجَعَتْ ، فجعلت تشرب من الشنة ، ويَدر لبنها على صَبيها حتى لما فَنِي الماء قالت : لو ذهبت فنظرت لعلي أحس أحدا. قال : فذهَبَتْ فصَعدت الصفا ، فنظرت ونظرت هل تحس أحدًا ، فلم تحس أحدًا. فلما بلغت الوادي سَعَت (3) حتى أتت المروة ، ففعلت ذلك أشواطا ثم قالت : لو ذهبت فنظرت ما فعل ، تعني الصبي ، فذهبت فنظرت فإذا هو على حاله كأنه يَنْشَغُ للموت ، فلم تقُرَّها نفسها ، فقالت : لو ذهبت فنظرت لعلي أحس أحدًا. قال : فذهبت فصعدت الصفا ، فنظرت ونَظرت فلم تُحس أحدًا ، حتى أتمت سبعا ، ثم قالت : لو ذهبت فنظرت ما فعل ، فإذا هي بصوت ، فقالت : أغثْ إن كان عندك خير. فإذا جبريل ، عليه السلام ، قال : فقال بعقبه هكذا ، وغمز عَقِبَه على الأرض. قال : فانبثق الماء ، فَدَهَشَتْ أم إسماعيل ، فجعلت تحفر.
قال : فقال أبو القاسم {{ص}} : "لو تركَتْه لكان الماء ظاهرًا (4).
قال : فجعلت تشرب من الماء ويَدِرُّ لبنها على صَبِيِّها.
قال : فمر ناس من جُرْهم ببطن الوادي ، فإذا هم بطير ، كأنهم أنكروا ذلك ، وقالوا : ما يكون الطير إلا على ماء فبعثوا رسولهم فَنَظَرَ ، فإذا هو بالماء. فأتاهم فأخبرهم. فأتوا إليها فقالوا : يا أم إسماعيل ، أتأذنين لنا أن نكون معك - ونسكن معك ؟ - فبلغ ابنها ونكح فيهم (5) امرأة.
قال : ثم إنه بدا لإبراهيم {{ص}} (6) فقال لأهله : إني مُطَّلع تَرْكَتي. قال : فجاء فسلم ، فقال : أين إسماعيل ؟ قالت امرأته : ذهب يصيد. قال : قولي له إذا جاء : غير عتبة بيتك. فلما جاء أخبرته ، قال : أنت ذَاكِ ، فاذهبي إلى أهلك.
قال : ثم إنه بدا لإبراهيم ، فقال لأهله : إني مُطَّلع تَرْكتي. قال : فجاء فقال : أين إسماعيل ؟ فقالت امرأته : ذهب يصيد. فقالت : ألا تنزل فَتَطْعَم وتشرب ؟ فقال : ما طعامكم وما شرابكم ؟ قالت : طعامنا اللحم ، وشرابنا الماء. قال : اللهم بارك لهم في طعامهم وشرابهم.
قال : فقال أبو القاسم {{ص}} : "بَرَكة بدعوة إبراهيم"
قال : ثم إنه بدا لإبراهيم {{ص}} فقال لأهله : إني مُطَّلع تَرْكتي. فجاء فوافق إسماعيل من وراء زمزم يصلح نَبْلا له (7) فقال : يا إسماعيل ، إن ربك ، عز وجل ، أمرني أن أبني له بيتًا. فقال : أطعْ ربك ، عز وجل. قال : إنه قد أمرني أن تعينني عليه ؟ فقال : إذن أفعلَ - أو كما قال - قال : فقاما (8) [قال] (9) فجعل إبراهيم يبني ، وإسماعيل يناوله الحجارة ، ويقولان : { رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ }
__________
في جـ ، ط : "حتى لما".
في جـ : "سألته".
في جـ : "وسعت".
في جـ : "ظاهر".
في جـ : "منهم".
في جـ ، أ : "عليه السلام".
في جـ : "يصلح بيتا له".
في جـ ، ط : "فقام".
زيادة من جـ ، ط.
(1/430)
قال : حتى ارتفع البناء وضَعُفَ الشيخ عن نقل الحجارة. فقام على حَجَر المقام ، فجعل يناوله الحجارة ويقولان : { رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ }
هكذا (1) رواه من هذين الوجهين في كتاب الأنبياء (2).
والعجب أن الحافظ أبا عبد الله الحاكم رواه في كتابه المستدرك ، عن أبي العباس الأصم ، عن محمد بن سنان القَزَّاز ، عن أبي علي عبيد الله بن عبد المجيد الحنفي ، عن إبراهيم بن نافع ، به. وقال : صحيح على شرط الشيخين ، ولم يخرجاه. كذا قال. وقد رواه البخاري كما ترى ، من حديث إبراهيم بن نافع ، كأن فيه اقتصارًا ، فإنه لم يذكر فيه [شأن] (3) الذبح. وقد جاء في الصحيح ، أن قرني الكبش كانا معلقين بالكعبة ، وقد جاء أن إبراهيم ، عليه السلام ، كان يزور أهله بمكة على البراق سريعًا (4) ثم يعود إلى أهله بالبلاد (5) المقدسة ، والله أعلم. والحديث - والله أعلم - إنما فيه - مرفوع - أماكن صَرح بها ابن عباس ، عن النبي {{ص}}.
وقد ورد عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب في هذا السياق ما يخالف بعض هذا ، كما قال ابن جرير :
حدثنا محمد بن بشار ، ومحمد بن المثنى قالا حدثنا مؤمل ، حدثنا سفيان ، عن أبي إسحاق ، عن حارثة بن مضرِّب ، عن علي بن أبي طالب ، قال : لما أمر إبراهيم ببناء البيت ، خرج معه إسماعيل وهاجر. قال : فلما قدم مكة رأى على رأسه في موضع البيت مثل الغمامة ، فيه مثلُ الرأس. فكلمه ، قال : يا إبراهيم ، ابن على ظِلي - أو قال على قدري - ولا تَزْد ولا تنقص : فلما بنى خرج ، وخلف إسماعيل وهاجر ، فقالت هاجر : يا إبراهيم ، إلى من تكلنا ؟ قال : إلى الله. قالت : انطلق ، فإنه لا يضيعنا. قال : فعطش إسماعيل عطشًا شديدًا ، قال : فصعدت هاجر إلى الصفا فنظرت فلم تر شيئًا ، حتى أتت المروة فلم تر شيئًا ، ثم رجعت إلى الصفا فنظرت فلم تر شيئًا ، حتى أتت المروة فلم تر شيئًا ، ثم رجعت إلى الصفا فنظرت فلم تر شيئًا ، حتى فعلت ذلك سبع مرات ، فقالت : يا إسماعيل ، مت حيث لا أراك. فأتته وهو يفحص برجله من العطش. فناداها جبريل فقال لها : من أنت ؟ قالت : أنا هاجر أم ولد إبراهيم. قال : فإلى من وَكَلَكُما ؟ قالت : وكلنا إلى الله. قال : وكلكما إلى كافٍ. قال : ففحص الغلام الأرض بأصبعه ، فنبعت زمزم. فجعلت تحبس الماء فقال : دعيه فإنها رَوَاء (6).
ففي هذا السياق أنه بنى البيت قبل أن يفارقهما ، وقد يحتمل - إن كان محفوظًا - أن يكون أولا
__________
في ط : "هكذا".
صحيح البخاري برقم (3365).
زيادة من جـ ، ط ، أ ، و.
في جـ : "بمكة سريعا على البراق".
في جـ : "ثم يعود لأهله إلى البلاد".
تفسير الطبري (3/69).
(1/431)
وضع له حوطًا وتحجيرًا ، لا أنه بناه إلى أعلاه ، حتى كبر إسماعيل فبنياه معًا ، كما قال الله تعالى.
ثم قال ابن جرير : أخبرنا هَنَّاد بن السري ، حدثنا أبو الأحوص ، عن سِماك ، عن خالد بن عرعرة ، أن رجلا قام إلى علي ، رضي الله عنه ، فقال : ألا تخبرني عن البيت ، أهو أول بيت وضع في الأرض ؟ فقال : لا ولكنه أول بيت وضع فيه البَرَكة (1) ، مقام إبراهيم ، ومن دخله كان آمنًا ، وإن شئت أنبأتك كيف بني : إن الله أوحى إلى إبراهيم أن ابن لي بيتًا في الأرض ، قال : فضاق إبراهيم بذلك ذرعًا فأرسل الله السكينة - وهي ريح خجوج ، ولها رأسان - فأتْبَع أحدهما صاحبه ، حتى انتهت إلى مكة ، فتطوت (2) على موضع البيت كطي الحجفَة ، وأمر إبراهيم أن يبني حيث تستقر السكينة. فبنى إبراهيم وبقي حجر ، فذهب الغلام يبغي شيئًا. فقال إبراهيم : أبغني حجرًا كما آمرك. قال : فانطلق الغلام يلتمس له حجرًا ، فأتاه به ، فوجده قد ركب الحجر الأسود في مكانه. فقال : يا أبه ، من أتاك بهذا الحجر ؟ فقال : أتاني به من لن يَتَّكل (3) على بنائك ، جاء به جبريل ، عليه السلام ، من السماء. فأتماه (4).
وقال ابن أبي حاتم : حدثنا حمد بن عبد الله بن يزيد المقري ، حدثنا سفيان ، عن بشر بن عاصم ، عن سعيد بن المسيب ، عن كعب الأحبار ، قال : كان البيت غثاءة على الماء قبل أن يخلق الله الأرض بأربعين عامًا ، ومنه دحيت الأرض.
قال سعيد : وحدثنا علي بن أبي طالب : أن إبراهيم أقبل من أرمينية ، ومعه السكينة تدله على تَبُوُّء (5) البيت كما تتبوأ العنكبوت بيتًا ، قال : فكشفت عن أحجار لا يُطيق (6) الحجر إلا ثلاثون رجلا. قلت : (7) يا أبا محمد ، فإن الله يقول : { وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ } قال : كان ذلك بعد.
وقال السدي : إن الله ، عز وجل ، أمر إبراهيم أن يبني [البيت] (8) هو وإسماعيل : ابنيا بيتي للطائفين والعاكفين والركع السجود ، فانطلق إبراهيم ، عليه السلام ، حتى أتى مكة ، فقام هو وإسماعيل ، وأخَذَا المعاول لا يدريان أين البيت ؟ فبعث الله ريحًا ، يقال لها : ريح الخجوج ، لها جناحان ورأس في صورة حية ، فكشفت لهما ما حول الكعبة عن أساس البيت الأول ، واتبعاها بالمعاول يحفران حتى وضعا الأساس. فذلك حين يقول [الله] (9) تعالى : { وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ } { وَإِذْ بَوَّأْنَا لإبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ } [ الحج : 26 ] فلما بنيا القواعد فبلغا مكان الركن. قال إبراهيم لإسماعيل : يا بني ، اطلب لي حجرًا حسنًا أضعه هاهنا. قال : يا أبت ، إني كسلان لَغب.
__________
في جـ ، ط ، أ ، و : "في البركة".
== تابع تفسير ابن كثير من الآية (129)==
'''اضغط على الرابط الاسفل للذهاب للآية 129'''
[[تابع تفسير ابن كثير]]
{{تفسير ابن كثير}}
[[تصنيف:تفسير ابن كثير|بقرة]]
8v7x9p8de9r7pv8kl97baq2xwg67ulo
قالب:وثيقة الإنقاذ الوطني (اليمن)
10
105846
626749
519628
2026-10-04T15:57:10Z
Meno25
3370
626749
wikitext
text/x-wiki
{{#invoke:navbox|navbox
| name =وثيقة الإنقاذ الوطني (اليمن)
| title = [[مشروع رؤية وثيقة الإنقاذ الوطني]]
| state = {{{state|<includeonly>autocollapse</includeonly>}}}
| listclass = hlist
| basestyle =
| image =
| group1 =
| list1 =[[مشروع رؤية وثيقة الإنقاذ الوطني/مقدمة|المقدمة]] - [[مشروع رؤية وثيقة الإنقاذ الوطني/جذر الأزمة|جذر الأزمة]] - [[مشروع رؤية وثيقة الإنقاذ الوطني/مظاهر الأزمة|مظاهر الأزمة]] - [[مشروع رؤية وثيقة الإنقاذ الوطني/المعالجات|المعالجات]]
}}
<noinclude>
[[تصنيف:قوالب]]
</noinclude>
oz1b5ny7pxwoh5qp47zwqy9pib1nbyt
نقاش المستخدم:ForzaGreen
3
125286
627495
603589
2026-10-04T22:53:28Z
ForzaGreen
19584
/* إضافة نصوص */ ردّ
627495
wikitext
text/x-wiki
{| style="margin: 0 2em 0 2em; background-color:#f7f8ff; padding:5px; border:1px solid #8888aa; clear: both;"
|
<center><big>'''مرحبا بك في [[ويكي مصدر:ويكي مصدر|ويكي مصدر]]، {{BASEPAGENAME}} !'''</big></center>
|-align="center"
| <div style="padding:5px;font-size:small"><center style="word-spacing:1ex"><small>[[ويكي مصدر:سفارة|Welcome!]] [[ويكي مصدر:سفارة|Bienvenue!]] [[ويكي مصدر:سفارة|Willkommen!]] [[ويكي مصدر:سفارة|Benvenuti]] [[ويكي مصدر:سفارة|¡Bienvenido!]] [[ويكي مصدر:سفارة|ようこそ]] [[ويكي مصدر:سفارة|Dobrodosli]] [[ويكي مصدر:سفارة|환영합니다]] [[ويكي مصدر:سفارة|Добро пожаловать]] [[ويكي مصدر:سفارة|Bem-vindo!]] [[ويكي مصدر:سفارة|欢迎]] [[ويكي مصدر:سفارة|Bonvenon]] [[ويكي مصدر:سفارة|Welkom]]</small></center></div>
[[صورة:Wikisource-logo.svg|يمين|50بك]]أهلا بك في [[ويكي مصدر:حول|ويكي مصدر]]، المكتبة الحرة! من السهل جدًا [[مساعدة:إضافة نص|إضافة النصوص]] الحرة هنا.
بإمكانك تصفح الموقع عن طريق [[ويكي مصدر:فهرس|الفهرس]] أو الاطلاع على [[ويكي مصدر:سياسات وتعليمات|التعليمات]] وتعلم [[ويكي مصدر:دليل التنسيق|التنسيق]].
نتمنى لك وقتا سعيدًا هنا. إن احتجت مساعدة يرجى الاطلاع على [[مساعدة:مقدمة|صفحات المساعدة]] أو [[ويكي مصدر:طلب مساعدة|السؤال هنا]] أو في صفحة نقاشي. شكرا لك.
|} --[[مستخدم:Meno25|Meno25]] ([[نقاش المستخدم:Meno25|نقاش]] • [[خاص:مساهمات/Meno25|مساهمات]]) 05:22، 6 أغسطس 2015 (ت ع م)
== إضافة نصوص ==
مرحباً. شكراً على إضافتك نصوص القوانين. عندي مقترح حول هذا العمل: بما أن «النصوص الرسمية ذات الطابع التشريعي أو الإداري أو القضائي» في النطاق العام في المغرب، فالأفضل تحميل ملفات PDF الرسمية على الكومنز، ثم إنشاء فهرس في ويكي مصدر العربي وتضمين نصها بحيث يكون مرتبطاً مع المرجع الرسمي. قد يكون هذا أصعب قليلاً لكنه أفضل. راجع [[مساعدة:صفحات الفهرس]] و/أو مقابلاتها بلغات أخرى تجيدها. وشكراً لك مرة أخرى. [[مستخدم:Lanhiaze|Lanhiaze]] ([[نقاش المستخدم:Lanhiaze|نقاش]]) 14:36، 29 يناير 2026 (ت ع م)
:مرحبا @[[مستخدم:Lanhiaze|Lanhiaze]]، شكرا لك على المتابعة وعلى الاقتراح. سأحتاج بعضا من الوقت لقراءة صفحات المساعدة والبحث عن أمثلة ودراسة جدوى الاقتراح ثم أخيرا تطبيقه على نصوص القوانين. تحياتي. [[مستخدم:ForzaGreen|وائل]] ([[نقاش المستخدم:ForzaGreen|نقاش]]) 17:40، 29 يناير 2026 (ت ع م)
::بالتأكيد، لا عجلة في الأمر، والعمل هنا كله طوعي. ولكن إن استطعت حبذا لو رفعت الملفات إلى كومنز كي تكون متاحة؛ فالروابط إلى ملفات القوانين في موقع وزارة العدل مثلاً لا تفتح عندي لسبب أجهله. ويمكنك الاستعانة بقالب {{قا|مصدر}} وتضعه في ترويسة صفحات القوانين كي تبقى وصلة مباشرة إلى ملف متاح. [[مستخدم:Lanhiaze|Lanhiaze]] ([[نقاش المستخدم:Lanhiaze|نقاش]]) 18:03، 29 يناير 2026 (ت ع م)
::...كما يستحسن تصنيف تلك الملفات في كومنز في [[commons:Category:Law of Morocco|تصنيف مناسب]] كيلا تضيع. [[مستخدم:Lanhiaze|Lanhiaze]] ([[نقاش المستخدم:Lanhiaze|نقاش]]) 18:32، 29 يناير 2026 (ت ع م)
:::شكرا لك على الأفكار القيّمة. فعلا لاحظتُ أن الموقع لا يعمل أحيانا (غالبا في الليل). أنا أضفت ملفات القوانين إلى كومنز مع التصنيف المُقترح، ثم عدلتُ صفحات ويكي مصدر لإضافة [[قالب:مصدر]] إلى الترويسات. كذلك أضفت روابط ملفات الكومنز إلى عناصر ويكي بيانات. [[مستخدم:ForzaGreen|وائل]] ([[نقاش المستخدم:ForzaGreen|نقاش]]) 00:11، 30 يناير 2026 (ت ع م)
::مرحبا @[[مستخدم:Lanhiaze|Lanhiaze]]، لقد عدلتُ نصوص القوانين باتباع مُقترحاتك، وأضفت نصوصا جديدة. قائمة القوانين في صفحة [[ويكي مصدر:قانون/المغرب]]. شكرا. -- [[مستخدم:ForzaGreen|وائل]] ([[نقاش المستخدم:ForzaGreen|نقاش]]) 22:53، 4 أكتوبر 2026 (ت ع م)
tuyzluihi65xs0z1eqpnynh1169ragr
تصنيف:صفحات مؤلفين فيها معرفات ضبط استنادي
14
134262
626750
425334
2026-10-04T16:20:24Z
Meno25
3370
rm red links
626750
wikitext
text/x-wiki
[[تصنيف:تصنيفات لتتبع الصفحات]]
0irrxdxp0ge4nnbf264jxqllt3i1nef
ويكي مصدر:الميدان
4
143146
626712
626084
2026-10-04T12:25:09Z
صادق منصور ساده
73212
/* استفسار عن شروط إضافة قصائد من تأليفي */ قسم جديد
626712
wikitext
text/x-wiki
{{رأس الميدان}}{{صندوق أرشيف آلي|ويكي مصدر:الميدان|2006}}
<!-- المداخلات تحت هذا السطر. لا تعدل هذا السطر وما قبله. -->
== مهمة بوتية: المستخدمون الأنشط في الشهر مع توزيع أوسمة ==
أقترح صفحة إحصائيات بالمستخدمين الأنشط في الشهر مع توزيع أوسمة على غرار صفحة ويكيبديا الإسبوعية، وتكون ل:
* عدد إنشاء الصفحات.
* عدد المساهمات.
وذلك لأول 3 مراكز. أريد آراءكم في الموضوع. [[User:حبيشان|حبيشان]]<sup>('''[[نقاش المستخدم:حبيشان|ن]]''')</sup> 16:35، الأربعاء 19 رمضان 1446هـ (+3) 13:35، 19 مارس 2025 (ت ع م)
:مرحبا {{ر|حبيشان}} هل من أمثلة؟ [[مستخدم:أبو هشام|أبو هشام]] 02:01، 20 مارس 2025 (ت ع م)
:{{أتفق}} فقط لو امكن .التمييز حسب النطاقات يعني انشاء الصفحات في النطاق الرئيس + الفهرس + القوالب من جهة ونطاق الصفحة من جهة أخرى
:اضافة تصحيح وتدقيق الصفحات
:تحياتي [[مستخدم:Nehaoua|Nehaoua]] ([[نقاش المستخدم:Nehaoua|نقاش]]) 18:45، 21 مارس 2025 (ت ع م)
::مرحبا @[[مستخدم:Nehaoua|Nehaoua]]، لما التميز حسب النطاقات؟ تحياتي [[مستخدم:NANöR|NANöR]] ([[نقاش المستخدم:NANöR|نقاش]]) 22:01، 21 مارس 2025 (ت ع م)
:::مرحبًا @[[مستخدم:NANöR|NANöR]] انشاء الصفحات في نطاق "صفحة" أمر يسير ويكاد يكون آليًا "لو كان الملف له طبقة نصوص مسبقة لصار الأمر أكثر سهولة"، أيضا تعليم الصفحات دون نص أيسر كذلك، لكن انشاء فهرس أو قالب أو صفحة في النطاق العمل يتطلب مجهودًا (مطالعة الكتاب للترقيم، والفصل لإنشاء القوالب والفصول) تحياتي [[مستخدم:Nehaoua|Nehaoua]] ([[نقاش المستخدم:Nehaoua|نقاش]]) 22:10، 21 مارس 2025 (ت ع م)
* {{لا أتفق}} مع فكرة توزيع الأوسمة آلياً وروتينياً. برأيي، الأوسمة يقدمها مستخدم ما لمستخدم آخر حسب ما يرى مناسباً وفق تقديره الشخصي.
: وفي الوقت نفسه {{أتفق}} مع ضرورة تمييز المساهمات حسب النطاق، بما في ذلك للأسباب التي ذكرها الأخ @[[مستخدم:Nehaoua|Nehaoua]]. فمهمة إنشاء الصفحات قابلة للأتمتة، وإذا لم تكن مساهمة المستخدم تزيد على مجرد النقر على زر التعرف الضوئي دون قراءة النص الناتج فهي لا تتعدى العمل الآلي، ولو أنها تحتاج إلى بعض الجهد. ومثال على العمل الذي يشبه عمل البوت ما رأيته هنا مؤخراً حين امتلأت الصفحات بأحرف لاتينية لا معنى لها. وقد جربت في إحدى تلك الصفحات النقر على زر التعرف فتحول النص إلى عربي معقول. --[[مستخدم:Lanhiaze|Lanhiaze]] ([[نقاش المستخدم:Lanhiaze|نقاش]]) 10:50، 22 مارس 2025 (ت ع م)
::@[[مستخدم:Lanhiaze|Lanhiaze]] الإحصائيات والأوسمة ستكون مشابهة للمهمة في ويكيبيديا مثل [[w:ويكيبيديا:مستخدمو الأسبوع الأكثر نشاطا/الأسبوع ال١٠ ٢٠٢٥]]، يعني رأيك أن تكون هناك إحصائيات شهرية فقط بدون توزيع أوسمة، بهذا لن يكون هناك تنافس يشجع المستخدمين على النشاط. [[User:حبيشان|حبيشان]]<sup>('''[[نقاش المستخدم:حبيشان|ن]]''')</sup> 14:43، السبت 22 رمضان 1446هـ (+3) 11:43، 22 مارس 2025 (ت ع م)
:::{{ر|حبيشان}}، هناك ما يسمى [[w:قانون غودهارت|قانون غودهارت]]، وصميمه هو أنك عندما تجعل مشعراً أو مقياساً ما هدفاً ينبغي السعي إليه لا يعود هذا المشعر أو المقياس ذا قيمة لأنه يصبح هدفاً بحد ذاته. إذا جعلت عدد المساهمات مقياساً للنشاط سوف يسعى من تهمه المنافسة إلى حفظ كل تعديل على الصفحة ليسجَّل مساهمة منفصلة مثلاً فيزداد عدد التعديلات، ولا يسعى إلى الجودة النهائية. وأعتقد أن أساس العمل في المشاريع التطوعية هو التعاون لا التنافس، بل أن التنافس قد يؤدي إلى إيذاء العمل في المشروع.
:::وأنا مثلاً ساهمت في ويكيبيديا بنشاط بحساب غير هذا الحساب قبل أن يكون فيها قائمة بأنشط المستخدمين، وعندما ظهرت قائمة الويكيبيديين الخمسمئة الأنشط كنت في عُشرها الأعلى، إلا أن مساهمتي لم تكن من أجل هذا بل من أجل ويكيبيديا نفسها. وهنا أيضاً أفعل ما يتيسر لي بما أرى فيه فائدة للمشروع (أغلبه تعديلات صيانة لا إضافة مضمون جديد)، ولو أنني خامل نسبياً في الفترة الأخيرة، ربما لأنني كنت أشعر سابقاً أنني أكاد أكون الوحيد هنا، أما الآن فلم أعد وحيداً، وصار هنا من يقومون بأعمال التحرير والإدارة. [[مستخدم:Lanhiaze|Lanhiaze]] ([[نقاش المستخدم:Lanhiaze|نقاش]]) 13:36، 22 مارس 2025 (ت ع م)
::::@[[مستخدم:Lanhiaze|Lanhiaze]] مع اتفاقي على وجود هذه السلبيات في نظام الأوسمة الآلية لكن أرى أن إيجابياته تطغى على هذه السلبيات حيث ينشط بعض المستخدمين الذين لا يهدفون أصلا لتحقيق مركز شهري في الأوسمة حين يكافئون ببعضها، إلى جانب من يهدفون إليها أيضا، ووجود عدد مراجعات غير ضرورية يمكن أن يعالج بتنبيه المستخدمين. [[User:حبيشان|حبيشان]]<sup>('''[[نقاش المستخدم:حبيشان|ن]]''')</sup> 14:16، الثلاثاء 25 رمضان 1446هـ (+3) 11:16، 25 مارس 2025 (ت ع م)
* وتعقيب آخر: لا أرى فائدة كبيرة في إنشاء كمي لتصنيفات فارغة (حسب سنة الميلاد أو الوفاة على سبيل المثال). ربما يمكن تكليف بوت بأن يتابع صفحة [[خاص:تصنيفات مطلوبة|التصنيفات المطلوبة]] دورياً ويكتشف بينها التصنيفات وفق الميلاد أو الوفاة وينشئها بين حين وآخر مع تصنيفاتها وقوالبها. وكذلك تنشأ في الفترة الأخيرة قوالب عديدة بلا أدنى توثيق، وهذه لا يمكن أن تفيد إلا من أنشأها، أي أن فائدتها للمشروع محدودة؛ فمن أنشأها قد يترك المساهمة بعد أشهر أو سنوات، وقد ينشئ غيره قوالب مماثلة دون أن يعرف أن القالب المطلوب موجود بالفعل. كل قالب يجب أن يرافقه توثيق يشرح الغرض من القالب وطريقة عمله مع أمثلة كافية لكل متغيراته بشكل واضح. --[[مستخدم:Lanhiaze|Lanhiaze]] ([[نقاش المستخدم:Lanhiaze|نقاش]]) 11:01، 22 مارس 2025 (ت ع م)
* أرجو مطالعة النتائج في [[ويكي مصدر:المستخدمون الأنشط في الشهر]].--[[User:حبيشان|حبيشان]]<sup>('''[[نقاش المستخدم:حبيشان|ن]]''')</sup> 14:50، السبت 29 رمضان 1446هـ (+3) 11:50، 29 مارس 2025 (ت ع م)
*:مرحبًا @[[مستخدم:حبيشان|حبيشان]] جيدة جدًا، يمكن تحديد اسم الشهر مثلًا فبراير 2025، في النص والملخص ليمكن العودة لها مستقبلًا تحياتي [[مستخدم:Nehaoua|Nehaoua]] ([[نقاش المستخدم:Nehaoua|نقاش]]) 22:17، 29 مارس 2025 (ت ع م)
== النطاق المناسب لصفحات محتويات فهرس ==
أرى أن وضع المحتويات في نطاق (قالب) ليس سلوكا مستحسنا وأن الأفضل وضعها في صفحة فرعية من الفهرس نفسه مثلا: [[:قالب:محتويات نساء الخلفاء (دار المعارف، 1950)]] تكون في [[فهرس:نساء الخلفاء.pdf/محتويات]] وهذا يفيدنا في أمور
# سهولة الوصولة إلى صفحة المحتويات بصيغة موحدة.
# سهولة صيانة متعلقات الفهرس لأن المحتويات صفحة فرعية منه، وهذا يفيد في حالة النقل أو الحذف، بينما يمكن أن يحذف الفهرس أو ينقل ويغفل عن صفحة المحتويات لأنها في نطاق قالب.
# نطاق قالب موضوع أصلا للمكونات الصفحات التي تضمن كثيرا، بينما المحتويات غالبا لا تضمن أكثر من مرتين
# عدم مزاحمة القوالب في الظهور في الأدوات التي تسهل إدارج القوالب في الصفحات.
# تجنب الإرباك في الصيانة حيث هذه الصفحات ليس لها توثيق، ولا بيانات قالب.
[[User:حبيشان|حبيشان]]<sup>('''[[نقاش المستخدم:حبيشان|ن]]''')</sup> 17:07، الجمعة 13 شوال 1446هـ (+3) 14:07، 11 أبريل 2025 (ت ع م)
:{{تعليق}}شكرا @[[مستخدم:حبيشان|حبيشان]] لتوضيح الأمر. أعتقد أفضل للبحث مثلما ذكرت أن تكون في صفحة فرعية من الفهرس. لكن لما إنشاء صفحات جديدة بدل الكتابة في جدول المحتويات في الفهرس؟ تحياتي [[مستخدم:NANöR|NANöR]] ([[نقاش المستخدم:NANöR|نقاش]]) 07:53، 12 أبريل 2025 (ت ع م)
:{{تعليق}} @[[مستخدم:حبيشان|حبيشان]]، الفكرة جيدة والحجج لصالحها معقولة. هناك نقطة تقنية طفيفة، وهي ألا ينسى المستخدمون إدراج نقطتين قبل اسم الصفحة، مثلاً <code><nowiki>{{:فهرس:كذا.pdf/محتويات}}</nowiki></code>. --[[مستخدم:Lanhiaze|Lanhiaze]] ([[نقاش المستخدم:Lanhiaze|نقاش]]) 13:40، 12 أبريل 2025 (ت ع م)
::مرحبًا @[[مستخدم:Lanhiaze|Lanhiaze]] شكرًا لك، غابت عني هذه المعلومة لذا استعملت نطاق القالب، شكرًا مرة أخرى [[مستخدم:Nehaoua|Nehaoua]] ([[نقاش المستخدم:Nehaoua|نقاش]]) 19:58، 25 أبريل 2025 (ت ع م)
:مرحبًا @[[مستخدم:حبيشان|حبيشان]] فكرة جيدة، المهم أن نتفق على صيغة موحدة تحياتي [[مستخدم:Nehaoua|Nehaoua]] ([[نقاش المستخدم:Nehaoua|نقاش]]) 19:23، 25 أبريل 2025 (ت ع م)
::برأيي صيغة <code><nowiki>.../محتويات</nowiki></code> مقبولة. أي بلا ال التعريف على سبيل المثال (أرجو نقل [[فهرس:تاريخ طرابلس الغرب (المطبعة السلفية، 1349هـ)/المحتويات|هذه الصفحة]]). كما لاحظت أن هذه الصيغة لا تنشئ صفحة فرعية بل صفحة عادية في نطاق الفهرس، والذي على ما يبدو لا يقبل إنشاء الصفحات الفرعية، بدليل أن الصفحة الفرعية لا يوجد في أعلاها وصلة إلى الصفحة الأساسية! [[مستخدم:Lanhiaze|Lanhiaze]] ([[نقاش المستخدم:Lanhiaze|نقاش]]) 20:44، 25 أبريل 2025 (ت ع م)
:::@[[مستخدم:Lanhiaze|Lanhiaze]] في الواقع الصفحة المذكورة غير دقيقة، الأصل أن تكون بعنوان الكتاب ملحقًا بامتداد الملف <code>.pdf</code>، والنطاق يقبل الصفحات الفرعية، لاحظ مثلا الوصلة في النقاش أعلاه: [[فهرس:نساء الخلفاء.pdf/محتويات]].
:::أدعم الخيار <code>/محتويات</code>، وربما يمكننا أن نقترح في فبريكاتور إنشاء وصلة فرعية لها «تظهر إن كانت متوفرة» على غرار صفحة الأنماط، تحياتي --[[مستخدم:Mdktb|Mdktb]] ([[نقاش المستخدم:Mdktb|نقاش]]) 13:51، 8 مايو 2026 (ت ع م)
== إضافة اللغة العربية إلى المتعرف الضوئي كراكن ==
{{تابع في|T403346}}
بالنسبة للغة العربية لا يوجد متعرف ضوئي يدعم اللغة العربية في ويكيميديا غير متعرف جوجل، تبثت المؤسسة متعرف جديد اسمه [https://kraken.re kraken] على موقع متعرف تحت التجربة في https://kraken-ocr.wmcloud.org/ لكن للأسف لم يُثبت أي نموذج تعرف عربي في الموقع المذكور، طلبت في المهمة أعلاه تثبيت نموذجين عربيين لتجربة المتعرف الجديد وتوسع خيارات التعرف العربية.
أرجو إبداء رأيكم في المهمة هنا أو في المهمة نفسها. [[User:حبيشان|حبيشان]]<sup>('''[[نقاش المستخدم:حبيشان|ن]]''')</sup> 11:10، الأربعاء 18 ربيع الأول 1447هـ (+3) 08:10، 10 سبتمبر 2025 (ت ع م)
:مرحبًا @[[مستخدم:حبيشان|حبيشان]]، تنبّه أحد المطورين للمهمة وأضاف النماذج، لكن يبدو أن النتيجة ليست كما هو مأمول، جربتها مع عدّة صور ولم أحصل على أي نتيجة مقبولة، جربهّا إن أمكنك، والزميل المطوّر ينتظر اختبارنا لما قام به، تحياتي --[[مستخدم:Mdktb|Mdktb]] ([[نقاش المستخدم:Mdktb|نقاش]]) 00:31، 8 مايو 2026 (ت ع م)
:<u>ملاحظة أخرى:</u> طلبت في هذه [[phab:T424543|التذكرة]] منذ مدة قصيرة إضافة أحد النماذج التي تدعم العربية لـ Transkribus، وجدته أفضل الموجود نوعًا ما، بعض التجارب كانت مقبولة، تحياتي --[[مستخدم:Mdktb|Mdktb]] ([[نقاش المستخدم:Mdktb|نقاش]]) 00:40، 8 مايو 2026 (ت ع م)
::@[[مستخدم:Mdktb|Mdktb]] أشكرك على المتابعة والاقتراحات، أظن أن هناك خطأ ما في تثبيت نموذج كراكن لأن سبق تجربته من أحد المشاريع وأعطى نتائج جيدة، بينما الآن لا يكاد تخرج من كلمة صحيحة. [[User:حبيشان|حبيشان]]<sup>('''[[نقاش المستخدم:حبيشان|ن]]''')</sup> 22:59، السبت 22 ذو القعدة 1447هـ (+3) 19:59، 9 مايو 2026 (ت ع م)
== مهمة بوتية للتصانيف ==
بعض التصانيف في ويكي مصدر تحوي وصلات ربط انترويكي لنسخ اللغات والمشاريع الأخرى، وهذه الوصلات قد استُغني عنها بالربط في ويكي بيانات، فالمطلوب مهمة بوتية لحذف هذه الوصلات وتهجيرها إلى ويكي بيانات/، كما نحتاج بين الفينة والأخرى مهمة نقل التصانيف الآلي عبر البوت كما في ويكيبيديا، وأنا أرشح للمهمتين بوت المهندس المبدع @[[مستخدم:Mr. Ibrahem|Mr. Ibrahem]] حيث قد عمل هذه المهام سابقا في ويكيبيديا بكفاءة عالية. [[User:حبيشان|حبيشان]]<sup>('''[[نقاش المستخدم:حبيشان|ن]]''')</sup> 16:32، الأحد 29 ربيع الأول 1447هـ (+3) 13:32، 21 سبتمبر 2025 (ت ع م)
:@[[مستخدم:Mr. Ibrahem|Mr. Ibrahem]] أرجو قبول المهمة، حيث لا اعتراض عليها. [[User:حبيشان|حبيشان]]<sup>('''[[نقاش المستخدم:حبيشان|ن]]''')</sup> 17:23، الخميس 10 ربيع الآخر 1447هـ (+3) 14:23، 2 أكتوبر 2025 (ت ع م)
== [[مؤلف:رضوان الشهال]] ==
المؤلف توفي في ١٩٨٨، وهذا يعني أن أعماله تؤول إلى الملك العام في لبنان بعد خمسين سنة من وفاته، أي في ٢٠٣٩،أليس كذلك؟ إن كان حسابي صحيحاً، فلا يجوز نشر أعماله الآن. [[مستخدم:Lanhiaze|Lanhiaze]] ([[نقاش المستخدم:Lanhiaze|نقاش]]) 22:13، 25 يونيو 2026 (ت ع م)
أما بالنسبة للملف في كومنز، ففي الولايات المتحدة، حسب ما أفهم قانونها، ستبقى أعماله محمية سبعين سنة بعد وفاته، أي لن يمكن رفعه إلى هناك حتى سنة ٢٠٥٩. --[[مستخدم:Lanhiaze|Lanhiaze]] ([[نقاش المستخدم:Lanhiaze|نقاش]]) 22:23، 25 يونيو 2026 (ت ع م)
== الترحيل إلى بارسويد ==
<section begin="announcement-content" />
<em>[[m:Special:MyLanguage/Wikimedia Foundation/Product and Technology/Parsoid Read Views/Read View Announcement|طالعها بلغة أخرى]]</em>
<div class="mw-translate-fuzzy">
مرحبا بكم. يسرني أن أبلغكم أن الخطوة التالية من مشروع [[mw:Special:MyLanguage/Parsoid/Parser Unification|توحيد المحلل اللغوي]] وهي باروسيد «Parsoid» سوف تفعّل قريبا لتصير عارض المقالات الافتراضي على موقعكم الويكي $wiki. نزيد تدريجيا عدد مواقع الويكي التي تستعين ببارسويد وغرضنا من ذلك أن يصير المحلل اللغوي الافتراضي لنصوص الويكي لإصدار دعم برمجيات ميدياويكي طويل الأجل القادم. سوف يزيد هذا من مستوى جدارة مواقعنا الويكي واتساقها للمحررين والقراء واستخدام الأدوات وكذا تيسير تصميم سمات نصوص الويكي القادمة وتطويرها برمجيا.
</div>
لو تسبب هذا في تعطيل تدفق عملكم، لا تجزعوا! يمكنكم إلغاء التفعيل مستخدمين واحد من تفضيلات المستخدم أو وقف بارسويد على الصفحة الحالية مستخدمين قائمة «الأدوات» الفرعية، كما هو مبيّن في توثيق [[mw:Special:MyLanguage/Help:Extension:ParserMigration|امتداد:ترحيل بارسويد]].
ثمة [[mw:Special:MyLanguage/Parsoid/Parser Unification/Confidence Framework|المزيد من المعلومات المتاحة عن خطة النشر]]، تشتمل على أعمال الاختبار الواجب إجرائها قبل تشغيل باروسيد على أي موقع ويكي.
إن أردتم الإبلاغ عن أعطال برمجية أو مشاكل، يرجى الاطلاع على أعمال توثيق [[mw:Special:MyLanguage/Parsoid/Parser Unification/Known Issues|المشاكل المعروفة]] ولو عثرتم على عطل برمجي جديد يرجى إنشاء تذكرة فبريكاتور ووسم [[phab:project/view/5846|فريق تحويل المحتوى على فبريكاتور]].
<section end="announcement-content" />
[[mw:User:MSantos (WMF)|Content Transform Team]] 16:31، 3 أغسطس 2026 (ت ع م)
<!-- الرسالة التي أرسلها User:MSantos (WMF)@metawiki باستخدام القائمة في https://meta.wikimedia.org/w/index.php?title=Distribution_list/Global_message_delivery/Wikisource&oldid=28221043 -->
== نتائج مسابقة التراث المفتوح في ويكي مصدر ==
السلام عليكم ورحمة الله،
يسعدنا إعلامكم بنتيجة [[m:Event:Open_Heritage-Islamic_Civilization_Contest|'''مسابقة التراث المفتوح في ويكي مصدر''']]، والتي أدت لإضافة وتدقيق '''قرابة ألف صفحة''' إلى مشروع ويكي مصدر والتي حصل فيها على المراتب الثلاثة الأولى
<nowiki>*</nowiki> '''المرتبة الأولى: الزميل RASHEEDYE بمعدل 2430 نقطة.'''
<nowiki>*</nowiki> '''المرتبة الثانية: الزميل ماهر الماهر بمعدل 2240 نقطة.'''
<nowiki>*</nowiki> '''المرتبة الثالثة: الزميل origamos بمعدل 1470 نقطة.'''
نتوجه بجزيل الشكر لجميع من ساهم بإنجاز هذه المسابقة من مشاركين والمحكمين الأساتذة الكرام الزملاء '''Nehaoua''' و '''ميشيل بكني.''' [[مستخدم:SanBonne|SanBonne]] ([[نقاش المستخدم:SanBonne|نقاش]]) 14:48، 21 أغسطس 2026 (ت ع م)
== مستخدمة جديدة وأرغب في المساهمة ==
السلام عليكم، أنا مستخدمة جديدة في ويكي مصدر، وأرغب في التطوع والمساهمة في تصحيح وتنسيق النصوص والكتب. ليس لدي خبرة سابقة في ويكي مصدر، وأتمنى أن يساعدني أحد من المساهمين في معرفة كيفية البدء والمشاركة في المجتمع. شكرًا لكم. [[مستخدم:Rask 56|Rask 56]] ([[نقاش المستخدم:Rask 56|نقاش]]) 15:25، 23 أغسطس 2026 (ت ع م)
== تبديل المخدم - موقعك الويكي سوف يصبح للقراءة فقط قريبًا لبرهة ==
<section begin="server-switch"/><div class="plainlinks">
[[:m:Special:MyLanguage/Tech/Server switch|اقرأ هذه الرسالة بلغة أخرى]] • [https://meta.wikimedia.org/w/index.php?title=Special:Translate&group=page-Tech%2FServer+switch&language=&action=page&filter= {{int:please-translate}}]
سوف تبدّل [[foundation:|مؤسسة ويكيميديا]] وجهة حركة زيارات مواقعها بين مراكز بياناتها. وذلك للتأكد من أن ويكيبيديا ومواقع الويكي الأخرى التابعة لويكيميديا ستظل متصلة بالإنترنت حتى بعد وقوع كارثة.
سوف تنتقل حركة البيانات كلها يوم '''{{#time:j xg|2026-09-23|ar}}'''. سوف يبدأ الاختبار الساعة '''[https://zonestamp.toolforge.org/{{#time:U|2026-09-23T14:00|en}} {{#time:H:i e|2026-09-23T14:00}}]'''.
وللأسف، وبسبب بعض القيود على [[mw:Special:MyLanguage/Manual:What is MediaWiki?|ميدياويكي]]، سيتعين وقف أعمال التحرير كافة بينما ينفذ هذا الانتقال. ونحن نعتذر عن هذا الانقطاع، وسنعمل على تقليل حدوثه في المستقبل.
سوف يعرض إعلان بذلك على مواقع الويكي كافة قبل 30 دقيقة من بدء العمل. سيظل هذا البانر معروضًا حتى نهاية العمل.
يمكنكم المساهمة في [https://meta.wikimedia.org/w/index.php?title=Special%3ATranslate&group=Centralnotice-tgroup-read_only_banner&task=view&language=&filter=&action=translate جهود ترجمة أو تنقيح] نص هذا البانر.
'''سيمكنكم القراءة، ولكن لا يمكنكم التعديل، على كل مواقع الويكي لفترة قصيرة من الزمن.'''
* لن يمكنكم التعديل لمدة قد تصل إلى ساعة واحدة يوم {{#time:l j xg Y|2026-09-23|ar}}.
* إذا حاولتم تعديل أو حفظ أي شيء في تلك الأوقات، فسوف ترون رسالة خطأ. نأمل أن لا تضيع أية تعديلات خلال تلك الدقائق، ولكن لا يسعنا أن نضمن ذلك. إذا رأيتم رسالة الخطأ، يرجى الانتظار حتى يعود كل شيء إلى سابق عهده. وبالتالي ستقدرون على حفظ التعديلات. ولكن، من المستحسن أن تنسخوا تعديلاتكم قبل إرسالها، على سبيل الاحتياط.
''الآثار الأخرى'':
* الأعمال في الخلفية ستكون بطيئة وبعضها قد يتوقف. قد لا تحدث الروابط الشبكية الحمراء بالسرعة المعتادة. لو أنشأتم مقالة مربوطة بالفعل بمكان آخر، سيظل الرابط الشبكي أحمر اللون لفترة أطول من المعتاد. كما سنضطر لوقف بعض النصوص البرمجية طويلة الأجل.
* نتوقع تنفيذ الكود كما هو معتاد في أي أسبوع. إلا أنه ربما تحدث حالات منفردة من تجميد الكود البرمجي في أوقات معينة لو تطلب الأمر ذلك بعد الانتهاء من العمل.
* سيكون [[mw:Special:MyLanguage/GitLab|معمل غت (GitLab)]] غير متاح لحوالي 90 دقيقة.
قد يتأجل هذا المشروع لو تطلب الأمر ذلك. يمكنكم [[wikitech:Switch_Datacenter|الاطلاع على الجدول الزمني المحدد على wikitech.wikimedia.org]] سوف نعلن عن أية تغييرات على هذا الجدول.
'''يرجى مشاركة هذه المعلومات مع مجتمعكم.'''</div><section end="server-switch"/>
[[m:user:Trizek (WMF)|Trizek (WMF)]] 12:58، 15 سبتمبر 2026 (ت ع م)
<!-- الرسالة التي أرسلها User:Trizek (WMF)@metawiki باستخدام القائمة في https://meta.wikimedia.org/w/index.php?title=Distribution_list/Non-Technical_Village_Pumps_distribution_list&oldid=30513874 -->
== Your feedback wanted: Remove ''(Language link added:) and similar'' edits from Special:RecentChanges ==
''(Apologies for posting in English. You can help by translating it)''
Hello, I’m Danny from [[:en:w:Wikimedia_Deutschland|Wikimedia Deutschland’s]] [[m:Wikidata_For_Wikimedia_Projects|Wikidata For Wikimedia Projects]] team.<br/>
We have been investigating and examining how Wikidata’s use in the [[Special:RecentChanges]] and [[Special:Watchlist]] pages can be made to be more useful, or less ‘noisy’ (fewer edits that have little value to the reader).
We are currently exploring to make a change in the volume and the type of Wikidata edits that appear in these pages, and '''we need your feedback''' to help us ensure this is a positive change for the Wikis and won’t disrupt your workflows.<br/>
Language links are also known as sitelinks or interlanguage links and describe when a Wikidata item is connected to a Wiki, adding it to the language dropdown tool for other connected Wikis.
[[File:Types of Lang Link changes.png|x350px|frame|A variety of "Language Link" edits as seen in the Recent Changes feed]]
The request for feedback is whether you support the removal of these language link edits from the Recent Changes and Watchlist feed, or would you oppose such a change and if so, why?
Please share you thoughts on the dedicated '''[[m:Talk:Wikidata_For_Wikimedia_Projects/Clearer_Wikidata_Edit_Summaries/Hide_Language_Link_edits|metawiki Talk page]]'''.
Further information about this change: [[m:Wikidata_For_Wikimedia_Projects/Clearer_Wikidata_Edit_Summaries/Hide_Language_Link_edits|m:Wikidata_For_Wikimedia_Projects/Hide_Language_Link_edits]]
Thank you for any participation or feedback you give, -- [[m:User:Danny_Benjafield_(WMDE)|User:Danny Benjafield (WMDE)]] 12:18، 25 سبتمبر 2026 (ت ع م)
<!-- الرسالة التي أرسلها User:Danny Benjafield (WMDE)@metawiki باستخدام القائمة في https://meta.wikimedia.org/w/index.php?title=User:Danny_Benjafield_(WMDE)/MassMessage_test_list&oldid=31080967 -->
== استخدام أحرف يونيكودية تطابق الرسم المغربي في المشروع ==
الزملاء المشاركين في [[فهرس:كشف الأستار عن علم حروف الغبار (مخطوطة، 1851).djvu]] التزموا باستعمال حروف يونيكودية تطابق في رسمها الرسم المغربي، وأنا لا أتفق مع هذا الموقع يستعمل رمزا يونيكوديا وحيدا لكل حرف: فالفاء تكتب ف في أي مكان لو كانت في المخطوطة والأصل مكتوبة ڢ، والقاف أيضا ق لو كانت في الرسم الأصلي ڧ، وفلا بد من كتابة الحرف الصحيح وإن كان في أصل استعمل رسمًا يختلف عن الرسم الحالي الشائع. [[User:حبيشان|حبيشان]]<sup>('''[[نقاش المستخدم:حبيشان|ن]]''')</sup> 22:31، السبت 15 ربيع الآخر 1448هـ (+3) 19:31، 26 سبتمبر 2026 (ت ع م)
:إشارة إلى @[[مستخدم:JazarF|JazarF]] @[[مستخدم:~2026-44033-07|~2026-44033-07]] @[[مستخدم:~2026-51196-19|~2026-51196-19]] والإداريين @[[مستخدم:Nehaoua|Nehaoua]] @[[مستخدم:Lanhiaze|Lanhiaze]] @[[مستخدم:NANöR|NANöR]] [[User:حبيشان|حبيشان]]<sup>('''[[نقاش المستخدم:حبيشان|ن]]''')</sup> 22:35، السبت 15 ربيع الآخر 1448هـ (+3) 19:35، 26 سبتمبر 2026 (ت ع م)
::{{أتفق}}؛ مع جهلي بالأمور التقنية، أعتقد، يمكن تحقيق الرسم الصحيح عن طريق الإعدادات أو القوالب أو الأساليب مع إبقاء النص المستبطن للنص الظاهر بأحرف اليونيكود العربية العامة؛ أليس كذلك؟ مثلاً، كيف تحقق هذا في المصاحف الموجودة في ويكي مصدر؟ [[مستخدم:Lanhiaze|Lanhiaze]] ([[نقاش المستخدم:Lanhiaze|نقاش]]) 19:41، 26 سبتمبر 2026 (ت ع م)
:مصحف ورش صادر عن مجمع الملك فهد، مكتوب بطريقة قراءة القرآن المعروفة برواية ورش عن نافع وهي الرواية الشائعة في المغرب
:https://archive.org/details/20240512_20240512_1637/page/n605/mode/1up [[خاص:مساهمات/~2026-44033-07|~2026-44033-07]] ([[نقاش المستخدم:~2026-44033-07|نقاش]]) 19:45، 26 سبتمبر 2026 (ت ع م)
:مرحبًا @[[مستخدم:حبيشان|حبيشان]]، شكرًا لإثارة الموضوع، لا أجد فائدة في كتابة النص بالرسم المغربي أو غيره، الأصل هو تحويل الصفحات لنصوص مقروءة للكل ولتمكين استعمالها في البحث والتوثيق، لذا الجهد المبذول في المطابقة ليس له ناتج الا محاولة إحياء رسم لم يعد يستعمل حتى في بلده إلا للزخرفة. في الأخير نذكر بالأصل وهو إعادة كتابة النصوص بما يطابق الأصل من ناحية المحتوى، لكن ليس حتما بنفس الرسم والخط. تحياتي [[مستخدم:Nehaoua|Nehaoua]] ([[نقاش المستخدم:Nehaoua|نقاش]]) 20:55، 26 سبتمبر 2026 (ت ع م)
::يمكن اتباع الأسلوب المستخدم مع الحرف ſ، بحيث يُكتب النص في صفحة التحرير وفق رسمه الأصلي، ويُعرض للقارئ باستخدام الحرف s الشائع اليوم، كما في المثال التالي.
::*[[:en:Page:The Good Huswifes Jewell (Davies).pdf/3]]
::*[[:en:The good huswifes Jewell]]
:: [[خاص:مساهمات/~2026-44033-07|~2026-44033-07]] ([[نقاش المستخدم:~2026-44033-07|نقاش]]) 01:24، 27 سبتمبر 2026 (ت ع م)
::This template is for displaying the HTML entity for the long 's', Unicode character U+017F: ſ.
::{{Long s}} gives either a standard long 's' ( ſ ) or a standard letter "s".
:: '''[[:en:Template:Long s]]'''
:: [[خاص:مساهمات/~2026-44033-07|~2026-44033-07]] ([[نقاش المستخدم:~2026-44033-07|نقاش]]) 10:46، 27 سبتمبر 2026 (ت ع م)
::بحيث يكون كل من الحرف {{ڢ}} - {{ڧ}} - {{ں}} - {{ڡ}} - {{ٯ}} في صفحة التحرير فقط ويتم تحويلها في الصفحات للنصوص مقروءة [[خاص:مساهمات/~2026-44033-07|~2026-44033-07]] ([[نقاش المستخدم:~2026-44033-07|نقاش]]) 10:53، 27 سبتمبر 2026 (ت ع م)
:::مرحبًا، ما المقصود من كل هذا المجهود رغم أن المتغيرات في كتابة اللغة العربية لم يطرأ عليها تعديل كبير ولا يود اختلاف مهم بين مختلف الكتابات، كذلك المثال الذي ذكرته ربما هو بالإنجليزية الوسطى وكل تغيير قد يؤثر على النص، ربما أشاطرك الرأي في كتابة الهمزة التي تختلف بين المشرق والمغرب، وكذا المدود وجعل بعض الهمزات صامتة أو العكس (نكتب الارض بدلا من الأرض والأنبئاء بدل الأنبياء وغيرها) أما كتابة القاف والفاء والنون الأخيرة وما شابهها فهي رسم لا يغير شيء [[مستخدم:Nehaoua|Nehaoua]] ([[نقاش المستخدم:Nehaoua|نقاش]]) 18:00، 27 سبتمبر 2026 (ت ع م)
::::هذا حلٌّ وسط يحفظ رسم الحروف كما ورد في المخطوط للكاتب الذي تُوفّي عام 1486، وكما يُسهّل قراءتها بأشكالها المألوفة اليوم.
::::فالكاتب لم يكن بوسعه أن يتنبأ بالتطورات التقنية (يونيكودية، ويكي، HTML، PDF وغيرها) التي تتيح لنا عرض النص بأكثر من شكل، كما أننا لا نعلم كيف ستكون الحروف وطرق عرضها بعد ألف عام. [[خاص:مساهمات/~2026-44033-07|~2026-44033-07]] ([[نقاش المستخدم:~2026-44033-07|نقاش]]) 20:21، 27 سبتمبر 2026 (ت ع م)
::::{{اقتباس 2|ومں الله اسال الاعانة والارشاد الى سواء طريٯ التوڢيٯ والسداد ڢی هذه الدّنيا والمعاد واں يجعل ذلك مں الاعمال التی لا تنڧطع بالموت ولا يعڧب صاحبها حسرات الڢوت|}}
:::: أبو الحسن علي بن محمد بن علي القلصادي
:::: https://www.google.com/books/edition/Ka%C5%A1f_al_asr%C4%81r_%CA%BFan_%CA%BFilm_%E1%B8%A5ur%C5%ABf_al/emcygMNLGYMC?hl=en&gbpv=0
:::: [[خاص:مساهمات/~2026-44033-07|~2026-44033-07]] ([[نقاش المستخدم:~2026-44033-07|نقاش]]) 20:26، 27 سبتمبر 2026 (ت ع م)
:تم انشاء [[قالب:خط مغربي|قالب للخط مغربي]] ليحفظ رسم الحروف كما وردت في المخطوطة [[خاص:مساهمات/~2026-44033-07|~2026-44033-07]] ([[نقاش المستخدم:~2026-44033-07|نقاش]]) 06:04، 28 سبتمبر 2026 (ت ع م)
::لا أتفق مع حل القالب، لا بد من إدخال الرموز الصحيحة لأن هذا يعيق محركات البحث ويعيق القراءة، لكن يمكن إذا كان هناك خط مغربي مفتوح المصدر يمكن أن يدمج مع الكتاب ليظهر اختياريا بنفس الرسم مع الحفاظ على الرموز اليونيكودية العربية. [[User:حبيشان|حبيشان]]<sup>('''[[نقاش المستخدم:حبيشان|ن]]''')</sup> 14:09، الاثنين 17 ربيع الآخر 1448هـ (+3) 11:09، 28 سبتمبر 2026 (ت ع م)
:::مرحبًا @[[مستخدم:حبيشان|حبيشان]] {{مض|خط مغربي مفتوح المصدر}} هذا أحسن حل، وقد ذكرت أمرًا نسيته وهو البحث، فمجتمع ويكي مصدر يشكو أصلا من عدم فهرسة المحركات لصفحات ويكي مصدر أو عدم ابرازها أولا، وبوجود نصوص غير منشورة مسبقًا، ستكون حتما الأولوية لويكي مصدر لكن عدم وجود الرموز اليونيكودية العربية يجعل البحث دون نتيجة تحياتي [[مستخدم:Nehaoua|Nehaoua]] ([[نقاش المستخدم:Nehaoua|نقاش]]) 17:42، 29 سبتمبر 2026 (ت ع م)
== الآن قالب جدول محتويات يتعرف على صفحات المصدر تلقائيا ==
{{قا|جدول محتويات}} يتعرف تلقائيا على صفحات الكتاب pdf تلقائيا إذا أُغفل وسيط {{وسيط|معامل}} وضبطت في صفحة الفهرس، انظر مثالا [[صفحة:عشائر العراق 1.pdf/510]] [[User:حبيشان|حبيشان]]<sup>('''[[نقاش المستخدم:حبيشان|ن]]''')</sup> 14:13، الاثنين 17 ربيع الآخر 1448هـ (+3) 11:13، 28 سبتمبر 2026 (ت ع م)
:مرحبا @[[مستخدم:حبيشان|حبيشان]]، شكرا لهذا التحديث، لكن هل ما فهمته، ان القالب يستعمل مدخلات الصفحات وتقارن رقم الصفحة في الفهرس ويطابقها فهذا فعلا عمل عظيم، ومنه صار الوسيط معامل بلا فائدة تقريبا. تحياتي [[مستخدم:Nehaoua|Nehaoua]] ([[نقاش المستخدم:Nehaoua|نقاش]]) 19:22، 1 أكتوبر 2026 (ت ع م)
::@[[مستخدم:Nehaoua|Nehaoua]] نعم هذا هو، لأن بعض الكتب مثل عشائر العراق يتغير فيها المعامل وليس له قيمة ثابتة. [[User:حبيشان|حبيشان]]<sup>('''[[نقاش المستخدم:حبيشان|ن]]''')</sup> 23:01، الخميس 20 ربيع الآخر 1448هـ (+3) 20:01، 1 أكتوبر 2026 (ت ع م)
== Wikidata Sitelink changes in Recent Changes and Watchlist ==
''(Apologies for cross-posting in English, translating it will help spread the message)''
Editors on group 1 wikis, including Wikiquote, Wikibooks, Wikiversity, Wikivoyage, and Wikisource, will no longer see notifications on [[Special:RecentChanges|Recent Changes]] and [[Special:Watchlist|Watchlist]] when a link to ''another'' language version of a page is added, removed, or changed in its Wikidata item. This change will begin on '''October 5 at 07:00 UTC''' as a two-week trial to reduce high-volume, low-value notifications and make higher-value changes easier to identify. Editors who rely on these notifications should be aware of the change and can share feedback or concerns on the [[m:Wikidata For Wikimedia Projects/Clearer Wikidata Edit Summaries/Hide Language Link edits|project]] or [[m:Talk:Wikidata_For_Wikimedia_Projects/Clearer_Wikidata_Edit_Summaries/Hide_Language_Link_edits|talk page]].<br/>Please reach out if you have any questions, thank you! -- [[User:Danny_Benjafield_(WMDE)|Danny Benjafield (WMDE)]] ([[User_talk:Danny_Benjafield_(WMDE)|talk]]) sent via [[مستخدم:MediaWiki message delivery|MediaWiki message delivery]] ([[نقاش المستخدم:MediaWiki message delivery|نقاش]]) 12:42، 1 أكتوبر 2026 (ت ع م)
<!-- الرسالة التي أرسلها User:Danny Benjafield (WMDE)@metawiki باستخدام القائمة في https://meta.wikimedia.org/w/index.php?title=User:Danny_Benjafield_(WMDE)/MassMessage_test_list&oldid=31106967 -->
== استفسار عن شروط إضافة قصائد من تأليفي ==
السلام عليكم زملاء ويكي مصدر،
أنا صادق منصور سادة، المعروف باسم صادق العراقي، وأكتب قصائد شعرية. أرغب في معرفة ما إذا كانت قصائدي تصلح للإضافة إلى ويكي مصدر، وما شروط النشر السابق والمصادر المقبولة والترخيص المطلوب لأعمال مؤلف ما زال على قيد الحياة.
أرجو إرشادي إلى الخطوات الصحيحة قبل إضافة أي قصيدة، وسأقدّم رابط النشر السابق للقصيدة التي أقترحها إن كانت منشورة.
شكرًا لتعاونكم. [[مستخدم:صادق منصور ساده|صادق منصور ساده]] ([[نقاش المستخدم:صادق منصور ساده|نقاش]]) 12:25، 4 أكتوبر 2026 (ت ع م)
69krw8ytpv2n38o3aok26sktlgd5kn6
626713
626712
2026-10-04T12:45:56Z
صادق منصور ساده
73212
تعديل الاسم والتعريف بصاحب الاستفسار،
626713
wikitext
text/x-wiki
{{رأس الميدان}}{{صندوق أرشيف آلي|ويكي مصدر:الميدان|2006}}
<!-- المداخلات تحت هذا السطر. لا تعدل هذا السطر وما قبله. -->
== مهمة بوتية: المستخدمون الأنشط في الشهر مع توزيع أوسمة ==
أقترح صفحة إحصائيات بالمستخدمين الأنشط في الشهر مع توزيع أوسمة على غرار صفحة ويكيبديا الإسبوعية، وتكون ل:
* عدد إنشاء الصفحات.
* عدد المساهمات.
وذلك لأول 3 مراكز. أريد آراءكم في الموضوع. [[User:حبيشان|حبيشان]]<sup>('''[[نقاش المستخدم:حبيشان|ن]]''')</sup> 16:35، الأربعاء 19 رمضان 1446هـ (+3) 13:35، 19 مارس 2025 (ت ع م)
:مرحبا {{ر|حبيشان}} هل من أمثلة؟ [[مستخدم:أبو هشام|أبو هشام]] 02:01، 20 مارس 2025 (ت ع م)
:{{أتفق}} فقط لو امكن .التمييز حسب النطاقات يعني انشاء الصفحات في النطاق الرئيس + الفهرس + القوالب من جهة ونطاق الصفحة من جهة أخرى
:اضافة تصحيح وتدقيق الصفحات
:تحياتي [[مستخدم:Nehaoua|Nehaoua]] ([[نقاش المستخدم:Nehaoua|نقاش]]) 18:45، 21 مارس 2025 (ت ع م)
::مرحبا @[[مستخدم:Nehaoua|Nehaoua]]، لما التميز حسب النطاقات؟ تحياتي [[مستخدم:NANöR|NANöR]] ([[نقاش المستخدم:NANöR|نقاش]]) 22:01، 21 مارس 2025 (ت ع م)
:::مرحبًا @[[مستخدم:NANöR|NANöR]] انشاء الصفحات في نطاق "صفحة" أمر يسير ويكاد يكون آليًا "لو كان الملف له طبقة نصوص مسبقة لصار الأمر أكثر سهولة"، أيضا تعليم الصفحات دون نص أيسر كذلك، لكن انشاء فهرس أو قالب أو صفحة في النطاق العمل يتطلب مجهودًا (مطالعة الكتاب للترقيم، والفصل لإنشاء القوالب والفصول) تحياتي [[مستخدم:Nehaoua|Nehaoua]] ([[نقاش المستخدم:Nehaoua|نقاش]]) 22:10، 21 مارس 2025 (ت ع م)
* {{لا أتفق}} مع فكرة توزيع الأوسمة آلياً وروتينياً. برأيي، الأوسمة يقدمها مستخدم ما لمستخدم آخر حسب ما يرى مناسباً وفق تقديره الشخصي.
: وفي الوقت نفسه {{أتفق}} مع ضرورة تمييز المساهمات حسب النطاق، بما في ذلك للأسباب التي ذكرها الأخ @[[مستخدم:Nehaoua|Nehaoua]]. فمهمة إنشاء الصفحات قابلة للأتمتة، وإذا لم تكن مساهمة المستخدم تزيد على مجرد النقر على زر التعرف الضوئي دون قراءة النص الناتج فهي لا تتعدى العمل الآلي، ولو أنها تحتاج إلى بعض الجهد. ومثال على العمل الذي يشبه عمل البوت ما رأيته هنا مؤخراً حين امتلأت الصفحات بأحرف لاتينية لا معنى لها. وقد جربت في إحدى تلك الصفحات النقر على زر التعرف فتحول النص إلى عربي معقول. --[[مستخدم:Lanhiaze|Lanhiaze]] ([[نقاش المستخدم:Lanhiaze|نقاش]]) 10:50، 22 مارس 2025 (ت ع م)
::@[[مستخدم:Lanhiaze|Lanhiaze]] الإحصائيات والأوسمة ستكون مشابهة للمهمة في ويكيبيديا مثل [[w:ويكيبيديا:مستخدمو الأسبوع الأكثر نشاطا/الأسبوع ال١٠ ٢٠٢٥]]، يعني رأيك أن تكون هناك إحصائيات شهرية فقط بدون توزيع أوسمة، بهذا لن يكون هناك تنافس يشجع المستخدمين على النشاط. [[User:حبيشان|حبيشان]]<sup>('''[[نقاش المستخدم:حبيشان|ن]]''')</sup> 14:43، السبت 22 رمضان 1446هـ (+3) 11:43، 22 مارس 2025 (ت ع م)
:::{{ر|حبيشان}}، هناك ما يسمى [[w:قانون غودهارت|قانون غودهارت]]، وصميمه هو أنك عندما تجعل مشعراً أو مقياساً ما هدفاً ينبغي السعي إليه لا يعود هذا المشعر أو المقياس ذا قيمة لأنه يصبح هدفاً بحد ذاته. إذا جعلت عدد المساهمات مقياساً للنشاط سوف يسعى من تهمه المنافسة إلى حفظ كل تعديل على الصفحة ليسجَّل مساهمة منفصلة مثلاً فيزداد عدد التعديلات، ولا يسعى إلى الجودة النهائية. وأعتقد أن أساس العمل في المشاريع التطوعية هو التعاون لا التنافس، بل أن التنافس قد يؤدي إلى إيذاء العمل في المشروع.
:::وأنا مثلاً ساهمت في ويكيبيديا بنشاط بحساب غير هذا الحساب قبل أن يكون فيها قائمة بأنشط المستخدمين، وعندما ظهرت قائمة الويكيبيديين الخمسمئة الأنشط كنت في عُشرها الأعلى، إلا أن مساهمتي لم تكن من أجل هذا بل من أجل ويكيبيديا نفسها. وهنا أيضاً أفعل ما يتيسر لي بما أرى فيه فائدة للمشروع (أغلبه تعديلات صيانة لا إضافة مضمون جديد)، ولو أنني خامل نسبياً في الفترة الأخيرة، ربما لأنني كنت أشعر سابقاً أنني أكاد أكون الوحيد هنا، أما الآن فلم أعد وحيداً، وصار هنا من يقومون بأعمال التحرير والإدارة. [[مستخدم:Lanhiaze|Lanhiaze]] ([[نقاش المستخدم:Lanhiaze|نقاش]]) 13:36، 22 مارس 2025 (ت ع م)
::::@[[مستخدم:Lanhiaze|Lanhiaze]] مع اتفاقي على وجود هذه السلبيات في نظام الأوسمة الآلية لكن أرى أن إيجابياته تطغى على هذه السلبيات حيث ينشط بعض المستخدمين الذين لا يهدفون أصلا لتحقيق مركز شهري في الأوسمة حين يكافئون ببعضها، إلى جانب من يهدفون إليها أيضا، ووجود عدد مراجعات غير ضرورية يمكن أن يعالج بتنبيه المستخدمين. [[User:حبيشان|حبيشان]]<sup>('''[[نقاش المستخدم:حبيشان|ن]]''')</sup> 14:16، الثلاثاء 25 رمضان 1446هـ (+3) 11:16، 25 مارس 2025 (ت ع م)
* وتعقيب آخر: لا أرى فائدة كبيرة في إنشاء كمي لتصنيفات فارغة (حسب سنة الميلاد أو الوفاة على سبيل المثال). ربما يمكن تكليف بوت بأن يتابع صفحة [[خاص:تصنيفات مطلوبة|التصنيفات المطلوبة]] دورياً ويكتشف بينها التصنيفات وفق الميلاد أو الوفاة وينشئها بين حين وآخر مع تصنيفاتها وقوالبها. وكذلك تنشأ في الفترة الأخيرة قوالب عديدة بلا أدنى توثيق، وهذه لا يمكن أن تفيد إلا من أنشأها، أي أن فائدتها للمشروع محدودة؛ فمن أنشأها قد يترك المساهمة بعد أشهر أو سنوات، وقد ينشئ غيره قوالب مماثلة دون أن يعرف أن القالب المطلوب موجود بالفعل. كل قالب يجب أن يرافقه توثيق يشرح الغرض من القالب وطريقة عمله مع أمثلة كافية لكل متغيراته بشكل واضح. --[[مستخدم:Lanhiaze|Lanhiaze]] ([[نقاش المستخدم:Lanhiaze|نقاش]]) 11:01، 22 مارس 2025 (ت ع م)
* أرجو مطالعة النتائج في [[ويكي مصدر:المستخدمون الأنشط في الشهر]].--[[User:حبيشان|حبيشان]]<sup>('''[[نقاش المستخدم:حبيشان|ن]]''')</sup> 14:50، السبت 29 رمضان 1446هـ (+3) 11:50، 29 مارس 2025 (ت ع م)
*:مرحبًا @[[مستخدم:حبيشان|حبيشان]] جيدة جدًا، يمكن تحديد اسم الشهر مثلًا فبراير 2025، في النص والملخص ليمكن العودة لها مستقبلًا تحياتي [[مستخدم:Nehaoua|Nehaoua]] ([[نقاش المستخدم:Nehaoua|نقاش]]) 22:17، 29 مارس 2025 (ت ع م)
== النطاق المناسب لصفحات محتويات فهرس ==
أرى أن وضع المحتويات في نطاق (قالب) ليس سلوكا مستحسنا وأن الأفضل وضعها في صفحة فرعية من الفهرس نفسه مثلا: [[:قالب:محتويات نساء الخلفاء (دار المعارف، 1950)]] تكون في [[فهرس:نساء الخلفاء.pdf/محتويات]] وهذا يفيدنا في أمور
# سهولة الوصولة إلى صفحة المحتويات بصيغة موحدة.
# سهولة صيانة متعلقات الفهرس لأن المحتويات صفحة فرعية منه، وهذا يفيد في حالة النقل أو الحذف، بينما يمكن أن يحذف الفهرس أو ينقل ويغفل عن صفحة المحتويات لأنها في نطاق قالب.
# نطاق قالب موضوع أصلا للمكونات الصفحات التي تضمن كثيرا، بينما المحتويات غالبا لا تضمن أكثر من مرتين
# عدم مزاحمة القوالب في الظهور في الأدوات التي تسهل إدارج القوالب في الصفحات.
# تجنب الإرباك في الصيانة حيث هذه الصفحات ليس لها توثيق، ولا بيانات قالب.
[[User:حبيشان|حبيشان]]<sup>('''[[نقاش المستخدم:حبيشان|ن]]''')</sup> 17:07، الجمعة 13 شوال 1446هـ (+3) 14:07، 11 أبريل 2025 (ت ع م)
:{{تعليق}}شكرا @[[مستخدم:حبيشان|حبيشان]] لتوضيح الأمر. أعتقد أفضل للبحث مثلما ذكرت أن تكون في صفحة فرعية من الفهرس. لكن لما إنشاء صفحات جديدة بدل الكتابة في جدول المحتويات في الفهرس؟ تحياتي [[مستخدم:NANöR|NANöR]] ([[نقاش المستخدم:NANöR|نقاش]]) 07:53، 12 أبريل 2025 (ت ع م)
:{{تعليق}} @[[مستخدم:حبيشان|حبيشان]]، الفكرة جيدة والحجج لصالحها معقولة. هناك نقطة تقنية طفيفة، وهي ألا ينسى المستخدمون إدراج نقطتين قبل اسم الصفحة، مثلاً <code><nowiki>{{:فهرس:كذا.pdf/محتويات}}</nowiki></code>. --[[مستخدم:Lanhiaze|Lanhiaze]] ([[نقاش المستخدم:Lanhiaze|نقاش]]) 13:40، 12 أبريل 2025 (ت ع م)
::مرحبًا @[[مستخدم:Lanhiaze|Lanhiaze]] شكرًا لك، غابت عني هذه المعلومة لذا استعملت نطاق القالب، شكرًا مرة أخرى [[مستخدم:Nehaoua|Nehaoua]] ([[نقاش المستخدم:Nehaoua|نقاش]]) 19:58، 25 أبريل 2025 (ت ع م)
:مرحبًا @[[مستخدم:حبيشان|حبيشان]] فكرة جيدة، المهم أن نتفق على صيغة موحدة تحياتي [[مستخدم:Nehaoua|Nehaoua]] ([[نقاش المستخدم:Nehaoua|نقاش]]) 19:23، 25 أبريل 2025 (ت ع م)
::برأيي صيغة <code><nowiki>.../محتويات</nowiki></code> مقبولة. أي بلا ال التعريف على سبيل المثال (أرجو نقل [[فهرس:تاريخ طرابلس الغرب (المطبعة السلفية، 1349هـ)/المحتويات|هذه الصفحة]]). كما لاحظت أن هذه الصيغة لا تنشئ صفحة فرعية بل صفحة عادية في نطاق الفهرس، والذي على ما يبدو لا يقبل إنشاء الصفحات الفرعية، بدليل أن الصفحة الفرعية لا يوجد في أعلاها وصلة إلى الصفحة الأساسية! [[مستخدم:Lanhiaze|Lanhiaze]] ([[نقاش المستخدم:Lanhiaze|نقاش]]) 20:44، 25 أبريل 2025 (ت ع م)
:::@[[مستخدم:Lanhiaze|Lanhiaze]] في الواقع الصفحة المذكورة غير دقيقة، الأصل أن تكون بعنوان الكتاب ملحقًا بامتداد الملف <code>.pdf</code>، والنطاق يقبل الصفحات الفرعية، لاحظ مثلا الوصلة في النقاش أعلاه: [[فهرس:نساء الخلفاء.pdf/محتويات]].
:::أدعم الخيار <code>/محتويات</code>، وربما يمكننا أن نقترح في فبريكاتور إنشاء وصلة فرعية لها «تظهر إن كانت متوفرة» على غرار صفحة الأنماط، تحياتي --[[مستخدم:Mdktb|Mdktb]] ([[نقاش المستخدم:Mdktb|نقاش]]) 13:51، 8 مايو 2026 (ت ع م)
== إضافة اللغة العربية إلى المتعرف الضوئي كراكن ==
{{تابع في|T403346}}
بالنسبة للغة العربية لا يوجد متعرف ضوئي يدعم اللغة العربية في ويكيميديا غير متعرف جوجل، تبثت المؤسسة متعرف جديد اسمه [https://kraken.re kraken] على موقع متعرف تحت التجربة في https://kraken-ocr.wmcloud.org/ لكن للأسف لم يُثبت أي نموذج تعرف عربي في الموقع المذكور، طلبت في المهمة أعلاه تثبيت نموذجين عربيين لتجربة المتعرف الجديد وتوسع خيارات التعرف العربية.
أرجو إبداء رأيكم في المهمة هنا أو في المهمة نفسها. [[User:حبيشان|حبيشان]]<sup>('''[[نقاش المستخدم:حبيشان|ن]]''')</sup> 11:10، الأربعاء 18 ربيع الأول 1447هـ (+3) 08:10، 10 سبتمبر 2025 (ت ع م)
:مرحبًا @[[مستخدم:حبيشان|حبيشان]]، تنبّه أحد المطورين للمهمة وأضاف النماذج، لكن يبدو أن النتيجة ليست كما هو مأمول، جربتها مع عدّة صور ولم أحصل على أي نتيجة مقبولة، جربهّا إن أمكنك، والزميل المطوّر ينتظر اختبارنا لما قام به، تحياتي --[[مستخدم:Mdktb|Mdktb]] ([[نقاش المستخدم:Mdktb|نقاش]]) 00:31، 8 مايو 2026 (ت ع م)
:<u>ملاحظة أخرى:</u> طلبت في هذه [[phab:T424543|التذكرة]] منذ مدة قصيرة إضافة أحد النماذج التي تدعم العربية لـ Transkribus، وجدته أفضل الموجود نوعًا ما، بعض التجارب كانت مقبولة، تحياتي --[[مستخدم:Mdktb|Mdktb]] ([[نقاش المستخدم:Mdktb|نقاش]]) 00:40، 8 مايو 2026 (ت ع م)
::@[[مستخدم:Mdktb|Mdktb]] أشكرك على المتابعة والاقتراحات، أظن أن هناك خطأ ما في تثبيت نموذج كراكن لأن سبق تجربته من أحد المشاريع وأعطى نتائج جيدة، بينما الآن لا يكاد تخرج من كلمة صحيحة. [[User:حبيشان|حبيشان]]<sup>('''[[نقاش المستخدم:حبيشان|ن]]''')</sup> 22:59، السبت 22 ذو القعدة 1447هـ (+3) 19:59، 9 مايو 2026 (ت ع م)
== مهمة بوتية للتصانيف ==
بعض التصانيف في ويكي مصدر تحوي وصلات ربط انترويكي لنسخ اللغات والمشاريع الأخرى، وهذه الوصلات قد استُغني عنها بالربط في ويكي بيانات، فالمطلوب مهمة بوتية لحذف هذه الوصلات وتهجيرها إلى ويكي بيانات/، كما نحتاج بين الفينة والأخرى مهمة نقل التصانيف الآلي عبر البوت كما في ويكيبيديا، وأنا أرشح للمهمتين بوت المهندس المبدع @[[مستخدم:Mr. Ibrahem|Mr. Ibrahem]] حيث قد عمل هذه المهام سابقا في ويكيبيديا بكفاءة عالية. [[User:حبيشان|حبيشان]]<sup>('''[[نقاش المستخدم:حبيشان|ن]]''')</sup> 16:32، الأحد 29 ربيع الأول 1447هـ (+3) 13:32، 21 سبتمبر 2025 (ت ع م)
:@[[مستخدم:Mr. Ibrahem|Mr. Ibrahem]] أرجو قبول المهمة، حيث لا اعتراض عليها. [[User:حبيشان|حبيشان]]<sup>('''[[نقاش المستخدم:حبيشان|ن]]''')</sup> 17:23، الخميس 10 ربيع الآخر 1447هـ (+3) 14:23، 2 أكتوبر 2025 (ت ع م)
== [[مؤلف:رضوان الشهال]] ==
المؤلف توفي في ١٩٨٨، وهذا يعني أن أعماله تؤول إلى الملك العام في لبنان بعد خمسين سنة من وفاته، أي في ٢٠٣٩،أليس كذلك؟ إن كان حسابي صحيحاً، فلا يجوز نشر أعماله الآن. [[مستخدم:Lanhiaze|Lanhiaze]] ([[نقاش المستخدم:Lanhiaze|نقاش]]) 22:13، 25 يونيو 2026 (ت ع م)
أما بالنسبة للملف في كومنز، ففي الولايات المتحدة، حسب ما أفهم قانونها، ستبقى أعماله محمية سبعين سنة بعد وفاته، أي لن يمكن رفعه إلى هناك حتى سنة ٢٠٥٩. --[[مستخدم:Lanhiaze|Lanhiaze]] ([[نقاش المستخدم:Lanhiaze|نقاش]]) 22:23، 25 يونيو 2026 (ت ع م)
== الترحيل إلى بارسويد ==
<section begin="announcement-content" />
<em>[[m:Special:MyLanguage/Wikimedia Foundation/Product and Technology/Parsoid Read Views/Read View Announcement|طالعها بلغة أخرى]]</em>
<div class="mw-translate-fuzzy">
مرحبا بكم. يسرني أن أبلغكم أن الخطوة التالية من مشروع [[mw:Special:MyLanguage/Parsoid/Parser Unification|توحيد المحلل اللغوي]] وهي باروسيد «Parsoid» سوف تفعّل قريبا لتصير عارض المقالات الافتراضي على موقعكم الويكي $wiki. نزيد تدريجيا عدد مواقع الويكي التي تستعين ببارسويد وغرضنا من ذلك أن يصير المحلل اللغوي الافتراضي لنصوص الويكي لإصدار دعم برمجيات ميدياويكي طويل الأجل القادم. سوف يزيد هذا من مستوى جدارة مواقعنا الويكي واتساقها للمحررين والقراء واستخدام الأدوات وكذا تيسير تصميم سمات نصوص الويكي القادمة وتطويرها برمجيا.
</div>
لو تسبب هذا في تعطيل تدفق عملكم، لا تجزعوا! يمكنكم إلغاء التفعيل مستخدمين واحد من تفضيلات المستخدم أو وقف بارسويد على الصفحة الحالية مستخدمين قائمة «الأدوات» الفرعية، كما هو مبيّن في توثيق [[mw:Special:MyLanguage/Help:Extension:ParserMigration|امتداد:ترحيل بارسويد]].
ثمة [[mw:Special:MyLanguage/Parsoid/Parser Unification/Confidence Framework|المزيد من المعلومات المتاحة عن خطة النشر]]، تشتمل على أعمال الاختبار الواجب إجرائها قبل تشغيل باروسيد على أي موقع ويكي.
إن أردتم الإبلاغ عن أعطال برمجية أو مشاكل، يرجى الاطلاع على أعمال توثيق [[mw:Special:MyLanguage/Parsoid/Parser Unification/Known Issues|المشاكل المعروفة]] ولو عثرتم على عطل برمجي جديد يرجى إنشاء تذكرة فبريكاتور ووسم [[phab:project/view/5846|فريق تحويل المحتوى على فبريكاتور]].
<section end="announcement-content" />
[[mw:User:MSantos (WMF)|Content Transform Team]] 16:31، 3 أغسطس 2026 (ت ع م)
<!-- الرسالة التي أرسلها User:MSantos (WMF)@metawiki باستخدام القائمة في https://meta.wikimedia.org/w/index.php?title=Distribution_list/Global_message_delivery/Wikisource&oldid=28221043 -->
== نتائج مسابقة التراث المفتوح في ويكي مصدر ==
السلام عليكم ورحمة الله،
يسعدنا إعلامكم بنتيجة [[m:Event:Open_Heritage-Islamic_Civilization_Contest|'''مسابقة التراث المفتوح في ويكي مصدر''']]، والتي أدت لإضافة وتدقيق '''قرابة ألف صفحة''' إلى مشروع ويكي مصدر والتي حصل فيها على المراتب الثلاثة الأولى
<nowiki>*</nowiki> '''المرتبة الأولى: الزميل RASHEEDYE بمعدل 2430 نقطة.'''
<nowiki>*</nowiki> '''المرتبة الثانية: الزميل ماهر الماهر بمعدل 2240 نقطة.'''
<nowiki>*</nowiki> '''المرتبة الثالثة: الزميل origamos بمعدل 1470 نقطة.'''
نتوجه بجزيل الشكر لجميع من ساهم بإنجاز هذه المسابقة من مشاركين والمحكمين الأساتذة الكرام الزملاء '''Nehaoua''' و '''ميشيل بكني.''' [[مستخدم:SanBonne|SanBonne]] ([[نقاش المستخدم:SanBonne|نقاش]]) 14:48، 21 أغسطس 2026 (ت ع م)
== مستخدمة جديدة وأرغب في المساهمة ==
السلام عليكم، أنا مستخدمة جديدة في ويكي مصدر، وأرغب في التطوع والمساهمة في تصحيح وتنسيق النصوص والكتب. ليس لدي خبرة سابقة في ويكي مصدر، وأتمنى أن يساعدني أحد من المساهمين في معرفة كيفية البدء والمشاركة في المجتمع. شكرًا لكم. [[مستخدم:Rask 56|Rask 56]] ([[نقاش المستخدم:Rask 56|نقاش]]) 15:25، 23 أغسطس 2026 (ت ع م)
== تبديل المخدم - موقعك الويكي سوف يصبح للقراءة فقط قريبًا لبرهة ==
<section begin="server-switch"/><div class="plainlinks">
[[:m:Special:MyLanguage/Tech/Server switch|اقرأ هذه الرسالة بلغة أخرى]] • [https://meta.wikimedia.org/w/index.php?title=Special:Translate&group=page-Tech%2FServer+switch&language=&action=page&filter= {{int:please-translate}}]
سوف تبدّل [[foundation:|مؤسسة ويكيميديا]] وجهة حركة زيارات مواقعها بين مراكز بياناتها. وذلك للتأكد من أن ويكيبيديا ومواقع الويكي الأخرى التابعة لويكيميديا ستظل متصلة بالإنترنت حتى بعد وقوع كارثة.
سوف تنتقل حركة البيانات كلها يوم '''{{#time:j xg|2026-09-23|ar}}'''. سوف يبدأ الاختبار الساعة '''[https://zonestamp.toolforge.org/{{#time:U|2026-09-23T14:00|en}} {{#time:H:i e|2026-09-23T14:00}}]'''.
وللأسف، وبسبب بعض القيود على [[mw:Special:MyLanguage/Manual:What is MediaWiki?|ميدياويكي]]، سيتعين وقف أعمال التحرير كافة بينما ينفذ هذا الانتقال. ونحن نعتذر عن هذا الانقطاع، وسنعمل على تقليل حدوثه في المستقبل.
سوف يعرض إعلان بذلك على مواقع الويكي كافة قبل 30 دقيقة من بدء العمل. سيظل هذا البانر معروضًا حتى نهاية العمل.
يمكنكم المساهمة في [https://meta.wikimedia.org/w/index.php?title=Special%3ATranslate&group=Centralnotice-tgroup-read_only_banner&task=view&language=&filter=&action=translate جهود ترجمة أو تنقيح] نص هذا البانر.
'''سيمكنكم القراءة، ولكن لا يمكنكم التعديل، على كل مواقع الويكي لفترة قصيرة من الزمن.'''
* لن يمكنكم التعديل لمدة قد تصل إلى ساعة واحدة يوم {{#time:l j xg Y|2026-09-23|ar}}.
* إذا حاولتم تعديل أو حفظ أي شيء في تلك الأوقات، فسوف ترون رسالة خطأ. نأمل أن لا تضيع أية تعديلات خلال تلك الدقائق، ولكن لا يسعنا أن نضمن ذلك. إذا رأيتم رسالة الخطأ، يرجى الانتظار حتى يعود كل شيء إلى سابق عهده. وبالتالي ستقدرون على حفظ التعديلات. ولكن، من المستحسن أن تنسخوا تعديلاتكم قبل إرسالها، على سبيل الاحتياط.
''الآثار الأخرى'':
* الأعمال في الخلفية ستكون بطيئة وبعضها قد يتوقف. قد لا تحدث الروابط الشبكية الحمراء بالسرعة المعتادة. لو أنشأتم مقالة مربوطة بالفعل بمكان آخر، سيظل الرابط الشبكي أحمر اللون لفترة أطول من المعتاد. كما سنضطر لوقف بعض النصوص البرمجية طويلة الأجل.
* نتوقع تنفيذ الكود كما هو معتاد في أي أسبوع. إلا أنه ربما تحدث حالات منفردة من تجميد الكود البرمجي في أوقات معينة لو تطلب الأمر ذلك بعد الانتهاء من العمل.
* سيكون [[mw:Special:MyLanguage/GitLab|معمل غت (GitLab)]] غير متاح لحوالي 90 دقيقة.
قد يتأجل هذا المشروع لو تطلب الأمر ذلك. يمكنكم [[wikitech:Switch_Datacenter|الاطلاع على الجدول الزمني المحدد على wikitech.wikimedia.org]] سوف نعلن عن أية تغييرات على هذا الجدول.
'''يرجى مشاركة هذه المعلومات مع مجتمعكم.'''</div><section end="server-switch"/>
[[m:user:Trizek (WMF)|Trizek (WMF)]] 12:58، 15 سبتمبر 2026 (ت ع م)
<!-- الرسالة التي أرسلها User:Trizek (WMF)@metawiki باستخدام القائمة في https://meta.wikimedia.org/w/index.php?title=Distribution_list/Non-Technical_Village_Pumps_distribution_list&oldid=30513874 -->
== Your feedback wanted: Remove ''(Language link added:) and similar'' edits from Special:RecentChanges ==
''(Apologies for posting in English. You can help by translating it)''
Hello, I’m Danny from [[:en:w:Wikimedia_Deutschland|Wikimedia Deutschland’s]] [[m:Wikidata_For_Wikimedia_Projects|Wikidata For Wikimedia Projects]] team.<br/>
We have been investigating and examining how Wikidata’s use in the [[Special:RecentChanges]] and [[Special:Watchlist]] pages can be made to be more useful, or less ‘noisy’ (fewer edits that have little value to the reader).
We are currently exploring to make a change in the volume and the type of Wikidata edits that appear in these pages, and '''we need your feedback''' to help us ensure this is a positive change for the Wikis and won’t disrupt your workflows.<br/>
Language links are also known as sitelinks or interlanguage links and describe when a Wikidata item is connected to a Wiki, adding it to the language dropdown tool for other connected Wikis.
[[File:Types of Lang Link changes.png|x350px|frame|A variety of "Language Link" edits as seen in the Recent Changes feed]]
The request for feedback is whether you support the removal of these language link edits from the Recent Changes and Watchlist feed, or would you oppose such a change and if so, why?
Please share you thoughts on the dedicated '''[[m:Talk:Wikidata_For_Wikimedia_Projects/Clearer_Wikidata_Edit_Summaries/Hide_Language_Link_edits|metawiki Talk page]]'''.
Further information about this change: [[m:Wikidata_For_Wikimedia_Projects/Clearer_Wikidata_Edit_Summaries/Hide_Language_Link_edits|m:Wikidata_For_Wikimedia_Projects/Hide_Language_Link_edits]]
Thank you for any participation or feedback you give, -- [[m:User:Danny_Benjafield_(WMDE)|User:Danny Benjafield (WMDE)]] 12:18، 25 سبتمبر 2026 (ت ع م)
<!-- الرسالة التي أرسلها User:Danny Benjafield (WMDE)@metawiki باستخدام القائمة في https://meta.wikimedia.org/w/index.php?title=User:Danny_Benjafield_(WMDE)/MassMessage_test_list&oldid=31080967 -->
== استخدام أحرف يونيكودية تطابق الرسم المغربي في المشروع ==
الزملاء المشاركين في [[فهرس:كشف الأستار عن علم حروف الغبار (مخطوطة، 1851).djvu]] التزموا باستعمال حروف يونيكودية تطابق في رسمها الرسم المغربي، وأنا لا أتفق مع هذا الموقع يستعمل رمزا يونيكوديا وحيدا لكل حرف: فالفاء تكتب ف في أي مكان لو كانت في المخطوطة والأصل مكتوبة ڢ، والقاف أيضا ق لو كانت في الرسم الأصلي ڧ، وفلا بد من كتابة الحرف الصحيح وإن كان في أصل استعمل رسمًا يختلف عن الرسم الحالي الشائع. [[User:حبيشان|حبيشان]]<sup>('''[[نقاش المستخدم:حبيشان|ن]]''')</sup> 22:31، السبت 15 ربيع الآخر 1448هـ (+3) 19:31، 26 سبتمبر 2026 (ت ع م)
:إشارة إلى @[[مستخدم:JazarF|JazarF]] @[[مستخدم:~2026-44033-07|~2026-44033-07]] @[[مستخدم:~2026-51196-19|~2026-51196-19]] والإداريين @[[مستخدم:Nehaoua|Nehaoua]] @[[مستخدم:Lanhiaze|Lanhiaze]] @[[مستخدم:NANöR|NANöR]] [[User:حبيشان|حبيشان]]<sup>('''[[نقاش المستخدم:حبيشان|ن]]''')</sup> 22:35، السبت 15 ربيع الآخر 1448هـ (+3) 19:35، 26 سبتمبر 2026 (ت ع م)
::{{أتفق}}؛ مع جهلي بالأمور التقنية، أعتقد، يمكن تحقيق الرسم الصحيح عن طريق الإعدادات أو القوالب أو الأساليب مع إبقاء النص المستبطن للنص الظاهر بأحرف اليونيكود العربية العامة؛ أليس كذلك؟ مثلاً، كيف تحقق هذا في المصاحف الموجودة في ويكي مصدر؟ [[مستخدم:Lanhiaze|Lanhiaze]] ([[نقاش المستخدم:Lanhiaze|نقاش]]) 19:41، 26 سبتمبر 2026 (ت ع م)
:مصحف ورش صادر عن مجمع الملك فهد، مكتوب بطريقة قراءة القرآن المعروفة برواية ورش عن نافع وهي الرواية الشائعة في المغرب
:https://archive.org/details/20240512_20240512_1637/page/n605/mode/1up [[خاص:مساهمات/~2026-44033-07|~2026-44033-07]] ([[نقاش المستخدم:~2026-44033-07|نقاش]]) 19:45، 26 سبتمبر 2026 (ت ع م)
:مرحبًا @[[مستخدم:حبيشان|حبيشان]]، شكرًا لإثارة الموضوع، لا أجد فائدة في كتابة النص بالرسم المغربي أو غيره، الأصل هو تحويل الصفحات لنصوص مقروءة للكل ولتمكين استعمالها في البحث والتوثيق، لذا الجهد المبذول في المطابقة ليس له ناتج الا محاولة إحياء رسم لم يعد يستعمل حتى في بلده إلا للزخرفة. في الأخير نذكر بالأصل وهو إعادة كتابة النصوص بما يطابق الأصل من ناحية المحتوى، لكن ليس حتما بنفس الرسم والخط. تحياتي [[مستخدم:Nehaoua|Nehaoua]] ([[نقاش المستخدم:Nehaoua|نقاش]]) 20:55، 26 سبتمبر 2026 (ت ع م)
::يمكن اتباع الأسلوب المستخدم مع الحرف ſ، بحيث يُكتب النص في صفحة التحرير وفق رسمه الأصلي، ويُعرض للقارئ باستخدام الحرف s الشائع اليوم، كما في المثال التالي.
::*[[:en:Page:The Good Huswifes Jewell (Davies).pdf/3]]
::*[[:en:The good huswifes Jewell]]
:: [[خاص:مساهمات/~2026-44033-07|~2026-44033-07]] ([[نقاش المستخدم:~2026-44033-07|نقاش]]) 01:24، 27 سبتمبر 2026 (ت ع م)
::This template is for displaying the HTML entity for the long 's', Unicode character U+017F: ſ.
::{{Long s}} gives either a standard long 's' ( ſ ) or a standard letter "s".
:: '''[[:en:Template:Long s]]'''
:: [[خاص:مساهمات/~2026-44033-07|~2026-44033-07]] ([[نقاش المستخدم:~2026-44033-07|نقاش]]) 10:46، 27 سبتمبر 2026 (ت ع م)
::بحيث يكون كل من الحرف {{ڢ}} - {{ڧ}} - {{ں}} - {{ڡ}} - {{ٯ}} في صفحة التحرير فقط ويتم تحويلها في الصفحات للنصوص مقروءة [[خاص:مساهمات/~2026-44033-07|~2026-44033-07]] ([[نقاش المستخدم:~2026-44033-07|نقاش]]) 10:53، 27 سبتمبر 2026 (ت ع م)
:::مرحبًا، ما المقصود من كل هذا المجهود رغم أن المتغيرات في كتابة اللغة العربية لم يطرأ عليها تعديل كبير ولا يود اختلاف مهم بين مختلف الكتابات، كذلك المثال الذي ذكرته ربما هو بالإنجليزية الوسطى وكل تغيير قد يؤثر على النص، ربما أشاطرك الرأي في كتابة الهمزة التي تختلف بين المشرق والمغرب، وكذا المدود وجعل بعض الهمزات صامتة أو العكس (نكتب الارض بدلا من الأرض والأنبئاء بدل الأنبياء وغيرها) أما كتابة القاف والفاء والنون الأخيرة وما شابهها فهي رسم لا يغير شيء [[مستخدم:Nehaoua|Nehaoua]] ([[نقاش المستخدم:Nehaoua|نقاش]]) 18:00، 27 سبتمبر 2026 (ت ع م)
::::هذا حلٌّ وسط يحفظ رسم الحروف كما ورد في المخطوط للكاتب الذي تُوفّي عام 1486، وكما يُسهّل قراءتها بأشكالها المألوفة اليوم.
::::فالكاتب لم يكن بوسعه أن يتنبأ بالتطورات التقنية (يونيكودية، ويكي، HTML، PDF وغيرها) التي تتيح لنا عرض النص بأكثر من شكل، كما أننا لا نعلم كيف ستكون الحروف وطرق عرضها بعد ألف عام. [[خاص:مساهمات/~2026-44033-07|~2026-44033-07]] ([[نقاش المستخدم:~2026-44033-07|نقاش]]) 20:21، 27 سبتمبر 2026 (ت ع م)
::::{{اقتباس 2|ومں الله اسال الاعانة والارشاد الى سواء طريٯ التوڢيٯ والسداد ڢی هذه الدّنيا والمعاد واں يجعل ذلك مں الاعمال التی لا تنڧطع بالموت ولا يعڧب صاحبها حسرات الڢوت|}}
:::: أبو الحسن علي بن محمد بن علي القلصادي
:::: https://www.google.com/books/edition/Ka%C5%A1f_al_asr%C4%81r_%CA%BFan_%CA%BFilm_%E1%B8%A5ur%C5%ABf_al/emcygMNLGYMC?hl=en&gbpv=0
:::: [[خاص:مساهمات/~2026-44033-07|~2026-44033-07]] ([[نقاش المستخدم:~2026-44033-07|نقاش]]) 20:26، 27 سبتمبر 2026 (ت ع م)
:تم انشاء [[قالب:خط مغربي|قالب للخط مغربي]] ليحفظ رسم الحروف كما وردت في المخطوطة [[خاص:مساهمات/~2026-44033-07|~2026-44033-07]] ([[نقاش المستخدم:~2026-44033-07|نقاش]]) 06:04، 28 سبتمبر 2026 (ت ع م)
::لا أتفق مع حل القالب، لا بد من إدخال الرموز الصحيحة لأن هذا يعيق محركات البحث ويعيق القراءة، لكن يمكن إذا كان هناك خط مغربي مفتوح المصدر يمكن أن يدمج مع الكتاب ليظهر اختياريا بنفس الرسم مع الحفاظ على الرموز اليونيكودية العربية. [[User:حبيشان|حبيشان]]<sup>('''[[نقاش المستخدم:حبيشان|ن]]''')</sup> 14:09، الاثنين 17 ربيع الآخر 1448هـ (+3) 11:09، 28 سبتمبر 2026 (ت ع م)
:::مرحبًا @[[مستخدم:حبيشان|حبيشان]] {{مض|خط مغربي مفتوح المصدر}} هذا أحسن حل، وقد ذكرت أمرًا نسيته وهو البحث، فمجتمع ويكي مصدر يشكو أصلا من عدم فهرسة المحركات لصفحات ويكي مصدر أو عدم ابرازها أولا، وبوجود نصوص غير منشورة مسبقًا، ستكون حتما الأولوية لويكي مصدر لكن عدم وجود الرموز اليونيكودية العربية يجعل البحث دون نتيجة تحياتي [[مستخدم:Nehaoua|Nehaoua]] ([[نقاش المستخدم:Nehaoua|نقاش]]) 17:42، 29 سبتمبر 2026 (ت ع م)
== الآن قالب جدول محتويات يتعرف على صفحات المصدر تلقائيا ==
{{قا|جدول محتويات}} يتعرف تلقائيا على صفحات الكتاب pdf تلقائيا إذا أُغفل وسيط {{وسيط|معامل}} وضبطت في صفحة الفهرس، انظر مثالا [[صفحة:عشائر العراق 1.pdf/510]] [[User:حبيشان|حبيشان]]<sup>('''[[نقاش المستخدم:حبيشان|ن]]''')</sup> 14:13، الاثنين 17 ربيع الآخر 1448هـ (+3) 11:13، 28 سبتمبر 2026 (ت ع م)
:مرحبا @[[مستخدم:حبيشان|حبيشان]]، شكرا لهذا التحديث، لكن هل ما فهمته، ان القالب يستعمل مدخلات الصفحات وتقارن رقم الصفحة في الفهرس ويطابقها فهذا فعلا عمل عظيم، ومنه صار الوسيط معامل بلا فائدة تقريبا. تحياتي [[مستخدم:Nehaoua|Nehaoua]] ([[نقاش المستخدم:Nehaoua|نقاش]]) 19:22، 1 أكتوبر 2026 (ت ع م)
::@[[مستخدم:Nehaoua|Nehaoua]] نعم هذا هو، لأن بعض الكتب مثل عشائر العراق يتغير فيها المعامل وليس له قيمة ثابتة. [[User:حبيشان|حبيشان]]<sup>('''[[نقاش المستخدم:حبيشان|ن]]''')</sup> 23:01، الخميس 20 ربيع الآخر 1448هـ (+3) 20:01، 1 أكتوبر 2026 (ت ع م)
== Wikidata Sitelink changes in Recent Changes and Watchlist ==
''(Apologies for cross-posting in English, translating it will help spread the message)''
Editors on group 1 wikis, including Wikiquote, Wikibooks, Wikiversity, Wikivoyage, and Wikisource, will no longer see notifications on [[Special:RecentChanges|Recent Changes]] and [[Special:Watchlist|Watchlist]] when a link to ''another'' language version of a page is added, removed, or changed in its Wikidata item. This change will begin on '''October 5 at 07:00 UTC''' as a two-week trial to reduce high-volume, low-value notifications and make higher-value changes easier to identify. Editors who rely on these notifications should be aware of the change and can share feedback or concerns on the [[m:Wikidata For Wikimedia Projects/Clearer Wikidata Edit Summaries/Hide Language Link edits|project]] or [[m:Talk:Wikidata_For_Wikimedia_Projects/Clearer_Wikidata_Edit_Summaries/Hide_Language_Link_edits|talk page]].<br/>Please reach out if you have any questions, thank you! -- [[User:Danny_Benjafield_(WMDE)|Danny Benjafield (WMDE)]] ([[User_talk:Danny_Benjafield_(WMDE)|talk]]) sent via [[مستخدم:MediaWiki message delivery|MediaWiki message delivery]] ([[نقاش المستخدم:MediaWiki message delivery|نقاش]]) 12:42، 1 أكتوبر 2026 (ت ع م)
<!-- الرسالة التي أرسلها User:Danny Benjafield (WMDE)@metawiki باستخدام القائمة في https://meta.wikimedia.org/w/index.php?title=User:Danny_Benjafield_(WMDE)/MassMessage_test_list&oldid=31106967 -->
== استفسار عن شروط إضافة قصائد من تأليفي ==
السلام عليكم زملاء ويكي مصدر،
أنا صادق منصور ساده، المعروف باسم صادق العراقي والإعلامي صادق العراقي، وأكتب قصائد شعرية. أرغب في معرفة ما إذا كانت قصائدي تصلح للإضافة إلى ويكي مصدر، وما شروط النشر السابق والمصادر المقبولة والترخيص المطلوب لأعمال مؤلف ما زال على قيد الحياة.
أرجو إرشادي إلى الخطوات الصحيحة قبل إضافة أي قصيدة، وسأقدّم رابط النشر السابق للقصيدة التي أقترحها إن كانت منشورة.
شكرًا لتعاونكم. [[مستخدم:صادق منصور ساده|صادق منصور ساده]] ([[نقاش المستخدم:صادق منصور ساده|نقاش]]) 12:25، 4 أكتوبر 2026 (ت ع م)
j4u845hb21f1xjjfvbo458zq5q2kx5e
627491
626713
2026-10-04T20:45:57Z
حبيشان
52457
/* إضافة شكل الأرقام */ قسم جديد
627491
wikitext
text/x-wiki
{{رأس الميدان}}{{صندوق أرشيف آلي|ويكي مصدر:الميدان|2006}}
<!-- المداخلات تحت هذا السطر. لا تعدل هذا السطر وما قبله. -->
== مهمة بوتية: المستخدمون الأنشط في الشهر مع توزيع أوسمة ==
أقترح صفحة إحصائيات بالمستخدمين الأنشط في الشهر مع توزيع أوسمة على غرار صفحة ويكيبديا الإسبوعية، وتكون ل:
* عدد إنشاء الصفحات.
* عدد المساهمات.
وذلك لأول 3 مراكز. أريد آراءكم في الموضوع. [[User:حبيشان|حبيشان]]<sup>('''[[نقاش المستخدم:حبيشان|ن]]''')</sup> 16:35، الأربعاء 19 رمضان 1446هـ (+3) 13:35، 19 مارس 2025 (ت ع م)
:مرحبا {{ر|حبيشان}} هل من أمثلة؟ [[مستخدم:أبو هشام|أبو هشام]] 02:01، 20 مارس 2025 (ت ع م)
:{{أتفق}} فقط لو امكن .التمييز حسب النطاقات يعني انشاء الصفحات في النطاق الرئيس + الفهرس + القوالب من جهة ونطاق الصفحة من جهة أخرى
:اضافة تصحيح وتدقيق الصفحات
:تحياتي [[مستخدم:Nehaoua|Nehaoua]] ([[نقاش المستخدم:Nehaoua|نقاش]]) 18:45، 21 مارس 2025 (ت ع م)
::مرحبا @[[مستخدم:Nehaoua|Nehaoua]]، لما التميز حسب النطاقات؟ تحياتي [[مستخدم:NANöR|NANöR]] ([[نقاش المستخدم:NANöR|نقاش]]) 22:01، 21 مارس 2025 (ت ع م)
:::مرحبًا @[[مستخدم:NANöR|NANöR]] انشاء الصفحات في نطاق "صفحة" أمر يسير ويكاد يكون آليًا "لو كان الملف له طبقة نصوص مسبقة لصار الأمر أكثر سهولة"، أيضا تعليم الصفحات دون نص أيسر كذلك، لكن انشاء فهرس أو قالب أو صفحة في النطاق العمل يتطلب مجهودًا (مطالعة الكتاب للترقيم، والفصل لإنشاء القوالب والفصول) تحياتي [[مستخدم:Nehaoua|Nehaoua]] ([[نقاش المستخدم:Nehaoua|نقاش]]) 22:10، 21 مارس 2025 (ت ع م)
* {{لا أتفق}} مع فكرة توزيع الأوسمة آلياً وروتينياً. برأيي، الأوسمة يقدمها مستخدم ما لمستخدم آخر حسب ما يرى مناسباً وفق تقديره الشخصي.
: وفي الوقت نفسه {{أتفق}} مع ضرورة تمييز المساهمات حسب النطاق، بما في ذلك للأسباب التي ذكرها الأخ @[[مستخدم:Nehaoua|Nehaoua]]. فمهمة إنشاء الصفحات قابلة للأتمتة، وإذا لم تكن مساهمة المستخدم تزيد على مجرد النقر على زر التعرف الضوئي دون قراءة النص الناتج فهي لا تتعدى العمل الآلي، ولو أنها تحتاج إلى بعض الجهد. ومثال على العمل الذي يشبه عمل البوت ما رأيته هنا مؤخراً حين امتلأت الصفحات بأحرف لاتينية لا معنى لها. وقد جربت في إحدى تلك الصفحات النقر على زر التعرف فتحول النص إلى عربي معقول. --[[مستخدم:Lanhiaze|Lanhiaze]] ([[نقاش المستخدم:Lanhiaze|نقاش]]) 10:50، 22 مارس 2025 (ت ع م)
::@[[مستخدم:Lanhiaze|Lanhiaze]] الإحصائيات والأوسمة ستكون مشابهة للمهمة في ويكيبيديا مثل [[w:ويكيبيديا:مستخدمو الأسبوع الأكثر نشاطا/الأسبوع ال١٠ ٢٠٢٥]]، يعني رأيك أن تكون هناك إحصائيات شهرية فقط بدون توزيع أوسمة، بهذا لن يكون هناك تنافس يشجع المستخدمين على النشاط. [[User:حبيشان|حبيشان]]<sup>('''[[نقاش المستخدم:حبيشان|ن]]''')</sup> 14:43، السبت 22 رمضان 1446هـ (+3) 11:43، 22 مارس 2025 (ت ع م)
:::{{ر|حبيشان}}، هناك ما يسمى [[w:قانون غودهارت|قانون غودهارت]]، وصميمه هو أنك عندما تجعل مشعراً أو مقياساً ما هدفاً ينبغي السعي إليه لا يعود هذا المشعر أو المقياس ذا قيمة لأنه يصبح هدفاً بحد ذاته. إذا جعلت عدد المساهمات مقياساً للنشاط سوف يسعى من تهمه المنافسة إلى حفظ كل تعديل على الصفحة ليسجَّل مساهمة منفصلة مثلاً فيزداد عدد التعديلات، ولا يسعى إلى الجودة النهائية. وأعتقد أن أساس العمل في المشاريع التطوعية هو التعاون لا التنافس، بل أن التنافس قد يؤدي إلى إيذاء العمل في المشروع.
:::وأنا مثلاً ساهمت في ويكيبيديا بنشاط بحساب غير هذا الحساب قبل أن يكون فيها قائمة بأنشط المستخدمين، وعندما ظهرت قائمة الويكيبيديين الخمسمئة الأنشط كنت في عُشرها الأعلى، إلا أن مساهمتي لم تكن من أجل هذا بل من أجل ويكيبيديا نفسها. وهنا أيضاً أفعل ما يتيسر لي بما أرى فيه فائدة للمشروع (أغلبه تعديلات صيانة لا إضافة مضمون جديد)، ولو أنني خامل نسبياً في الفترة الأخيرة، ربما لأنني كنت أشعر سابقاً أنني أكاد أكون الوحيد هنا، أما الآن فلم أعد وحيداً، وصار هنا من يقومون بأعمال التحرير والإدارة. [[مستخدم:Lanhiaze|Lanhiaze]] ([[نقاش المستخدم:Lanhiaze|نقاش]]) 13:36، 22 مارس 2025 (ت ع م)
::::@[[مستخدم:Lanhiaze|Lanhiaze]] مع اتفاقي على وجود هذه السلبيات في نظام الأوسمة الآلية لكن أرى أن إيجابياته تطغى على هذه السلبيات حيث ينشط بعض المستخدمين الذين لا يهدفون أصلا لتحقيق مركز شهري في الأوسمة حين يكافئون ببعضها، إلى جانب من يهدفون إليها أيضا، ووجود عدد مراجعات غير ضرورية يمكن أن يعالج بتنبيه المستخدمين. [[User:حبيشان|حبيشان]]<sup>('''[[نقاش المستخدم:حبيشان|ن]]''')</sup> 14:16، الثلاثاء 25 رمضان 1446هـ (+3) 11:16، 25 مارس 2025 (ت ع م)
* وتعقيب آخر: لا أرى فائدة كبيرة في إنشاء كمي لتصنيفات فارغة (حسب سنة الميلاد أو الوفاة على سبيل المثال). ربما يمكن تكليف بوت بأن يتابع صفحة [[خاص:تصنيفات مطلوبة|التصنيفات المطلوبة]] دورياً ويكتشف بينها التصنيفات وفق الميلاد أو الوفاة وينشئها بين حين وآخر مع تصنيفاتها وقوالبها. وكذلك تنشأ في الفترة الأخيرة قوالب عديدة بلا أدنى توثيق، وهذه لا يمكن أن تفيد إلا من أنشأها، أي أن فائدتها للمشروع محدودة؛ فمن أنشأها قد يترك المساهمة بعد أشهر أو سنوات، وقد ينشئ غيره قوالب مماثلة دون أن يعرف أن القالب المطلوب موجود بالفعل. كل قالب يجب أن يرافقه توثيق يشرح الغرض من القالب وطريقة عمله مع أمثلة كافية لكل متغيراته بشكل واضح. --[[مستخدم:Lanhiaze|Lanhiaze]] ([[نقاش المستخدم:Lanhiaze|نقاش]]) 11:01، 22 مارس 2025 (ت ع م)
* أرجو مطالعة النتائج في [[ويكي مصدر:المستخدمون الأنشط في الشهر]].--[[User:حبيشان|حبيشان]]<sup>('''[[نقاش المستخدم:حبيشان|ن]]''')</sup> 14:50، السبت 29 رمضان 1446هـ (+3) 11:50، 29 مارس 2025 (ت ع م)
*:مرحبًا @[[مستخدم:حبيشان|حبيشان]] جيدة جدًا، يمكن تحديد اسم الشهر مثلًا فبراير 2025، في النص والملخص ليمكن العودة لها مستقبلًا تحياتي [[مستخدم:Nehaoua|Nehaoua]] ([[نقاش المستخدم:Nehaoua|نقاش]]) 22:17، 29 مارس 2025 (ت ع م)
== النطاق المناسب لصفحات محتويات فهرس ==
أرى أن وضع المحتويات في نطاق (قالب) ليس سلوكا مستحسنا وأن الأفضل وضعها في صفحة فرعية من الفهرس نفسه مثلا: [[:قالب:محتويات نساء الخلفاء (دار المعارف، 1950)]] تكون في [[فهرس:نساء الخلفاء.pdf/محتويات]] وهذا يفيدنا في أمور
# سهولة الوصولة إلى صفحة المحتويات بصيغة موحدة.
# سهولة صيانة متعلقات الفهرس لأن المحتويات صفحة فرعية منه، وهذا يفيد في حالة النقل أو الحذف، بينما يمكن أن يحذف الفهرس أو ينقل ويغفل عن صفحة المحتويات لأنها في نطاق قالب.
# نطاق قالب موضوع أصلا للمكونات الصفحات التي تضمن كثيرا، بينما المحتويات غالبا لا تضمن أكثر من مرتين
# عدم مزاحمة القوالب في الظهور في الأدوات التي تسهل إدارج القوالب في الصفحات.
# تجنب الإرباك في الصيانة حيث هذه الصفحات ليس لها توثيق، ولا بيانات قالب.
[[User:حبيشان|حبيشان]]<sup>('''[[نقاش المستخدم:حبيشان|ن]]''')</sup> 17:07، الجمعة 13 شوال 1446هـ (+3) 14:07، 11 أبريل 2025 (ت ع م)
:{{تعليق}}شكرا @[[مستخدم:حبيشان|حبيشان]] لتوضيح الأمر. أعتقد أفضل للبحث مثلما ذكرت أن تكون في صفحة فرعية من الفهرس. لكن لما إنشاء صفحات جديدة بدل الكتابة في جدول المحتويات في الفهرس؟ تحياتي [[مستخدم:NANöR|NANöR]] ([[نقاش المستخدم:NANöR|نقاش]]) 07:53، 12 أبريل 2025 (ت ع م)
:{{تعليق}} @[[مستخدم:حبيشان|حبيشان]]، الفكرة جيدة والحجج لصالحها معقولة. هناك نقطة تقنية طفيفة، وهي ألا ينسى المستخدمون إدراج نقطتين قبل اسم الصفحة، مثلاً <code><nowiki>{{:فهرس:كذا.pdf/محتويات}}</nowiki></code>. --[[مستخدم:Lanhiaze|Lanhiaze]] ([[نقاش المستخدم:Lanhiaze|نقاش]]) 13:40، 12 أبريل 2025 (ت ع م)
::مرحبًا @[[مستخدم:Lanhiaze|Lanhiaze]] شكرًا لك، غابت عني هذه المعلومة لذا استعملت نطاق القالب، شكرًا مرة أخرى [[مستخدم:Nehaoua|Nehaoua]] ([[نقاش المستخدم:Nehaoua|نقاش]]) 19:58، 25 أبريل 2025 (ت ع م)
:مرحبًا @[[مستخدم:حبيشان|حبيشان]] فكرة جيدة، المهم أن نتفق على صيغة موحدة تحياتي [[مستخدم:Nehaoua|Nehaoua]] ([[نقاش المستخدم:Nehaoua|نقاش]]) 19:23، 25 أبريل 2025 (ت ع م)
::برأيي صيغة <code><nowiki>.../محتويات</nowiki></code> مقبولة. أي بلا ال التعريف على سبيل المثال (أرجو نقل [[فهرس:تاريخ طرابلس الغرب (المطبعة السلفية، 1349هـ)/المحتويات|هذه الصفحة]]). كما لاحظت أن هذه الصيغة لا تنشئ صفحة فرعية بل صفحة عادية في نطاق الفهرس، والذي على ما يبدو لا يقبل إنشاء الصفحات الفرعية، بدليل أن الصفحة الفرعية لا يوجد في أعلاها وصلة إلى الصفحة الأساسية! [[مستخدم:Lanhiaze|Lanhiaze]] ([[نقاش المستخدم:Lanhiaze|نقاش]]) 20:44، 25 أبريل 2025 (ت ع م)
:::@[[مستخدم:Lanhiaze|Lanhiaze]] في الواقع الصفحة المذكورة غير دقيقة، الأصل أن تكون بعنوان الكتاب ملحقًا بامتداد الملف <code>.pdf</code>، والنطاق يقبل الصفحات الفرعية، لاحظ مثلا الوصلة في النقاش أعلاه: [[فهرس:نساء الخلفاء.pdf/محتويات]].
:::أدعم الخيار <code>/محتويات</code>، وربما يمكننا أن نقترح في فبريكاتور إنشاء وصلة فرعية لها «تظهر إن كانت متوفرة» على غرار صفحة الأنماط، تحياتي --[[مستخدم:Mdktb|Mdktb]] ([[نقاش المستخدم:Mdktb|نقاش]]) 13:51، 8 مايو 2026 (ت ع م)
== إضافة اللغة العربية إلى المتعرف الضوئي كراكن ==
{{تابع في|T403346}}
بالنسبة للغة العربية لا يوجد متعرف ضوئي يدعم اللغة العربية في ويكيميديا غير متعرف جوجل، تبثت المؤسسة متعرف جديد اسمه [https://kraken.re kraken] على موقع متعرف تحت التجربة في https://kraken-ocr.wmcloud.org/ لكن للأسف لم يُثبت أي نموذج تعرف عربي في الموقع المذكور، طلبت في المهمة أعلاه تثبيت نموذجين عربيين لتجربة المتعرف الجديد وتوسع خيارات التعرف العربية.
أرجو إبداء رأيكم في المهمة هنا أو في المهمة نفسها. [[User:حبيشان|حبيشان]]<sup>('''[[نقاش المستخدم:حبيشان|ن]]''')</sup> 11:10، الأربعاء 18 ربيع الأول 1447هـ (+3) 08:10، 10 سبتمبر 2025 (ت ع م)
:مرحبًا @[[مستخدم:حبيشان|حبيشان]]، تنبّه أحد المطورين للمهمة وأضاف النماذج، لكن يبدو أن النتيجة ليست كما هو مأمول، جربتها مع عدّة صور ولم أحصل على أي نتيجة مقبولة، جربهّا إن أمكنك، والزميل المطوّر ينتظر اختبارنا لما قام به، تحياتي --[[مستخدم:Mdktb|Mdktb]] ([[نقاش المستخدم:Mdktb|نقاش]]) 00:31، 8 مايو 2026 (ت ع م)
:<u>ملاحظة أخرى:</u> طلبت في هذه [[phab:T424543|التذكرة]] منذ مدة قصيرة إضافة أحد النماذج التي تدعم العربية لـ Transkribus، وجدته أفضل الموجود نوعًا ما، بعض التجارب كانت مقبولة، تحياتي --[[مستخدم:Mdktb|Mdktb]] ([[نقاش المستخدم:Mdktb|نقاش]]) 00:40، 8 مايو 2026 (ت ع م)
::@[[مستخدم:Mdktb|Mdktb]] أشكرك على المتابعة والاقتراحات، أظن أن هناك خطأ ما في تثبيت نموذج كراكن لأن سبق تجربته من أحد المشاريع وأعطى نتائج جيدة، بينما الآن لا يكاد تخرج من كلمة صحيحة. [[User:حبيشان|حبيشان]]<sup>('''[[نقاش المستخدم:حبيشان|ن]]''')</sup> 22:59، السبت 22 ذو القعدة 1447هـ (+3) 19:59، 9 مايو 2026 (ت ع م)
== مهمة بوتية للتصانيف ==
بعض التصانيف في ويكي مصدر تحوي وصلات ربط انترويكي لنسخ اللغات والمشاريع الأخرى، وهذه الوصلات قد استُغني عنها بالربط في ويكي بيانات، فالمطلوب مهمة بوتية لحذف هذه الوصلات وتهجيرها إلى ويكي بيانات/، كما نحتاج بين الفينة والأخرى مهمة نقل التصانيف الآلي عبر البوت كما في ويكيبيديا، وأنا أرشح للمهمتين بوت المهندس المبدع @[[مستخدم:Mr. Ibrahem|Mr. Ibrahem]] حيث قد عمل هذه المهام سابقا في ويكيبيديا بكفاءة عالية. [[User:حبيشان|حبيشان]]<sup>('''[[نقاش المستخدم:حبيشان|ن]]''')</sup> 16:32، الأحد 29 ربيع الأول 1447هـ (+3) 13:32، 21 سبتمبر 2025 (ت ع م)
:@[[مستخدم:Mr. Ibrahem|Mr. Ibrahem]] أرجو قبول المهمة، حيث لا اعتراض عليها. [[User:حبيشان|حبيشان]]<sup>('''[[نقاش المستخدم:حبيشان|ن]]''')</sup> 17:23، الخميس 10 ربيع الآخر 1447هـ (+3) 14:23، 2 أكتوبر 2025 (ت ع م)
== [[مؤلف:رضوان الشهال]] ==
المؤلف توفي في ١٩٨٨، وهذا يعني أن أعماله تؤول إلى الملك العام في لبنان بعد خمسين سنة من وفاته، أي في ٢٠٣٩،أليس كذلك؟ إن كان حسابي صحيحاً، فلا يجوز نشر أعماله الآن. [[مستخدم:Lanhiaze|Lanhiaze]] ([[نقاش المستخدم:Lanhiaze|نقاش]]) 22:13، 25 يونيو 2026 (ت ع م)
أما بالنسبة للملف في كومنز، ففي الولايات المتحدة، حسب ما أفهم قانونها، ستبقى أعماله محمية سبعين سنة بعد وفاته، أي لن يمكن رفعه إلى هناك حتى سنة ٢٠٥٩. --[[مستخدم:Lanhiaze|Lanhiaze]] ([[نقاش المستخدم:Lanhiaze|نقاش]]) 22:23، 25 يونيو 2026 (ت ع م)
== الترحيل إلى بارسويد ==
<section begin="announcement-content" />
<em>[[m:Special:MyLanguage/Wikimedia Foundation/Product and Technology/Parsoid Read Views/Read View Announcement|طالعها بلغة أخرى]]</em>
<div class="mw-translate-fuzzy">
مرحبا بكم. يسرني أن أبلغكم أن الخطوة التالية من مشروع [[mw:Special:MyLanguage/Parsoid/Parser Unification|توحيد المحلل اللغوي]] وهي باروسيد «Parsoid» سوف تفعّل قريبا لتصير عارض المقالات الافتراضي على موقعكم الويكي $wiki. نزيد تدريجيا عدد مواقع الويكي التي تستعين ببارسويد وغرضنا من ذلك أن يصير المحلل اللغوي الافتراضي لنصوص الويكي لإصدار دعم برمجيات ميدياويكي طويل الأجل القادم. سوف يزيد هذا من مستوى جدارة مواقعنا الويكي واتساقها للمحررين والقراء واستخدام الأدوات وكذا تيسير تصميم سمات نصوص الويكي القادمة وتطويرها برمجيا.
</div>
لو تسبب هذا في تعطيل تدفق عملكم، لا تجزعوا! يمكنكم إلغاء التفعيل مستخدمين واحد من تفضيلات المستخدم أو وقف بارسويد على الصفحة الحالية مستخدمين قائمة «الأدوات» الفرعية، كما هو مبيّن في توثيق [[mw:Special:MyLanguage/Help:Extension:ParserMigration|امتداد:ترحيل بارسويد]].
ثمة [[mw:Special:MyLanguage/Parsoid/Parser Unification/Confidence Framework|المزيد من المعلومات المتاحة عن خطة النشر]]، تشتمل على أعمال الاختبار الواجب إجرائها قبل تشغيل باروسيد على أي موقع ويكي.
إن أردتم الإبلاغ عن أعطال برمجية أو مشاكل، يرجى الاطلاع على أعمال توثيق [[mw:Special:MyLanguage/Parsoid/Parser Unification/Known Issues|المشاكل المعروفة]] ولو عثرتم على عطل برمجي جديد يرجى إنشاء تذكرة فبريكاتور ووسم [[phab:project/view/5846|فريق تحويل المحتوى على فبريكاتور]].
<section end="announcement-content" />
[[mw:User:MSantos (WMF)|Content Transform Team]] 16:31، 3 أغسطس 2026 (ت ع م)
<!-- الرسالة التي أرسلها User:MSantos (WMF)@metawiki باستخدام القائمة في https://meta.wikimedia.org/w/index.php?title=Distribution_list/Global_message_delivery/Wikisource&oldid=28221043 -->
== نتائج مسابقة التراث المفتوح في ويكي مصدر ==
السلام عليكم ورحمة الله،
يسعدنا إعلامكم بنتيجة [[m:Event:Open_Heritage-Islamic_Civilization_Contest|'''مسابقة التراث المفتوح في ويكي مصدر''']]، والتي أدت لإضافة وتدقيق '''قرابة ألف صفحة''' إلى مشروع ويكي مصدر والتي حصل فيها على المراتب الثلاثة الأولى
<nowiki>*</nowiki> '''المرتبة الأولى: الزميل RASHEEDYE بمعدل 2430 نقطة.'''
<nowiki>*</nowiki> '''المرتبة الثانية: الزميل ماهر الماهر بمعدل 2240 نقطة.'''
<nowiki>*</nowiki> '''المرتبة الثالثة: الزميل origamos بمعدل 1470 نقطة.'''
نتوجه بجزيل الشكر لجميع من ساهم بإنجاز هذه المسابقة من مشاركين والمحكمين الأساتذة الكرام الزملاء '''Nehaoua''' و '''ميشيل بكني.''' [[مستخدم:SanBonne|SanBonne]] ([[نقاش المستخدم:SanBonne|نقاش]]) 14:48، 21 أغسطس 2026 (ت ع م)
== مستخدمة جديدة وأرغب في المساهمة ==
السلام عليكم، أنا مستخدمة جديدة في ويكي مصدر، وأرغب في التطوع والمساهمة في تصحيح وتنسيق النصوص والكتب. ليس لدي خبرة سابقة في ويكي مصدر، وأتمنى أن يساعدني أحد من المساهمين في معرفة كيفية البدء والمشاركة في المجتمع. شكرًا لكم. [[مستخدم:Rask 56|Rask 56]] ([[نقاش المستخدم:Rask 56|نقاش]]) 15:25، 23 أغسطس 2026 (ت ع م)
== تبديل المخدم - موقعك الويكي سوف يصبح للقراءة فقط قريبًا لبرهة ==
<section begin="server-switch"/><div class="plainlinks">
[[:m:Special:MyLanguage/Tech/Server switch|اقرأ هذه الرسالة بلغة أخرى]] • [https://meta.wikimedia.org/w/index.php?title=Special:Translate&group=page-Tech%2FServer+switch&language=&action=page&filter= {{int:please-translate}}]
سوف تبدّل [[foundation:|مؤسسة ويكيميديا]] وجهة حركة زيارات مواقعها بين مراكز بياناتها. وذلك للتأكد من أن ويكيبيديا ومواقع الويكي الأخرى التابعة لويكيميديا ستظل متصلة بالإنترنت حتى بعد وقوع كارثة.
سوف تنتقل حركة البيانات كلها يوم '''{{#time:j xg|2026-09-23|ar}}'''. سوف يبدأ الاختبار الساعة '''[https://zonestamp.toolforge.org/{{#time:U|2026-09-23T14:00|en}} {{#time:H:i e|2026-09-23T14:00}}]'''.
وللأسف، وبسبب بعض القيود على [[mw:Special:MyLanguage/Manual:What is MediaWiki?|ميدياويكي]]، سيتعين وقف أعمال التحرير كافة بينما ينفذ هذا الانتقال. ونحن نعتذر عن هذا الانقطاع، وسنعمل على تقليل حدوثه في المستقبل.
سوف يعرض إعلان بذلك على مواقع الويكي كافة قبل 30 دقيقة من بدء العمل. سيظل هذا البانر معروضًا حتى نهاية العمل.
يمكنكم المساهمة في [https://meta.wikimedia.org/w/index.php?title=Special%3ATranslate&group=Centralnotice-tgroup-read_only_banner&task=view&language=&filter=&action=translate جهود ترجمة أو تنقيح] نص هذا البانر.
'''سيمكنكم القراءة، ولكن لا يمكنكم التعديل، على كل مواقع الويكي لفترة قصيرة من الزمن.'''
* لن يمكنكم التعديل لمدة قد تصل إلى ساعة واحدة يوم {{#time:l j xg Y|2026-09-23|ar}}.
* إذا حاولتم تعديل أو حفظ أي شيء في تلك الأوقات، فسوف ترون رسالة خطأ. نأمل أن لا تضيع أية تعديلات خلال تلك الدقائق، ولكن لا يسعنا أن نضمن ذلك. إذا رأيتم رسالة الخطأ، يرجى الانتظار حتى يعود كل شيء إلى سابق عهده. وبالتالي ستقدرون على حفظ التعديلات. ولكن، من المستحسن أن تنسخوا تعديلاتكم قبل إرسالها، على سبيل الاحتياط.
''الآثار الأخرى'':
* الأعمال في الخلفية ستكون بطيئة وبعضها قد يتوقف. قد لا تحدث الروابط الشبكية الحمراء بالسرعة المعتادة. لو أنشأتم مقالة مربوطة بالفعل بمكان آخر، سيظل الرابط الشبكي أحمر اللون لفترة أطول من المعتاد. كما سنضطر لوقف بعض النصوص البرمجية طويلة الأجل.
* نتوقع تنفيذ الكود كما هو معتاد في أي أسبوع. إلا أنه ربما تحدث حالات منفردة من تجميد الكود البرمجي في أوقات معينة لو تطلب الأمر ذلك بعد الانتهاء من العمل.
* سيكون [[mw:Special:MyLanguage/GitLab|معمل غت (GitLab)]] غير متاح لحوالي 90 دقيقة.
قد يتأجل هذا المشروع لو تطلب الأمر ذلك. يمكنكم [[wikitech:Switch_Datacenter|الاطلاع على الجدول الزمني المحدد على wikitech.wikimedia.org]] سوف نعلن عن أية تغييرات على هذا الجدول.
'''يرجى مشاركة هذه المعلومات مع مجتمعكم.'''</div><section end="server-switch"/>
[[m:user:Trizek (WMF)|Trizek (WMF)]] 12:58، 15 سبتمبر 2026 (ت ع م)
<!-- الرسالة التي أرسلها User:Trizek (WMF)@metawiki باستخدام القائمة في https://meta.wikimedia.org/w/index.php?title=Distribution_list/Non-Technical_Village_Pumps_distribution_list&oldid=30513874 -->
== Your feedback wanted: Remove ''(Language link added:) and similar'' edits from Special:RecentChanges ==
''(Apologies for posting in English. You can help by translating it)''
Hello, I’m Danny from [[:en:w:Wikimedia_Deutschland|Wikimedia Deutschland’s]] [[m:Wikidata_For_Wikimedia_Projects|Wikidata For Wikimedia Projects]] team.<br/>
We have been investigating and examining how Wikidata’s use in the [[Special:RecentChanges]] and [[Special:Watchlist]] pages can be made to be more useful, or less ‘noisy’ (fewer edits that have little value to the reader).
We are currently exploring to make a change in the volume and the type of Wikidata edits that appear in these pages, and '''we need your feedback''' to help us ensure this is a positive change for the Wikis and won’t disrupt your workflows.<br/>
Language links are also known as sitelinks or interlanguage links and describe when a Wikidata item is connected to a Wiki, adding it to the language dropdown tool for other connected Wikis.
[[File:Types of Lang Link changes.png|x350px|frame|A variety of "Language Link" edits as seen in the Recent Changes feed]]
The request for feedback is whether you support the removal of these language link edits from the Recent Changes and Watchlist feed, or would you oppose such a change and if so, why?
Please share you thoughts on the dedicated '''[[m:Talk:Wikidata_For_Wikimedia_Projects/Clearer_Wikidata_Edit_Summaries/Hide_Language_Link_edits|metawiki Talk page]]'''.
Further information about this change: [[m:Wikidata_For_Wikimedia_Projects/Clearer_Wikidata_Edit_Summaries/Hide_Language_Link_edits|m:Wikidata_For_Wikimedia_Projects/Hide_Language_Link_edits]]
Thank you for any participation or feedback you give, -- [[m:User:Danny_Benjafield_(WMDE)|User:Danny Benjafield (WMDE)]] 12:18، 25 سبتمبر 2026 (ت ع م)
<!-- الرسالة التي أرسلها User:Danny Benjafield (WMDE)@metawiki باستخدام القائمة في https://meta.wikimedia.org/w/index.php?title=User:Danny_Benjafield_(WMDE)/MassMessage_test_list&oldid=31080967 -->
== استخدام أحرف يونيكودية تطابق الرسم المغربي في المشروع ==
الزملاء المشاركين في [[فهرس:كشف الأستار عن علم حروف الغبار (مخطوطة، 1851).djvu]] التزموا باستعمال حروف يونيكودية تطابق في رسمها الرسم المغربي، وأنا لا أتفق مع هذا الموقع يستعمل رمزا يونيكوديا وحيدا لكل حرف: فالفاء تكتب ف في أي مكان لو كانت في المخطوطة والأصل مكتوبة ڢ، والقاف أيضا ق لو كانت في الرسم الأصلي ڧ، وفلا بد من كتابة الحرف الصحيح وإن كان في أصل استعمل رسمًا يختلف عن الرسم الحالي الشائع. [[User:حبيشان|حبيشان]]<sup>('''[[نقاش المستخدم:حبيشان|ن]]''')</sup> 22:31، السبت 15 ربيع الآخر 1448هـ (+3) 19:31، 26 سبتمبر 2026 (ت ع م)
:إشارة إلى @[[مستخدم:JazarF|JazarF]] @[[مستخدم:~2026-44033-07|~2026-44033-07]] @[[مستخدم:~2026-51196-19|~2026-51196-19]] والإداريين @[[مستخدم:Nehaoua|Nehaoua]] @[[مستخدم:Lanhiaze|Lanhiaze]] @[[مستخدم:NANöR|NANöR]] [[User:حبيشان|حبيشان]]<sup>('''[[نقاش المستخدم:حبيشان|ن]]''')</sup> 22:35، السبت 15 ربيع الآخر 1448هـ (+3) 19:35، 26 سبتمبر 2026 (ت ع م)
::{{أتفق}}؛ مع جهلي بالأمور التقنية، أعتقد، يمكن تحقيق الرسم الصحيح عن طريق الإعدادات أو القوالب أو الأساليب مع إبقاء النص المستبطن للنص الظاهر بأحرف اليونيكود العربية العامة؛ أليس كذلك؟ مثلاً، كيف تحقق هذا في المصاحف الموجودة في ويكي مصدر؟ [[مستخدم:Lanhiaze|Lanhiaze]] ([[نقاش المستخدم:Lanhiaze|نقاش]]) 19:41، 26 سبتمبر 2026 (ت ع م)
:مصحف ورش صادر عن مجمع الملك فهد، مكتوب بطريقة قراءة القرآن المعروفة برواية ورش عن نافع وهي الرواية الشائعة في المغرب
:https://archive.org/details/20240512_20240512_1637/page/n605/mode/1up [[خاص:مساهمات/~2026-44033-07|~2026-44033-07]] ([[نقاش المستخدم:~2026-44033-07|نقاش]]) 19:45، 26 سبتمبر 2026 (ت ع م)
:مرحبًا @[[مستخدم:حبيشان|حبيشان]]، شكرًا لإثارة الموضوع، لا أجد فائدة في كتابة النص بالرسم المغربي أو غيره، الأصل هو تحويل الصفحات لنصوص مقروءة للكل ولتمكين استعمالها في البحث والتوثيق، لذا الجهد المبذول في المطابقة ليس له ناتج الا محاولة إحياء رسم لم يعد يستعمل حتى في بلده إلا للزخرفة. في الأخير نذكر بالأصل وهو إعادة كتابة النصوص بما يطابق الأصل من ناحية المحتوى، لكن ليس حتما بنفس الرسم والخط. تحياتي [[مستخدم:Nehaoua|Nehaoua]] ([[نقاش المستخدم:Nehaoua|نقاش]]) 20:55، 26 سبتمبر 2026 (ت ع م)
::يمكن اتباع الأسلوب المستخدم مع الحرف ſ، بحيث يُكتب النص في صفحة التحرير وفق رسمه الأصلي، ويُعرض للقارئ باستخدام الحرف s الشائع اليوم، كما في المثال التالي.
::*[[:en:Page:The Good Huswifes Jewell (Davies).pdf/3]]
::*[[:en:The good huswifes Jewell]]
:: [[خاص:مساهمات/~2026-44033-07|~2026-44033-07]] ([[نقاش المستخدم:~2026-44033-07|نقاش]]) 01:24، 27 سبتمبر 2026 (ت ع م)
::This template is for displaying the HTML entity for the long 's', Unicode character U+017F: ſ.
::{{Long s}} gives either a standard long 's' ( ſ ) or a standard letter "s".
:: '''[[:en:Template:Long s]]'''
:: [[خاص:مساهمات/~2026-44033-07|~2026-44033-07]] ([[نقاش المستخدم:~2026-44033-07|نقاش]]) 10:46، 27 سبتمبر 2026 (ت ع م)
::بحيث يكون كل من الحرف {{ڢ}} - {{ڧ}} - {{ں}} - {{ڡ}} - {{ٯ}} في صفحة التحرير فقط ويتم تحويلها في الصفحات للنصوص مقروءة [[خاص:مساهمات/~2026-44033-07|~2026-44033-07]] ([[نقاش المستخدم:~2026-44033-07|نقاش]]) 10:53، 27 سبتمبر 2026 (ت ع م)
:::مرحبًا، ما المقصود من كل هذا المجهود رغم أن المتغيرات في كتابة اللغة العربية لم يطرأ عليها تعديل كبير ولا يود اختلاف مهم بين مختلف الكتابات، كذلك المثال الذي ذكرته ربما هو بالإنجليزية الوسطى وكل تغيير قد يؤثر على النص، ربما أشاطرك الرأي في كتابة الهمزة التي تختلف بين المشرق والمغرب، وكذا المدود وجعل بعض الهمزات صامتة أو العكس (نكتب الارض بدلا من الأرض والأنبئاء بدل الأنبياء وغيرها) أما كتابة القاف والفاء والنون الأخيرة وما شابهها فهي رسم لا يغير شيء [[مستخدم:Nehaoua|Nehaoua]] ([[نقاش المستخدم:Nehaoua|نقاش]]) 18:00، 27 سبتمبر 2026 (ت ع م)
::::هذا حلٌّ وسط يحفظ رسم الحروف كما ورد في المخطوط للكاتب الذي تُوفّي عام 1486، وكما يُسهّل قراءتها بأشكالها المألوفة اليوم.
::::فالكاتب لم يكن بوسعه أن يتنبأ بالتطورات التقنية (يونيكودية، ويكي، HTML، PDF وغيرها) التي تتيح لنا عرض النص بأكثر من شكل، كما أننا لا نعلم كيف ستكون الحروف وطرق عرضها بعد ألف عام. [[خاص:مساهمات/~2026-44033-07|~2026-44033-07]] ([[نقاش المستخدم:~2026-44033-07|نقاش]]) 20:21، 27 سبتمبر 2026 (ت ع م)
::::{{اقتباس 2|ومں الله اسال الاعانة والارشاد الى سواء طريٯ التوڢيٯ والسداد ڢی هذه الدّنيا والمعاد واں يجعل ذلك مں الاعمال التی لا تنڧطع بالموت ولا يعڧب صاحبها حسرات الڢوت|}}
:::: أبو الحسن علي بن محمد بن علي القلصادي
:::: https://www.google.com/books/edition/Ka%C5%A1f_al_asr%C4%81r_%CA%BFan_%CA%BFilm_%E1%B8%A5ur%C5%ABf_al/emcygMNLGYMC?hl=en&gbpv=0
:::: [[خاص:مساهمات/~2026-44033-07|~2026-44033-07]] ([[نقاش المستخدم:~2026-44033-07|نقاش]]) 20:26، 27 سبتمبر 2026 (ت ع م)
:تم انشاء [[قالب:خط مغربي|قالب للخط مغربي]] ليحفظ رسم الحروف كما وردت في المخطوطة [[خاص:مساهمات/~2026-44033-07|~2026-44033-07]] ([[نقاش المستخدم:~2026-44033-07|نقاش]]) 06:04، 28 سبتمبر 2026 (ت ع م)
::لا أتفق مع حل القالب، لا بد من إدخال الرموز الصحيحة لأن هذا يعيق محركات البحث ويعيق القراءة، لكن يمكن إذا كان هناك خط مغربي مفتوح المصدر يمكن أن يدمج مع الكتاب ليظهر اختياريا بنفس الرسم مع الحفاظ على الرموز اليونيكودية العربية. [[User:حبيشان|حبيشان]]<sup>('''[[نقاش المستخدم:حبيشان|ن]]''')</sup> 14:09، الاثنين 17 ربيع الآخر 1448هـ (+3) 11:09، 28 سبتمبر 2026 (ت ع م)
:::مرحبًا @[[مستخدم:حبيشان|حبيشان]] {{مض|خط مغربي مفتوح المصدر}} هذا أحسن حل، وقد ذكرت أمرًا نسيته وهو البحث، فمجتمع ويكي مصدر يشكو أصلا من عدم فهرسة المحركات لصفحات ويكي مصدر أو عدم ابرازها أولا، وبوجود نصوص غير منشورة مسبقًا، ستكون حتما الأولوية لويكي مصدر لكن عدم وجود الرموز اليونيكودية العربية يجعل البحث دون نتيجة تحياتي [[مستخدم:Nehaoua|Nehaoua]] ([[نقاش المستخدم:Nehaoua|نقاش]]) 17:42، 29 سبتمبر 2026 (ت ع م)
== الآن قالب جدول محتويات يتعرف على صفحات المصدر تلقائيا ==
{{قا|جدول محتويات}} يتعرف تلقائيا على صفحات الكتاب pdf تلقائيا إذا أُغفل وسيط {{وسيط|معامل}} وضبطت في صفحة الفهرس، انظر مثالا [[صفحة:عشائر العراق 1.pdf/510]] [[User:حبيشان|حبيشان]]<sup>('''[[نقاش المستخدم:حبيشان|ن]]''')</sup> 14:13، الاثنين 17 ربيع الآخر 1448هـ (+3) 11:13، 28 سبتمبر 2026 (ت ع م)
:مرحبا @[[مستخدم:حبيشان|حبيشان]]، شكرا لهذا التحديث، لكن هل ما فهمته، ان القالب يستعمل مدخلات الصفحات وتقارن رقم الصفحة في الفهرس ويطابقها فهذا فعلا عمل عظيم، ومنه صار الوسيط معامل بلا فائدة تقريبا. تحياتي [[مستخدم:Nehaoua|Nehaoua]] ([[نقاش المستخدم:Nehaoua|نقاش]]) 19:22، 1 أكتوبر 2026 (ت ع م)
::@[[مستخدم:Nehaoua|Nehaoua]] نعم هذا هو، لأن بعض الكتب مثل عشائر العراق يتغير فيها المعامل وليس له قيمة ثابتة. [[User:حبيشان|حبيشان]]<sup>('''[[نقاش المستخدم:حبيشان|ن]]''')</sup> 23:01، الخميس 20 ربيع الآخر 1448هـ (+3) 20:01، 1 أكتوبر 2026 (ت ع م)
== Wikidata Sitelink changes in Recent Changes and Watchlist ==
''(Apologies for cross-posting in English, translating it will help spread the message)''
Editors on group 1 wikis, including Wikiquote, Wikibooks, Wikiversity, Wikivoyage, and Wikisource, will no longer see notifications on [[Special:RecentChanges|Recent Changes]] and [[Special:Watchlist|Watchlist]] when a link to ''another'' language version of a page is added, removed, or changed in its Wikidata item. This change will begin on '''October 5 at 07:00 UTC''' as a two-week trial to reduce high-volume, low-value notifications and make higher-value changes easier to identify. Editors who rely on these notifications should be aware of the change and can share feedback or concerns on the [[m:Wikidata For Wikimedia Projects/Clearer Wikidata Edit Summaries/Hide Language Link edits|project]] or [[m:Talk:Wikidata_For_Wikimedia_Projects/Clearer_Wikidata_Edit_Summaries/Hide_Language_Link_edits|talk page]].<br/>Please reach out if you have any questions, thank you! -- [[User:Danny_Benjafield_(WMDE)|Danny Benjafield (WMDE)]] ([[User_talk:Danny_Benjafield_(WMDE)|talk]]) sent via [[مستخدم:MediaWiki message delivery|MediaWiki message delivery]] ([[نقاش المستخدم:MediaWiki message delivery|نقاش]]) 12:42، 1 أكتوبر 2026 (ت ع م)
<!-- الرسالة التي أرسلها User:Danny Benjafield (WMDE)@metawiki باستخدام القائمة في https://meta.wikimedia.org/w/index.php?title=User:Danny_Benjafield_(WMDE)/MassMessage_test_list&oldid=31106967 -->
== استفسار عن شروط إضافة قصائد من تأليفي ==
السلام عليكم زملاء ويكي مصدر،
أنا صادق منصور ساده، المعروف باسم صادق العراقي والإعلامي صادق العراقي، وأكتب قصائد شعرية. أرغب في معرفة ما إذا كانت قصائدي تصلح للإضافة إلى ويكي مصدر، وما شروط النشر السابق والمصادر المقبولة والترخيص المطلوب لأعمال مؤلف ما زال على قيد الحياة.
أرجو إرشادي إلى الخطوات الصحيحة قبل إضافة أي قصيدة، وسأقدّم رابط النشر السابق للقصيدة التي أقترحها إن كانت منشورة.
شكرًا لتعاونكم. [[مستخدم:صادق منصور ساده|صادق منصور ساده]] ([[نقاش المستخدم:صادق منصور ساده|نقاش]]) 12:25، 4 أكتوبر 2026 (ت ع م)
== إضافة شكل الأرقام ==
نقدم لكم إضافة «{{int:Gadget-EasternNumbers-Switch}}» والتي تدخل أرقامًا مشرقية بدلا من الأرقام المغربية مما يسهل العمل في الكتب التي تعتمد الأرقام المشرقية، بدلا من الحاجة إلى طرق متشعبة أخرى، عند تفعيل الإضافة فإنها تحول إدخال الأرقام من لوحة المفاتيح إلى الأرقام المشرقية، ويمكن إلغاء التفعيل من زر في شريط الأدوات، وإذا عينت الأرقام المغربية في صفحة الفهرس فإن الإضافة لا تفعل تلقائيا.
أرجو تجربة الإضافة بتفعيها عبر الزر
{{تفعيل إضافة|EasternNumbers-Switch|block=1}}
وإبلاغي بأية ملاحظات، تمهيدا لاعتمادها إضافة افتراضية. [[User:حبيشان|حبيشان]]<sup>('''[[نقاش المستخدم:حبيشان|ن]]''')</sup> 23:45، الأحد 23 ربيع الآخر 1448هـ (+3) 20:45، 4 أكتوبر 2026 (ت ع م)
16qlh08ou9o33yjxhyrbqpdkbvxfvoh
627492
627491
2026-10-04T20:46:44Z
حبيشان
52457
/* إضافة شكل الأرقام */
627492
wikitext
text/x-wiki
{{رأس الميدان}}{{صندوق أرشيف آلي|ويكي مصدر:الميدان|2006}}
<!-- المداخلات تحت هذا السطر. لا تعدل هذا السطر وما قبله. -->
== مهمة بوتية: المستخدمون الأنشط في الشهر مع توزيع أوسمة ==
أقترح صفحة إحصائيات بالمستخدمين الأنشط في الشهر مع توزيع أوسمة على غرار صفحة ويكيبديا الإسبوعية، وتكون ل:
* عدد إنشاء الصفحات.
* عدد المساهمات.
وذلك لأول 3 مراكز. أريد آراءكم في الموضوع. [[User:حبيشان|حبيشان]]<sup>('''[[نقاش المستخدم:حبيشان|ن]]''')</sup> 16:35، الأربعاء 19 رمضان 1446هـ (+3) 13:35، 19 مارس 2025 (ت ع م)
:مرحبا {{ر|حبيشان}} هل من أمثلة؟ [[مستخدم:أبو هشام|أبو هشام]] 02:01، 20 مارس 2025 (ت ع م)
:{{أتفق}} فقط لو امكن .التمييز حسب النطاقات يعني انشاء الصفحات في النطاق الرئيس + الفهرس + القوالب من جهة ونطاق الصفحة من جهة أخرى
:اضافة تصحيح وتدقيق الصفحات
:تحياتي [[مستخدم:Nehaoua|Nehaoua]] ([[نقاش المستخدم:Nehaoua|نقاش]]) 18:45، 21 مارس 2025 (ت ع م)
::مرحبا @[[مستخدم:Nehaoua|Nehaoua]]، لما التميز حسب النطاقات؟ تحياتي [[مستخدم:NANöR|NANöR]] ([[نقاش المستخدم:NANöR|نقاش]]) 22:01، 21 مارس 2025 (ت ع م)
:::مرحبًا @[[مستخدم:NANöR|NANöR]] انشاء الصفحات في نطاق "صفحة" أمر يسير ويكاد يكون آليًا "لو كان الملف له طبقة نصوص مسبقة لصار الأمر أكثر سهولة"، أيضا تعليم الصفحات دون نص أيسر كذلك، لكن انشاء فهرس أو قالب أو صفحة في النطاق العمل يتطلب مجهودًا (مطالعة الكتاب للترقيم، والفصل لإنشاء القوالب والفصول) تحياتي [[مستخدم:Nehaoua|Nehaoua]] ([[نقاش المستخدم:Nehaoua|نقاش]]) 22:10، 21 مارس 2025 (ت ع م)
* {{لا أتفق}} مع فكرة توزيع الأوسمة آلياً وروتينياً. برأيي، الأوسمة يقدمها مستخدم ما لمستخدم آخر حسب ما يرى مناسباً وفق تقديره الشخصي.
: وفي الوقت نفسه {{أتفق}} مع ضرورة تمييز المساهمات حسب النطاق، بما في ذلك للأسباب التي ذكرها الأخ @[[مستخدم:Nehaoua|Nehaoua]]. فمهمة إنشاء الصفحات قابلة للأتمتة، وإذا لم تكن مساهمة المستخدم تزيد على مجرد النقر على زر التعرف الضوئي دون قراءة النص الناتج فهي لا تتعدى العمل الآلي، ولو أنها تحتاج إلى بعض الجهد. ومثال على العمل الذي يشبه عمل البوت ما رأيته هنا مؤخراً حين امتلأت الصفحات بأحرف لاتينية لا معنى لها. وقد جربت في إحدى تلك الصفحات النقر على زر التعرف فتحول النص إلى عربي معقول. --[[مستخدم:Lanhiaze|Lanhiaze]] ([[نقاش المستخدم:Lanhiaze|نقاش]]) 10:50، 22 مارس 2025 (ت ع م)
::@[[مستخدم:Lanhiaze|Lanhiaze]] الإحصائيات والأوسمة ستكون مشابهة للمهمة في ويكيبيديا مثل [[w:ويكيبيديا:مستخدمو الأسبوع الأكثر نشاطا/الأسبوع ال١٠ ٢٠٢٥]]، يعني رأيك أن تكون هناك إحصائيات شهرية فقط بدون توزيع أوسمة، بهذا لن يكون هناك تنافس يشجع المستخدمين على النشاط. [[User:حبيشان|حبيشان]]<sup>('''[[نقاش المستخدم:حبيشان|ن]]''')</sup> 14:43، السبت 22 رمضان 1446هـ (+3) 11:43، 22 مارس 2025 (ت ع م)
:::{{ر|حبيشان}}، هناك ما يسمى [[w:قانون غودهارت|قانون غودهارت]]، وصميمه هو أنك عندما تجعل مشعراً أو مقياساً ما هدفاً ينبغي السعي إليه لا يعود هذا المشعر أو المقياس ذا قيمة لأنه يصبح هدفاً بحد ذاته. إذا جعلت عدد المساهمات مقياساً للنشاط سوف يسعى من تهمه المنافسة إلى حفظ كل تعديل على الصفحة ليسجَّل مساهمة منفصلة مثلاً فيزداد عدد التعديلات، ولا يسعى إلى الجودة النهائية. وأعتقد أن أساس العمل في المشاريع التطوعية هو التعاون لا التنافس، بل أن التنافس قد يؤدي إلى إيذاء العمل في المشروع.
:::وأنا مثلاً ساهمت في ويكيبيديا بنشاط بحساب غير هذا الحساب قبل أن يكون فيها قائمة بأنشط المستخدمين، وعندما ظهرت قائمة الويكيبيديين الخمسمئة الأنشط كنت في عُشرها الأعلى، إلا أن مساهمتي لم تكن من أجل هذا بل من أجل ويكيبيديا نفسها. وهنا أيضاً أفعل ما يتيسر لي بما أرى فيه فائدة للمشروع (أغلبه تعديلات صيانة لا إضافة مضمون جديد)، ولو أنني خامل نسبياً في الفترة الأخيرة، ربما لأنني كنت أشعر سابقاً أنني أكاد أكون الوحيد هنا، أما الآن فلم أعد وحيداً، وصار هنا من يقومون بأعمال التحرير والإدارة. [[مستخدم:Lanhiaze|Lanhiaze]] ([[نقاش المستخدم:Lanhiaze|نقاش]]) 13:36، 22 مارس 2025 (ت ع م)
::::@[[مستخدم:Lanhiaze|Lanhiaze]] مع اتفاقي على وجود هذه السلبيات في نظام الأوسمة الآلية لكن أرى أن إيجابياته تطغى على هذه السلبيات حيث ينشط بعض المستخدمين الذين لا يهدفون أصلا لتحقيق مركز شهري في الأوسمة حين يكافئون ببعضها، إلى جانب من يهدفون إليها أيضا، ووجود عدد مراجعات غير ضرورية يمكن أن يعالج بتنبيه المستخدمين. [[User:حبيشان|حبيشان]]<sup>('''[[نقاش المستخدم:حبيشان|ن]]''')</sup> 14:16، الثلاثاء 25 رمضان 1446هـ (+3) 11:16، 25 مارس 2025 (ت ع م)
* وتعقيب آخر: لا أرى فائدة كبيرة في إنشاء كمي لتصنيفات فارغة (حسب سنة الميلاد أو الوفاة على سبيل المثال). ربما يمكن تكليف بوت بأن يتابع صفحة [[خاص:تصنيفات مطلوبة|التصنيفات المطلوبة]] دورياً ويكتشف بينها التصنيفات وفق الميلاد أو الوفاة وينشئها بين حين وآخر مع تصنيفاتها وقوالبها. وكذلك تنشأ في الفترة الأخيرة قوالب عديدة بلا أدنى توثيق، وهذه لا يمكن أن تفيد إلا من أنشأها، أي أن فائدتها للمشروع محدودة؛ فمن أنشأها قد يترك المساهمة بعد أشهر أو سنوات، وقد ينشئ غيره قوالب مماثلة دون أن يعرف أن القالب المطلوب موجود بالفعل. كل قالب يجب أن يرافقه توثيق يشرح الغرض من القالب وطريقة عمله مع أمثلة كافية لكل متغيراته بشكل واضح. --[[مستخدم:Lanhiaze|Lanhiaze]] ([[نقاش المستخدم:Lanhiaze|نقاش]]) 11:01، 22 مارس 2025 (ت ع م)
* أرجو مطالعة النتائج في [[ويكي مصدر:المستخدمون الأنشط في الشهر]].--[[User:حبيشان|حبيشان]]<sup>('''[[نقاش المستخدم:حبيشان|ن]]''')</sup> 14:50، السبت 29 رمضان 1446هـ (+3) 11:50، 29 مارس 2025 (ت ع م)
*:مرحبًا @[[مستخدم:حبيشان|حبيشان]] جيدة جدًا، يمكن تحديد اسم الشهر مثلًا فبراير 2025، في النص والملخص ليمكن العودة لها مستقبلًا تحياتي [[مستخدم:Nehaoua|Nehaoua]] ([[نقاش المستخدم:Nehaoua|نقاش]]) 22:17، 29 مارس 2025 (ت ع م)
== النطاق المناسب لصفحات محتويات فهرس ==
أرى أن وضع المحتويات في نطاق (قالب) ليس سلوكا مستحسنا وأن الأفضل وضعها في صفحة فرعية من الفهرس نفسه مثلا: [[:قالب:محتويات نساء الخلفاء (دار المعارف، 1950)]] تكون في [[فهرس:نساء الخلفاء.pdf/محتويات]] وهذا يفيدنا في أمور
# سهولة الوصولة إلى صفحة المحتويات بصيغة موحدة.
# سهولة صيانة متعلقات الفهرس لأن المحتويات صفحة فرعية منه، وهذا يفيد في حالة النقل أو الحذف، بينما يمكن أن يحذف الفهرس أو ينقل ويغفل عن صفحة المحتويات لأنها في نطاق قالب.
# نطاق قالب موضوع أصلا للمكونات الصفحات التي تضمن كثيرا، بينما المحتويات غالبا لا تضمن أكثر من مرتين
# عدم مزاحمة القوالب في الظهور في الأدوات التي تسهل إدارج القوالب في الصفحات.
# تجنب الإرباك في الصيانة حيث هذه الصفحات ليس لها توثيق، ولا بيانات قالب.
[[User:حبيشان|حبيشان]]<sup>('''[[نقاش المستخدم:حبيشان|ن]]''')</sup> 17:07، الجمعة 13 شوال 1446هـ (+3) 14:07، 11 أبريل 2025 (ت ع م)
:{{تعليق}}شكرا @[[مستخدم:حبيشان|حبيشان]] لتوضيح الأمر. أعتقد أفضل للبحث مثلما ذكرت أن تكون في صفحة فرعية من الفهرس. لكن لما إنشاء صفحات جديدة بدل الكتابة في جدول المحتويات في الفهرس؟ تحياتي [[مستخدم:NANöR|NANöR]] ([[نقاش المستخدم:NANöR|نقاش]]) 07:53، 12 أبريل 2025 (ت ع م)
:{{تعليق}} @[[مستخدم:حبيشان|حبيشان]]، الفكرة جيدة والحجج لصالحها معقولة. هناك نقطة تقنية طفيفة، وهي ألا ينسى المستخدمون إدراج نقطتين قبل اسم الصفحة، مثلاً <code><nowiki>{{:فهرس:كذا.pdf/محتويات}}</nowiki></code>. --[[مستخدم:Lanhiaze|Lanhiaze]] ([[نقاش المستخدم:Lanhiaze|نقاش]]) 13:40، 12 أبريل 2025 (ت ع م)
::مرحبًا @[[مستخدم:Lanhiaze|Lanhiaze]] شكرًا لك، غابت عني هذه المعلومة لذا استعملت نطاق القالب، شكرًا مرة أخرى [[مستخدم:Nehaoua|Nehaoua]] ([[نقاش المستخدم:Nehaoua|نقاش]]) 19:58، 25 أبريل 2025 (ت ع م)
:مرحبًا @[[مستخدم:حبيشان|حبيشان]] فكرة جيدة، المهم أن نتفق على صيغة موحدة تحياتي [[مستخدم:Nehaoua|Nehaoua]] ([[نقاش المستخدم:Nehaoua|نقاش]]) 19:23، 25 أبريل 2025 (ت ع م)
::برأيي صيغة <code><nowiki>.../محتويات</nowiki></code> مقبولة. أي بلا ال التعريف على سبيل المثال (أرجو نقل [[فهرس:تاريخ طرابلس الغرب (المطبعة السلفية، 1349هـ)/المحتويات|هذه الصفحة]]). كما لاحظت أن هذه الصيغة لا تنشئ صفحة فرعية بل صفحة عادية في نطاق الفهرس، والذي على ما يبدو لا يقبل إنشاء الصفحات الفرعية، بدليل أن الصفحة الفرعية لا يوجد في أعلاها وصلة إلى الصفحة الأساسية! [[مستخدم:Lanhiaze|Lanhiaze]] ([[نقاش المستخدم:Lanhiaze|نقاش]]) 20:44، 25 أبريل 2025 (ت ع م)
:::@[[مستخدم:Lanhiaze|Lanhiaze]] في الواقع الصفحة المذكورة غير دقيقة، الأصل أن تكون بعنوان الكتاب ملحقًا بامتداد الملف <code>.pdf</code>، والنطاق يقبل الصفحات الفرعية، لاحظ مثلا الوصلة في النقاش أعلاه: [[فهرس:نساء الخلفاء.pdf/محتويات]].
:::أدعم الخيار <code>/محتويات</code>، وربما يمكننا أن نقترح في فبريكاتور إنشاء وصلة فرعية لها «تظهر إن كانت متوفرة» على غرار صفحة الأنماط، تحياتي --[[مستخدم:Mdktb|Mdktb]] ([[نقاش المستخدم:Mdktb|نقاش]]) 13:51، 8 مايو 2026 (ت ع م)
== إضافة اللغة العربية إلى المتعرف الضوئي كراكن ==
{{تابع في|T403346}}
بالنسبة للغة العربية لا يوجد متعرف ضوئي يدعم اللغة العربية في ويكيميديا غير متعرف جوجل، تبثت المؤسسة متعرف جديد اسمه [https://kraken.re kraken] على موقع متعرف تحت التجربة في https://kraken-ocr.wmcloud.org/ لكن للأسف لم يُثبت أي نموذج تعرف عربي في الموقع المذكور، طلبت في المهمة أعلاه تثبيت نموذجين عربيين لتجربة المتعرف الجديد وتوسع خيارات التعرف العربية.
أرجو إبداء رأيكم في المهمة هنا أو في المهمة نفسها. [[User:حبيشان|حبيشان]]<sup>('''[[نقاش المستخدم:حبيشان|ن]]''')</sup> 11:10، الأربعاء 18 ربيع الأول 1447هـ (+3) 08:10، 10 سبتمبر 2025 (ت ع م)
:مرحبًا @[[مستخدم:حبيشان|حبيشان]]، تنبّه أحد المطورين للمهمة وأضاف النماذج، لكن يبدو أن النتيجة ليست كما هو مأمول، جربتها مع عدّة صور ولم أحصل على أي نتيجة مقبولة، جربهّا إن أمكنك، والزميل المطوّر ينتظر اختبارنا لما قام به، تحياتي --[[مستخدم:Mdktb|Mdktb]] ([[نقاش المستخدم:Mdktb|نقاش]]) 00:31، 8 مايو 2026 (ت ع م)
:<u>ملاحظة أخرى:</u> طلبت في هذه [[phab:T424543|التذكرة]] منذ مدة قصيرة إضافة أحد النماذج التي تدعم العربية لـ Transkribus، وجدته أفضل الموجود نوعًا ما، بعض التجارب كانت مقبولة، تحياتي --[[مستخدم:Mdktb|Mdktb]] ([[نقاش المستخدم:Mdktb|نقاش]]) 00:40، 8 مايو 2026 (ت ع م)
::@[[مستخدم:Mdktb|Mdktb]] أشكرك على المتابعة والاقتراحات، أظن أن هناك خطأ ما في تثبيت نموذج كراكن لأن سبق تجربته من أحد المشاريع وأعطى نتائج جيدة، بينما الآن لا يكاد تخرج من كلمة صحيحة. [[User:حبيشان|حبيشان]]<sup>('''[[نقاش المستخدم:حبيشان|ن]]''')</sup> 22:59، السبت 22 ذو القعدة 1447هـ (+3) 19:59، 9 مايو 2026 (ت ع م)
== مهمة بوتية للتصانيف ==
بعض التصانيف في ويكي مصدر تحوي وصلات ربط انترويكي لنسخ اللغات والمشاريع الأخرى، وهذه الوصلات قد استُغني عنها بالربط في ويكي بيانات، فالمطلوب مهمة بوتية لحذف هذه الوصلات وتهجيرها إلى ويكي بيانات/، كما نحتاج بين الفينة والأخرى مهمة نقل التصانيف الآلي عبر البوت كما في ويكيبيديا، وأنا أرشح للمهمتين بوت المهندس المبدع @[[مستخدم:Mr. Ibrahem|Mr. Ibrahem]] حيث قد عمل هذه المهام سابقا في ويكيبيديا بكفاءة عالية. [[User:حبيشان|حبيشان]]<sup>('''[[نقاش المستخدم:حبيشان|ن]]''')</sup> 16:32، الأحد 29 ربيع الأول 1447هـ (+3) 13:32، 21 سبتمبر 2025 (ت ع م)
:@[[مستخدم:Mr. Ibrahem|Mr. Ibrahem]] أرجو قبول المهمة، حيث لا اعتراض عليها. [[User:حبيشان|حبيشان]]<sup>('''[[نقاش المستخدم:حبيشان|ن]]''')</sup> 17:23، الخميس 10 ربيع الآخر 1447هـ (+3) 14:23، 2 أكتوبر 2025 (ت ع م)
== [[مؤلف:رضوان الشهال]] ==
المؤلف توفي في ١٩٨٨، وهذا يعني أن أعماله تؤول إلى الملك العام في لبنان بعد خمسين سنة من وفاته، أي في ٢٠٣٩،أليس كذلك؟ إن كان حسابي صحيحاً، فلا يجوز نشر أعماله الآن. [[مستخدم:Lanhiaze|Lanhiaze]] ([[نقاش المستخدم:Lanhiaze|نقاش]]) 22:13، 25 يونيو 2026 (ت ع م)
أما بالنسبة للملف في كومنز، ففي الولايات المتحدة، حسب ما أفهم قانونها، ستبقى أعماله محمية سبعين سنة بعد وفاته، أي لن يمكن رفعه إلى هناك حتى سنة ٢٠٥٩. --[[مستخدم:Lanhiaze|Lanhiaze]] ([[نقاش المستخدم:Lanhiaze|نقاش]]) 22:23، 25 يونيو 2026 (ت ع م)
== الترحيل إلى بارسويد ==
<section begin="announcement-content" />
<em>[[m:Special:MyLanguage/Wikimedia Foundation/Product and Technology/Parsoid Read Views/Read View Announcement|طالعها بلغة أخرى]]</em>
<div class="mw-translate-fuzzy">
مرحبا بكم. يسرني أن أبلغكم أن الخطوة التالية من مشروع [[mw:Special:MyLanguage/Parsoid/Parser Unification|توحيد المحلل اللغوي]] وهي باروسيد «Parsoid» سوف تفعّل قريبا لتصير عارض المقالات الافتراضي على موقعكم الويكي $wiki. نزيد تدريجيا عدد مواقع الويكي التي تستعين ببارسويد وغرضنا من ذلك أن يصير المحلل اللغوي الافتراضي لنصوص الويكي لإصدار دعم برمجيات ميدياويكي طويل الأجل القادم. سوف يزيد هذا من مستوى جدارة مواقعنا الويكي واتساقها للمحررين والقراء واستخدام الأدوات وكذا تيسير تصميم سمات نصوص الويكي القادمة وتطويرها برمجيا.
</div>
لو تسبب هذا في تعطيل تدفق عملكم، لا تجزعوا! يمكنكم إلغاء التفعيل مستخدمين واحد من تفضيلات المستخدم أو وقف بارسويد على الصفحة الحالية مستخدمين قائمة «الأدوات» الفرعية، كما هو مبيّن في توثيق [[mw:Special:MyLanguage/Help:Extension:ParserMigration|امتداد:ترحيل بارسويد]].
ثمة [[mw:Special:MyLanguage/Parsoid/Parser Unification/Confidence Framework|المزيد من المعلومات المتاحة عن خطة النشر]]، تشتمل على أعمال الاختبار الواجب إجرائها قبل تشغيل باروسيد على أي موقع ويكي.
إن أردتم الإبلاغ عن أعطال برمجية أو مشاكل، يرجى الاطلاع على أعمال توثيق [[mw:Special:MyLanguage/Parsoid/Parser Unification/Known Issues|المشاكل المعروفة]] ولو عثرتم على عطل برمجي جديد يرجى إنشاء تذكرة فبريكاتور ووسم [[phab:project/view/5846|فريق تحويل المحتوى على فبريكاتور]].
<section end="announcement-content" />
[[mw:User:MSantos (WMF)|Content Transform Team]] 16:31، 3 أغسطس 2026 (ت ع م)
<!-- الرسالة التي أرسلها User:MSantos (WMF)@metawiki باستخدام القائمة في https://meta.wikimedia.org/w/index.php?title=Distribution_list/Global_message_delivery/Wikisource&oldid=28221043 -->
== نتائج مسابقة التراث المفتوح في ويكي مصدر ==
السلام عليكم ورحمة الله،
يسعدنا إعلامكم بنتيجة [[m:Event:Open_Heritage-Islamic_Civilization_Contest|'''مسابقة التراث المفتوح في ويكي مصدر''']]، والتي أدت لإضافة وتدقيق '''قرابة ألف صفحة''' إلى مشروع ويكي مصدر والتي حصل فيها على المراتب الثلاثة الأولى
<nowiki>*</nowiki> '''المرتبة الأولى: الزميل RASHEEDYE بمعدل 2430 نقطة.'''
<nowiki>*</nowiki> '''المرتبة الثانية: الزميل ماهر الماهر بمعدل 2240 نقطة.'''
<nowiki>*</nowiki> '''المرتبة الثالثة: الزميل origamos بمعدل 1470 نقطة.'''
نتوجه بجزيل الشكر لجميع من ساهم بإنجاز هذه المسابقة من مشاركين والمحكمين الأساتذة الكرام الزملاء '''Nehaoua''' و '''ميشيل بكني.''' [[مستخدم:SanBonne|SanBonne]] ([[نقاش المستخدم:SanBonne|نقاش]]) 14:48، 21 أغسطس 2026 (ت ع م)
== مستخدمة جديدة وأرغب في المساهمة ==
السلام عليكم، أنا مستخدمة جديدة في ويكي مصدر، وأرغب في التطوع والمساهمة في تصحيح وتنسيق النصوص والكتب. ليس لدي خبرة سابقة في ويكي مصدر، وأتمنى أن يساعدني أحد من المساهمين في معرفة كيفية البدء والمشاركة في المجتمع. شكرًا لكم. [[مستخدم:Rask 56|Rask 56]] ([[نقاش المستخدم:Rask 56|نقاش]]) 15:25، 23 أغسطس 2026 (ت ع م)
== تبديل المخدم - موقعك الويكي سوف يصبح للقراءة فقط قريبًا لبرهة ==
<section begin="server-switch"/><div class="plainlinks">
[[:m:Special:MyLanguage/Tech/Server switch|اقرأ هذه الرسالة بلغة أخرى]] • [https://meta.wikimedia.org/w/index.php?title=Special:Translate&group=page-Tech%2FServer+switch&language=&action=page&filter= {{int:please-translate}}]
سوف تبدّل [[foundation:|مؤسسة ويكيميديا]] وجهة حركة زيارات مواقعها بين مراكز بياناتها. وذلك للتأكد من أن ويكيبيديا ومواقع الويكي الأخرى التابعة لويكيميديا ستظل متصلة بالإنترنت حتى بعد وقوع كارثة.
سوف تنتقل حركة البيانات كلها يوم '''{{#time:j xg|2026-09-23|ar}}'''. سوف يبدأ الاختبار الساعة '''[https://zonestamp.toolforge.org/{{#time:U|2026-09-23T14:00|en}} {{#time:H:i e|2026-09-23T14:00}}]'''.
وللأسف، وبسبب بعض القيود على [[mw:Special:MyLanguage/Manual:What is MediaWiki?|ميدياويكي]]، سيتعين وقف أعمال التحرير كافة بينما ينفذ هذا الانتقال. ونحن نعتذر عن هذا الانقطاع، وسنعمل على تقليل حدوثه في المستقبل.
سوف يعرض إعلان بذلك على مواقع الويكي كافة قبل 30 دقيقة من بدء العمل. سيظل هذا البانر معروضًا حتى نهاية العمل.
يمكنكم المساهمة في [https://meta.wikimedia.org/w/index.php?title=Special%3ATranslate&group=Centralnotice-tgroup-read_only_banner&task=view&language=&filter=&action=translate جهود ترجمة أو تنقيح] نص هذا البانر.
'''سيمكنكم القراءة، ولكن لا يمكنكم التعديل، على كل مواقع الويكي لفترة قصيرة من الزمن.'''
* لن يمكنكم التعديل لمدة قد تصل إلى ساعة واحدة يوم {{#time:l j xg Y|2026-09-23|ar}}.
* إذا حاولتم تعديل أو حفظ أي شيء في تلك الأوقات، فسوف ترون رسالة خطأ. نأمل أن لا تضيع أية تعديلات خلال تلك الدقائق، ولكن لا يسعنا أن نضمن ذلك. إذا رأيتم رسالة الخطأ، يرجى الانتظار حتى يعود كل شيء إلى سابق عهده. وبالتالي ستقدرون على حفظ التعديلات. ولكن، من المستحسن أن تنسخوا تعديلاتكم قبل إرسالها، على سبيل الاحتياط.
''الآثار الأخرى'':
* الأعمال في الخلفية ستكون بطيئة وبعضها قد يتوقف. قد لا تحدث الروابط الشبكية الحمراء بالسرعة المعتادة. لو أنشأتم مقالة مربوطة بالفعل بمكان آخر، سيظل الرابط الشبكي أحمر اللون لفترة أطول من المعتاد. كما سنضطر لوقف بعض النصوص البرمجية طويلة الأجل.
* نتوقع تنفيذ الكود كما هو معتاد في أي أسبوع. إلا أنه ربما تحدث حالات منفردة من تجميد الكود البرمجي في أوقات معينة لو تطلب الأمر ذلك بعد الانتهاء من العمل.
* سيكون [[mw:Special:MyLanguage/GitLab|معمل غت (GitLab)]] غير متاح لحوالي 90 دقيقة.
قد يتأجل هذا المشروع لو تطلب الأمر ذلك. يمكنكم [[wikitech:Switch_Datacenter|الاطلاع على الجدول الزمني المحدد على wikitech.wikimedia.org]] سوف نعلن عن أية تغييرات على هذا الجدول.
'''يرجى مشاركة هذه المعلومات مع مجتمعكم.'''</div><section end="server-switch"/>
[[m:user:Trizek (WMF)|Trizek (WMF)]] 12:58، 15 سبتمبر 2026 (ت ع م)
<!-- الرسالة التي أرسلها User:Trizek (WMF)@metawiki باستخدام القائمة في https://meta.wikimedia.org/w/index.php?title=Distribution_list/Non-Technical_Village_Pumps_distribution_list&oldid=30513874 -->
== Your feedback wanted: Remove ''(Language link added:) and similar'' edits from Special:RecentChanges ==
''(Apologies for posting in English. You can help by translating it)''
Hello, I’m Danny from [[:en:w:Wikimedia_Deutschland|Wikimedia Deutschland’s]] [[m:Wikidata_For_Wikimedia_Projects|Wikidata For Wikimedia Projects]] team.<br/>
We have been investigating and examining how Wikidata’s use in the [[Special:RecentChanges]] and [[Special:Watchlist]] pages can be made to be more useful, or less ‘noisy’ (fewer edits that have little value to the reader).
We are currently exploring to make a change in the volume and the type of Wikidata edits that appear in these pages, and '''we need your feedback''' to help us ensure this is a positive change for the Wikis and won’t disrupt your workflows.<br/>
Language links are also known as sitelinks or interlanguage links and describe when a Wikidata item is connected to a Wiki, adding it to the language dropdown tool for other connected Wikis.
[[File:Types of Lang Link changes.png|x350px|frame|A variety of "Language Link" edits as seen in the Recent Changes feed]]
The request for feedback is whether you support the removal of these language link edits from the Recent Changes and Watchlist feed, or would you oppose such a change and if so, why?
Please share you thoughts on the dedicated '''[[m:Talk:Wikidata_For_Wikimedia_Projects/Clearer_Wikidata_Edit_Summaries/Hide_Language_Link_edits|metawiki Talk page]]'''.
Further information about this change: [[m:Wikidata_For_Wikimedia_Projects/Clearer_Wikidata_Edit_Summaries/Hide_Language_Link_edits|m:Wikidata_For_Wikimedia_Projects/Hide_Language_Link_edits]]
Thank you for any participation or feedback you give, -- [[m:User:Danny_Benjafield_(WMDE)|User:Danny Benjafield (WMDE)]] 12:18، 25 سبتمبر 2026 (ت ع م)
<!-- الرسالة التي أرسلها User:Danny Benjafield (WMDE)@metawiki باستخدام القائمة في https://meta.wikimedia.org/w/index.php?title=User:Danny_Benjafield_(WMDE)/MassMessage_test_list&oldid=31080967 -->
== استخدام أحرف يونيكودية تطابق الرسم المغربي في المشروع ==
الزملاء المشاركين في [[فهرس:كشف الأستار عن علم حروف الغبار (مخطوطة، 1851).djvu]] التزموا باستعمال حروف يونيكودية تطابق في رسمها الرسم المغربي، وأنا لا أتفق مع هذا الموقع يستعمل رمزا يونيكوديا وحيدا لكل حرف: فالفاء تكتب ف في أي مكان لو كانت في المخطوطة والأصل مكتوبة ڢ، والقاف أيضا ق لو كانت في الرسم الأصلي ڧ، وفلا بد من كتابة الحرف الصحيح وإن كان في أصل استعمل رسمًا يختلف عن الرسم الحالي الشائع. [[User:حبيشان|حبيشان]]<sup>('''[[نقاش المستخدم:حبيشان|ن]]''')</sup> 22:31، السبت 15 ربيع الآخر 1448هـ (+3) 19:31، 26 سبتمبر 2026 (ت ع م)
:إشارة إلى @[[مستخدم:JazarF|JazarF]] @[[مستخدم:~2026-44033-07|~2026-44033-07]] @[[مستخدم:~2026-51196-19|~2026-51196-19]] والإداريين @[[مستخدم:Nehaoua|Nehaoua]] @[[مستخدم:Lanhiaze|Lanhiaze]] @[[مستخدم:NANöR|NANöR]] [[User:حبيشان|حبيشان]]<sup>('''[[نقاش المستخدم:حبيشان|ن]]''')</sup> 22:35، السبت 15 ربيع الآخر 1448هـ (+3) 19:35، 26 سبتمبر 2026 (ت ع م)
::{{أتفق}}؛ مع جهلي بالأمور التقنية، أعتقد، يمكن تحقيق الرسم الصحيح عن طريق الإعدادات أو القوالب أو الأساليب مع إبقاء النص المستبطن للنص الظاهر بأحرف اليونيكود العربية العامة؛ أليس كذلك؟ مثلاً، كيف تحقق هذا في المصاحف الموجودة في ويكي مصدر؟ [[مستخدم:Lanhiaze|Lanhiaze]] ([[نقاش المستخدم:Lanhiaze|نقاش]]) 19:41، 26 سبتمبر 2026 (ت ع م)
:مصحف ورش صادر عن مجمع الملك فهد، مكتوب بطريقة قراءة القرآن المعروفة برواية ورش عن نافع وهي الرواية الشائعة في المغرب
:https://archive.org/details/20240512_20240512_1637/page/n605/mode/1up [[خاص:مساهمات/~2026-44033-07|~2026-44033-07]] ([[نقاش المستخدم:~2026-44033-07|نقاش]]) 19:45، 26 سبتمبر 2026 (ت ع م)
:مرحبًا @[[مستخدم:حبيشان|حبيشان]]، شكرًا لإثارة الموضوع، لا أجد فائدة في كتابة النص بالرسم المغربي أو غيره، الأصل هو تحويل الصفحات لنصوص مقروءة للكل ولتمكين استعمالها في البحث والتوثيق، لذا الجهد المبذول في المطابقة ليس له ناتج الا محاولة إحياء رسم لم يعد يستعمل حتى في بلده إلا للزخرفة. في الأخير نذكر بالأصل وهو إعادة كتابة النصوص بما يطابق الأصل من ناحية المحتوى، لكن ليس حتما بنفس الرسم والخط. تحياتي [[مستخدم:Nehaoua|Nehaoua]] ([[نقاش المستخدم:Nehaoua|نقاش]]) 20:55، 26 سبتمبر 2026 (ت ع م)
::يمكن اتباع الأسلوب المستخدم مع الحرف ſ، بحيث يُكتب النص في صفحة التحرير وفق رسمه الأصلي، ويُعرض للقارئ باستخدام الحرف s الشائع اليوم، كما في المثال التالي.
::*[[:en:Page:The Good Huswifes Jewell (Davies).pdf/3]]
::*[[:en:The good huswifes Jewell]]
:: [[خاص:مساهمات/~2026-44033-07|~2026-44033-07]] ([[نقاش المستخدم:~2026-44033-07|نقاش]]) 01:24، 27 سبتمبر 2026 (ت ع م)
::This template is for displaying the HTML entity for the long 's', Unicode character U+017F: ſ.
::{{Long s}} gives either a standard long 's' ( ſ ) or a standard letter "s".
:: '''[[:en:Template:Long s]]'''
:: [[خاص:مساهمات/~2026-44033-07|~2026-44033-07]] ([[نقاش المستخدم:~2026-44033-07|نقاش]]) 10:46، 27 سبتمبر 2026 (ت ع م)
::بحيث يكون كل من الحرف {{ڢ}} - {{ڧ}} - {{ں}} - {{ڡ}} - {{ٯ}} في صفحة التحرير فقط ويتم تحويلها في الصفحات للنصوص مقروءة [[خاص:مساهمات/~2026-44033-07|~2026-44033-07]] ([[نقاش المستخدم:~2026-44033-07|نقاش]]) 10:53، 27 سبتمبر 2026 (ت ع م)
:::مرحبًا، ما المقصود من كل هذا المجهود رغم أن المتغيرات في كتابة اللغة العربية لم يطرأ عليها تعديل كبير ولا يود اختلاف مهم بين مختلف الكتابات، كذلك المثال الذي ذكرته ربما هو بالإنجليزية الوسطى وكل تغيير قد يؤثر على النص، ربما أشاطرك الرأي في كتابة الهمزة التي تختلف بين المشرق والمغرب، وكذا المدود وجعل بعض الهمزات صامتة أو العكس (نكتب الارض بدلا من الأرض والأنبئاء بدل الأنبياء وغيرها) أما كتابة القاف والفاء والنون الأخيرة وما شابهها فهي رسم لا يغير شيء [[مستخدم:Nehaoua|Nehaoua]] ([[نقاش المستخدم:Nehaoua|نقاش]]) 18:00، 27 سبتمبر 2026 (ت ع م)
::::هذا حلٌّ وسط يحفظ رسم الحروف كما ورد في المخطوط للكاتب الذي تُوفّي عام 1486، وكما يُسهّل قراءتها بأشكالها المألوفة اليوم.
::::فالكاتب لم يكن بوسعه أن يتنبأ بالتطورات التقنية (يونيكودية، ويكي، HTML، PDF وغيرها) التي تتيح لنا عرض النص بأكثر من شكل، كما أننا لا نعلم كيف ستكون الحروف وطرق عرضها بعد ألف عام. [[خاص:مساهمات/~2026-44033-07|~2026-44033-07]] ([[نقاش المستخدم:~2026-44033-07|نقاش]]) 20:21، 27 سبتمبر 2026 (ت ع م)
::::{{اقتباس 2|ومں الله اسال الاعانة والارشاد الى سواء طريٯ التوڢيٯ والسداد ڢی هذه الدّنيا والمعاد واں يجعل ذلك مں الاعمال التی لا تنڧطع بالموت ولا يعڧب صاحبها حسرات الڢوت|}}
:::: أبو الحسن علي بن محمد بن علي القلصادي
:::: https://www.google.com/books/edition/Ka%C5%A1f_al_asr%C4%81r_%CA%BFan_%CA%BFilm_%E1%B8%A5ur%C5%ABf_al/emcygMNLGYMC?hl=en&gbpv=0
:::: [[خاص:مساهمات/~2026-44033-07|~2026-44033-07]] ([[نقاش المستخدم:~2026-44033-07|نقاش]]) 20:26، 27 سبتمبر 2026 (ت ع م)
:تم انشاء [[قالب:خط مغربي|قالب للخط مغربي]] ليحفظ رسم الحروف كما وردت في المخطوطة [[خاص:مساهمات/~2026-44033-07|~2026-44033-07]] ([[نقاش المستخدم:~2026-44033-07|نقاش]]) 06:04، 28 سبتمبر 2026 (ت ع م)
::لا أتفق مع حل القالب، لا بد من إدخال الرموز الصحيحة لأن هذا يعيق محركات البحث ويعيق القراءة، لكن يمكن إذا كان هناك خط مغربي مفتوح المصدر يمكن أن يدمج مع الكتاب ليظهر اختياريا بنفس الرسم مع الحفاظ على الرموز اليونيكودية العربية. [[User:حبيشان|حبيشان]]<sup>('''[[نقاش المستخدم:حبيشان|ن]]''')</sup> 14:09، الاثنين 17 ربيع الآخر 1448هـ (+3) 11:09، 28 سبتمبر 2026 (ت ع م)
:::مرحبًا @[[مستخدم:حبيشان|حبيشان]] {{مض|خط مغربي مفتوح المصدر}} هذا أحسن حل، وقد ذكرت أمرًا نسيته وهو البحث، فمجتمع ويكي مصدر يشكو أصلا من عدم فهرسة المحركات لصفحات ويكي مصدر أو عدم ابرازها أولا، وبوجود نصوص غير منشورة مسبقًا، ستكون حتما الأولوية لويكي مصدر لكن عدم وجود الرموز اليونيكودية العربية يجعل البحث دون نتيجة تحياتي [[مستخدم:Nehaoua|Nehaoua]] ([[نقاش المستخدم:Nehaoua|نقاش]]) 17:42، 29 سبتمبر 2026 (ت ع م)
== الآن قالب جدول محتويات يتعرف على صفحات المصدر تلقائيا ==
{{قا|جدول محتويات}} يتعرف تلقائيا على صفحات الكتاب pdf تلقائيا إذا أُغفل وسيط {{وسيط|معامل}} وضبطت في صفحة الفهرس، انظر مثالا [[صفحة:عشائر العراق 1.pdf/510]] [[User:حبيشان|حبيشان]]<sup>('''[[نقاش المستخدم:حبيشان|ن]]''')</sup> 14:13، الاثنين 17 ربيع الآخر 1448هـ (+3) 11:13، 28 سبتمبر 2026 (ت ع م)
:مرحبا @[[مستخدم:حبيشان|حبيشان]]، شكرا لهذا التحديث، لكن هل ما فهمته، ان القالب يستعمل مدخلات الصفحات وتقارن رقم الصفحة في الفهرس ويطابقها فهذا فعلا عمل عظيم، ومنه صار الوسيط معامل بلا فائدة تقريبا. تحياتي [[مستخدم:Nehaoua|Nehaoua]] ([[نقاش المستخدم:Nehaoua|نقاش]]) 19:22، 1 أكتوبر 2026 (ت ع م)
::@[[مستخدم:Nehaoua|Nehaoua]] نعم هذا هو، لأن بعض الكتب مثل عشائر العراق يتغير فيها المعامل وليس له قيمة ثابتة. [[User:حبيشان|حبيشان]]<sup>('''[[نقاش المستخدم:حبيشان|ن]]''')</sup> 23:01، الخميس 20 ربيع الآخر 1448هـ (+3) 20:01، 1 أكتوبر 2026 (ت ع م)
== Wikidata Sitelink changes in Recent Changes and Watchlist ==
''(Apologies for cross-posting in English, translating it will help spread the message)''
Editors on group 1 wikis, including Wikiquote, Wikibooks, Wikiversity, Wikivoyage, and Wikisource, will no longer see notifications on [[Special:RecentChanges|Recent Changes]] and [[Special:Watchlist|Watchlist]] when a link to ''another'' language version of a page is added, removed, or changed in its Wikidata item. This change will begin on '''October 5 at 07:00 UTC''' as a two-week trial to reduce high-volume, low-value notifications and make higher-value changes easier to identify. Editors who rely on these notifications should be aware of the change and can share feedback or concerns on the [[m:Wikidata For Wikimedia Projects/Clearer Wikidata Edit Summaries/Hide Language Link edits|project]] or [[m:Talk:Wikidata_For_Wikimedia_Projects/Clearer_Wikidata_Edit_Summaries/Hide_Language_Link_edits|talk page]].<br/>Please reach out if you have any questions, thank you! -- [[User:Danny_Benjafield_(WMDE)|Danny Benjafield (WMDE)]] ([[User_talk:Danny_Benjafield_(WMDE)|talk]]) sent via [[مستخدم:MediaWiki message delivery|MediaWiki message delivery]] ([[نقاش المستخدم:MediaWiki message delivery|نقاش]]) 12:42، 1 أكتوبر 2026 (ت ع م)
<!-- الرسالة التي أرسلها User:Danny Benjafield (WMDE)@metawiki باستخدام القائمة في https://meta.wikimedia.org/w/index.php?title=User:Danny_Benjafield_(WMDE)/MassMessage_test_list&oldid=31106967 -->
== استفسار عن شروط إضافة قصائد من تأليفي ==
السلام عليكم زملاء ويكي مصدر،
أنا صادق منصور ساده، المعروف باسم صادق العراقي والإعلامي صادق العراقي، وأكتب قصائد شعرية. أرغب في معرفة ما إذا كانت قصائدي تصلح للإضافة إلى ويكي مصدر، وما شروط النشر السابق والمصادر المقبولة والترخيص المطلوب لأعمال مؤلف ما زال على قيد الحياة.
أرجو إرشادي إلى الخطوات الصحيحة قبل إضافة أي قصيدة، وسأقدّم رابط النشر السابق للقصيدة التي أقترحها إن كانت منشورة.
شكرًا لتعاونكم. [[مستخدم:صادق منصور ساده|صادق منصور ساده]] ([[نقاش المستخدم:صادق منصور ساده|نقاش]]) 12:25، 4 أكتوبر 2026 (ت ع م)
== إضافة إدخال الأرقام المشرقية ==
نقدم لكم إضافة «{{int:Gadget-EasternNumbers-Switch}}» والتي تدخل أرقامًا مشرقية بدلا من الأرقام المغربية مما يسهل العمل في الكتب التي تعتمد الأرقام المشرقية، بدلا من الحاجة إلى طرق متشعبة أخرى، عند تفعيل الإضافة فإنها تحول إدخال الأرقام من لوحة المفاتيح إلى الأرقام المشرقية، ويمكن إلغاء التفعيل من زر في شريط الأدوات، وإذا عينت الأرقام المغربية في صفحة الفهرس فإن الإضافة لا تفعل تلقائيا.
أرجو تجربة الإضافة بتفعيها عبر الزر
{{تفعيل إضافة|EasternNumbers-Switch|block=1}}
وإبلاغي بأية ملاحظات، تمهيدا لاعتمادها إضافة افتراضية. [[User:حبيشان|حبيشان]]<sup>('''[[نقاش المستخدم:حبيشان|ن]]''')</sup> 23:45، الأحد 23 ربيع الآخر 1448هـ (+3) 20:45، 4 أكتوبر 2026 (ت ع م)
bhebp3u78dwbyy7fqi1w1kh173gksvw
627494
627492
2026-10-04T22:31:41Z
ForzaGreen
19584
/* حالة صفحات النصوص القانونية المغربية: هل تُرفع إلى «صُححت»؟ */ قسم جديد
627494
wikitext
text/x-wiki
{{رأس الميدان}}{{صندوق أرشيف آلي|ويكي مصدر:الميدان|2006}}
<!-- المداخلات تحت هذا السطر. لا تعدل هذا السطر وما قبله. -->
== مهمة بوتية: المستخدمون الأنشط في الشهر مع توزيع أوسمة ==
أقترح صفحة إحصائيات بالمستخدمين الأنشط في الشهر مع توزيع أوسمة على غرار صفحة ويكيبديا الإسبوعية، وتكون ل:
* عدد إنشاء الصفحات.
* عدد المساهمات.
وذلك لأول 3 مراكز. أريد آراءكم في الموضوع. [[User:حبيشان|حبيشان]]<sup>('''[[نقاش المستخدم:حبيشان|ن]]''')</sup> 16:35، الأربعاء 19 رمضان 1446هـ (+3) 13:35، 19 مارس 2025 (ت ع م)
:مرحبا {{ر|حبيشان}} هل من أمثلة؟ [[مستخدم:أبو هشام|أبو هشام]] 02:01، 20 مارس 2025 (ت ع م)
:{{أتفق}} فقط لو امكن .التمييز حسب النطاقات يعني انشاء الصفحات في النطاق الرئيس + الفهرس + القوالب من جهة ونطاق الصفحة من جهة أخرى
:اضافة تصحيح وتدقيق الصفحات
:تحياتي [[مستخدم:Nehaoua|Nehaoua]] ([[نقاش المستخدم:Nehaoua|نقاش]]) 18:45، 21 مارس 2025 (ت ع م)
::مرحبا @[[مستخدم:Nehaoua|Nehaoua]]، لما التميز حسب النطاقات؟ تحياتي [[مستخدم:NANöR|NANöR]] ([[نقاش المستخدم:NANöR|نقاش]]) 22:01، 21 مارس 2025 (ت ع م)
:::مرحبًا @[[مستخدم:NANöR|NANöR]] انشاء الصفحات في نطاق "صفحة" أمر يسير ويكاد يكون آليًا "لو كان الملف له طبقة نصوص مسبقة لصار الأمر أكثر سهولة"، أيضا تعليم الصفحات دون نص أيسر كذلك، لكن انشاء فهرس أو قالب أو صفحة في النطاق العمل يتطلب مجهودًا (مطالعة الكتاب للترقيم، والفصل لإنشاء القوالب والفصول) تحياتي [[مستخدم:Nehaoua|Nehaoua]] ([[نقاش المستخدم:Nehaoua|نقاش]]) 22:10، 21 مارس 2025 (ت ع م)
* {{لا أتفق}} مع فكرة توزيع الأوسمة آلياً وروتينياً. برأيي، الأوسمة يقدمها مستخدم ما لمستخدم آخر حسب ما يرى مناسباً وفق تقديره الشخصي.
: وفي الوقت نفسه {{أتفق}} مع ضرورة تمييز المساهمات حسب النطاق، بما في ذلك للأسباب التي ذكرها الأخ @[[مستخدم:Nehaoua|Nehaoua]]. فمهمة إنشاء الصفحات قابلة للأتمتة، وإذا لم تكن مساهمة المستخدم تزيد على مجرد النقر على زر التعرف الضوئي دون قراءة النص الناتج فهي لا تتعدى العمل الآلي، ولو أنها تحتاج إلى بعض الجهد. ومثال على العمل الذي يشبه عمل البوت ما رأيته هنا مؤخراً حين امتلأت الصفحات بأحرف لاتينية لا معنى لها. وقد جربت في إحدى تلك الصفحات النقر على زر التعرف فتحول النص إلى عربي معقول. --[[مستخدم:Lanhiaze|Lanhiaze]] ([[نقاش المستخدم:Lanhiaze|نقاش]]) 10:50، 22 مارس 2025 (ت ع م)
::@[[مستخدم:Lanhiaze|Lanhiaze]] الإحصائيات والأوسمة ستكون مشابهة للمهمة في ويكيبيديا مثل [[w:ويكيبيديا:مستخدمو الأسبوع الأكثر نشاطا/الأسبوع ال١٠ ٢٠٢٥]]، يعني رأيك أن تكون هناك إحصائيات شهرية فقط بدون توزيع أوسمة، بهذا لن يكون هناك تنافس يشجع المستخدمين على النشاط. [[User:حبيشان|حبيشان]]<sup>('''[[نقاش المستخدم:حبيشان|ن]]''')</sup> 14:43، السبت 22 رمضان 1446هـ (+3) 11:43، 22 مارس 2025 (ت ع م)
:::{{ر|حبيشان}}، هناك ما يسمى [[w:قانون غودهارت|قانون غودهارت]]، وصميمه هو أنك عندما تجعل مشعراً أو مقياساً ما هدفاً ينبغي السعي إليه لا يعود هذا المشعر أو المقياس ذا قيمة لأنه يصبح هدفاً بحد ذاته. إذا جعلت عدد المساهمات مقياساً للنشاط سوف يسعى من تهمه المنافسة إلى حفظ كل تعديل على الصفحة ليسجَّل مساهمة منفصلة مثلاً فيزداد عدد التعديلات، ولا يسعى إلى الجودة النهائية. وأعتقد أن أساس العمل في المشاريع التطوعية هو التعاون لا التنافس، بل أن التنافس قد يؤدي إلى إيذاء العمل في المشروع.
:::وأنا مثلاً ساهمت في ويكيبيديا بنشاط بحساب غير هذا الحساب قبل أن يكون فيها قائمة بأنشط المستخدمين، وعندما ظهرت قائمة الويكيبيديين الخمسمئة الأنشط كنت في عُشرها الأعلى، إلا أن مساهمتي لم تكن من أجل هذا بل من أجل ويكيبيديا نفسها. وهنا أيضاً أفعل ما يتيسر لي بما أرى فيه فائدة للمشروع (أغلبه تعديلات صيانة لا إضافة مضمون جديد)، ولو أنني خامل نسبياً في الفترة الأخيرة، ربما لأنني كنت أشعر سابقاً أنني أكاد أكون الوحيد هنا، أما الآن فلم أعد وحيداً، وصار هنا من يقومون بأعمال التحرير والإدارة. [[مستخدم:Lanhiaze|Lanhiaze]] ([[نقاش المستخدم:Lanhiaze|نقاش]]) 13:36، 22 مارس 2025 (ت ع م)
::::@[[مستخدم:Lanhiaze|Lanhiaze]] مع اتفاقي على وجود هذه السلبيات في نظام الأوسمة الآلية لكن أرى أن إيجابياته تطغى على هذه السلبيات حيث ينشط بعض المستخدمين الذين لا يهدفون أصلا لتحقيق مركز شهري في الأوسمة حين يكافئون ببعضها، إلى جانب من يهدفون إليها أيضا، ووجود عدد مراجعات غير ضرورية يمكن أن يعالج بتنبيه المستخدمين. [[User:حبيشان|حبيشان]]<sup>('''[[نقاش المستخدم:حبيشان|ن]]''')</sup> 14:16، الثلاثاء 25 رمضان 1446هـ (+3) 11:16، 25 مارس 2025 (ت ع م)
* وتعقيب آخر: لا أرى فائدة كبيرة في إنشاء كمي لتصنيفات فارغة (حسب سنة الميلاد أو الوفاة على سبيل المثال). ربما يمكن تكليف بوت بأن يتابع صفحة [[خاص:تصنيفات مطلوبة|التصنيفات المطلوبة]] دورياً ويكتشف بينها التصنيفات وفق الميلاد أو الوفاة وينشئها بين حين وآخر مع تصنيفاتها وقوالبها. وكذلك تنشأ في الفترة الأخيرة قوالب عديدة بلا أدنى توثيق، وهذه لا يمكن أن تفيد إلا من أنشأها، أي أن فائدتها للمشروع محدودة؛ فمن أنشأها قد يترك المساهمة بعد أشهر أو سنوات، وقد ينشئ غيره قوالب مماثلة دون أن يعرف أن القالب المطلوب موجود بالفعل. كل قالب يجب أن يرافقه توثيق يشرح الغرض من القالب وطريقة عمله مع أمثلة كافية لكل متغيراته بشكل واضح. --[[مستخدم:Lanhiaze|Lanhiaze]] ([[نقاش المستخدم:Lanhiaze|نقاش]]) 11:01، 22 مارس 2025 (ت ع م)
* أرجو مطالعة النتائج في [[ويكي مصدر:المستخدمون الأنشط في الشهر]].--[[User:حبيشان|حبيشان]]<sup>('''[[نقاش المستخدم:حبيشان|ن]]''')</sup> 14:50، السبت 29 رمضان 1446هـ (+3) 11:50، 29 مارس 2025 (ت ع م)
*:مرحبًا @[[مستخدم:حبيشان|حبيشان]] جيدة جدًا، يمكن تحديد اسم الشهر مثلًا فبراير 2025، في النص والملخص ليمكن العودة لها مستقبلًا تحياتي [[مستخدم:Nehaoua|Nehaoua]] ([[نقاش المستخدم:Nehaoua|نقاش]]) 22:17، 29 مارس 2025 (ت ع م)
== النطاق المناسب لصفحات محتويات فهرس ==
أرى أن وضع المحتويات في نطاق (قالب) ليس سلوكا مستحسنا وأن الأفضل وضعها في صفحة فرعية من الفهرس نفسه مثلا: [[:قالب:محتويات نساء الخلفاء (دار المعارف، 1950)]] تكون في [[فهرس:نساء الخلفاء.pdf/محتويات]] وهذا يفيدنا في أمور
# سهولة الوصولة إلى صفحة المحتويات بصيغة موحدة.
# سهولة صيانة متعلقات الفهرس لأن المحتويات صفحة فرعية منه، وهذا يفيد في حالة النقل أو الحذف، بينما يمكن أن يحذف الفهرس أو ينقل ويغفل عن صفحة المحتويات لأنها في نطاق قالب.
# نطاق قالب موضوع أصلا للمكونات الصفحات التي تضمن كثيرا، بينما المحتويات غالبا لا تضمن أكثر من مرتين
# عدم مزاحمة القوالب في الظهور في الأدوات التي تسهل إدارج القوالب في الصفحات.
# تجنب الإرباك في الصيانة حيث هذه الصفحات ليس لها توثيق، ولا بيانات قالب.
[[User:حبيشان|حبيشان]]<sup>('''[[نقاش المستخدم:حبيشان|ن]]''')</sup> 17:07، الجمعة 13 شوال 1446هـ (+3) 14:07، 11 أبريل 2025 (ت ع م)
:{{تعليق}}شكرا @[[مستخدم:حبيشان|حبيشان]] لتوضيح الأمر. أعتقد أفضل للبحث مثلما ذكرت أن تكون في صفحة فرعية من الفهرس. لكن لما إنشاء صفحات جديدة بدل الكتابة في جدول المحتويات في الفهرس؟ تحياتي [[مستخدم:NANöR|NANöR]] ([[نقاش المستخدم:NANöR|نقاش]]) 07:53، 12 أبريل 2025 (ت ع م)
:{{تعليق}} @[[مستخدم:حبيشان|حبيشان]]، الفكرة جيدة والحجج لصالحها معقولة. هناك نقطة تقنية طفيفة، وهي ألا ينسى المستخدمون إدراج نقطتين قبل اسم الصفحة، مثلاً <code><nowiki>{{:فهرس:كذا.pdf/محتويات}}</nowiki></code>. --[[مستخدم:Lanhiaze|Lanhiaze]] ([[نقاش المستخدم:Lanhiaze|نقاش]]) 13:40، 12 أبريل 2025 (ت ع م)
::مرحبًا @[[مستخدم:Lanhiaze|Lanhiaze]] شكرًا لك، غابت عني هذه المعلومة لذا استعملت نطاق القالب، شكرًا مرة أخرى [[مستخدم:Nehaoua|Nehaoua]] ([[نقاش المستخدم:Nehaoua|نقاش]]) 19:58، 25 أبريل 2025 (ت ع م)
:مرحبًا @[[مستخدم:حبيشان|حبيشان]] فكرة جيدة، المهم أن نتفق على صيغة موحدة تحياتي [[مستخدم:Nehaoua|Nehaoua]] ([[نقاش المستخدم:Nehaoua|نقاش]]) 19:23، 25 أبريل 2025 (ت ع م)
::برأيي صيغة <code><nowiki>.../محتويات</nowiki></code> مقبولة. أي بلا ال التعريف على سبيل المثال (أرجو نقل [[فهرس:تاريخ طرابلس الغرب (المطبعة السلفية، 1349هـ)/المحتويات|هذه الصفحة]]). كما لاحظت أن هذه الصيغة لا تنشئ صفحة فرعية بل صفحة عادية في نطاق الفهرس، والذي على ما يبدو لا يقبل إنشاء الصفحات الفرعية، بدليل أن الصفحة الفرعية لا يوجد في أعلاها وصلة إلى الصفحة الأساسية! [[مستخدم:Lanhiaze|Lanhiaze]] ([[نقاش المستخدم:Lanhiaze|نقاش]]) 20:44، 25 أبريل 2025 (ت ع م)
:::@[[مستخدم:Lanhiaze|Lanhiaze]] في الواقع الصفحة المذكورة غير دقيقة، الأصل أن تكون بعنوان الكتاب ملحقًا بامتداد الملف <code>.pdf</code>، والنطاق يقبل الصفحات الفرعية، لاحظ مثلا الوصلة في النقاش أعلاه: [[فهرس:نساء الخلفاء.pdf/محتويات]].
:::أدعم الخيار <code>/محتويات</code>، وربما يمكننا أن نقترح في فبريكاتور إنشاء وصلة فرعية لها «تظهر إن كانت متوفرة» على غرار صفحة الأنماط، تحياتي --[[مستخدم:Mdktb|Mdktb]] ([[نقاش المستخدم:Mdktb|نقاش]]) 13:51، 8 مايو 2026 (ت ع م)
== إضافة اللغة العربية إلى المتعرف الضوئي كراكن ==
{{تابع في|T403346}}
بالنسبة للغة العربية لا يوجد متعرف ضوئي يدعم اللغة العربية في ويكيميديا غير متعرف جوجل، تبثت المؤسسة متعرف جديد اسمه [https://kraken.re kraken] على موقع متعرف تحت التجربة في https://kraken-ocr.wmcloud.org/ لكن للأسف لم يُثبت أي نموذج تعرف عربي في الموقع المذكور، طلبت في المهمة أعلاه تثبيت نموذجين عربيين لتجربة المتعرف الجديد وتوسع خيارات التعرف العربية.
أرجو إبداء رأيكم في المهمة هنا أو في المهمة نفسها. [[User:حبيشان|حبيشان]]<sup>('''[[نقاش المستخدم:حبيشان|ن]]''')</sup> 11:10، الأربعاء 18 ربيع الأول 1447هـ (+3) 08:10، 10 سبتمبر 2025 (ت ع م)
:مرحبًا @[[مستخدم:حبيشان|حبيشان]]، تنبّه أحد المطورين للمهمة وأضاف النماذج، لكن يبدو أن النتيجة ليست كما هو مأمول، جربتها مع عدّة صور ولم أحصل على أي نتيجة مقبولة، جربهّا إن أمكنك، والزميل المطوّر ينتظر اختبارنا لما قام به، تحياتي --[[مستخدم:Mdktb|Mdktb]] ([[نقاش المستخدم:Mdktb|نقاش]]) 00:31، 8 مايو 2026 (ت ع م)
:<u>ملاحظة أخرى:</u> طلبت في هذه [[phab:T424543|التذكرة]] منذ مدة قصيرة إضافة أحد النماذج التي تدعم العربية لـ Transkribus، وجدته أفضل الموجود نوعًا ما، بعض التجارب كانت مقبولة، تحياتي --[[مستخدم:Mdktb|Mdktb]] ([[نقاش المستخدم:Mdktb|نقاش]]) 00:40، 8 مايو 2026 (ت ع م)
::@[[مستخدم:Mdktb|Mdktb]] أشكرك على المتابعة والاقتراحات، أظن أن هناك خطأ ما في تثبيت نموذج كراكن لأن سبق تجربته من أحد المشاريع وأعطى نتائج جيدة، بينما الآن لا يكاد تخرج من كلمة صحيحة. [[User:حبيشان|حبيشان]]<sup>('''[[نقاش المستخدم:حبيشان|ن]]''')</sup> 22:59، السبت 22 ذو القعدة 1447هـ (+3) 19:59، 9 مايو 2026 (ت ع م)
== مهمة بوتية للتصانيف ==
بعض التصانيف في ويكي مصدر تحوي وصلات ربط انترويكي لنسخ اللغات والمشاريع الأخرى، وهذه الوصلات قد استُغني عنها بالربط في ويكي بيانات، فالمطلوب مهمة بوتية لحذف هذه الوصلات وتهجيرها إلى ويكي بيانات/، كما نحتاج بين الفينة والأخرى مهمة نقل التصانيف الآلي عبر البوت كما في ويكيبيديا، وأنا أرشح للمهمتين بوت المهندس المبدع @[[مستخدم:Mr. Ibrahem|Mr. Ibrahem]] حيث قد عمل هذه المهام سابقا في ويكيبيديا بكفاءة عالية. [[User:حبيشان|حبيشان]]<sup>('''[[نقاش المستخدم:حبيشان|ن]]''')</sup> 16:32، الأحد 29 ربيع الأول 1447هـ (+3) 13:32، 21 سبتمبر 2025 (ت ع م)
:@[[مستخدم:Mr. Ibrahem|Mr. Ibrahem]] أرجو قبول المهمة، حيث لا اعتراض عليها. [[User:حبيشان|حبيشان]]<sup>('''[[نقاش المستخدم:حبيشان|ن]]''')</sup> 17:23، الخميس 10 ربيع الآخر 1447هـ (+3) 14:23، 2 أكتوبر 2025 (ت ع م)
== [[مؤلف:رضوان الشهال]] ==
المؤلف توفي في ١٩٨٨، وهذا يعني أن أعماله تؤول إلى الملك العام في لبنان بعد خمسين سنة من وفاته، أي في ٢٠٣٩،أليس كذلك؟ إن كان حسابي صحيحاً، فلا يجوز نشر أعماله الآن. [[مستخدم:Lanhiaze|Lanhiaze]] ([[نقاش المستخدم:Lanhiaze|نقاش]]) 22:13، 25 يونيو 2026 (ت ع م)
أما بالنسبة للملف في كومنز، ففي الولايات المتحدة، حسب ما أفهم قانونها، ستبقى أعماله محمية سبعين سنة بعد وفاته، أي لن يمكن رفعه إلى هناك حتى سنة ٢٠٥٩. --[[مستخدم:Lanhiaze|Lanhiaze]] ([[نقاش المستخدم:Lanhiaze|نقاش]]) 22:23، 25 يونيو 2026 (ت ع م)
== الترحيل إلى بارسويد ==
<section begin="announcement-content" />
<em>[[m:Special:MyLanguage/Wikimedia Foundation/Product and Technology/Parsoid Read Views/Read View Announcement|طالعها بلغة أخرى]]</em>
<div class="mw-translate-fuzzy">
مرحبا بكم. يسرني أن أبلغكم أن الخطوة التالية من مشروع [[mw:Special:MyLanguage/Parsoid/Parser Unification|توحيد المحلل اللغوي]] وهي باروسيد «Parsoid» سوف تفعّل قريبا لتصير عارض المقالات الافتراضي على موقعكم الويكي $wiki. نزيد تدريجيا عدد مواقع الويكي التي تستعين ببارسويد وغرضنا من ذلك أن يصير المحلل اللغوي الافتراضي لنصوص الويكي لإصدار دعم برمجيات ميدياويكي طويل الأجل القادم. سوف يزيد هذا من مستوى جدارة مواقعنا الويكي واتساقها للمحررين والقراء واستخدام الأدوات وكذا تيسير تصميم سمات نصوص الويكي القادمة وتطويرها برمجيا.
</div>
لو تسبب هذا في تعطيل تدفق عملكم، لا تجزعوا! يمكنكم إلغاء التفعيل مستخدمين واحد من تفضيلات المستخدم أو وقف بارسويد على الصفحة الحالية مستخدمين قائمة «الأدوات» الفرعية، كما هو مبيّن في توثيق [[mw:Special:MyLanguage/Help:Extension:ParserMigration|امتداد:ترحيل بارسويد]].
ثمة [[mw:Special:MyLanguage/Parsoid/Parser Unification/Confidence Framework|المزيد من المعلومات المتاحة عن خطة النشر]]، تشتمل على أعمال الاختبار الواجب إجرائها قبل تشغيل باروسيد على أي موقع ويكي.
إن أردتم الإبلاغ عن أعطال برمجية أو مشاكل، يرجى الاطلاع على أعمال توثيق [[mw:Special:MyLanguage/Parsoid/Parser Unification/Known Issues|المشاكل المعروفة]] ولو عثرتم على عطل برمجي جديد يرجى إنشاء تذكرة فبريكاتور ووسم [[phab:project/view/5846|فريق تحويل المحتوى على فبريكاتور]].
<section end="announcement-content" />
[[mw:User:MSantos (WMF)|Content Transform Team]] 16:31، 3 أغسطس 2026 (ت ع م)
<!-- الرسالة التي أرسلها User:MSantos (WMF)@metawiki باستخدام القائمة في https://meta.wikimedia.org/w/index.php?title=Distribution_list/Global_message_delivery/Wikisource&oldid=28221043 -->
== نتائج مسابقة التراث المفتوح في ويكي مصدر ==
السلام عليكم ورحمة الله،
يسعدنا إعلامكم بنتيجة [[m:Event:Open_Heritage-Islamic_Civilization_Contest|'''مسابقة التراث المفتوح في ويكي مصدر''']]، والتي أدت لإضافة وتدقيق '''قرابة ألف صفحة''' إلى مشروع ويكي مصدر والتي حصل فيها على المراتب الثلاثة الأولى
<nowiki>*</nowiki> '''المرتبة الأولى: الزميل RASHEEDYE بمعدل 2430 نقطة.'''
<nowiki>*</nowiki> '''المرتبة الثانية: الزميل ماهر الماهر بمعدل 2240 نقطة.'''
<nowiki>*</nowiki> '''المرتبة الثالثة: الزميل origamos بمعدل 1470 نقطة.'''
نتوجه بجزيل الشكر لجميع من ساهم بإنجاز هذه المسابقة من مشاركين والمحكمين الأساتذة الكرام الزملاء '''Nehaoua''' و '''ميشيل بكني.''' [[مستخدم:SanBonne|SanBonne]] ([[نقاش المستخدم:SanBonne|نقاش]]) 14:48، 21 أغسطس 2026 (ت ع م)
== مستخدمة جديدة وأرغب في المساهمة ==
السلام عليكم، أنا مستخدمة جديدة في ويكي مصدر، وأرغب في التطوع والمساهمة في تصحيح وتنسيق النصوص والكتب. ليس لدي خبرة سابقة في ويكي مصدر، وأتمنى أن يساعدني أحد من المساهمين في معرفة كيفية البدء والمشاركة في المجتمع. شكرًا لكم. [[مستخدم:Rask 56|Rask 56]] ([[نقاش المستخدم:Rask 56|نقاش]]) 15:25، 23 أغسطس 2026 (ت ع م)
== تبديل المخدم - موقعك الويكي سوف يصبح للقراءة فقط قريبًا لبرهة ==
<section begin="server-switch"/><div class="plainlinks">
[[:m:Special:MyLanguage/Tech/Server switch|اقرأ هذه الرسالة بلغة أخرى]] • [https://meta.wikimedia.org/w/index.php?title=Special:Translate&group=page-Tech%2FServer+switch&language=&action=page&filter= {{int:please-translate}}]
سوف تبدّل [[foundation:|مؤسسة ويكيميديا]] وجهة حركة زيارات مواقعها بين مراكز بياناتها. وذلك للتأكد من أن ويكيبيديا ومواقع الويكي الأخرى التابعة لويكيميديا ستظل متصلة بالإنترنت حتى بعد وقوع كارثة.
سوف تنتقل حركة البيانات كلها يوم '''{{#time:j xg|2026-09-23|ar}}'''. سوف يبدأ الاختبار الساعة '''[https://zonestamp.toolforge.org/{{#time:U|2026-09-23T14:00|en}} {{#time:H:i e|2026-09-23T14:00}}]'''.
وللأسف، وبسبب بعض القيود على [[mw:Special:MyLanguage/Manual:What is MediaWiki?|ميدياويكي]]، سيتعين وقف أعمال التحرير كافة بينما ينفذ هذا الانتقال. ونحن نعتذر عن هذا الانقطاع، وسنعمل على تقليل حدوثه في المستقبل.
سوف يعرض إعلان بذلك على مواقع الويكي كافة قبل 30 دقيقة من بدء العمل. سيظل هذا البانر معروضًا حتى نهاية العمل.
يمكنكم المساهمة في [https://meta.wikimedia.org/w/index.php?title=Special%3ATranslate&group=Centralnotice-tgroup-read_only_banner&task=view&language=&filter=&action=translate جهود ترجمة أو تنقيح] نص هذا البانر.
'''سيمكنكم القراءة، ولكن لا يمكنكم التعديل، على كل مواقع الويكي لفترة قصيرة من الزمن.'''
* لن يمكنكم التعديل لمدة قد تصل إلى ساعة واحدة يوم {{#time:l j xg Y|2026-09-23|ar}}.
* إذا حاولتم تعديل أو حفظ أي شيء في تلك الأوقات، فسوف ترون رسالة خطأ. نأمل أن لا تضيع أية تعديلات خلال تلك الدقائق، ولكن لا يسعنا أن نضمن ذلك. إذا رأيتم رسالة الخطأ، يرجى الانتظار حتى يعود كل شيء إلى سابق عهده. وبالتالي ستقدرون على حفظ التعديلات. ولكن، من المستحسن أن تنسخوا تعديلاتكم قبل إرسالها، على سبيل الاحتياط.
''الآثار الأخرى'':
* الأعمال في الخلفية ستكون بطيئة وبعضها قد يتوقف. قد لا تحدث الروابط الشبكية الحمراء بالسرعة المعتادة. لو أنشأتم مقالة مربوطة بالفعل بمكان آخر، سيظل الرابط الشبكي أحمر اللون لفترة أطول من المعتاد. كما سنضطر لوقف بعض النصوص البرمجية طويلة الأجل.
* نتوقع تنفيذ الكود كما هو معتاد في أي أسبوع. إلا أنه ربما تحدث حالات منفردة من تجميد الكود البرمجي في أوقات معينة لو تطلب الأمر ذلك بعد الانتهاء من العمل.
* سيكون [[mw:Special:MyLanguage/GitLab|معمل غت (GitLab)]] غير متاح لحوالي 90 دقيقة.
قد يتأجل هذا المشروع لو تطلب الأمر ذلك. يمكنكم [[wikitech:Switch_Datacenter|الاطلاع على الجدول الزمني المحدد على wikitech.wikimedia.org]] سوف نعلن عن أية تغييرات على هذا الجدول.
'''يرجى مشاركة هذه المعلومات مع مجتمعكم.'''</div><section end="server-switch"/>
[[m:user:Trizek (WMF)|Trizek (WMF)]] 12:58، 15 سبتمبر 2026 (ت ع م)
<!-- الرسالة التي أرسلها User:Trizek (WMF)@metawiki باستخدام القائمة في https://meta.wikimedia.org/w/index.php?title=Distribution_list/Non-Technical_Village_Pumps_distribution_list&oldid=30513874 -->
== Your feedback wanted: Remove ''(Language link added:) and similar'' edits from Special:RecentChanges ==
''(Apologies for posting in English. You can help by translating it)''
Hello, I’m Danny from [[:en:w:Wikimedia_Deutschland|Wikimedia Deutschland’s]] [[m:Wikidata_For_Wikimedia_Projects|Wikidata For Wikimedia Projects]] team.<br/>
We have been investigating and examining how Wikidata’s use in the [[Special:RecentChanges]] and [[Special:Watchlist]] pages can be made to be more useful, or less ‘noisy’ (fewer edits that have little value to the reader).
We are currently exploring to make a change in the volume and the type of Wikidata edits that appear in these pages, and '''we need your feedback''' to help us ensure this is a positive change for the Wikis and won’t disrupt your workflows.<br/>
Language links are also known as sitelinks or interlanguage links and describe when a Wikidata item is connected to a Wiki, adding it to the language dropdown tool for other connected Wikis.
[[File:Types of Lang Link changes.png|x350px|frame|A variety of "Language Link" edits as seen in the Recent Changes feed]]
The request for feedback is whether you support the removal of these language link edits from the Recent Changes and Watchlist feed, or would you oppose such a change and if so, why?
Please share you thoughts on the dedicated '''[[m:Talk:Wikidata_For_Wikimedia_Projects/Clearer_Wikidata_Edit_Summaries/Hide_Language_Link_edits|metawiki Talk page]]'''.
Further information about this change: [[m:Wikidata_For_Wikimedia_Projects/Clearer_Wikidata_Edit_Summaries/Hide_Language_Link_edits|m:Wikidata_For_Wikimedia_Projects/Hide_Language_Link_edits]]
Thank you for any participation or feedback you give, -- [[m:User:Danny_Benjafield_(WMDE)|User:Danny Benjafield (WMDE)]] 12:18، 25 سبتمبر 2026 (ت ع م)
<!-- الرسالة التي أرسلها User:Danny Benjafield (WMDE)@metawiki باستخدام القائمة في https://meta.wikimedia.org/w/index.php?title=User:Danny_Benjafield_(WMDE)/MassMessage_test_list&oldid=31080967 -->
== استخدام أحرف يونيكودية تطابق الرسم المغربي في المشروع ==
الزملاء المشاركين في [[فهرس:كشف الأستار عن علم حروف الغبار (مخطوطة، 1851).djvu]] التزموا باستعمال حروف يونيكودية تطابق في رسمها الرسم المغربي، وأنا لا أتفق مع هذا الموقع يستعمل رمزا يونيكوديا وحيدا لكل حرف: فالفاء تكتب ف في أي مكان لو كانت في المخطوطة والأصل مكتوبة ڢ، والقاف أيضا ق لو كانت في الرسم الأصلي ڧ، وفلا بد من كتابة الحرف الصحيح وإن كان في أصل استعمل رسمًا يختلف عن الرسم الحالي الشائع. [[User:حبيشان|حبيشان]]<sup>('''[[نقاش المستخدم:حبيشان|ن]]''')</sup> 22:31، السبت 15 ربيع الآخر 1448هـ (+3) 19:31، 26 سبتمبر 2026 (ت ع م)
:إشارة إلى @[[مستخدم:JazarF|JazarF]] @[[مستخدم:~2026-44033-07|~2026-44033-07]] @[[مستخدم:~2026-51196-19|~2026-51196-19]] والإداريين @[[مستخدم:Nehaoua|Nehaoua]] @[[مستخدم:Lanhiaze|Lanhiaze]] @[[مستخدم:NANöR|NANöR]] [[User:حبيشان|حبيشان]]<sup>('''[[نقاش المستخدم:حبيشان|ن]]''')</sup> 22:35، السبت 15 ربيع الآخر 1448هـ (+3) 19:35، 26 سبتمبر 2026 (ت ع م)
::{{أتفق}}؛ مع جهلي بالأمور التقنية، أعتقد، يمكن تحقيق الرسم الصحيح عن طريق الإعدادات أو القوالب أو الأساليب مع إبقاء النص المستبطن للنص الظاهر بأحرف اليونيكود العربية العامة؛ أليس كذلك؟ مثلاً، كيف تحقق هذا في المصاحف الموجودة في ويكي مصدر؟ [[مستخدم:Lanhiaze|Lanhiaze]] ([[نقاش المستخدم:Lanhiaze|نقاش]]) 19:41، 26 سبتمبر 2026 (ت ع م)
:مصحف ورش صادر عن مجمع الملك فهد، مكتوب بطريقة قراءة القرآن المعروفة برواية ورش عن نافع وهي الرواية الشائعة في المغرب
:https://archive.org/details/20240512_20240512_1637/page/n605/mode/1up [[خاص:مساهمات/~2026-44033-07|~2026-44033-07]] ([[نقاش المستخدم:~2026-44033-07|نقاش]]) 19:45، 26 سبتمبر 2026 (ت ع م)
:مرحبًا @[[مستخدم:حبيشان|حبيشان]]، شكرًا لإثارة الموضوع، لا أجد فائدة في كتابة النص بالرسم المغربي أو غيره، الأصل هو تحويل الصفحات لنصوص مقروءة للكل ولتمكين استعمالها في البحث والتوثيق، لذا الجهد المبذول في المطابقة ليس له ناتج الا محاولة إحياء رسم لم يعد يستعمل حتى في بلده إلا للزخرفة. في الأخير نذكر بالأصل وهو إعادة كتابة النصوص بما يطابق الأصل من ناحية المحتوى، لكن ليس حتما بنفس الرسم والخط. تحياتي [[مستخدم:Nehaoua|Nehaoua]] ([[نقاش المستخدم:Nehaoua|نقاش]]) 20:55، 26 سبتمبر 2026 (ت ع م)
::يمكن اتباع الأسلوب المستخدم مع الحرف ſ، بحيث يُكتب النص في صفحة التحرير وفق رسمه الأصلي، ويُعرض للقارئ باستخدام الحرف s الشائع اليوم، كما في المثال التالي.
::*[[:en:Page:The Good Huswifes Jewell (Davies).pdf/3]]
::*[[:en:The good huswifes Jewell]]
:: [[خاص:مساهمات/~2026-44033-07|~2026-44033-07]] ([[نقاش المستخدم:~2026-44033-07|نقاش]]) 01:24، 27 سبتمبر 2026 (ت ع م)
::This template is for displaying the HTML entity for the long 's', Unicode character U+017F: ſ.
::{{Long s}} gives either a standard long 's' ( ſ ) or a standard letter "s".
:: '''[[:en:Template:Long s]]'''
:: [[خاص:مساهمات/~2026-44033-07|~2026-44033-07]] ([[نقاش المستخدم:~2026-44033-07|نقاش]]) 10:46، 27 سبتمبر 2026 (ت ع م)
::بحيث يكون كل من الحرف {{ڢ}} - {{ڧ}} - {{ں}} - {{ڡ}} - {{ٯ}} في صفحة التحرير فقط ويتم تحويلها في الصفحات للنصوص مقروءة [[خاص:مساهمات/~2026-44033-07|~2026-44033-07]] ([[نقاش المستخدم:~2026-44033-07|نقاش]]) 10:53، 27 سبتمبر 2026 (ت ع م)
:::مرحبًا، ما المقصود من كل هذا المجهود رغم أن المتغيرات في كتابة اللغة العربية لم يطرأ عليها تعديل كبير ولا يود اختلاف مهم بين مختلف الكتابات، كذلك المثال الذي ذكرته ربما هو بالإنجليزية الوسطى وكل تغيير قد يؤثر على النص، ربما أشاطرك الرأي في كتابة الهمزة التي تختلف بين المشرق والمغرب، وكذا المدود وجعل بعض الهمزات صامتة أو العكس (نكتب الارض بدلا من الأرض والأنبئاء بدل الأنبياء وغيرها) أما كتابة القاف والفاء والنون الأخيرة وما شابهها فهي رسم لا يغير شيء [[مستخدم:Nehaoua|Nehaoua]] ([[نقاش المستخدم:Nehaoua|نقاش]]) 18:00، 27 سبتمبر 2026 (ت ع م)
::::هذا حلٌّ وسط يحفظ رسم الحروف كما ورد في المخطوط للكاتب الذي تُوفّي عام 1486، وكما يُسهّل قراءتها بأشكالها المألوفة اليوم.
::::فالكاتب لم يكن بوسعه أن يتنبأ بالتطورات التقنية (يونيكودية، ويكي، HTML، PDF وغيرها) التي تتيح لنا عرض النص بأكثر من شكل، كما أننا لا نعلم كيف ستكون الحروف وطرق عرضها بعد ألف عام. [[خاص:مساهمات/~2026-44033-07|~2026-44033-07]] ([[نقاش المستخدم:~2026-44033-07|نقاش]]) 20:21، 27 سبتمبر 2026 (ت ع م)
::::{{اقتباس 2|ومں الله اسال الاعانة والارشاد الى سواء طريٯ التوڢيٯ والسداد ڢی هذه الدّنيا والمعاد واں يجعل ذلك مں الاعمال التی لا تنڧطع بالموت ولا يعڧب صاحبها حسرات الڢوت|}}
:::: أبو الحسن علي بن محمد بن علي القلصادي
:::: https://www.google.com/books/edition/Ka%C5%A1f_al_asr%C4%81r_%CA%BFan_%CA%BFilm_%E1%B8%A5ur%C5%ABf_al/emcygMNLGYMC?hl=en&gbpv=0
:::: [[خاص:مساهمات/~2026-44033-07|~2026-44033-07]] ([[نقاش المستخدم:~2026-44033-07|نقاش]]) 20:26، 27 سبتمبر 2026 (ت ع م)
:تم انشاء [[قالب:خط مغربي|قالب للخط مغربي]] ليحفظ رسم الحروف كما وردت في المخطوطة [[خاص:مساهمات/~2026-44033-07|~2026-44033-07]] ([[نقاش المستخدم:~2026-44033-07|نقاش]]) 06:04، 28 سبتمبر 2026 (ت ع م)
::لا أتفق مع حل القالب، لا بد من إدخال الرموز الصحيحة لأن هذا يعيق محركات البحث ويعيق القراءة، لكن يمكن إذا كان هناك خط مغربي مفتوح المصدر يمكن أن يدمج مع الكتاب ليظهر اختياريا بنفس الرسم مع الحفاظ على الرموز اليونيكودية العربية. [[User:حبيشان|حبيشان]]<sup>('''[[نقاش المستخدم:حبيشان|ن]]''')</sup> 14:09، الاثنين 17 ربيع الآخر 1448هـ (+3) 11:09، 28 سبتمبر 2026 (ت ع م)
:::مرحبًا @[[مستخدم:حبيشان|حبيشان]] {{مض|خط مغربي مفتوح المصدر}} هذا أحسن حل، وقد ذكرت أمرًا نسيته وهو البحث، فمجتمع ويكي مصدر يشكو أصلا من عدم فهرسة المحركات لصفحات ويكي مصدر أو عدم ابرازها أولا، وبوجود نصوص غير منشورة مسبقًا، ستكون حتما الأولوية لويكي مصدر لكن عدم وجود الرموز اليونيكودية العربية يجعل البحث دون نتيجة تحياتي [[مستخدم:Nehaoua|Nehaoua]] ([[نقاش المستخدم:Nehaoua|نقاش]]) 17:42، 29 سبتمبر 2026 (ت ع م)
== الآن قالب جدول محتويات يتعرف على صفحات المصدر تلقائيا ==
{{قا|جدول محتويات}} يتعرف تلقائيا على صفحات الكتاب pdf تلقائيا إذا أُغفل وسيط {{وسيط|معامل}} وضبطت في صفحة الفهرس، انظر مثالا [[صفحة:عشائر العراق 1.pdf/510]] [[User:حبيشان|حبيشان]]<sup>('''[[نقاش المستخدم:حبيشان|ن]]''')</sup> 14:13، الاثنين 17 ربيع الآخر 1448هـ (+3) 11:13، 28 سبتمبر 2026 (ت ع م)
:مرحبا @[[مستخدم:حبيشان|حبيشان]]، شكرا لهذا التحديث، لكن هل ما فهمته، ان القالب يستعمل مدخلات الصفحات وتقارن رقم الصفحة في الفهرس ويطابقها فهذا فعلا عمل عظيم، ومنه صار الوسيط معامل بلا فائدة تقريبا. تحياتي [[مستخدم:Nehaoua|Nehaoua]] ([[نقاش المستخدم:Nehaoua|نقاش]]) 19:22، 1 أكتوبر 2026 (ت ع م)
::@[[مستخدم:Nehaoua|Nehaoua]] نعم هذا هو، لأن بعض الكتب مثل عشائر العراق يتغير فيها المعامل وليس له قيمة ثابتة. [[User:حبيشان|حبيشان]]<sup>('''[[نقاش المستخدم:حبيشان|ن]]''')</sup> 23:01، الخميس 20 ربيع الآخر 1448هـ (+3) 20:01، 1 أكتوبر 2026 (ت ع م)
== Wikidata Sitelink changes in Recent Changes and Watchlist ==
''(Apologies for cross-posting in English, translating it will help spread the message)''
Editors on group 1 wikis, including Wikiquote, Wikibooks, Wikiversity, Wikivoyage, and Wikisource, will no longer see notifications on [[Special:RecentChanges|Recent Changes]] and [[Special:Watchlist|Watchlist]] when a link to ''another'' language version of a page is added, removed, or changed in its Wikidata item. This change will begin on '''October 5 at 07:00 UTC''' as a two-week trial to reduce high-volume, low-value notifications and make higher-value changes easier to identify. Editors who rely on these notifications should be aware of the change and can share feedback or concerns on the [[m:Wikidata For Wikimedia Projects/Clearer Wikidata Edit Summaries/Hide Language Link edits|project]] or [[m:Talk:Wikidata_For_Wikimedia_Projects/Clearer_Wikidata_Edit_Summaries/Hide_Language_Link_edits|talk page]].<br/>Please reach out if you have any questions, thank you! -- [[User:Danny_Benjafield_(WMDE)|Danny Benjafield (WMDE)]] ([[User_talk:Danny_Benjafield_(WMDE)|talk]]) sent via [[مستخدم:MediaWiki message delivery|MediaWiki message delivery]] ([[نقاش المستخدم:MediaWiki message delivery|نقاش]]) 12:42، 1 أكتوبر 2026 (ت ع م)
<!-- الرسالة التي أرسلها User:Danny Benjafield (WMDE)@metawiki باستخدام القائمة في https://meta.wikimedia.org/w/index.php?title=User:Danny_Benjafield_(WMDE)/MassMessage_test_list&oldid=31106967 -->
== استفسار عن شروط إضافة قصائد من تأليفي ==
السلام عليكم زملاء ويكي مصدر،
أنا صادق منصور ساده، المعروف باسم صادق العراقي والإعلامي صادق العراقي، وأكتب قصائد شعرية. أرغب في معرفة ما إذا كانت قصائدي تصلح للإضافة إلى ويكي مصدر، وما شروط النشر السابق والمصادر المقبولة والترخيص المطلوب لأعمال مؤلف ما زال على قيد الحياة.
أرجو إرشادي إلى الخطوات الصحيحة قبل إضافة أي قصيدة، وسأقدّم رابط النشر السابق للقصيدة التي أقترحها إن كانت منشورة.
شكرًا لتعاونكم. [[مستخدم:صادق منصور ساده|صادق منصور ساده]] ([[نقاش المستخدم:صادق منصور ساده|نقاش]]) 12:25، 4 أكتوبر 2026 (ت ع م)
== إضافة إدخال الأرقام المشرقية ==
نقدم لكم إضافة «{{int:Gadget-EasternNumbers-Switch}}» والتي تدخل أرقامًا مشرقية بدلا من الأرقام المغربية مما يسهل العمل في الكتب التي تعتمد الأرقام المشرقية، بدلا من الحاجة إلى طرق متشعبة أخرى، عند تفعيل الإضافة فإنها تحول إدخال الأرقام من لوحة المفاتيح إلى الأرقام المشرقية، ويمكن إلغاء التفعيل من زر في شريط الأدوات، وإذا عينت الأرقام المغربية في صفحة الفهرس فإن الإضافة لا تفعل تلقائيا.
أرجو تجربة الإضافة بتفعيها عبر الزر
{{تفعيل إضافة|EasternNumbers-Switch|block=1}}
وإبلاغي بأية ملاحظات، تمهيدا لاعتمادها إضافة افتراضية. [[User:حبيشان|حبيشان]]<sup>('''[[نقاش المستخدم:حبيشان|ن]]''')</sup> 23:45، الأحد 23 ربيع الآخر 1448هـ (+3) 20:45، 4 أكتوبر 2026 (ت ع م)
== حالة صفحات النصوص القانونية المغربية: هل تُرفع إلى «صُححت»؟ ==
السلام عليكم،
نَشرتُ في الأسابيع الماضية نصوص قوانين مغربية، عددها تقريبا 90 قانونا في نحو 4200 صفحة. يُمكنكم الاطلاع على القائمة في صفحة [[ويكي مصدر:قانون/المغرب]]. مصدر النصوص هو بوابة وزارة العدل المغربية (adala.justice.gov.ma): صيغتها pdf، أنشرها على كومنز، وأربطها بعنصر ويكي بيانات، ثم أنشئ في ويكي مصدر صفحة الفهرس والصفحات الفردية في نطاق «صفحة:»، ثم الصفحة الرئيسية للنص منقولة بـ<code><nowiki><pages></nowiki></code>.
استعملت في هذا التفريغ عددا من التقنيات التي أشتغل عليها منذ سنوات، لمعالجة النصوص واستخراجها من الصور باستعمال أدوات برمجية ونماذج لغوية ضخمة، مع التعلم من الأخطاء آليا، والعودة لتصحيحها إن وُجِدت. لا يكتفي البرنامج باستخراج النص والتحقق منه، بل يُجَهِّز نص الويكي مع العناوين والفقرات وتنسيق الصفحة. تحققتُ من المحتوى النهائي لبعض الصفحات وكانت النتيجة ممتازة، وأرى أنها تتجاوز معايير الصفحات ذات الحالة {{Page status text|مصححة}} (انظر [[مساعدة:حالة الصفحة]]). أدعوكم إلى فحص بعض الصفحات للتأكد.
لكن بما أن المُحتوى مُوَلّد آليا أو شبه-آلي، أنشأتُ كل الصفحات بحالة {{Page status text|غير مصححة}}، وأود أن أسأل المجتمع هل يصح رفعها إلى {{Page status text|مصححة}} ؟ [[مستخدم:ForzaGreen|وائل]] ([[نقاش المستخدم:ForzaGreen|نقاش]]) 22:31، 4 أكتوبر 2026 (ت ع م)
6cfz8wxnurq7mn2tskpr6u3yr1tpgcp
تتمة مصارع العشاق
0
143162
626751
425224
2026-10-04T16:21:12Z
Meno25
3370
626751
wikitext
text/x-wiki
{{ترويسة|عنوان=مصارع العشاق|مؤلف=جعفر بن أحمد بن الحسين السراج |باب=|سابق=مصارع العشاق |تالي=|ملاحظات=}}
<div class="prose">
موت جميل بثينة
أخبرنا أبو طاهر أحمد بن علي السواق، أخبرنا محمد بن أحمد بن فارس قال، حدثنا أبو الحسين عبيد الله بن إبراهيم، حدثنا محمد بن خلف، حدثنا أبو بكر العامري، أخبرني أبو الحسن بن محمد بن أبي سيف، أخبرني أبو عبد الرحمن العجلاني عن سهل بن سعد الساعدي قال: بينا أنا بالشام إذ لقيني رجل من أصحابي فقال: هل لك في جميل تعوده، فإنه ثقيل بالمرض؟ قلت: نعم! فدخلنا عليه، وهو يجود بنفسه، وما يخيل إلي أن الموت علق به، فنظر إلي وقال: يا ابن سعد! ما تقول في رجل لم يزن قط، ولم يشرب خمراًقط، ولم يسفك دماً حراماً قط، يشهد أن لا إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله، منذ خمسين سنة.
قال: قلت: من هذا الرجل؟ فإني أظنه، والله، قد نجا، لن الله تعالى يقول: إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم وندخلكم مدخلاً كريماً.
قال: أنا. قال: فقلت: والله ما رأيت كاليوم أعجب من هذا، وأنت تشبب ببثينة منذ عشرين سنة.
قال: أنا في آخر يوم من أيام الدنيا وأول يوم من الآخرة، فلا نالتني شفاعة محمد إن كنت وضعت يدي عليها لريبة قط، وإن كان أكثر ما كان مني إليها أني كنت آخذ يدها أضعها على قلبي، فأستريح إليها.
قال: ثم أغمي عليه، ثم أفاق، فقال:
صَدَعَ النعيُّ وَما كَنى بجَمِيلِ، ... وَثَوَى بمِصرَ ثَوَاءَ غَيرِ قَفُولِ.
وَلقد أجرُّ الذّيلَ في وَادِي القُرَى، ... نَشوَانَ بَينَ مَزَارِعٍ وَنَخِيلِ.
قُومي بُثَيْنَةُ، فَاندُبي بعَوِيلِ، ... وَابكي خَليلَكِ دونَ كلّ خليلِ.
ثم أغمي عليه فمات.
''(1/311)''
غشية تجيء وأخرى تذهب
أخبرنا أبو طاهر محمد بن علي بن يوسف العلاف بقراءتي عليه، أخبرنا أبو حفص عمر بن أحمد بن عثمان بن شاهين، حدثنا جعفر بن محمد، حدثنا أحمد بن محمد بن مسروق الطوسي، حدثنا علي القمي، حدثني أبو المصعب المديني قال: دخلت على الربيع بن عبيد، وكان قد أخذته زمعة الحب، وتيم عقله، فكان يصيبه كالغفلة حتى يذهب عقله، فسمعته وهو يخاطب نفسه، ويقول:
الحبُّ لَوْ قَطّعَني ... ما قُلْتُ للحُبّ ظَلَمْ.
قَدْ كُنْتُ خِلْواً، زَمَناً، ... فاليَوْمَ يَبدُو مَا كُتِمْ.
قال: قلت كيف أنت برحمك الله؟ فقال: من أنت؟ فقلت: أنا أخوك أبو المصعب. قال: غشية تجيء، وأخرى تذهب، وأنا أتوقع الموت ما بين ذلك. قلت: الله بينك وبين من ظلمك. قال: مه، والله ما أحب أن يناله مكروه في الدنيا ولا في الآخرة! ثم تنفس حتى رحمته، وهمت دموعه، وذهب عقله، فقمت عنه.
''(1/312)''
الهم الملازم
أخبرنا أبو محمد الحسن بن علي الجوهري في ما أذن لنا أن نرويه عنه، أخبرنا أبو القاسم طلحة بن محمد الشاهد، أخبرنا أبو عبد الله الحرمي بن أبي العلاء وهو أحمد بن محمد بن إسحاق بن إبراهيم بن أبي الخمصة الغطفاني المكي، حدثنا الزبير بن بكار، حدثني محمد بن حسن: أنشدني محرز بن جعفر لعبيد بن عبد الله بن عتبة بن مسعود الهذلي:
غُرَابٌ وَظَبيٌ أعصَبُ القَرْنِ بَادِياً، ... بصَرْمٍ، وَصِرْدانُ العَشيّ تَصِيحُ.
لَعَمرِي لَئن شَطّتْ بعَتمَةَ دارُها، ... لقَد كنتُ من وَشكِ الفرَاقِ أُلِيحُ.
أرُوحُ بِهَمٍّ، ثمّ أغدُو بِمِثْلِهِ، ... وَيُحسَبُ أني في الثّيَابِ صَحِيحُ.
الفتى المشدود بالحبل
ذكر أبو عمر محمد بن العباس بن حيويه الخزاز ونقلته منخطه أن أبا بكر محمد بن خلف المحولي حدثهم قال: حدثنا يحيى بن جعفر الواسطي، حدثنا يزيد بن هارون، أخبرنا محمد بن إسحاق، حدثنا يعقوب بن عتبة بن المغيرة الأخنس عن الزهري عن عبد الله بن أبي حدرد عن أبيه قال: كنت في خيل خالد بن الوليد فقال لي فتىً منهم، وهو في سني، قد جمعت يداه إلى عنقه برمةٍ، ونسوة مجتمعات غير بعيدات عنه: يا فتى! قلت: ما تشاء؟ قال: هل أنت آخذ بهذه الرمة ومدنيني من هؤلاء النسوة، فأقضي إليهن حاجةً، ثم تردني، فتفعل ما بدا لك؟ قال: قلت والله ليسير ما طلبت. فأخذت برمته حتى وقفته، فقال: إسلم حبيش على بعد العيش، وذكر الحديث.
''(1/313)''
حكاية سلم حبيش على بعد العيش
ذكر أبو عمر محمد بن العباس بن حيويه الخزاز، ونقلته من خطه، أن أبا بكر محمد خلف بن المرزبان حدثهم قال: حدثنا أبو عبد الله محمد بن يوسف الكوفي، حدثنا الهيثم بن عدي، حدثني سعيد بن شيبان عن أبي مسعود الأسلمي عن أبيه قال: نشأ فينا غلام يقال له عبد الله بن علقمة، وكان جميلاً، فهوي جاريةً من غير فخذه، يقال لها حبيشة، فكان يأتيها، ويتحدث إليها. قال: فخرج ذات يوم من عندها، ومعه أمه، فراى في طريقه ظبيةً على رابية، فأنشأ يقول:
يا أُمَّنا خَبّرِينا، غَيرَ كاذِبَةٍ، ... وَلا تَشوبي سؤولَ الخيرِ بالكذِبِ.
حُبَيشُ أحسَنُ أمْ ظَبيٌ بَرابيَةٍ، ... لا بل حُبيشةُ من دُرٍّ وَمن ذهَبِ.
انصرف من عندها مرةً أخرى، فأصابته السماء، فأنشأ يقول:
وَما أدْرِي، إذا أبْصَرْتُ يَوْماً، ... أصَوْبُ القَطْرِ أحْسَنُ أمْ حُبَيشُ.
حُبَيشٌ، وَالّذِي خَلَقَ البَرَايَا ... عَلى أنْ لَيسَ عِندَ حُبَيشَ عَيشُ.
فلما كثر ذلك منه وشهر بها، قال قومه لأمه: إن هذا الغلام يتيم، وإن أهل هذه المرأة يرغبون بأنفسهم عنكم، فانظري جاريةً ن قومك ممن لا تمتنع عليك، فزيّنيها واعرضيها عليه لعله يتعلقها ويسلى، ففعلت، وحضرها نساؤها، فجعلوا يعرون عليه نساء الحي، ثم يقولون له: يا عبد الله! كيف ترى؟ فيقول: إيهاً، والله حسناء، إلى ان قال قائل: أهي أحسن أم حبيشة؟ فقال: مرعى ولا كالسعدان.
فلما يئسوا من أن ينصرف عنها، قال بعضهم لبعض: عليكم بحبيشة،
''(1/314)''
وطمعوا أن ياتوا الأمر من قبلها، فقالوا: والله لئن أتاك، لا تزرين به، وتتجهمينه، وتقولين له: أنت أبغض الناس إلي، فلا تقربني، ونحن بمرأى منك ومسمع، ليفعلن بك ما يسوءك، فأتاها، فلم تكلمه بشيء مما قالوا، ولم تزد على أن نظرت إليه، ونظر إليها، ثم أرسلت عينيها بالبكى، فانصرف عنها، وهو يقول:
وَما كانَ حُبّي عن نَوَالٍ بَذَلْتِه ... وَلَيسَ بمُسْليَّ التّجَهّمُ وَالهَجْرُ.
سِوَى أنّ دائي مِنكِ داءُ مَودّةٍ، ... قَدِيماً، وَلمْ يُمزَجْ كما تُمزَجُ الخمرُ.
وَما أنسَ مِلْ أشياء لا أنسَ دمعَها ... وَنَظْرَتَها حَتّى يُغَيّبني القَبْرُ.
فبينما هما على أشد ما كانا عليه من الهوى والصبوة، إذ هجم عليهم جيش خالد بن الوليد يوم الغميصاء، فأخذ الغلام رجل من أصحاب خالد، فأراد قتله، فقال له: ألمم بي أهل تلك البيوت أقضي إليهن حاجةً، افعل ما بدا لك.
قال: فأقبلت به حتى انتهى إلى خيمة منها، فقال: إسلم حبيش بعد انقطاع العيش، فأجابته فقالت: سلمت وحياك الله عشراً، وتسعاً وتراً، وثلاثاً تترى، فلم أر مثلك يقتل صبراً. وخرجت تشتد، وعليها خمار أسود، وقد لاثته على رأسها، وكان وجهها مثل القمر ليلة البدر، فقال حين نظر إليها:
أرَيتُكِ إنْ طالَبتُكم فَوجَدتكمْ ... ببرْزَةَ، أوْ إنْ لم تَفُتْني الحَرَانقُ.
أمَا كانَ حَقّاً أن يُنَوَّلَ عاشِقٌ ... تكلّفَ إدلاجَ السُّرَى وَهوَ رَاهقُ.
فَإنيَ لا سِرّاً لَدَيّ أضَعْتُهُ، ... وَلا رَاقَ عَيني بعد وَجهكِ رَائقُ.
''(1/315)''
على أن ما بات العشية شاغل، ... فلا ذكر إلا أن تكون توامق.
فها أنا ماسور لديك مكبلن ... وما أنا بعد اليوم بالعتب ناطق.
فأجابته:
أرَى لكَ أسْبَاباً أظُنّكَ مُخْرِجاً ... بهَا النّفسَ من جَنبيّ والرّوحُ زَاهقُ.
فأجابها فقال:
فإنْ يَقتُلوني، يا حُبَيش، فلم يَدَعْ ... هَوَاكِ لهُمْ مِني سِوَى غُلّةِ الصّدرِ.
وَأنتِ التي قَفّلتِ جِلْدِي عَلى دَمي ... وَعَظمي وَأسبَلتِ الدموعَ على النّهرِ.
فأجابته فقالت:
وَنَحنُ بَكَينا من فِرَاقِكَ مَرّةً، ... وَأُخرَى، وَقايَسنا لكَ العُسرَ باليُسرِ.
فأنتَ فلا تَبْعَدْ، فَنِعمَ أخُو النَّدَى، ... جَميلُ المُحَيّا في المُرُوءةِ وَالبِشْرِ.
قال الذي أخبر به: فلم سمعت ذلك منهما أدركتني الغيرة، فضربته ضربةً، فقطعت منها يده وعنقه، فلما رأته قد سقط قالت لي: ائذن لي أن أجمع بعضه إلى بعض، فأذنت لها، فجمعته وجعلت تمسح التراب عن وجهه بخمارها وتبكي، ثم شهقت شهقةً خرجت منها نفسها.
موت عروة بن حزام
قال أبو بكر بن المرزبان وأخبرنا أحمد بن زهير، أخبرنا الزبير بن بكار، أخبرنا أبي قال: قال عروة بن الزبير: مررت بوادي القرى فقيل لي: هل لك في عروة بن حزام؟ فقلت: الذي يلقى من الحب ما يلقى؟ قالوا: نعم! فخرجت حتى جئته، فإذا هوى
''(1/316)''
في بيت منفرد عن البيوت، وإذا، والله، حوله أخوات له أمثال التماثيل، وأمه وخالته. قال: فقلت له: أنت عروة؟ قال: نعم! قلت: صاحب عفراء؟ قال: صاحب عفراء، ثم استوى قاعداً فقال: وأنا الذي أقول:
وعينان ما أوفيت نشزاً فتنظرا ... بما فيهما إلا هما تكفان.
ألا فاحملاني، بارك الله فيكما، ... إلى حاضر البلقاء ثم ذراني.
ثم التفت إلى أخواته فقال:
مَنْ كانَ من أُمّهَاتِي بَاكِياً أبَداً، ... فَالَيْوَم إني أُرَاكَ اليَوْمَ مَقْبُوضا.
مَنْ كانَ يَلحُو فإني غَيرُ سَامِعِهِ، ... إذَا عَلَوْتُ رِقَابَ القَوْمِ مَعرُوضَا.
قال عروة بن الزبير: فلما سمعن قوله برزن والله يضربن حر الوجوه، ويشقنقن جيوبهن. قال عروة: فقمت، فما وصلت إلى منزلي حتى لحقني رجل فقال: قد مات.
قصة عروة وعفراء
نقلت من خط ابن حيويه: حدثنا أبو بكر بن المرزبان، حدثني أبو العباس فضل بن محمد اليزيدي، حدثنا إسحاق بن إبراهيم الموصلي، أخبرني لقيط بن بكر المحاربي.
أن عروة بن حزام وعفراء ابنة مالك العذريين، وهما بطن من عذرة، يقال لهم بنو هند بن حزام بن ضبة بن عبد بكير بن عذرة، نشأا جميعاً فعلقها علاقة الصبي، وكان عروة يتيماً في حجر عمه، حتى بلغ، فكان يسأل عمه أن يزوجه عفراء فيسوفه، إلى أن خرجت عير لأهله إلى الشام
''(1/317)''
وخرج عروة إليها، ووفد على عمه ابن عم له من البلقاء يريد الحج، فخطبها، فزوجها إياه.
وأقبل عروة في عيره حتى إذا كان بتبوك نظر إلى رفقة مقبلةٍ من نحو المدينة فيها امرأة على جمل أحمر، فقال لأصحابه: والله، إنها شمائل عفراء، فقالوا: ويحك! ما تترك ذكر عفراء لشيء؟ قال: وجاء القوم، فلما دنوا منه وتبين الأمر يبس وبقي قائماً لا يتحرك، ولا يحير كلاماً، ولا يرجع جواباً، حتى بعد القوم، فذلك حيث يقول:
وَإني لَتَعرُوني لِذِكرَاكِ رِعْدَةٌ، ... لها بَينَ جِلْدِي وَالعِظامِ دَبِيبُ.
فَما هُوَ إلاّ أنْ أرَاهَا فُجاءةً ... فَأُبْهَتَ حَتى مَا أكَادُ أُجِيبُ.
فَقُلْتُ لعَرّافِ اليَمَامَةِ: داوِني، ... فَإنّكَ إنْ أبْرَأتَني لَطَبِيبُ.
فَما بيَ من حمّى وَلا مسّ جِنةٍ، ... وَلكنّ عَمي الحِميرِيَّ كَذُوبُ.
قال أبو بكر: وعراف اليمامة هذا الذي ذكره عروة وغيره من الشعراء، هو رياح بن راشد ويكنى أبا كحيلة، وهو عبد لبني يشكر، تزوج مولاه امرأةً من بني الأعرج، فساقه في مهرها ثم ادعى بعد نسباً في بني الأعرج.
ثم إن عروة انصرف إلى أهله واخذه البكاء والهلاس حتى نحل، فلم يبق منه شيء، فقال بعض الناس: هو مسحور، وقال قوم: بل به جنةٌ! وقال آخرون: بل هو موسوس، وإن بالحاضر من اليمامة لطبيبا يداوي من الجن، وهو أطب الناس، فلو أتيتموه، فلعل الله يشفيه، فساروا إليه من أرض بني عذرة حتى داواه، فجعل يسقيه السلوان، وهو يزداد سقماً، فقال له عروة: يا هناه! هل عندك للحب دواء أو رقية؟ فقال:
''(1/318)''
لا والله. فانصرفوا حتى مروا بطبيب بحجر، فعالجه وصنع به مثل ذلك، فقال له عروة: والله ما دائي ودوائي إلا شخص بالبلقاء مقيم، فهو دائي، وعنده دوائي.
وفي غير هذه الرواية: شخص بالبلقاء مقيم هو وراني، أي أمرضني وهزلني، والورى داء يكون في الجوف مثل القرحة والسل.
قال سحيم عبد بني الحسحاس:
وَرَاهُنَّ رَبي مثلَ ما قَد وَرَينَني، ... وَأحمَى على أكبادِهنّ المَكاوِيَا.
رجع الحديث قال: فانصرفوا به، فأنشأ يقول عند انصرافهم به:
جَعلتُ لعَرّافِ اليَمَامَةِ حُكمَهُ ... وَعَرّافِ حِجرٍ إن هُما شَفَياني.
فقالا: نعم! نَشفي من الداء كلّه، ... وَقَامَا مَعَ العُوّادِ يَبْتَدِرَانِ.
فَمَا تَرَكَا مِنْ رُقيَةٍ يعلمانِها، ... وَلا سَلَوةٍ إلاّ وقَدْ سَقَيَاني.
فَقالا: شَفاكَ الله، وَاللهِ مَا لَنَا ... بما ضَمِنَتْ مِنكَ الضّلُوعُ يَدانِ.
قال: فلما قدم على أهله، وكان له أخوات أربع ووالدة وخالة، فمرض دهراً، فقال لهن يوماً، اعلمن أني لو نظرت إلى عفراء نظرة ذهب وجعي، فذهبن به حتى نزلوا البلقاء مستخفين، فكان لا يزال يلم بعفراء، وينظر إليها، وكانت عند رجل كريم سيد كثير المال والغاشية.
فبينا عروة يوماً بسوق البلقاء، إذ لقيه رجل من بني عذرة فسأله عن حاله ومقدمه، فأخبره. قال: والله لقد سمعت انك مريض، وأراك قد صححت. فلما أمسى الرجل دخل على زوج عفراء فقال: متى قدم عليكم هذا الكلب الذي قد فضحكم؟ فقال زوج عفراء: أي كلب هو؟ قال: عروة! قال: أوقد قدم؟ قال: نعم! قال: أنت والله أولى بها منه أن تكون
''(1/319)''
كلباً، ما علمت بقدومه، ولو علمت لضممته إلي.
فلما أصبح غدا يستدل عليه حتى جاءه، فقال: قدمت هذا البلد، ولم تنزل بنا، ولم تر أن تعلمنا بمكانك فيكون منزلكم عندنا وعلي، إن كان لكم منزل إلا عندي. قال: نعم! نتحول إليك الليلة، أو في غد. فلما ولى قال عروة لأهله: قد كان ما ترون، وإن أنتم لم تخرجوا معي لأركبن رأسي ولألحقن بقومكم، فليس علي بأس. فارتحلوا وركبوا طريقهم، ونكس عروة ولم يزل مدنفاً، حتى نزل وادي القرى.
وروى العمري عن هشام بن محمد بن السائب الكلبي عن أبي مسكين أن عفراء لما بلغها وفاة عروة قالت لزوجها: يا هناه! قد كان من أمر هذا الرجل ما بلغك، والله ما كان ذلك إلا على الحسن الجميل، وإنه قد بلغني أنه مات في أرض غربةٍ، فغن رأيت أن تأذن لي فأخرج في نسوة من قومي فيندبه ويبكين عليه. فقال: إذا شئت، فأذن لها، فخرجت، وقالت ترثيه:
ألا أيّها الركبُ المُخِبّونَ وَيحَكُم! ... بحَقٍّ نَعَيتُم عُرْوَةَ بنَ حِزَامِ.
فَلا هَنئ الفِتيَانَ بَعدَكَ غَارَةٌ، ... وَلا رَجَعُوا مِنْ غَيبَةٍ بِسَلامِ.
فَقُلْ للحبَالى لا تُرَجّينَ غَائِباً، ... وَلا فَرَحَاتٍ بَعْدَهُ بِغُلامِ.
قال: ولم تزل تردد هذه الأبيات وتبكي حتى ماتت، فدفنت إلى جابنه، فبلغ الخبر معاوية، فقال: لو علمت بهذين الشريفين لجمعت بينهما.
وقد روي مثل هذا الكلام عن عمر بن الخطاب، رضي الله عنه: حدثنا أبو عبد الله محمد بن زكريا، حدثنا العيشي عن أبيه قال: لما زُوجت عفراء جعل عروة يضع صدره في أعطان إبلها، وحيث
''(1/320)''
كانت تجلس، فقيل له: اتق الله، فإن هذا غير نافعك، فأنشأ يقول:
بيَ اليأسُ، أوْ داءُ الهُيَامِ سُقِيتُه، ... فإيّاكَ عَني لا يَكُنْ بكَ مَا بيَا.
الهجران إثم
أخبرنا أبو محمد الحسن بن علي الحوهري، حدثنا أبو القاسم طلحة، حدثنا الجرمي بن أبي العلاء، حدثني الزبير، حدثني عبد الملك بن عبد العزيز بن عبدي بن أبي سلمة: أنشدني جدي يوسف بن الماجشون لعبيد الله بن عبد الله بن عتبة:
كَتَمتَ الهوَى حَتى أضَرّ بِكَ الكتمُ، ... وَلامَكَ أقوَامُ، وَلَوْمُهُمُ ظُلْمُ.
وَنَمّ عَلَيْكَ الكَاشِحُونَ، وَقبلَهم ... عَلَيكَ الهَوَى قد نمّ لَوْ نَفعَ النمُّ.
وَزَادَكَ إغرَاءٌ بِهَا طُولُ هَجْرِهَا، ... قَدِيماً، وَأبلى لحمَ أعظُمِكَ الهَمّ.
فأصْبَحتَ كالهِندِيّ، إذْ ماتَ حسرَةً ... على إثرِ هِندٍ، أوْ كمَنْ سُقيَ السُّمّ.
ألا مَنْ لنَفسٍ لا تَمُوتُ فَيَنقَضي ... عَنَاهَا، وَلا تَحيَا حَياةً لها طَعمُ.
تَجَنّبتَ إتْيَانَ الحَبِيبِ تَأثّماُ، ... ألا إنّ هِجْرَانَ الحَبِيبِ هوَ الإثمُ.
فذُقْ هَجرَها، قَد كنتَ تَزْعُمُ أنّهُ ... رَشَادٌ، ألا يا رُبّما كَذَبَ الزّعمُ.
''(1/321)''
مصطبران على البلوى
أنبأنا أبو عبد الله محمد بن علي الصوري الحافظ، أخبرنا أبو الحسين بن روح النهرواني حدثنا المعافى بن زكريا: أخبرنا محمد بن يحيى الصولي عن أحمد بن يحيى أنه أنشد:
هوَى نَاقَتي خَلفي، وَقُدّاميَ الهوَى، ... وَإني وَإيّاهَا لمُخْتَلِفَانِ.
هَوَايَ عرَاقيٌّ وَتَثْني زِمَامَهَا، ... كَبَرْقٍ سرَى بَعدَ الهُدُوءِ يمَاني.
تَحِنّ وَأبْكي، إنّها لَبَلِيّةٌ، ... وَإنّا عَلى البَلْوَى لمُصْطَبِرَان.
فضل الشاعرة
أخبرنا أبو الحسين أحمد بن علي التوزي إجازة، أخبرنا القاضي أبو عمر أحمد بن محمد بن العلاف، اخبرنا الحسين بن القاسم الكوكبي، حدثني محرز الكاتب، أخبرني يحيى بن الخصيب قال: كنت عند فضل الشاعرة إذ استأذن عليها إنسان فأذنت له، وقالت: ما حاجتك؟ قال: تجيزين مصراع بيت من شعر. قالت: ما هو؟ قال:
مَن لمُحبٍّ أحَبّ في صِغَرِهْ ... فصَارَ أحدُوثَةً على كِبَرِهْ.
فقالت:
مِنْ نَظَرٍ شَفّهُ وَأرّقَهُ، ... فكانَ مَبدَا هَوَاهُ مِن نَظَرِهْ.
لَوْلا الأمَاني لمَاتَ مِنْ كمَدٍ، ... مَرُّ اللَّيَالي يَزِيدُ في ذِكَرِهْ.
مَا إنْ لَهُ مُسْعِدٌ فَيُسعِدَهُ ... بِاللّيْلِ في طُولِهِ وَفي قِصَرِهْ.
''(1/322)''
شهقة الموت
قال محمد بن المرزبان، ونقلته من خط ابن حيويه عنه، قال: أخبرني بعض أصحاب المدايني اخبرنا المدايني، أخبرنا هشام بن محمد بن السائب الكلبي قال: كان بالمدينة رجل من ولد عبد الرحمن بن عوف، وكان شاعراً، وكانت عنده ابنة عم له، وكان لها عاشقاً، وبها مستهتراً، فضاق ضيقةً شديدة، وأراد المسير إلى هشام إلى الرصافة، فمنعه من ذلك ما كان يجد بها وكره فراقها، فقالت له يوماً، وقد بلغ منها الضيق: يا ابن عمي! ألا تأتي الخليفة لعل الله تعالى أن يقسم لك منه رزقاً، فنكشف به بعض ما نحن فيه. فلما سمع ذلك منها نشط للخروج، فتجهز، ومضى، حتى إذا كان من الرصافة على أميال خطر ذكرها بقلبه، وتمثلت له، فلبث ساعة شبيهاً بالمغمى عليه، ثم أفاق، فقال للجمال: احبس، فحبس إبله، فأنشأ يقول:
بَينَما نحنُ في بلاكثَ فالقَا ... عِ سرَاعاً، وَالعِيسُ تَهْوِي هُوِيّا.
خَطَرَتْ خطرَةٌ على القَلْبِ مِنْ ذِكْ ... رَاكِ، وَهناً، فَما أطقتُ مُضِيّا.
قُلْتُ: لَبَيّكِ، إذْ دَعَاني لكِ الشّوْ ... قُ، وَللحَادِيَينِ رُدّا المَطِيّا.
فكَرَرْنَا صُدُورَ عِيسٍ عِتَاقٍ، ... مُضْمَرَات، طُوِينَ بالسّيرِ طَيّا.
ذَاكَ مِمّا لَقِينَ من دَلَجِ السّي ... رِ، وَقَوْلِ الحُدَاةِ، باللّيلِ، هَيّا.
ثم قال للجمال: ارجع بنا! فقال له: سبحان الله، قد بلغت طيتك! هذه أبيات الرصافة. فقال: والله لا تخطو غلا راجعة، فرجع، حتى إذا كان من المدينة على قدر ميل لقيه بعض بني عمه، فأخبره أن امرأته قد توفيت، فشهق شهقةً، وسقط عن ظهر البعير ميتاً.
''(1/323)''
جنون وعشق
أخبرنا أبو بكر محمد بن أحمد الأردستاني في المسجد الحرام بقراءتي عليه بباب الندوة، أخبرنا أبو القاسم الحسن بن محمد بن حبيب المذكر، أخبرنا أبو علي الحسن بن أحمد الصوفي القزويني، حدثنا شادل، حدثنا يحيى بن سليمان المادراي، حدثنا إسحاق بن إبراهيم الأبلي قال: رأيت غورك يوماً خارجاً من الحمام، والصبيان يؤذونه، فقلت: ما خبرك أبا محمد؟ قال: قد آذاني هؤلاء الصبيان، أما يكفيني ما أنا فيه من العشق والجنون؟ قلت: ما أظنك مجنوناً. قال: بلى، والله، وبي عشق شديد. قلت: هل قلت في عشقك وجنونك شيئاً؟ قال: نعم، وأنشد:
جُنُونٌ وعِشقٌ ذَا يَرُوحُ وَذا يَغدُو، ... فَهَذا لَهُ حَدٌّ، وَهَذا لَهُ حَدُّ.
هُمَا استَوْطَنا جسمي وَقلبي كِلاهُما، ... فَلمْ يَبْقَ لي قَلبٌ صَحيحٌ وَلا جِلدُ.
وَقَدْ سَكَنَا تحتَ الحَشَا، وَتَحَالَفَا ... عَلى مُهْجَتي ألاّ يُفَارِقَهَا الجَهدُ.
فَأيُّ طَبِيبٍ يَسْتَطِيعُ بحيلَةٍ، ... يُعَالِجُ مِنْ دَاءَين مَا مِنْهُمَا بُدُّ.
الفتى والشيخ العاشق
أخبرنا أبو بكر أحمد بن علي إن لم يكن سماعاً فإجازة، أخبرنا عبد الغفار بن عبد الواحد بن نصر الأرموي، حدثني أبو عبد الله الحسين بن محمد القاضي، حدثني أبو بكر أحمد بن محمد الميموني، حدثني محمد بن عمر، حدثني أبو عبد الله الروذباري قال: دخلت درب الزعفراني، فرأيت فتىً قد صرع شيخاً، وهو يكلمه ويعض حلقه، فقلت له: يا فتى أتفعل هذا بأبيك؟ أباه، فقال: دعني حتى أفرغ منه ثم أحدثك بقصتي، فلما فرغ قلت: يا فتى ما ذنبه؟ قال: إن هذا يزعم أنه يهواني، وله ثلاث ما رآني.
''(1/324)''
زينة الله
أنبأنا أبو محمد الحسن بن علي الجوهري، أخبرنا أبو القاسم إسماعيل بن سويد المعدل، حدثنا أبو علي الحسين بن القاسم الكوكبي، اخبرنا عسل، أخبرنا التوزي قال: نظر رجل من قريش إلى رجل ينظر إلا غلام وضيء الوجه، فزجره، فرآه محيريز الزاهد فقال له: هل رأيت غير النظر؟ قال: لا! قال: أتريد أان تبطل زينة الله في بلاده، وحليته في عباده؟
ينشد في ظل خيمة
أخبرنا أبو عبد الله الأندلسي الحافظ من لفظه، حدثني الفقيه أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد الأندلسي، حدثنا القاضي أبو بكر عبد الله بن الربيع، حدثنا القالي أبو علي، حدثنا أبو بكر بن دريد، حدثنا عبد الرحمن عن عمه قال: بينا أنا سائر بناحية بلاد بني عامر، إذا برجل ينشد في ظل خيمة له، وهو يقول:
أحَقّاً، عِبادَ اللهِ، أن لَستُ ناظِراً ... إلى قَرْقَرَى يَوْماً وَأعلامِهَا الغُبرِ؟
كأنّ فُؤادِي، كُلّمَا مَرّ رَاكِبٌ، ... جَنَاحُ غُرَابٍ رَامَ نَهْضاً إلى وكرِ.
إذا ارْتَحَلَتْ نحوَ اليَمَامَةِ رِفْقَةٌ، ... دَعَاكَ الهَوَى، وَاهتَاجَ قَلبُك للذكرِ.
فَيَا رَاكِبَ الوَجنَاءِ! أبتَ مُسَلَّماً، ... وَلا زِلتَ من رَيبِ الحَوَادثِ في سترِ.
إذا ما أتَيتَ العُرْضَ، فاهتِفْ بجَوّه: ... سُقيتَ على شحطِ النوَى سَبَلَ القطرِ.
''(1/325)''
فإنّكَ مِنْ وَادٍ إليّ مُرَحَّبٍ، ... وَإن كنتَ لا تُزْدارُ إلاّ على عَفْرِ.
قال: فأذنت، وكان ندي الصوت، فلما رآني أومأ إلى فأتيته، فقال: أأعجبك ما سمعت؟ فقلت: إي والله! فقال: أمن أهل الحضارة أنت؟ قلت: نعم! قال: فمن تكوت؟ قلت: لا حاجة لك في السؤوال عن ذلك. قال: أو ما حل الإسلام الضغائن، وأطفأ الأحقاد؟ قلت: بلى! قال: فما يمنعك إذا قلت: أنا امرؤ من قيس؟ قلت: الحبيب القريب. قال: فمن أيهم؟ قلت: أحد بني سعد بن قيس، ثم أحد أعصر بن سعد. قال: زادك الله قرباً.
ثم وثب فأنزلني عن حماري، وألقى عنه إكافه، وقيده بقراب خيمته، وقام إلى زند فاقتدح وأوقد ناراً، وجاء بصيدانو، فألقى فيها تمراً، وأفرغ عليه سمناً، ثم لته حتى التبك، ثم ذر عليه دقيقاً، وقربه إلي، فقلت: إني إلى غير هذا أحوج. قال: وما هو؟ قلت: تنشدني. قال: أصبت فإني فاعل، فلقمت لقيمات وقلت: الوعد! قال: نعمى عين وأنشدني:
لَقَدْ طَرَقَتْ أُمُّ الخُشَيفِ، وَإنّها ... إذا صَرَعَ القَوْمَ الكَرَى لَطَرُوقُ.
فَيَا كَبِداً يُحمَى عليها، وَإنّها، ... مخافَةَ هَيضَاتِ النَّوَى، لخفُوقُ.
أقَامَ فَرِيقٌ مِنْ أُنَاسٍ يَوَدّهُمْ، ... بذاتِ الغَضَا، قَلبي، وَبَانَ فَرِيقُ.
بحَاجَةِ مَحْزُونٍ يَظَلّ وَقَلْبُهُ ... رَهِينٌ بِبَيضَاتِ الحِجَالِ صَدِيقُ.
''(1/326)''
تَحَمّلْنَ أنْ هَبّتْ لَهُنّ عَشِيّةً ... جَنوبٌ، وَأنْ لاحَتْ لَهُنّ بُرُوقُ.
كَأنّ فُضُولَ الرَّقْمِ حِينَ جَعَلنَها ... ضُحَيّاً على أُدْمِ الجِمَالِ عُذُوقُ.
وَفِيهِنّ مِن تَحتِ السّتَارِ تَحِلَّةٌ، ... تَكَادُ على غُرّ السّحَابِ تَرُوقُ.
هَجين، فأما الدعص عن أخرياتها ... فوعث، وأما خصرها فدقيق.
التفريق بين مؤتلفين
أنبانا القاضي أبو عبد الله محمد بن علي الله بن سلامة القضاعي عن أبي الحسن بن نصر بن الصياح، حدثنا أبو عمر عبيد بن أحمد السمسار.
أن أبا بكر بن داود الأصبهاني كان يدخل الجامع من باب الوراقين.
فلما كان بعد مدة عدل عنه وجعل دخوله من غيره، وكنت مجترئاً عليه، فسألته عن ذلك، فقال: يا بين! السبب فيه أني في الجمعة الماضية أردت الدخول منه فصادفت عند الباب حدثين يتحدثان، وكل واحد منهما مسرور بصاحبه، فلما رأياني قالا: أبو بكر قد جاء، فتفرقا، فجعلت علي نفسي أن لا أدخل من باب فرقت فيه بين مؤتلفين.
''(1/327)''
لا كلمته أبداً
أنبأنا القاضي أبو عبد الله محمد بن سلامة المصري، حدثنا ابن نصر، حدثنا أبو عمر عبيد الله بن أحمد بن السمسار أن حدثاً كان يعرف بابن سمنون الصوفي، نشأ مع أبي بكر في كتاب واحد، وكانا لا يفترقان، فإذا عمل أبو بكر كتاباً في الأدب ناقضه، وعمل في معناه، وإن أبا بكر نقش على فص خاتمه سطرين، الأول منهما: وما وجدنا لأكثرهم من عهد؛ والآخر: فلا تذهب نفسك عليهم حسرات، وكان إذا رأى إنساناً ينظر إلى حدث رمى إليه بخاتمه، وقال: اقرأ ما عليه فينتهي عن ذلك، فقال لابن سمنون: أتقدر أن تناقضني في هذا؟ قال: نعم! فلما كان الغد جاءه بخاتم على فصه سطران، الأول منهما: وجعلنا بعضكم لبعض فتنةً أتصبرون؛ والثاني: ولنصبرن على ما آذيتمونا. فاستحسن ذلك. وعلى هذا الطريق قال أبو نواس:
كَتَبَتْ عَلى فَصٍّ لخاتَمِهَا: ... مَنْ نَامَ لم يَشعُرْ بمَن سَهِدا
''(2/5)''
وَكَتَبْتُ في فَصّي أُنَاقِضُهَا: ... لا كانَ مَنْ يَهْوَى إذا رَقَدَا
قَالَتْ: يُنَاقِضُني بخَاتَمِهِ، ... وَاللهِ، لا كَلّمْتُهُ أبَداَ
سلبت عظامي لحمها
أخبرنا أبو الحسين أحمد بن علي التوزي في ما أذن لنا في روايته، حدثنا أبو عبد الله الحسين بن محمد بن جعفر الخالع، أخبرنا أبو الحسن علي بن محمد بن السري، حدثنا أحمد بن الحسين بن محمد بن فهم، حدثني الخريمي قال: دخلت حماماً في درب الثلج، فإذا بسوار بن عبد الله القاضي في الحمام، في البيت الداخل، مستلقياً، وعليه المئزر، فجلست بقربه، فسكت ساعة ثم قال لي: قد أحشمتني يا رجل! إما أن تخرج أو أخرج. فقلت: جئت أسألك عن مسألة. فقال: ليس هذا موضع المسائل. قلت: إنها من مسائل الحمام، فضحك وقال: هاتها، فقلت: من الذي يقول:
سَلبتِ عِظامي لحمهَا، فتركتِها ... عَوَارِيَ ممّا نَالَها تَتَكَسّرُ
وَأخْلَيْتِها مِنْ مُخّها، فتركتِها ... أنَابيبَ في أجْوافِها الرّيحُ تَصْفِرُ
إذا سمعتْ ذِكرَ الفرَاقِ ترَعدّت ... مَفَاصِلُهَا خَوْفاَ لِمَا تَتَنَظّرُ
خذي بيدي ثم ارْفعي الثْوبَ تنظرِي ... بِلى جَسَدِي، لكنّني أتَسَتّرُ
فقال سوار: أنا والله قلتها. قلت: فإنه يغنى بها، ويجود. فقال: لو شهد عندي الذي يغني بها لأجزت شهادته.
''(2/6)''
الزنجي الشاعر
أخبرنا أبو الحسين أحمد بن علي بن الحسين التوزي بقراءتي عليه وأبو القاسم علي بن المحسن التنوخي قراءة عليه قالا: أخبرنا أبو عمر بن حيويه الخزاز، حدثنا محمد بن خلف، أخبرنا عبد الله بن شبيب، أخبرني الزبير بن بكار، حدثني محمد بن الحسن، حدثني هبيرة بن مرة القشيري قال: كان لي غلام يسوق ناضحاً ويرطن بالزنجية بشيء يشبه الشعر، فمر بنا رجل يعرف لسانه، فاستمع له ثم قال: هو يقول:
فقلتُ لهَا: إني اهتَديتُ لِفِتْيَةٍ، ... أنَاخُوا بجَعجَاعٍ قَلائصَ سُهّمَا
فقالت: كذاكَ العاشِقونَ ومن يخَفْ ... عُيونَ الأعادي بجعلِ اللّيلِ سُلّمَا
نصيب وزينب
أخبرني القاضيان أبو الحسين أحمد بن علي التوزي وأبو القاسم علي بن المحسن التنوخي قالا: أخبرنا أبو عمر محمد بن العباس، حدثنا محمد بن خلف، حدثني محمد بن معاذ عن إسحق بن إبراهيم قال: حدثني رجل من قريش عمن حدثه قال: كنت حاجاً ومعي رجل من القافلة لا أعرفه، ولم أره قبل ذلك، ومعه هودج وأثقال وضينة، وعبيد ومتاع، فنزلنا منزلاً، فإذا فرش ممهدة، وبسط قد بسطت، فخرج من أعظمها هودجاً امرأة زنجية، فجلست على تلك الفرش الممهدة، ثم جاء زنجي، فجلس إلى جنبها، على الفرش،
''(2/7)''
فبقيت متعجباً منهما، فبينا أنا أنظر إذ مر بنا مار وهو يقود إبلاً معه، فجعل يغني ويقول:
بزَينبَ ألمِمْ قَبلَ أن يرْحَلَ الرَّكبُ، ... وَقُلْ إنْ تَمَلّيْنَا فَمَا مَلّكِ القلبُ
قال: فوثبت الزنجية إلى الزنجي، فخبطته وضربته، وهي تقول: شهرتني في الناس، شهرك الله. فقلت: من هذا؟ قالوا لي: نصيب الشاعر، وهذه زينب. وذكر الزبير ضد هذا الخبر.
بريرة وزوجها الحبشي
أخبرنا القاضيان أبو الحسين أحمد بن علي التوزي وأبو القاسم علي بن المحسن التنوخي قالا: أخبرنا أبو عمر محمد بن العباس بن حيويه الخزاز، حدثنا محمد بن خلف، حدثنا الحسن بن مكرم بن حسان، حدثنا علي بن عاصم عن خالد الحذاء عن عكرمة عن ابن عباس قال: لما أعتقت بريرة، وكان زوجها حبشياً، خيرت، فاختارت فراقه، فكان يطوف حولها، ودموعه تسيل على خديه حباً لها، فقال رسول الله {{ص}}، لعمه العباس: أما ترى شدة حبه لها، وشدة بغضها له؟ فقال له النبي {{ص}}: لو تزوجته؟ قالت: إن أمرتني. قال: لا آمرك، ولكني شفيع، فلم تفعل.
وبإسناده حدثنا محمد بن خلف، حدثنا محمد بن الهيثم، حدثنا يوسف بن عدي عن سعيد وأيوب عن قتادة عن عكرمة عن ابن عباس: أن زوج بريرة كان عبداً أسود مولىً لبني المغيرة، يوم أعتقت، والله لكأني به في أطراف المدينة ونواحيها، وإن دموعه لتجري على لحيته، يتبعها ويترضاها لتختاره فلم تفعل.
''(2/8)''
ابن الدمينة العليل
ذكر شيخنا أبو علي الحسن بن أحمد بن شاذان، حدثنا أبو علي عيسى بن محمد بن أحمد بن عمر بن عبد الملك بن جريج الطوماري، أخبرنا أبو العباس أحمد بن يحيى ثعلب، أنبأنا عبد الله بن شبيب أنشدني الزبير لابن الدمينة:
يَقولُون: قَد طالَ اعتلالُكَ بالقَذَى، ... ألَمْ يْأنِ أن تَلْقَى لعَينَيكَ رَاقِيَا؟
وَأقبَلنَ من أعلى البُيُوتِ يَعُدْنَني، ... ألا إنّ بَعضَ العائِداتِ دَوَائِيَا
يَعُدْنَ مَرِيضاً هُنّ أصْلٌ لِدَائِه؛ ... بَقِيّة مَا أبْقَينَ نَصْلاً يَمَانِيَا
لم يدر لوعتي إلا الله
وذكر أبو علي أيضاً، حدثنا الطوماري، أخبرنا ثعلب أنشدنا عبد الله لعقبة الكلابي:
إذا اقتَسَمَ النّاسُ الأحاديثَ وَانتَحَوا ... خَلا بِفُؤادِي حُبُّها وَانتَحَانِيَا
فَكَفكَفتُ دمعي ثمّ حوّلتُ مَضْجعي ... فَلَمْ يَدْرِ إلا اللهُ لَوْعَةَ مَا بِيَا
وَقالوا: نَرى هذا عَنِ اللهوِ مُعرِضاً؛ ... فَقُلتُ لَهُم: لا يَعنِكُمْ مَا عَنَانِيَا
''(2/9)''
أغزل بيت وأشجع بيت
حدثنا أبو تغلب عبد الوهاب بن علي بن الحسن بن محمد الملحمي، حدثنا القاضي أبو الفرج المعافى ابن زكريا، حدثنا علي بن الجهم أبو طالب الكاتب، حدثني أبو العباس سوار بن أبي شراعة البصري، حدثني الرياشي، حدثني الأصمعي قال: قال أبو عمرو بن العلاء: إني أقول لكم أغزل الناس في بيت وأشجعهم في بيت، أما أغزل بيت فقوله:
غَرّاءُ فَرْعَاءُ مَصْقُولٌ عَوَارِضُهَا ... تمشي الهُوَينا كَمَا يمشِي الوَجَى الوَجِلُ
وأما أشجع بيت فقوله:
قالوا: الطِّعان، فقُلنا: تلكَ عادَتُنَا؛ ... أوْ تَنْزِلُونَ، فإنّا مَعشَرٌ نُزُلُ
أرق بيت في العيون
حدثنا أبو تغلب عبد الوهاب بن علي الملحمي، حدثنا المعافى بن زكريا، حدثنا أحمد بن إبراهيم بن الحارث أبو النضر العقيلي، أخبرني محمد بن راهويه الكاتب، أخبرني الحسن بن إبراهيم قال: قال المأمون لبعض من عنده: أنشدني أرق بيت قيل في العيون، فأنشده:
إنّ العُيونَ التي في طَرْفها مَرَضٌ ... قَتَلْتَنَا ثمّ لَمْ يُحْيْينَ قَتْلانَا
يَصرعنَ ذا اللُّبّ حتى لا حَرَاكَ به ... وَهُنّ أضْعَفُ خَلْقِ اللهِ أرْكانَا
قال: ما عمل شيئاً، أشعر منه أبو نواس حيث يقول:
رَبعُ البِلى بَينَ الجُفُونِ مُحِيلُ، ... عَفّى عليه بكىً عَليكَ طَويلُ
''(2/10)''
يا ناظِراً مَا أقلَعَتْ لَحَظَاتُهُ، ... حَتى تَشَحّطَ بَيْنَهُنّ قَتيل
قال القاضي أبو الفرج: القول قول المأمون في رقة شعر أبي نواس.
الشعر ما دخل القلب بلا إذن
أخبرنا أبو تغلب عبد الوهاب بن علي قراءة عليه، حدثنا أبو الفرج المعافى بن زكريا الحريري إملاء، حدثنا إبراهيم بن عرفة الأزدي قال: استنشدني أبو سليمان داود بن علي الأصبهاني بعقب قصيدة أنشدته إياها، ومدحته فيها وسألته الجلوس. فأجابني وقال لي في شيء منها: لو بدلت مكانه. فقلت له: هذا كلام العرب. فقال: أحسن الشعر ما دخل القلب بلا إذن؛ هذا بعد أن بدلت الكلمة. فقال لي إنسان بحضرته: ما أشد ولوعك بذكر الفراق في شعرك! فقال سليمان: وأي شيء أمض من الفراق؟ ثم حكى عن محمد بن حبيب عن عمارة بن عقيل بن بلال بن جرير أنه قيل له: ما كان أبوك صانعاً حيث يقول:
لَوْ كُنتُ أعلَمُ أنّ آخِرَ عَهدكِم ... يَوْمَ الفِراقِ فَعَلتُ مَا لم أفعَلِ
قال: كان يقلع عينه وَلا يَرى مَظْعنَ أحبابه.
موت الحب
أخبرنا أبو محمد الحسن بن علي الجوهري، أخبرنا أبو عمر بن حيويه، حدثنا العباس بن العباس الجوهري، حدثنا محمد بن موسى الطوسي أنشدني هلال بن العلاء الرقي:
وَقد ماتَ قَبلي أوّلُ الحُبّ فَانقَضَى، ... فإنْ متُّ أمسَى الحُبُّ قد ماتَ آخرُه
''(2/11)''
معشوقان يختصمان
أخبرنا الجوهري، أخبرنا أبو عمر بن حيويه، أنبأنا أبو الحسن العباس بن العباس الجوهري، حدثنا الطوسي: أنشدني هلال بن العلاء:
أرَى كلَّ مَعشوقينِ غيرِي وَغيرهَا، ... يَلَذّانِ في الدُّنيا وَيَغْتَبِطانِ
وَأُمسِي وتُمسي في البِلادِ كأنّنا ... أسِيرانِ للأعْداءِ مُرْتَهَنانِ
أُصلّي فأبكي في صلاتي لذكرِها، ... ليَ الويلُ مِمّا يكتُبُ المَلَكانِ
ضمِنتُ لهَا أن لا أهيمَ بغَيرِها، ... وقَدْ وثِقَتْ مني بغَيرِ ضَمانِ
ألا يا عبادَ اللهِ قُومُوا تَسَمّعُوا ... خُصُومَةَ مَعْشُوقَينِ يَختَصِمانِ
وفي كلِّ عامٍ يَسْتَجِدّانِ مَرّةً ... عِتاباً وهَجراً، ثمّ يَصْطَلِحانَ
يَعيشانِ في الدّنيا غَريبَيْنِ أينَمَا ... أقامَا وفي الأعْوامِ يَلْتَقِيانِ
من يموت في الحب
أخبرنا أبو محمد الحسن بن علي الجوهري، حدثنا أبو عمر محمد بن العباس بن حيويه، حدثنا محمد بن المرزبان، حدثنا هارون بن محمد، أخبرني أبو عبد الله القرشي، حدثني الحكم قال: قيل لرجل من بني عامر: هل تعرفون فيكم المجنون الذي قتله الحب. قال: إنما تموت من الحب هذه اليمانية الضعاف القلوب.
''(2/12)''
يا حبها زدني جوى
أخبرنا أبو محمد الحسن بن علي، حدثنا محمد بن العباس، حدثنا محمد بن خلف، حدثنا عبد الله بن مسلم المروزي قال: كان الأصمعي يقول: لم يكن مجنوناً، ولكن كانت به لوثة كلوثة أبي حية النميري، وهو أشعر الناس، على أنهم قد نحلوه شعراً كثيراً مثل قول أبي صخر الهذلي:
أمَا والذي أبْكَى وأضْحكَ، والذي ... أمَات وأحيا، والذي أمرُهُ الأمرُ
لقد تَركَتْني أحسُدُ الوحشَ أن أرى ... أليفينِ مِنْهَا لا يَرُوعُهُما الذُّعرُ
فَيَا حبَّها زِدني جَوىً كلَّ لَيلَةٍ، ... ويا سَلوةَ الأيّامِ مَوْعِدُك الحَشرُ
ويا هجرَ لَيلى قَد بَلَغت بيَ المَدى، ... وزِدت على ما لم يكُن صَنَع الهَجرُ
معاوية والفتى العذري
أخبرنا أبو محمد الحسن بن علي قراءة عليه، أخبرنا أبو عمر محمد بن العباس بن حيويه قال: قرئ على محمد بن المرزبان، وهو يسمع وأنا أسمع، حدثني محمد بن عبد الرحمن القرشي، حدثنا محمد بن عبيد، حدثنا أبو محنف عن هشام بن عروة قال: أذن معاوية بن أبي سفيان للناس يوماً، فكان في من دخل عليه فتىً من بني عذرة، فلما أخذ الناس مجالسهم قام الفتى العذري بين السماطين، ثم أنشأ يقول:
مُعاوِيَ! يا ذا الحِلمِ والفضْلِ والعقلِ، ... وذا البرِّ والإحسانِ وَالجُودِ وَالبَذلِ
''(2/13)''
أتَيتُكَ لمَّا ضاقَ في الأرْضِ مَسكني، ... وَأُنكِرْتُ مِمّا قد أصيبَ به عَقلي
فَفَرِّجْ، كلاكَ اللهُ عَني، فإنّني ... لَقيتُ الذي لم يَلْقَهُ أحَدٌ قَبلي
وَخُذْلي، هَداكَ اللهُ، حَقّي من الذي ... رَمَاني بِسَهمٍ كانَ أهوَنَهُ قَتلي
وكنتُ أُرجّي عَدْلَهُ إذْ أتَيْتُهُ، ... فأكثر ترْدَادي مَع الحبَسِ والكَبلِ
فَطَلّقْتُها من جُهدِ ما قد أصابَني، ... فهذا أميرَ المؤمِنِينَ مِن الَعدلِ؟
فقال له معاوية: ادن. بارك الله عليك، ما خطبك؟ فقال: أطال الله بقاء أمير المؤمنين! إنني رجل من بني عذرة تزوجت ابنة عم لي. وكانت لي صرمة من إبل وشويهات، فأنفقت ذلك عليها، فلما أصابتني نائبة الزمان وحادثات الدهر رغب عني أبوها، فكرهت مخالفة أبيها، فأتيت عاملك ابن أم الحكم، فذكرت ذلك له، وبلغه جمالها، فأعطى أباها عشرة آلاف درهم وتزوجها، وأخذني فحبسني وضيق علي، فلما أصابني مس الحديد وألم العذاب طلقتها، وقد أتيتك، يا أمير المؤمنين وأنت غياث المحروب، وسند المسلوب، فهل من فرج؟ ثم بكى. وقال في بكائه:
في القَلْبِ مِنّي نَارُ، ... والنّارُ فِيهَا شَنَارُ
وفي فُؤادِيَ جَمْرٌ، ... وَالجَمْرُ فِيهِ شَرَارُ
وَالجِسْمُ مِنّي نَحيلٌ، ... وَاللّونُ فيهِ اصْفِرارُ
وَالعَينْ تَبْكي بِشَجْوٍ ... فَدَمْعُهَا مِدرَارُ
وَالحبُّ دَاءٌ عَسِيرٌ ... فِيهِ الطّبيبُ يَحَارُ
''(2/14)''
حَمَلْتُ مِنْهُ عَظيماً ... فَمَا عَلَيْهِ اصْطِبارُ
فَلَيسَ لَيْليَ لَيْلاً، ... وَلا نَهَاري نَهَارُ
فرق له معاوية، وكتب له إلى ابن أم الحكم كتاباً غليظاً، وكتب في آخره:
رَكِبْتَ أمراً عظيماً لَسْتُ أعْرِفُهُ ... أَسْتَغْفِرُ اللهَ مِنْ جَوْرِ امرِئٍ زَانِ
قَد كُنتَ تُشبِهُ صُوفياً لَهُ كُتُبٌ ... مِنَ الفَرَائِضِ أوْ آيَاتُ فُرقانِ
حَتى أتَاني الفَتى العُذرِيُّ مُنْتَحِباً، ... يَشكُو إليّ بحَقٍّ غَيرِ بُهْتَانِ
أُعْطِي الإلَهَ عُهُوداً لا أخيسُ بهَا ... أوْ لا فأبْرَأُ من دينٍ وَإيمانِ
إنْ أنْتَ رَاجَعْتَنِي في مَا كَتَبْتُ بهِ ... لأجْعلنّكَ لحماً بَينَ عُقْبَانِ
طَلّقْ سُعَادَ، وَفَارِقْها بمُجتَمَعٍ، ... وَأشهِد على ذاك نَصراً وَابنَ طِيبانِ
فَمَا سَمْعتُ كمَا بُلّغتُ من عَجَبِ، ... وَلا فعَالُكَ حقّاً فِعْلَ إنْسَانِ
فلما ورد كتاب معاوية على ابن أم الحكم تنفس الصعداء وقال: وددت أن أمير المؤمنين خلى بيني وبينها سنةً، ثم عرضني على السيف؛ وجعل يؤامر نفسه في طلاقها ولا يقدر، فلما أزعجه الوفد طلقها، ثم قال: اخرجي يا سعاد، فخرجت شكلةً غنجة، ذات هيبة وجمال، فلما رآها الوفد قالوا: ما تصلح هذه إلا لأمير المؤمنين لا لأعرابي؛ وكتب جواب كتابه:
لا تَحْنَثَنّ، أمِيرَ المؤمِنِينَ، وَفي ... بِعَهْدِكَ اليَوْمَ في رِفْقٍ وَإحسَانِ
وَمَا رَكِبتُ حَرَاماً حِينَ أعْجبَنِي، ... فَكيْفَ سُمّيتُ باسمِ الخائنِ الزّاني!
''(2/15)''
وَسَوْفَ تأتيكَ شَمْسٌ لا خَفَاءَ بهَا ... أبْهَى البَرِيّةِ من إنْسٍ وَمن جَانِ
حَوْرَاءُ يَقصُرُ عنها الوَصْفُ إن وصِفتْ، ... أقُولُ ذَلكَ في سِرٍّ وَإعلانِ
فلما ورد على معاوية الكتاب قال: إن كانت أعطيت حسن النغمة مع هذه الصفة، فهي أكمل البرية، فاستنطقها، فإذا هي أحسن الناس كلاماً، وأكملهم شكلاً ودلاً، فقال: يا أعرابي! هل من سلو عنها بأفضل الرغبة؟ قال: نعم، إذا فرقت بين رأسي وجسدي، ثم أنشأ يقول:
لا تَجعَلَنِّي، والأمثالُ تُضرَبُ بي، ... كَالمُسْتَغيثِ مِنَ الرَّمْضَاءِ بِالنّارِ
أُرْدُدْ سُعَادَ على حَرّانَ مُكْتَئِبٍ ... يُمسي ويُصْبِحُ في هَمٍّ وّتّذكارِ
قَدْ شَفّهُ قَلَقٌ مَا مِثْلَهُ قَلَقٌ، ... وَأُشْعِرَ القَلْبُ مِنْهُ أيَّ إشْعَارِ
وَاللهِ وَاللهِ لا أنسَى مَحَبَّتَها ... حَتى أُغيَّبَ في رَمْسٍ وَأحْجارِ
كَيْفَ السُّلُوُّ وَقَدْ هَامَ الفُؤادُ بهَا ... وَأصْبَحَ القَلْبُ عَنْها غَيرَ صَبّارِ
قال: فغضب معاوية غضباً شديداً، ثم قال لها: اختاري، إن شئت، أنا، وإن شئت ابن أم الحكم؛ وإن شئت الأعرابي، فأنشأت سعاد تقول:
هَذا، وَإنْ أصْبَحَ في أطمارِ، ... وكان في نَقصٍ مِنَ اليَسارِ
أعَزُّ عِنْدِي مِنْ أبي وَجَارِي، ... وَصَاحِبِ الدِّرْهَمِ وَالدّينَارِ
أخشَى، إذا غَدَرْتُ، حَرَّ النّارِ
فقال معاوية: خذها لا بارك الله لك فيها، فأنشأ الأعرابي يقول:
خَلُّوا عَنِ الطَّرِيقِ للأعرابي، ... إنْ لمْ تَرقّوا وَيحَكُمْ لِمَا بي
قال: فضحك معاوية وأمر له بعشرة آلاف درهم، وناقة ووطاء، وأمر بها، فأدخلت بعض قصوره حتى انقضت عدتها من ابن أم الحكم ثم أمر بدفعها إلى الأعرابي.
''(2/16)''
المحب يسيء الظنون
أخبرنا أبو محمد الحسن، حدثنا أبو عمر محمد بن العباس، حدثنا ابن المرزبان أنشدني أبو العباس محمد بن يعقوب:
ألا ليتَ شِعرِي، على نأيِكُم، ... أنَاسُونَ للعَهدِ أمْ حَافِظُونَا
وَلا لَوْمَ إنْ سَاءَ ظَنّي بكُم، ... كذاكَ المُحبُّ يُسِيءُ الظنّونا
اللهم فرج ما ترى
أخبرنا القاضيان أبو الحسين أحمد بن علي التوزي وأبو القاسم علي بن المحسن التنوخي قالا: حدثنا أبو عمر بن حيويه، حدثنا محمد بن خلف، حدثني إسحق بن محمد بن إبان، أخبرني بعض البصريين قال: مر أبو السائب المخزومي بسوداء تستقي وتسقي بستاناً. قال: ويلك! ما لك؟ قالت: صديقي عبد بني فلان كان يحبني وأحبه، ففطن بنا، فقيده مواليه وصيرني مولاي في هذا العمل. فقال أبو السائب: والله لا يجمع عليك ثقل الحب وثقل ما أرى. وقام مقامها في الزرنوق، فكل الشيخ وعرق، فجعل يمسح العرق ويقول: اللهم فرج ما ترى.
''(2/17)''
يا رب باك شجوه
أخبرنا أبو علي محمد بن الحسين الجازري بقراءتي عليه، حدثنا المعافى بن زكريا، حدثنا محمد بن القاسم الأنباري، حدثنا أبو العباس محمد بن يحيى قال: قال أبو سعيد عبد الله بن شبيب:
أنشدني علي بن طاهر بن زيد بن حسن بن علي بن أبي طالب لبعض المدنيين:
ألا رُبّ مَشغُوفٍ بِمَا لا يَنَالُهُ، ... غداةَ تُسَاقُ المُشعَرَاتُ إلى النّحرِ
غداةَ تُوَافي أهْلَ جَمْعٍ، ضُحيّةً، ... لدى الجمرَة القُصْوَى أولو الجمم الغُبرِ
وَللرّمي إذْ تُبْدِي الحِسانُ أكُفَّها، ... وَتَفْتَرّ بالتّكْبيرِ عَنْ شَنَبِ غُرّ
فَيَا رُبّ بَاكِ شَجوَهُ، وَمُعَوِّلٍ، ... إذا مَا رأى الأطنَابَ تُنْزَعُ للنَّفرِ
قال أبو بكر بن الأنباري: الشنب الثغر البارد، والشنب: برد الأسنان، والغر: البيض.
ليلى الملاحين
أخبرنا أبو الحسين أحمد بن علي بن الحسين الوكيل بقراءتي عليه سنة أربعين وأربعمائة، أخبرنا إسماعيل بن سعيد المعدل، حدثنا أبو بكر محمد بن القاسم، حدثني أبي، حدثنا أحمد بن عبيد قال: قعد رجل في سفينة فسمع الملاحين يذكرون ليلى، وكان يهواها، فأنشأ يقول:
فَويحكَ يا مَلاّحُ! أرّقَ لَيْلَنا ... دعاؤكَ لَيلى، وَالسّفِينُ تَعُومُ
''(2/18)''
لَعلّك إن طالَتْ حَياتُكَ أن تَرى ... حَبَائِبَكَ اللاّتي بِهِنّ تَهيمُ
أجدَّكَ مَا تُنْسِيكَهُنّ مُلِمّةٌ، ... ألمّت، وَلا عهْدٌ بهِنّ قَديمُ
النسيم المنيم الموقظ
أخبرنا أبو القاسم علي بن المحسن التنوخي إجازة، وحدثنا أحمد بن علي الحافظ عنه، أخبرنا أحمد بن محمد بن العباس الأخباري أنشدني أبو نضلة لنفسه:
وَلمّا التَقَيْنَا للوَداعِ، وَلَمْ يَزَلْ ... يُنيلُ لِثَاماً دَائِماً وَعِنَاقَا
شَمَمتُ نَسيماً منهُ يَستجلبُ الكَرَى، ... وَلَوْ رَقَدَ المَخْمُورُ فِيهِ أفَاقَا
حديث كجنى النحل
أخبرنا أبو محمد الحسن بن محمد الخلال بقراءتي عليه، سنة ثمان وثلاثين وأربعمائة، حدثنا أبو بكر أحمد بن إبراهيم بن شاذان، حدثنا محمد بن الحسين بن حميد الخزاز، أخبرني علي بن محمد المرهبي أنشدني بعض أصحابنا لذي الرمة:
وَلمّا تَلاقَيْنَا جَرَتْ مِنْ عُيونِنَا ... دُمُوعٌ كَفَفْنَا مَاءَهَا بالأصابعِ
وَنِلْنا سِقَاطاً مِن حَديثٍ كأنّهُ ... جنى النحلِ ممزُوجاً بماءِ الوَقائعِ
''(2/19)''
الصوفي والوجه الجميل
أخبرنا أبو إسحق إبراهيم بن سعيد بفسطاط مصر بقراءتي عليه، أخبرنا أبو صالح السمرقندي، حدثنا أبو عبد الله الحسين بن القاسم بن أليسع، حدثنا أحمد بن محمد بن عمرو الدينوري، حدثنا أبو محمد جعفر بن عبد الله الصوفي قال: قال أبو حمزة الصوفي: حدثني عبد الله بن الزبير الحنفي قال: كنت جالساً مع أبي النظر الغنوي، وكان من المبرزين الخائفين العابدين، فنظر إلى غلام جميل فلم تزل عيناه واقفتين عليه. حتى دنا منه. فقال له: سألتك بالله السميع وعزه الرفيع وسلطانه المنيع ألا وقفت علي أروى من النظر إليك! فوقف قليلاً ثم ذهب. فقال له: سألتك بالحكيم المجيد الكريم المبدي المعيد ألا وقفت! فوقف ساعةً، فأقبل يصعد النظر فيه ويصوبه ثم ذهب، فقال: سألتك بالواحد الجبار الصمد الذي لم يلد ولم يولد إلا وقفت! فوقف ساعةً ثم نظر إليه طويلاً، ثم ذهب، فقال: سألتك باللطيف الخبير السميع البصير، وبمن ليس له نظير ألا وقفت! فوقف فأقبل ينظر إليه ثم أطرق إلى الأرض. ومضى الغلام، فرفع رأسه بعد طويل، وهو يبكي، وقال: لقد ذكرني هذا بنظري إليه وجهاً جل عن التشبيه، وتقدس عن التمثيل، وتعاظم عن التحديد، والله لأجهدن نفسي في بلوغ رضاه بمجاهدتي جميع أعدائه، وموالاتي لأوليائه حتى أصير إلى ما أردته من نظري إلى وجهه الكريم وبهائه العظيم، ولوددت أنه قد أراني وجهه وحبسني في النار ما دامت السموات والأرض؛ ثم غشي عليه.
''(2/20)''
قيس ولبنى
أخبرنا أبو محمد الحسن بن علي إجازة، أخبرنا أبو عمر محمد بن العباس الخزاز، حدثنا أبو بكر محمد بن خلف، حدثنا أبو بكر العامري، حدثنا سليمان بن أبي شيخ، حدثنا أيوب ابن عباية قال:
خرج قيس بن ذريح إلى المدينة يبيع ناقة له، فاشتراها زوج لبنى وهو لا يعرفه، فقال له: انطلق معي أعطك الثمن، فمضى معه. فلما فتح الباب، فإذا لبنى، وقد استقبلت قيساً، فلما رآها ولى هارباً، وخرج الرجل في أثره بالثمن ليدفعه إليه، فقال له قيس: لا تركب لي والله مطيتين أبداً. قال: أنت قيس بن ذريح؟ قال: نعم! قال: هذه لبنى قد رأيتها فقف حتى أخيرها، فإن اختارتك طلقتها، وظن القرشي أن له في قلبها موضعاً، وأنها لا تفعل. قال له قيس: افعل. فدخل القرشي عليها، فخيرها، فاختارت قيساً. فطلقها، وأقام قيس ينتظر انقضاء عدتها ليتزوجها، فماتت في العدة.
بهرام جور وابنه الخامل
أنبأنا القاضي أبو القاسم علي بن المحسن التنوخي، حدثنا أبو بكر محمد بن عبد الرحيم بن أحمد المازني الكاتب، حدثنا أبو علي الحسين بن القاسم بن جعفر الكوكبي، حدثنا عيسى بن محمد أبو ناظرة السدوسي، حدثني قبيصة بن محمد المهلبي، أخبرني اليمان بن عمرو مولى ذي الرئاستين قال: كان ذو الرئاستين يبعثني ويبعث أحداثاً من أحداث أهله إلى شيخ بخراسان، له أدب وحسن معرفة بالأمور، ويقول لنا: تعلموا منه الحكمة، فإنه حكيم، فكنا نأتيه، فإذا انصرفنا من عنده، سألنا ذو الرئاستين
''(2/21)''
واعترض ما حفظناه، فنخبره به. فقصدنا ذات يوم إلى الشيخ فقال: أنتم أدباء، وقد سمعتم ولكم جدات، ونعم، فهل فيكم عاشق؟ فقلنا: لا! فقال: اعشقوا، فإن العشق يطلق اللسان العيي ويفتح حيلة البليد والمخبل، ويبعث على التنظف وتحسن اللباس، وتطييب المطعم، ويدعو إلى الحركة والذكاء، وتشرف الهمة، وإياكم والحرام! فانصرفنا من عنده إلى ذي الرئاستين، فسألنا عما أخذنا في يومنا ذلك، فهبنا أن نخبره، فعزم علينا، فقلنا: إنه أمرنا بكذا وكذا. قال: صدق والله، تعلمون من أين أخذ هذا؟ قلنا: لا! قال: إن بهرام جور كان له ابن، وكان قد رشحه للأمر من بعده، فنشأ الفتى ناقص الهمة ساقط المروءة خامل النفس، سيء الأدب، فغمه ذلك، ووكل به المؤدبين والمنجمين والحكماء ومن يلازمه ويعلمه، وكان يسألهم عنه، فيحكمون له ما يغمه من سوء فهمه وقلة أدبه، إلى أن سأل بعض مؤدبيه يوماً، فقال له المؤدب: قد كنا نخاف سوء أدبه، فحدث من أمره ما صيرنا إلى اليأس من فلاحه. قال: وما ذاك الذي حدث؟ قال: رأى ابنة فلان المرزبان، فعشقها حتى غلبت عليه، فهو لا يهذي إلا بها، ولا يتشاغل إلا بذكرها. فقال بهرام: الآن رجوت فلاحه.
ثم دعا بأبي الجارية. فقال له: إني مسر إليك سراً، فلا يعدونك، فضمن له ستره، وأعلمه أن ابنه قد عشق ابنته، وأنه يريد أن ينكحها إياه، وأمره أن يأمرها بإطماعه في نفسها، ومراسلته من غير أن يراها وتقع عينه عليها، فإذا استحكم طمعه فيها، تجنت عليه وهجرته، فإن استعتبها أعلمته أنها لا تصلح إلا لملك ومن همته همة ملك، وأنها تمنع من مواصلتها من لا يصلح للملك. ثم ليعلمه خبرها وخبره. ولا يطلعها على ما أسر إليه، فقبل أبوها ذلك منه، ثم قال للمؤدب الموكل
''(2/22)''
بولده: شجعه على مراسلة المرأة، ففعل ذلك، وفعلت المرأة ما أمرها به أبوها.
فلما انتهت إلى التجني عليه، وعلم الفتى السبب الذي كرهته له أخذ في الأدب وطلب الحكمة والعلم والفروسية والرماية وضرب الصوالجة، حتى مهر في ذلك. ثم رفع إلى أبيه أنه محتاج إلى الدواب والآلات والمطاعم والملابس والندماء إلى فوق ما تقدم له، فسر الملك بذلك، وأمر له به. ثم دعا مؤدبه فقال: إن الموضع الذي وضع به ابني نفسه من حيث هذه المرأة لا يزري به، فتقدم إليه أن يرفع إلي أمرها ويسألني أن أزوجه إياها. ففعل، فرفع الفتى ذلك إلى أبيه، فدعا بأبيها فزوجها إياه، وأمر بتعجيلها إليه، وقال: إذا اجتمعا فلا تحدث شيئاً حتى أصير إليك.
فلما اجتمعا صار إليه فقال: يا بني لا يضعن منها عندك مراسلتها إياك وليست في حبالك، فإني أنا أمرتها بذلك. وهي أعظم الناس منةً عليك، بما دعتك إليه من طلب الحكمة والتخلق بأخلاق الملوك حتى بلغت الحد الذي تصلح معه للملك من بعدي. وزدها من التشريف والإكرام بقدر ما تستحق منك.
ففعل الفتى ذلك وعاش مسروراً بالجارية، وعاش أبوه مسروراً به، وأحسن ثواب أبيها، ورفع مرتبته وشرفه بصيانته سره وطاعته. وأحسن جائزة المؤدب بامتثاله ما أمره وعقد لابنه على الملك بعده.
قال اليماني مولى ذي الرئاستين، ثم قال لنا ذو الرئاستين: سلوا الشيخ الآن لم حملكم على العشق؟ فسألناه، فحدثنا بحديث بهرام جور وابنه.
''(2/23)''
فؤادي! فؤادي
أخبرنا أبو القاسم المحسن بن حمزة الشرطي، رحمه الله تعالى، بقراءتي عليه بتنيس في كتاب التسلي، حدثنا أبو علي الحسن بن علي الديبلي الكوفي، حدثني جماعة من أهل طبرية منهم أبو يعقوب وأبو علي ابنا يعقوب الحذاء وأبو الحسين بن أبي الحارث وأبو الفرج الصوفي وغيرهم.
أنه كان عندهم رجل صوفي يعرف بالقاسم الشراك وكانت له عنيزات يرعاهن. وقال لي بعضهم: إنه لم يكن يحضر معهم مجالس السماع، ويجتذبونه إلى ذلك فلم يكن له رغبة فيه. قالوا: فبينا هو يرعى عنيزاته إذ سمع صبياً من صبيان الصحراء يغني في حقل:
إنّ هَوَاكَ الذي بِقلْبي ... صَيّرَني سَامعاً مُطِيعا
أخذتَ قَلبي وَغُمْضَ طَرْفي، ... سَلَبَتني العَقلَ وَالهُجوعا
فذَرْ فُؤداي، وّخذْ رُقادي ... فقال: لا بَلْ هُما جَمِيعَا
فَرَاحَ مِنّي بحَاجَتَيْهِ، ... وَبِتُّ تحتَ الهوَى صَريعَا
قال: فاعتراه طرب شديد، فقال للصبي، وأقبل نحوه: كيف قلت؟ ففزع الصبي وعدا، وهو يقول: لا بأس عليك! كيف قلت يا صبي؟ فلم يقف له ورجع إلى قصائدي كان لهم بطبرية يقال له حميد الفاخوري، حاذق بهذا المعنى، فتردد إليه ثلاثة أيام يردد عليه هذه الأبيات، ثم تخلف في منزله عليلاً، يصيح: فؤداي فؤادي، إلى أن قضى، رحمه الله تعالى.
''(2/24)''
الحب يعلن الجنون
أخبرنا أبو بكر محمد بن أحمد الاردستاني بقراءتي عليه في المسجد الحرام، حدثنا أبو القاسم الحسن بن حبيب المذكر، حدثنا أبو علي الحسن بن أحمد الصوفي، حدثني يحيى بن سليمان، سمعت محمد بن الزيات يقول: قلت لغورك يوماً: متى حدث بك هذا العشق؟ قال: مذ زمان، إلا أني كنت أكتمه، فلما غلب علي بحت به. قلت: أنشدني من أحسن ما قلت في ذلك! فقال:
كَتَمتُ جُنُوني، وَهوَ في القَلبِ كامنٌ، ... فَلَمّا استَوَى وَالحُبُّ أعلَنَهُ الحبُّ
وخَلاّهُ وَالجِسْمُ الصّحيحَ يُذِيبُهُ، ... فلمّا أذَابَ الجِسْمَ ذلّ له القَلبُ
فجِسمي نَحيلٌ للجُنُونِ وَللهَوَى، ... فَهذا لَهُ نَهبٌ، وَهذا له نَهبُ
نار الهوى أحر من الجمر
أخبرنا أبو بكر الاردستاني بمكة أيضاً، حدثنا الحسن بن حبيب أنشدني عبد العزيز بن محمد بن النضر الفهري لماني:
زَعَموا أن من تَشاغلَ باللّذا ... تِ عَمّنْ يُحِبّهُ يَتَسَلّى
كذّبوا وَالذي تُساقُ لَهُ البُدْ ... نُ وَمَن عاذَ بالطَّوافِ وَصَلّى
إنّ نَارَ الهَوَى أحَرُّ من الجَمْ ... رِ على قَلبِ عاشِقٍ يَتَقَلّى
''(2/25)''
ماتا معتنقين
وجدت بخط أحمد بن محمد بن علي الأبنوسي، ونقلته من أصله، حدثنا أبو علي محمد بن عبد الله بن المغيرة الجوهري، حدثنا أحمد بن محمد بن أسد الأزدي، حدثنا الساجي عن الأصمعي قال: رأيت بالبادية رجلاً قد دق عظمه، وضؤل جسمه، ورق جلده، فتعجبت فدنوت منه أسأله عن حاله، فلم يرد جواباً، فسألت جماعةً حوله عن حاله، فقالوا: اذكر له شيئاً من الشعر يكلمك، فقلت:
سَبَقَ القَضَاءُ بأننّي لكّ عَاشِقٌ، ... حتى المّماتِ، فأينَ منكَ مَذاهبي؟
فشهق شهقة ظننت أن روحه قد فارقته، ثم أنشأ يقول:
أخلُو بذِكْرِكّ لا أُرِيدُ محَدّثاً، ... وكَفَى بذلِكَ نِعمةً وَسُرورا
أبكي فيُطرِبُني البُكاءُ، وَتارةً ... يأبى، فيأتي مَنْ أُحِبُّ أسِيرا
فَإذا أنَا سَمْحٌ بِفُرْقَةِ بينِنا، ... أُعقِبتُ مِنهُ حَسرَةً وزَفِيرَا
قال، فقلت: أخبرني عن حالك؟ قال: إن كنت تريد علم ذلك، فاحملني وألقني على باب تلك الخيمة! ففعلت، فأنشأ يقول بصوت ضعيف يرفعه جهده:
ألا مَا للمَليحةِ لا تَعُودُ، ... أبُخلٌ ذاكَ منها أمْ صُدُودُ؟
فلَوْ كنتِ المَرِيضةَ جئتُ أسعى ... إلَيكِ، وَلم يُنَهنِهْني الوَعيدُ
فإذا جارية مثل القمر قد خرجت، فألقت نفسها عليه، فاعتنقا، وطال ذلك فسترتهما بثوبي خشية أن يراهما الناس. فلما خفت عليهما الفضيحة. فرقت بينهما، فإذا هما ميتان، فما برحت حتى صليت عليهما، ودفنا، فسألت عنهما فقيل لي: عامر بن غالب وجميلة بنت أميل المزنيان، فانصرفت.
''(2/26)''
؟
عبد الله بن عجلان صاحب هند
أنبأنا أبو القاسم علي بن المحسن، أخبرنا أبو عمر محمد بن العباس بن حيويه، أخبرنا محمد بن المرزبان، حدثنا أبو بكر العامري، أخبرني سليمان بن الربيع الكاذي، حدثني عبد العزيز بن الماجشون عن أيوب عن ابن سيرين قال: عبد الله بن عجلان هو صاحب هند بنت كعب بن عمرو، وإنه عشقها، فمرض مرضاً شديداً، حتى ضني، فلم يدر أهله ما به، فدخلت عليه عجوز، فقالت: إن صاحبكم عاشق، فاذبحوا له شاة، وأتوه بكبدها، وغيبوا فؤادها.
قال: ففعلوا وأتوه بها، فجعل يرفع بضعةً ويضع أخرى ثم قال: أما لشاتكم قلب؟ فقال أخوه: ألا أراك عاشقاً ولم تخبرنا. فبلغني أنه قال لهم بعد ذلك: آه! ومات.
عاشق جارية أخته
أخبرنا أبو القاسم علي بن المحسن، حدثنا أبو عمر محمد بن العباس، حدثنا أبو بكر بن المرزبان إجازة، حدثني محمد بن علي عن أبيه علي بن ابن دأب قال: عشق جاريةً لأخته، وكان سبب عشقه إياها أنه رآها في منامه فأصبح مستطاراً عقله ساهياً قلبه، فلم يزل كذلك حيناً لا يزداد إلا حباً ووجداً، حتى أنكر ذلك أهله وأعلموا عمه عما كان له، فسأله عن حاله، فلم يقر له بشيء، وقال: علة أجدها في جسمي، فدعا له أطباء الروم، فعالجوه بضروب من العلاج، فلم يزده علاجهم له إلا شراً، وامتنع من الطعام والكلام،
''(2/27)''
فلما رأوا ذلك منه اجتمعوا على أن يوكلوا به امرأةً، فتسقيه الخمر حتى يبلغ منه دون السكر، فإن ذلك يدعوه إلى الكلام والبوح بما في نفسه، فعزم رأيهم على ذلك وأعلموا عمه ما اتفقوا عليه، فبعث إليه بقينة يقال لها حمامة، ووكل به حاضنةً كانت له، فلما أن شرب الفتى غنت الجارية قدامه، فأنشأ يقول:
دَعوني لما بي وَانهَضوا في كَلاءةٍ ... من اللهِ، قد أيقَنتُ أن لَستُ باقِيَا
وَأن قد دَنا مَوتي وحانَت منيّتي، ... وَقد جَلَبت عَيني عليّ الدوَاهِيا
أمُوتُ بشَوْقٍ في فُؤادي مُبرِّحٍ ... فَيَا وَيْحَ نَفسِي مَن به مثلُ ما بيَا
قال: فصارت الحاضنة والقينة إلى عمه، فأخبرتاه الخبر، فاشتدت له رحمته، فتلطف في دس جارية من جواريه إليه، وكانت ذات أدب وعقل، فلم تزل تستخرج ما في قلبه حتى باح لها بالذي في نفسه، فصارت السفيرة فيما بينه وبين الجارية، وكثرت بينهما الكتب، وعلمت أخته بذلك فانتشر الخبر، فوهبتها له فبرأ من علته، وأقام على أحسن حال.
من غزل ابن السراج
قال ابن السراج: لي من جملة قصيدة كتبت بها إلى القاضي أبي مسلم ابن أخي أبي العلاء المعري أولها:
إنّ غَرَامي، يَا أبَا مُسْلِمِ، ... إلى غَرِيمي، في الهَوَى مُسلِمي
فَلا تَسَلْ يَوْمَ النَّوَى عن دَمٍ ... سَالَ مِنَ الأجفانِ كالعَندَمِ
''(2/28)''
ومنها:
حَتى بَدَتْ لي من مِنىً ظَبيَةٌ ... ما بَينَ شعبِ الخَيفِ وَالمأزَمِ
أعَرْتُهَا طَرْفَ خَليٍّ مِنَ ال ... وَجدِ، فغارَتْ وَاستَحَلّت دمي
فقُلتُ، وَالأجفانُ مُنْهَلّةٌ، ... من سَقَمٍ في جفنِها مُسقمِي
أللهَ يا ظبيَةَ خَيْفَي مِنى ... في مُحْرِمٍ لِوْلاكِ لمْ يُحرِمِ
وإنّما حجَّ ليلقاكِ في ... جُملةِ من يلقاكِ في الموسِمِ
أبَحتِ ما حَرّمَهُ اللهُ مِنْ ... قَتلِ حَنيفٍ نَاسِكٍ مُحْرِمِ
رُدّي عَلَيهِ قَلبَهُ تُؤجَرِي ... وَلا تُبيحي دَمَهُ تأثَمي
لا تَقتُلِيه، فَلَهُ مَعشَرٌ، ... مَا الدّهرُ من بأسهِمْ مُحتَمي
قال: ولي من أبيات كتبت بها إلى بعض أهل الأدب بديار مصر:
فَلَوْ كُنتَ شَاهِدَنا، وَالرّقِي ... بُ ينظرُ شَزْراً إلينا قِيامَا
نَفُضّ عَنِ العَتبِ خَاتَامَهُ، ... وَقَد هَتَكتْ وَهَتكْتُ اللِّثاما
وَعِفّتُنا حَاجِزٌ بَيْننَا ... وَلَوْ تَلْفَت مُهجَتَانَا غَرَاما
فإنْ لم أمُتْ حَسرَةً، يا سُعا ... دُ، فقد ذقتُ قبلَ الحِمام الحِماما
''(2/29)''
بكاء الزنجي
حدثنا محمد بن خلف، أخبرني عبد الجبار بن خلف قال: قال المزني: بينا أنا بنواحي مدينة الرسول، {{ص}}، إذا أنا بزنجي يبكي على إلف كان له وهو يقول:
أيَا دَهرُ ما هذا لنا مِنكَ مَرّةً، ... عثرتَ فأقصَيتَ الحَبيبَ المُحَبَّبَا
وَأبدلتْنِي مَنْ لا أُحِبُّ دُنُوَّهُ، ... وَأسقَيتَني صَاباً من العّذبِ مشرَبَا
سوداء تنتقد ذا الرمة
حدثنا محمد بن خلف، أخبرنا محمد بن الفضل، أخبرني أبي، أخبرنا القحذمي قال: دخل ذو الرمة الكوفة، فبينا هو يسير في بعض شوارعها على نجيب له، إذ رأى جاريةً سوداء واقفةً على باب دار، فاستحسنها، ووقعت بقلبه، فدنا إليها، فقال: يا جارية! اسقيني ماء. فأخرجت إليه كوزاً فيه ماء، فشرب فأراد أن يمازحها، ويستدعي كلامها، فقال: يا جارية! ما أحر ماءك! فقالت: لو شئت لأقبلت على عيوب شعرك وتركت حر مائي وبرده. فقال لها: وأي شعري له عيب؟ فقالت: ألست ذا الرمة؟ قال: بلى! قالت:
فأنتَ الذي شَبَّهْتَ عَنزاً بقَفرةٍ، ... لها ذنبٌ فَوْقَ استِها، أمَّ سالمِ
جَعَلتَ لهَا قَرْنَيْنِ فَوْقَ جَبينها، ... وَطَبييْنِ مسوَدّين مثلَ المَحاجِمِ
وَساقَينِ إن يَستمكِنا منك يترُكا ... بجلدِكَ، يا غَيلانُ، مثلَ الميَاسِمِ
أيَا ظبيَةَ الوَعساءِ بَينَ جَلاجِلٍ ... وَبينَ النَّقا آأنتِ أم أمُّ سَالمِ
فقال: نشدتك بالله ألا أخذت راحلتي هذه وما عليها، ولا تظهري
''(2/30)''
هذا! ونزل عن راحلته، فدفعها إليها وذهب ليمضي، فدفعتها إليه وضمنت ألا تذكر لأحد ما جرى.
الأصمعي يصف العشق
أنبأنا أبو بكر أحمد بن علي بالشام، أخبرني علي بن أيوب القمي، حدثني محمد بن عمران، حدثني علي بن هارون، أخبرنا محمد بن العباس عن الرياشي قال: قال الرشيد: يا أصمعي! ما العشق الذي على حقيقته؟ قال: قلت أن يكون ريح البصل منها أطيب عنده من ريح المسك والعنبر.
العاشق على وجل
قال محمد بن عمران: وأنشدني بعض أصحابنا عن أبي العباس المبرد لأبي حفص الشطرنجي:
أتبَعتَ لما مَلكتَ الوَعدَ بالعِلَلِ ... لوْ صَحّ منك الهوَى أرْشدتَ للحِيَلِ
قد كنتُ ممّا أرَاهُ خائِفاً وَجِلاً، ... وَلا تَرى عاشِقاً إلاّ على وَجَلِ
''(2/31)''
الرضاب الشبم
ولي من أثناء قصيدة:
فَتَنَتنِي أُمُّ خُشْفِ أوْدَعَتْ ... من هَوَاهَا في فُؤادي أسهُمَا
وَظِباءٌ بحَطِيمِ مَكّةٍ، ... يَستَحِلّونَ بهِ سَفكَ الدِّمَا
يَرْجعُ الصّائدُ عَنهُمْ مُخفِقَا ... وَيَصِيدُونَ الحَنيفَ المُسْلِمَا
لَيْتَهُمْ إذ نَصَبُوا أشرَاكَهُم ... لقُلُوبِ الوَفدِ صَانُوا الحَرَمَا
مَا عَلَيْهِمْ لَوْ أغَاثُوا صَادِياً ... فَسَقَوْهُ رِيقةً تَشفي الظَّمَا
فَلَهُ عن زَمزَمٍ مَندوحَةٌ، ... إنْ أبَاحُوهُ الرُّضَابَ الشَّبِمَا
ولي أيضاً من أثناء قصيدة:
يا رَاحلِين عن الغَضَا، وَلِجَمرِهِ ... بَينَ الضّلُوعِ لَهِيُبُهُ وَضِرَامُهُ
إنسَانُ عَيني مُنذُ حُمّ فِرَاقكم، ... ما إن يَزَالُ بمَائِهَا استِحمامُهُ
هلْ عوْدةٌ ترْجى، وَجَيشُ نوَاكمُ، ... قد نُشّرَت لفرَاقِكُم أعلامُه؟
مجنون ليلى
أخبرنا أبو محمد الحسن بن علي الجوهري، حدثنا أبو عمر محمد بن العباس بن حيويه، حدثنا محمد بن خلف، حدثني عبد الملك بن محمد الرقاشي، حدثني عبد الله بن المعدل قال: سمعت الأصمعي يقول: وذكر مجنون بني عامر قيس بن معاذ، ثم قال: لم يكن مجنوناً إنما كانت به لوثة، وهو القائل:
وَلمْ أرَ ليلى بَعْدَ مَوْقِفِ سَاعَةٍ، ... بخَيفِ مِنى تَرْمي جمارَ المُحَصَّب
''(2/32)''
وتَبدي الحصَى منها، إذا قّذّفتْ بهِ، ... منَ البُرْدِ، أطرَافَ البَنَانِ المُخَضَّبِ
وبه قال القحذمي لما قال المجنون، وهو قيس بن الملوح:
قَضَاها لغَيرِي وَابَتلاني بِحُبّهَا، ... فهَلاَّ بشيءٍ غَيرِ لَيلى ابتَلانِيَا
نظرة شافية
أخبرنا أبو محمد الحسن بن علي الجوهري قراءة عليه، حدثنا أبو عمر محمد بن العباس، حدثنا محمد بن خلف قال: وزعم ابن دأب أن معاذ بن كليب أحد بني نمير بن عوف بن عامر بن عقيل، وكان يعشق ليلى الأعلمية، من بني عقيل، وكان قد أقعده حبها من رجليه، فأتاه أخو ليلى بها، فلما نظر إليها وكلمته تحلل ما كان به وانصرف وقد عوفي.
ذكر ليلى يعيد عقله
قال أبو عبيدة: وكان المجنون يجلس في نادي قومه، وهم يتحدثون، فيقبل عليه بعض القوم، فيحدثه وهو باهت ينظر إليه ولا يفهم ما يحدثه، ثم يثوب عقله، فيسأل عن الحديث، فلا يعرفه، فحدثه مرةً بعض أهله بحديث، ثم سأله عنه في غد، فلم يعرفه، فقال: إنك لمجنون! فقال:
إني لأجلِسُ في النّادي أُحَدّثُهُمْ، ... فأستفِيقُ، وَقَدْ غالَتنيَ الغُولُ
يَهوي بقَلبي حدِيثُ النّفسِ نحوَكمُ ... حتى يَقُولَ جَلِيسي: أنتَ مخبُولُ
قال أبو عبيدة: فتزايد الأمر به حتى فقد عقله، وكان لا يقر في موضع ولا يأنس برجل، ولا يعلوه ثوب إلا مزقه، وصار لا يفهم شيئاً مما يكلم به إلا أن تذكر له ليلى، فإذا ذكرت أتى بالبدائه ورجع عقله.
''(2/33)''
بيت ربي
أخبرنا أبو الحسين أحمد بن علي بن الحسين التوزي، أخبرنا أبو الحسين محمد بن أحمد القطيعي، حدثنا الحسين بن صفوان، حدثنا عبد الله بن محمد القرشي، حدثنا سعيد بن سليمان الواسطي عن محمد بن يزيد عن خنيس عن عبد العزيز بن أبي رواد قال: دخل قوم حجاج، ومعهم امرأة تقول: أين بيت ربي؟ فيقولون: الساعة ترينه، فلما رأوه قالوا: هذا بيت ربك، أما ترينه؟ فخرجت وهي تقول: بيت ربي بيت ربي، حتى وضعت جبهتها على البيت، فوالله ما رفعت إلا ميتة.
ما أحلاك مولاي
أخبرنا أحمد بن علي بن الحسين، حدثنا محمد بن أحمد، حدثنا الحسين بن صفوان، حدثنا عبد الله بن محمد، حدثنا محمد بن الحسين، حدثنا عبيد الله بن محمد القرشي، حدثني محمد بن مسعر عن رياح القيسي قال: بينا أنا أطوف بالبيت، إذ سمعت امرأةً تقول: خداه خداه شيرين خداه، قال: فاصطكت، والله، ركبتاي حتى سقطت، قالت: مولاي مولاي ما أحلاك مولاي.
تموت متضرعة
وبإسناده: حدثنا محمد بن الحسين وغير واحد قالوا: حدثنا وهب بن جرير، حدثني أبي عن يعلى بن حكيم عن سعيد بن جبير قال: ما رأيت أحداً أرعى لحرمة هذا البيت ولا أحرص عليه منكم يا أهل البصرة، لقد رأيت جارية منهم، ذات ليلة، تعلقت بأستار الكعبة، وجعلت تدعو وتتضرع وتبكي حتى ماتت.
''(2/34)''
هجره تنزيهاً لله ولنفسه
أخبرنا أبو بكر أحمد بن علي، حدثنا علي بن أيوب القمي، حدثنا المرزباني، حدثني عمر بن يوسف الباقلاني قال: قال أبو حمزة محمد بن إبراهيم: قلت لمحمد بن العلاء الدمشقي، وكان سيد الصوفية، وقد رأيته يماشي غلاماً وضيئاً مدةً، ثم فارقه: لم هجرت ذلك الفتى الذي كنت أراه معك، بعد أن كنت له مواصلاً، وإليه مائلاً؟ قال: والله لقد فارقته عن غير قلىً ولا مللٍ. قلت: ولم فعلت ذاك؟ قال: رأيت قلبي يدعوني إلى أمر إذا خلوت به وقرب مني. لو أتيته لسقطت من عين الله تعالى. فهجرته لذلك تنزيهاً لله تعالى، ولنفسي عن مصارع الفتن، وإني لأرجو أن يعقبني سيدي من مفارقته ما أعقب الصابرين عن محارمه عند صدق الوفاء بأحسن الجزاء، ثم بكى حتى رحمته.
ألا أيها الواشي
أخبرنا أبو محمد الحسن بن محمد بن علي الخلال، رحمه الله تعالى، أخبرنا أبو الحسن أحمد بن محمد بن موسى، أنبأنا أبو بكر محمد بن القاسم أنشدني أبي لقيس بن الملوح:
ألا أيّها الوَاشِي بلَيلى ألا تَرَى ... إلى من تَشِي أوْ من به جئتَ وَاشيَا
لعمرُ الذي لمْ يَرْضَ حتى أُطِيعَهُ ... بهجرَانهَا لا يُصْبحُ، الدّهرَ، رَاضِيَا
دعاني أمُتْ، يا عاذلِيَّ، بدائِيَا، ... وَلا تَلحَيَاني لا أُحِبّ اللّواحِيَا
إذا نحنُ رُمنا هَجرهَا ضَمّ حُبَّهَا ... صَميمُ الحشا ضَمَّ الجناحِ الخوَافِيَا
''(2/35)''
دم العشاق غير حرام
ولي من أبيات:
يا ساكِني البَلَدِ الحَرَامِ! أعِندكم ... حِلٌّ دَمُ العُشّاقِ غيرُ حَرَامِ
قالوا: أما لكَ في جَميلٍ أُسوَةٌ ... وَالعَامِرِيّ وَعُرْوَةِ بنِ حِزَامِ
لمّا شكَوْتُ صَدىً إلى بَرْدِ اللَّمَى ... وَتَيَقّنُوا أني إلَيْهِ ظَامِي
قالوا: عليكَ بماء زَمَزمَ! قَلتُ، ما ... في مَاءِ زَمَزمَ ما يَبُلّ أُوَامِي
قالوا: فقد حَظَرَ العفافُ وُرُودَه، ... وَالصَّوْنُ، بَعدُ، وَمِلّةُ الإسلامِ
حب السودان
أخبرنا القاضيان أبو الحسين أحمد بن علي التوزي وأبو القاسم علي بن المحسن التنوخي قالا: حدثنا أبو عمر محمد بن العباس الخزاز، حدثنا محمد بن خلف، حدثنا عبد الرحمن بن سليمان، حدثني القحطبي، أخبرني بعض الرواة قال: بينا أنا يوماً على ركي قاعد، وذلك في أشد ما يكون من الحر، إذا أنا بجارية سوداء تحمل جرة لها، فلما وصلت إلى الركي وضعت جرتها، ثم تنفست الصعداء وقالت:
حَرُّ هَجرٍ وَحَرُّ حُبٍّ وَحَرُّ، ... أينَ مِن ذا وَذا يكُونُ المَفَرُّ؟
وفي رواية أخرى: أي حر من بعد هذا أضر؟ وملأت الجرة، وانصرفت، فلم ألبث إلا يسيراً، حتى جاء أسود، ومعه جرة، فوضعها بحيث وضعت السوداء جرتها، فمر به كلب أسود فرمى إليه رغيفاً كان معه، وقال:
أُحِبُّ لحُبّها السُّودَانَ حَتّى ... أُحِبُّ لحُبّها سُودّ الكِلابِ
''(2/36)''
ابن المهدي والسوداء
وبإسناده: حدثنا محمد بن خلف، أخبرني عبد الرحمن بن سليمان، حدثني محمد بن جعفر، حدثني أحمد بن موسى قال: دخلت على محمد بن عبيد الله بن المهدي، وقد قعد للشرب مع جواريه، فاحتشمت، فقال لي: لا تحتشم، ثم قال لي: بالله! من ترى لي أعشق من هؤلاء؟ فنظرت إلى سوداء كانت فيهن، فقلت: هذه، فقام، فقعد إلى جنبها، فوالله ما برحت حتى بكى من عشقها.
كاد يخلع العذار
ولي من أثناء قصيدة مدحت بها أحد بني منقذ:
عَرَضَت لي لَمْيَاءُ بالخَيْفِ تحكي ... غُصُنَ البَانِ نَعمَةً وَقَوَاما
تَتَمَشّى في نُسْوَةٍ كَظِبَاءِ الرَ ... ملِ يُخْفينَ بَيْنَهُنّ الكَلامَا
كِدتُ أنْ أخلَعَ العذارَ، وَلَكنْ ... نِي تَحرّجتُ حيثُ كنتُ حَرَامَا
ثمّ إني نَادَيتُ، وَالقَلبُ فِيهِ، ... شُعَلٌ للهَوَى تَزيدُ اضْطِرَامَا
يا ابنَةَ القَوْمِ هل لَدَيكِ لِصَادٍ ... شرْبَةٌ من لَماكِ تَشفي الأُوَامَا؟
فأجابَت: إنّ العَفافَ وَإنّ الصْ ... صَوْنَ يَنهى عَن ذَاكَ وَالإسلامَا
''(2/37)''
صوت بأربعة آلاف دينار
أخبرنا القاضيان أبو الحسين أحمد بن علي التوزي، وأبو القاسم علي بن المحسن التنوخي قالا: حدثنا أبو عمر محمد بن العباس الخزاز، حدثنا محمد بن خلف المحولي، أخبرني أبو الفضل الكاتب عن أبي محمد العامري قال: قال إسماعيل بن جامع: كان أبي يعظني في الغناء، ويضيق، فهربت منه إلى أخوالي باليمن، فأنزلني خالي غرفة له مشرفة على نهر في بستان، فإني لمشرف منها، إذ طلعت سوداء معها قربةً، فنزلت إلى المشرعة، فجلست فوضعت قربتها وغنت:
إلى اللهِ أشكُو بُخلَها وَسَمَاحَتي، ... لهَا عَسَلٌ مِني، وتَبْذُلُ عَلقَمَا
فُردّي مُصَابَ القَلبِ أنتِ قَتَلتِهِ، ... وَلا تَترُكِيهِ هائِمَ القَلبِ مُغرَمَا
وذرفت عيناها، فاستفزني ما لا قوام لي به، ورجوت أن ترده، فلم تفعل، وملأت القربة، ونهضت، فنزلت أعدو وراءها، وقلت: يا جارية! بأبي أنت وأمي ردي الصوت! قالت: ما اشغلني عنك! قلت: بماذا؟ قالت: علي خراج كل يوم درهمان. فأعطيتها درهمين، فتغنت وجلست حتى أخذته، وانصرفت، ولهوت يومي ذلك وكرهت أن أتغنى الصوت، فأصبحت وما أذكر منه حرفاً واحداً، وإذا أنا بالسوداء قد طلعت، ففعلت كفعلها الأول، إلا أنها غنت غير ذلك الصوت، فنهضت وعدوت في إثرها. فقلت: الصوت قد ذهب علي منه نغمة، قالت: مثلك لا يذهب عليه نغمة، فتبين بعضه ببعض، وأبت أن تعيده إلا بدرهمين، فأعطيتها ذلك، فأعادته فتذكرته، فقلت: حسبك! قالت: كأنك تكاثر فيه بأربعة دراهم، كأني والله بك، وقد أصبت به أربعة آلاف دينار.
قال ابن جامع: فبينا أنا أغني الرشيد يوماً، وبين يديه أكياس في كل كيس ألف دينار، إذ قال: من أطربني، فله كيس، فغن لي الصوت، فغنيته، فرمى لي بكيس، ثم قال: أعد! فأعدت، فرمى لي بكيس،
''(2/38)''
وقال: أعد، فأعدت، فرمى لي بكيس، فتبسمت، فقال: ما يضحكك؟ قلت: يا أمير المؤمنين، لهذا الصوت حديث أعجب منه، فحدثته الحديث فضحك، ورمى إلي الكيس الرابع، وقال: لا تكذب قول السوداء، فرجعت بأربعة آلاف دينار.
يعتل لرؤيتها
أنبأنا أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت الحافظ بالشام، حدثنا علي بن أيوب القمي، حدثنا محمد بن عمران، حدثنا عمر بن داود العماني، حدثني محمد بن علي بن الفضل بن المديني، حدثني الحسين بن علي المهلبي مولى لهم يعني الكرابيسي، أخبرني مسدد، حدثني عبد الوهاب في ما أحفظ أو غيره قال: كان زياد بن مخراق يجلس إلى إياس بن معاوية. قال: ففقده يومين أو ثلاثة، فأرسل إليه، فوجده عليلاً. قال: فأتاه، فقال: ما بك؟ فقال له زياد: علة أجدها. قال له إياس: والله ما بك حمّى، وما بك علة أعرفها، فأخبرني ما الذي تجد؟ فقال: يا أبا وائلة تقدمت إليك امرأة، فنظرت إليها في نقابها حين قامت من عندك، فوقعت في قلبي فهذه العلة منها.
جرح تعز مراهمه
ولي من أثناء قصيدة:
وَشَرْبِ هَوىً دارَتْ عَلَيهِم كؤوسُه ... حِثاثاً، فكلُّ طائرُ القَلبِ هَائِمُهْ
فلمّا انتَشَوْا عُلُّوا بكَأسِ تَفَرُّقٍ، ... فَنَغّصَ حُلوَ الشَّهدِ منهُ عَلاقِمُهْ
رَمَى رَشأٌ من وَحشِ وَجْرَةَ مَقتَلي، ... وكنتُ على مرّ اللّيَالي أُسَالِمُهْ
فَلَمْ يُخطِ سَوْدَاءَ الفُؤادِ بِسَهمِهِ، ... فَيَا لَكَ من جُرْحٍ تَعِزُّ مَرَاهِمُهْ
''(2/39)''
؟
قتيل الهوى
أنبأنا أبو بكر أحمد بن علي بالشام، حدثنا علي بن أيوب، حدثنا محمد بن عمران، أخبرني يوسف بن يحيى بن علي المنجم عن أبيه، حدثني محمد إدريس بن سليمان بن يحيى عن أبيه قال: كان المؤمل بن جميل بن يحيى بن أبي حفصة شاعراً غزلاً ظريفاً، وكان منقطعاً إلى جعفر بن سليمان بالمدينة ثم قدم العراق، فكان مع عبد الله بن مالك الخزاعي، فذكره للمهدي، فحظي عنده، وهو القائل:
قُلْنَ: مَن ذا؟ فقلتُ: هذا اليَما ... ميُّ قَتيلُ الهَوَى أبو الخطّابِ
قلنَ: باللهِ أنتّ ذاكَ يَقينَاً، ... لا تَقُلْ قَوْلَ مازِحٍ لعّابِ
إن تكنه حَقّاً، فأنتَ مُنَانَا ... خالِياً كنتَ أوْ معَ الأصْحابِ
قال فسمي قتيل الهوى، وهو القائل:
أنَا مَيتٌ مِنْ جَوَى الحُ ... بّ، فَيَا طِيبَ مَمَاتِي
أنْدبُوني، يَا ثِقَاتِي، ... وَاحضرُوا اليَوْمَ وَفَاتي
ثمّ قُولُوا عِنْدَ قَبرِي: ... يَا قَتِيلَ الغَانِياتِ
قال وله أيضاً:
إنّا إلى اللهِ رَاجِعُونَ، أمَا ... يَرْهَبُ مِنْ رَامَ قَتْلِيَ القَوَدَا
أصْبَحْتُ لا أرْتَجي السُّلُوَّ، وَلا ... أرْجُو مِنَ الحُبّ رَاحَةً أبَدَا
إني إذا لَمْ أُطِقْ زِيَارَتَكُمْ، ... وَخِفتُ مَوْتاً لِفَقْدِكُمْ كَمَدَا
أخْلُو بذِكرَاكُمْ فَتُؤنِسُنِي ... فَلا أُبَالي أنْ لا أرَى أحَدَا
''(2/40)''
ميت يتكلم
أخبرنا أبو طاهر أحمد بن علي السواق بقراءتي عليه، حدثنا محمد بن أحمد بن فارس، حدثنا أبو الحسين عبد الله بن إبراهيم بن بيان البزاز الزبيبي، حدثنا أبو بكر محمد بن خلف، حدثنا أحمد بن منصور الرمادي، حدثنا عبد الله بن صالح، حدثني يحيى بن أيوب أن فتىً كان يعجب به عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فقال عمر: إن هذا الفتى ليعجبني، وإنه انصرف ليلةً من صلاة العشاء، فمثلت له امرأة بين يديه، فعرضت له بنفسها، ففتن بها، ومضت فاتبعها حتى وقف على بابها، فلما وقف بالباب أبصر وجلي عنه، ومثلت له هذه الآية: " إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون "، فخر مغشياً عليه، فنظرت إليه المرأة فإذا هو كالميت، فلم تزل هي وجارية لها تتعاونان عليه حتى ألقتاه على باب داره.
وكان له أب شيخ كبير يقعد لانصرافه، كل ليلة، فخرج، فإذا مر به ملقى على باب الدار لما به، فاحتمله فأدخله، فأفاق بعد ذلك، فسأله أبوه: ما الذي أصابك يا بني؟ قال: يا أبت لا تسألني، فلم يزل به حتى أخبره، وتلا الآية. وشهق شهقة خرجت معها نفسه؛ فدفن فبلغ ذلك عمر بن الخطاب فقال ألا آذ نتموني بموته؟ فذهب حتى وقف على قبره، فنادى: يا فلان، ولمن خاف مقام ربه جنتان، فأجابه الفتى من داخل القبر: قد أعطانيهما ربي يا عمر.
''(2/41)''
وسواس خالد الكاتب
أخبرنا أبو غالب محمد بن أحمد بن بشران النحوي مكاتبة، حدثنا ابن دينار، أخبرنا أبو الفرج الأصبهاني قال: كان خالد الكاتب، وهو خالد بن يزيد، ويكنى أبا القاسم، من أهل بغداد، وأصله من خراسان، وكان أحد كتاب الجيش، فوسوس في آخر عمره، وقيل: إن السوداء غلبت عليه، وقال قوم: بل كان يهوى جاريةً لبعض الملوك ببغداد، فلم يقدر عليها، وولاه محمد بن عبد الملك العطاء بالثغور، فخرج، فسمع في طريقه منشداً ينشد، ومغنية تغني:
مَن كان ذا شَجَنٍ بالشامِ يَطلبُهُ، ... فَفي حِمَى الشامِ لي أهلٌ وَلي شجنُ
فبكى حتى سقط على وجهه مغشياً عليه، ثم أفاق مختلطاً، واتصل ذلك حتى وسوس وبطل.
قال ولخالد مما غني به:
يا تَارِكَ الجِسْمِ بلا قَلْبِ؛ ... إن كنتُ أهوَاكَ فما ذَنبي؟
يا مُفرَداً بالحُسنِ أفرَدتَني ... مِنكَ بطُولِ الهَجرِ وَالحبّ
إن تكُ عَيني أبصَرَتْ فتنةً، ... فَهَلْ على قَلبيَ من عَتْبِ
حَسِيبُكَ اللهُ لِمَا بي كمَا ... أنّكَ في فِعلِكَ بي حَسبي
''(2/42)''
في تيه الحب
ولي من أثناء قصيدة:
عَجبَتْ أُمُّ خالدٍ إذْ رَأتْ سُحْ ... بَ جُفُوني، في فَيضِهِنّ، رُكامَا
ثمّ نَادَتْ أترابَهَا، إذْ رَأتْ إنْ ... سَانَ عَيْني، في مَائِها، قد عَامَا
يَا سُلَيْمَى، يَا هِنْدُ، يَا فا ... طِمَ، يَا أُمَّ مالكٍ يَا أُمَامَا
مَا لإنْسانِ عَيْنِهِ يُكثِرُ الغَسْ ... لَ بِفَيّاضِ مَائِهَا استِحْمَاما؟
قُلنَ: لا عِلمَ عندنا غَيرَ أنّ المَرْ ... ءَ في تيهِ حُبّكُمْ قَدْ هَامَا
أبو ريحانة والجارية السوداء
أخبرنا الشيخ أبو بكر أحمد بن علي الشروطي بالشام، أخبرنا رضوان بن عمرو الدينوري قال: حدثنا الحسين بن جعفر العبدي قال: حدثنا أبو قتيبة سالم بن الفضل الأدمي، حدثني محمد بن موسى الشامي، سمعت الأصمعي يقول: مررت بالبصرة بدار الزبير بن العوام، فإذا أنا بشيخ أبو ولد الزبير، يكنى أبا ريحانة، على باب الزبير، ما عليه إلا شملة تستره، فسلمت عليه، وجلست إليه أحدثه، فبينا أنا كذلك إذ طلعت علينا جارية سوداء تحمل قربة، فلما نظر إليها لم يتمالك أن قام إليها ثم قال: يا ستي جمعة، غني لي صوتاً! فقالت: إن مواليّ أعجلوني. قال: لا بد من ذلك. قالت: أما والقربة على كتفي فلا. قال: فأنا أحملها. فأخذ القربة فحملها على عنقه واندفعت، فغنت:
فُؤادي أسيرٌ لا يُفكّ، ومُهجَتي ... تَقَضّى، وَأحزَاني عَلَيكَ تَطولُ
''(2/43)''
وَلي مهجَةٌ قَرْحى لطولِ اشتياقها ... إلَيكَ، وَأجفاني عَلَيكَ هُمُولُ
كَفَى حَزَناً أني أمُوتُ صَبَابَةً، ... بدائي، وَانصَارِي عَلَيكَ قَليلُ
وكُنتُ إذا ما جِئتُ جِئتُ بِعِلّةٍ، ... فأفنَيتُ عِلاّتي، فَكَيفَ أقُولُ؟
قال: فطرب الشيخ، وصرخ صرخة، وضرب بالقربة الأرض فشقها، فقامت الجارية تبكي وقالت: ما هذا جزائي منك يا أبا ريحانة، أسعفتك بحاجتك وعرضتني لما أكره من مواليّ؟ قال: لا تغتمي، فإن المصيبة علي دخلت دونك.
وأخذ بيدها واتبعته إلى السوق، فنزع الشملة، ووضع يداً من قدام ويداً من خلف، وباع الشملة، وابتاع بثمنها قربةً، وقعد على تلك الحال. ورجعت، فجلست عنده، فاجتاز به رجل من الطالبية، فلما نظر إليه وإلى حالته عرف قصته، فقال: يا أبا ريحانة! أحسبك من الذين قال الله عز وجل: " فما ربحت تجارتهم وما كانوا مهتدين ". فقال: لا يا ابن رسول الله، ولكني من الذين قال الله تعالى فيهم: " فبشر عبادي الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه " فضحك منه العلوي، وأمر له بألف درهم وخلعة.
أتراك تعذب عبدك
أخبرنا أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت، إن لم يكن سماعاً فإجازة، أخبرني سلامة بن عمر النصيبي، حدثنا أحمد بن جعفر أبو بكر، حدثنا العباس بن يوسف الشكلي قال: قال سعيد بن جعفر الوراق، قال عنبسة الخواص: كان عتبة الغلام يزورني، فبات عندي ليلة، فقدمت له عشاءً، فلم يأكله، فسمعته يقول: يا سيدي إن تعذبني، فإن لك محب؛ وإن ترحمني، فإني لك محب.
''(2/44)''
فلما كان في آخر الليل شهق شهقة، وجعل يحشرج كحشرجة الموت، فلما أفاق قلت له: يا أبا عبد الله!؟ ما كان حالك منذ الليلة؟ قال: فصرخ، ثم قال: يا عنبسة، ذكر العرض على الله، عز وجل، قطع أوصال المحبين، ثم غشي عليه، ثم أفاق، فسمعته يقول: سيدي أتراك تعذب عبدك؟
؟
لا محبوب إلا الله
وأخبرنا أبو بكر أيضاً، حدثني يحيى بن علي الطيب العجلي، سمعت عبد الله بن محمد الدامغاني يقول: سمعت الحسن بن علي بن يحيى بن سلام يقول: قيل ليحيى بن معاذ: يروى عن رجل من أهل الخير قد كان أدرك الأوزاعي وسفيان، أنه سئل: متى تقع الفراسة على الغائب؟ قال: إذا كان محباً لما أحب الله مبغضاً لما أبغض الله، وقعت فراسته على الغائب. فقال يحيى:
كلّ محبُوبٍ، سِوَى اللهِ، سرَفْ ... وَهُمُومٌ وَغُمُومٌ وَأَسَفْ
كلّ محبُوبٍ، فَمِنْهُ خَلَفٌ، ... ما خَلا الرّحمنَ ما منهُ خَلَفْ
إنّ للحُبّ دَلالاتٍ، إذا ... ظهرَتْ من صَاحِبِ الحبّ عُرِفْ
صَاحِبُ الحُبّ حَزِينٌ قَلبُهُ، ... دائمُ الغُصّةِ مَحزُونٌ دَنِفْ
هَمُّهُ في اللهِ لا في غَيْرِهِ، ... ذاهِبُ العَقلِ وَباللهِ كَلِفْ
أشعَثُ الرّأسِ خَمِيصٌ بطنُهُ، ... أصْفَرُ الوَجنَةِ والطَّرْفُ ذَرّفْ
دَائِمُ التّذكارِ مِنْ حُبّ الذي ... حُبُّهُ غَايَةُ غَايَاتِ الشّرَفْ
''(2/45)''
فإذا أمعنَ في الحُبِّ لَهُ، ... وَعَلاهُ الشّوْقُ من داءٍ كثفْ
باشرَ المحرَابَ يَشكُو بثَّهُ، ... وَأمَامَ اللهِ مَوْلاهُ وَقَفْ
قَائماً قُدّامَهُ مُنْتَصِباً، ... لَهِجاً يَتْلُو بآياتِ الصُّحُفْ
رَاكِعاً طَوْراً وَطَوْراً ساجداً ... باكياً وَالدّمعُ في الأرضِ يَكِفْ
أوْرَدَ القَلبَ على الحُبّ الّذي ... فِيهِ حُبُّ اللهِ حَقّاً، فَعَرَفْ
ثمّ جَالَتْ كَفُّهُ في شَجَرٍ ... أنبَتَ الحُبَّ، فَسمَّى واقتَطَفْ
إنّ ذا الحُبَّ لمن يُعى لَه، ... لا لدارٍ ذاتِ لَهوٍ وَطُرَفْ
لا وَلا الفِرْدَوْسُ لا يألَفُهَا، ... لا وَلا الحَوْرَاء من فوْقِ غُرَفْ
دمع وتسهاد
ولي من أبيات:
وَمُنْكِرَةٍ مَا بي من الوَجْدِ وَالأسَى، ... وَلي شاهِدانِ: فَيضُ دمعي وتَسهادي
فَقُلتُ: إذا أنكَرْتِ مَا بي، فسائلي، ... إذا راحَ عَني، يا ابنَةَ القَومِ، عُوّادي
ليلى ومجنونها
أخبرنا أبو محمد الحسن بن علي، أخبرنا أبو عمر بن حيويه، حدثنا ابن المرزبان، أخبرني أبو محمد البلخي، أخبرني عبد العزيز بن صالح عن أبيه عن ابن دأب، حدثني رجل من بني عامر يقال له رياح بن حبيب قال:
كان في بني عامر من بني الحريش جارية من أجمل النساء، وأحسنهن، لها عقل وأدب، يقال لها ليلى ابنة مهدي بن ربيعة بن الحريش، فبلغ
''(2/46)''
المجنون خبرها، وما هي عليه من الجمال والعقل، وكان صباً بمحادثة النساء، فعمد إلى أحسن ثيابه، فلبسها وتهيأ بأحسن هيئة، وركب ناقةً له كريمة، وأتاها، فلما جلس إليها وتحدث بين يديها، أعجبته، ووقعت بقلبه. فظل يومه يحدثها وتحدثه حتى أمسى، فانصرف، فبات بأطول ليلة من الليلة الأولى، وجهد أن يغمض، فلم يقدر على ذلك، فأنشأ يقول:
نَهارِي نَهارُ النّاسِ، حَتى إذا بَدَا ... ليَ اللّيلُ هَزّتْني إلَيكِ المَضَاجِعُ
أُقَضّي نَهارِي بالحَديثِ، وَبالمُنى ... وَيَجمَعُني وَالهَمَّ، باللّيلِ، جَامعُ
وأدام زيارتها، وترك إتيان كل من كان يأتيه، فيتحدث إليه غيرها، وكان يأتيها كل يوم فلا يزال عندها نهاره أجمع، حتى إذا أمسى انصرف.
وإنه خرج ذات يوم يريد زيارتها، فلما قرب من منزلها لقيته جارية عسراء، فتطير من لقائها فأنشأ يقول:
وكيفَ ترَجّي وَصْلَ ليلى، وَقد جَرَى ... يجدُّ القُوَى من لَيلَ أعسرُ حاسرُ
صَديعُ العَصَا جدبُ الزّمانِ إذا انتَحى ... لوَصلِ امرِئٍ لم يُقضَ منه الأوَاطرُ
ثم صار إليها من غدٍ، فلم يزل عندها. فلما رأت ليلى ذلك منه وقع في قلبها مثل الذي وقع لها في قلبه، فجاء يوماً كما كان يجيء، فأقبل يحدثها، وجعلت هي تعرض عنه بوجهها وتقبل على غيره، كل ذلك تريد أن تمتحنه، وتعلم ما لها في قلبه، فلما رأى ذلك منها اشتد عليه، وجزع حتى عرف ذلك فيه، فلما خافت عليه، أقبلت كالمشيرة إليه، فقالت:
كِلانَا مُظهِرٌ للنّاسِ بُغضاً، ... وكلٌّ عندَ صَاحِبِهِ مَكينُ
''(2/47)''
فسري عنه، وعلم ما في قلبها، وقالت له: إنما أردت أن أمتحنك، والذي لك عندي أكثر من الذي لي عندك، وأنا معطية الله عهداً إن أنا جالست بعد هذا يومي رجلاً سواك حتى أذوق الموت، إلا أن أكره على ذاك. قال: فانصرف في عشيته، وهو أسر الناس بما سمع منها، فأنشأ يقول:
أظُنّ هَوَاهَا تَاركِي بِمَضَلّةٍ ... من الأرْضِ، لا مالٌ لديّ، وَلا أهلُ
وَلا أحَدٌ أُفضِي إلَيْهِ وَصِيّتي، ... وَلا وَارِثٌ إلا المَطِيّةُ وَالرّحلُ
مَحا حُبّها حُبَّ الأُلَى كُنّ قبلَها ... وَحلّت مكاناً لم يكن حُلّ من قبلُ
زيارة الطيف
ولي من قصيدة:
بَعَثَتْ خادِمَها نَحوِي، وَقَدْ ... أبصَرَتْ حَبْلَ الهَوَى مُنْصَرِمَا
تَتَرَثّى ليَ مِنْ وَشكِ نَوىً، ... فَتَكَت فِينَا، وبَينٍ ظَلَمَا
وَتَقُولُ: الصّبرُ أوْقَى جُنّةً، ... فَادّرِعْ صَبْرَكَ، أوْ مُتْ كرمَاَ
وَتَزَوّدْ نَظَراً تَحْيَ بِهِ، ... لَستَ في أهلِ الهَوَى مُتّهَمَا
قُلتُ: زَادِي شُرْبَةٌ مَثْلُوجَةٌ ... مِنْ ثَنَاياكِ، فقد مسّ الظَّما
فاسمَحي لي، يا ابنَةَ العمّ، بهَا، ... وَاجعَلي إبرِيقَهَا مِنكِ الفَمَا
فَتَمَلّتْ غَضَباً، وَاختَمَرَتْ ... بحَيَاءٍ، زَادَ جِسمي سَقَما
ثم قالتْ: كنتَ يا صَاحِبَنَا ... قَبلَ هَذا عِندَنَا مُحتَشَما
إنّ ثَوْبَ الصَّوْنِ والعِفّةِ مِنْ ... دُونِ ما تَطلبُهُ مِنّا حِمَى
لَيسَ بَعدَ اليَوْمِ إلاّ طَيْفُنَا، ... يَمتَطي اللّيلَ، إذا مَا أظلَمَا
قلتُ: يا هَذي هَبي الطّيف سَرَى، ... أيَزُورُ الطّيفُ إلاّ النُّوَّمَا؟
''(2/48)''
جارية حاضرة الذهن
أخبرنا القاضيان أبو الحسن أحمد بن علي بن الحسين التوزي وأبو القاسم علي بن المحسن التنوخي قالا: حدثنا أبو عمر بن حيويه الخزاز، حدثنا محمد بن خلف، حدثني أبو عبد الله التميمي، حدثني أبو الوضاح الباهلي عن أبي محمد اليزيدي قال: قال عبد الله بن عمر بن عتيق بن عامر بن عبد الله بن الزبير:
خرجت أنا ويعقوب بن حميد بن كاسب قافلين من مكة، فلما كنا بودان لقيتنا جارية من أهل ودان، فقال لها يعقوب: يا جارية! ما فعلت نعم. فقالت: سل نصيباً. فقال: قاتلك الله، ما رأيت كاليوم قط أحد ذهنا، ولا أحضر جواباً منك. وإنما أراد يعقوب قول نصيب في نعم، وكانت تنزل ودان:
أيَا صَاحِبَ الخَيماتِ من بَطنِ أرْثَدٍ ... إلى النّخلِ من وَدّانَ! ما فعَلتْ نُعْمُ
أُسائِلُ عَنها كلَّ رَكْبٍ لَقيتُهُمْ، ... وَمَا لي بهَا مِنْ بَعدِ مَكّتِنَا عِلْمُ
صفراء السوداء
أخبرنا ابن التوزي والتنوخي قالا: حدثنا أبو عمر محمد بن العباس، حدثنا محمد بن خلف قال: وذكر بعض الرواة عن العمري: كان أبو عبد الله الحبشاني يعشق صفراء العلاقمية، وكانت سوداء، فاشتكى من حبها، وضني حتى صار إلى حد الموت، فقال بعض أهله لمولاها: لو وجهت صفراء إلى أبي عبد الله الحبشاني، فلعله يعقل إذا رآها؟ ففعل، فلما دخلت عليه صفراء قالت: كيف أصبحت يا أبا عبد الله؟ قال: بخير ما لم تبرحي. قالت: ما تشتهي؟ قال: قربك. قالت: فما تشتكي؟ قال: حبك. قالت: أفتوصي بشيء؟ قال: نعم! أوصي بك إن قبلوا
''(2/49)''
مني. فقالت: إني أريد الانصراف. قال: فتعجلي ثواب الصلاة علي. فقامت فانصرفت، فلما رآها مولية تنفس الصعداء ومات من ساعته.
سمنون الكذاب
أخبرنا أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت بقراءتي عليه بالشام، سمعت أبا نعيم الحافظ يقول: سمنون هو ابن حمزة الخواص، أبو الحسين، وقيل أبو بكر، بصري سكن بغداد، ومات قبل الجنيد، وسمى نفسه سمنون الكذاب، بسبب أبياته التي قال فيها:
فَلَيسَ لي في سِوَاكَ حَظٌّ، ... فكَيفَ مَا شِئتَ فَامتَحنّي
فحصر بوله من ساعته فسمى نفسه سمنون الكذاب.
من شعر سمنون
أنبأنا أبو الحسين أحمد بن علي بن الحسين التوزي، وحدثنا الخطيب عنه، حدثنا أبو عبد الرحمن السلمي النيسابوري، أنشدني علي بن أحمد بن جعفر أنشدني ابن فراس لسمنون:
وكانَ فُؤادِي خَالِياً قَبلَ حُبّكُمْ، ... وكانَ بذِكرِ الخَلْقِ يَلهُو وَيَمزَحُ
فَلَمّا دَعَا قَلْبي هَوَاكَ أجابَهُ، ... فَلَستُ أرَاهُ عَنْ فِنَائِكَ يَبْرَحُ
رُميتُ بِبَينٍ مِنك إنْ كُنتُ كاذِباً، ... وَإنْ كُنتُ في الدّنيَا بِغَيْرِكَ أفرَحُ
وَإنْ كانَ شَيءٌ في البِلادِ بأسرِها، ... إذا غِبْتَ عَنْ عَيْني، بعَينيَ يملُحُ
فإنْ شئتَ وَاصِلْني، وَإن شئتَ لا تصِلْ، ... فَلَستُ أرَى قَلبي لِغَيركَ يَصْلُحُ
''(2/50)''
وأخبرنا أبو بكر أحمد بن علي، حدثنا الحسن بن أبي بكر قال: ذكر أبو عمر محمد بن عبد الواحد الزاهد أن سمنون المجنون أنشده:
يا مَن فُؤادي عَليهِ مَوْقُوفُ، ... وكلُّ هَمّي إلَيهِ مَصرُوفُ
يا حَسرَتي حَسرَةً أمُوتُ بهَا، ... إنْ لمْ يكُنْ لي إلَيكَ مَعروفُ
مساكين أهل العشق
أخبرنا أبو الحسين محمد بن علي بن الحسين وأبو القاسم علي بن المحسن بن علي قالا: أخبرنا أبو عمر محمد بن العباس الخزاز، حدثنا محمد بن خلف، أخبرني جعفر بن علي اليشكري، أخبرني الرياشي، أخبرني العتبي قال: دخل نصيب على عبد العزيز بن مروان، فقال له: هل عشقت يا نصيب؟ قال: نعم! جعلني الله فداءك، ومن العشق أفلتتني إليك البادية. قال: ومن عشقت؟ قال: جاريةً لبني مدلج، فأحدق بها الواشون، فكنت لا أقدر على كلامها إلا بعين أو إشارة، فأجلس على الطريق حتى تمر بي فأراها، ففي ذلك أقول:
جَلستُ لهَا كَيْمَا تَمرّ لعَلّي ... أُخَالِسُها التسليمَ، إنْ لمْ تُسَلِّمِ
فَلَمّا رَأتْني وَالوُشاةَ تَحَدّرَتْ ... مَدَامِعُها خَوْفاً وَلمْ تَتَكَلّمِ
مساكينُ أهلُ العشق ما كنتُ أشترِي ... حَياةَ جَميعِ العاشِقِينَ بِدرْهَمِ
''(2/51)''
دعا باسم ليلى
أنبأنا أبو عبد الله محمد بن علي الصوري الحافظ، رحمه الله تعالى، حدثنا عبد الغني بن سعيد، حدثنا جعفر بن هارون بن زياد قال: وحدثني هلال بن العلاء، حدثني عياض بن أحمد السلمي قال:
كنت أجلس إلى الأصمعي فما سمعته سئل فقال حتى أنظر، أو ما أعرفه. قال: وسمعته يقول: كنت مع جعفر بن يحيى في زورق فسمع هاتفاً يهتف باسم جارية، فقال: إن هذا الهاتف يهتف باسم جارية قلبي، فأنشدني في ذا شيئاً، فأنشدته:
وداعدعا إذ نحن بالخيف مِن مِنىً، ... فَهَيّجَ أحزَانَ الفُؤادِ وَما يَدرِي
دَعَا باسْمِ لَيلى غَيرِها، فَكَأنّمَا ... أطَارَ بلَيلى طَائراً كَانَ في صَدْرِي
فأعطاني عشرة آلاف درهم.
؟
المجنون في مكة
أخبرنا أبو محمد الحسن بن علي الجوهري قراءة عليه، حدثنا أبو عمر محمد بن العباس الخزاز، حدثنا محمد بن خلف قال: قال أبو عمرو الشيباني: لما ظهر من المجنون ما ظهر ورأى قومه ما ابتلي به، اجتمعوا إلى أبيه وقالوا: يا هذا! قد ترى ما ابتلي به ابنك، فلو خرجت به إلى مكة فعاذ ببيت الله الحرام، وزار قبر رسول الله {{ص}}، ودعا الله تعالى، رجونا أن يرجع عقله، ويعافيه الله، فخرج أبوه حتى أتى به مكة، فجعل يطوف به ويدعو الله، عز وجل، له بالعافية. وهو يقول:
دَعا المُحرِمونَ اللهَ يَستَغفِرُونَهُ، ... بمَكّةَ، وَهناً، أن تُمَحَّى ذنوبُها
وَنَاديْتُ أنْ يا رَبِّ أوّلُ سُؤلَتي ... لِنَفسِيَ لَيلى ثمّ أنتَ حَسِيبُهَا
''(2/52)''
فإنْ أُعطَ لَيلى في حيَاتي لا يَتُب ... إلى الله خَلقٌ تَوْبَةً لا أتوبُهَا
حتى إذا كان بمنىً نادى مناد من بعض تلك الخيام: يا ليلى، فخر قيس مغشياً عليه، واجتمع الناس حوله، ونضحوا على وجهه الماء، وأبوه يبكي عند رأسه، ثم أفاق وهو يقول:
وَداعٍ دَعا، إذْ نحنُ بالخَيفِ من منىً، ... فَهَيّجَ أشوَاقَ الفُؤادِ وَلَمْ يّدْرِ
دَعَا باسْمِ لَيلى غَيرِها، فَكَأنّمَا ... أطَارَ بلَيلى طائراً كانَ في صَدرِي
؟
الله يا سلام
ولي من غزل قصيدة أولها:
بَينَ الأرَاكِ وَبَينَ ذِي سَلَمِ ... ألقيت خوف نواك بالسلم
ومنها:
الله يا سلام في رجل ... أبقَيتِهِ لحماً عَلى وَضَمِ
أعدتْ جفونُكِ جِسمَه فرمَتْ ... بفُتورِها فِيهِ وَبالسَّقَمِ
وَرَمَيتِهِ بِسِهَامِ بَينِكِ إذ ... عَيّرْتِهِ بالشّيبِ وَالعَدَمِ
فحَدا رِكابُ مُناهُ نحوَ فَتىً ... ذِي همّةٍ تَعلو على الهِمَمِ
''(2/53)''
نأت دار من تهوى
أخبرنا أبو محمد الحسن بن محمد الخلال، حدثنا أبو أحمد عبيد الله بن أحمد الفقيه، حدثنا محمد بن يحيى الصولي أبو بكر، حدثنا أحمد بن أبي طاهر قال: هجر محمد بن إسحق بن إبراهيم جاريةً له كان يخرجها معه إلى أسفاره، وحدث له خروج، فجعلت تغني وتبكي، وهو مستمع:
نَأت دارُ مَن تَهوَى، فَما أنتَ صَانِعُ؛ ... أمُصْطَبَرٌ للبَينِ أمْ أنتَ جَازِعُ؟
فإنْ تَمنَعُوني أنْ أبُوحَ بحُبّهَا، ... فَلَيسَ لقَلبي من جَوَى الحُبّ مانعُ
قال: فدخل فترضاها وأخرجها معه.
قتلته بالسحر
أخبرنا أبو طاهر أحمد بن علي السواق، حدثنا محمد بن أحمد بن فارس، حدثنا عبد الله بن محمد بن إبراهيم، حدثنا محمد بن خلف قال: قال إسحق بن منصور: حدثني جابر بن نوح قال: كنت بمدينة الرسول {{ص}}، جالساً عند بعض أهل السوق، فمر بي شيخ حسن الوجه حسن الثياب، فقام إليه البائع فسلم عليه، وقال له: يا محمد! أسأل الله أن يعظم أجرك وأن يربط على قلبك بالصبر. فقال الشيخ مجيباً له:
وكانَ يَميني في الوَغَى وَمُسَاعِدي، ... فأصْبَحتُ قَد خانَت يميني ذِرَاعُها
وَأصْبَحتُ حرّاناً من الثُّكلِ حَائِراً، ... أخَا كَلَفٍ ضَاقَتْ عليّ رِبَاعُهَا
فقال البائع: أبشر يا أبا محمد، فإن الصبر معول المؤمن، وإني لأرجو أن لا يحرمك الله الأجر على مصيبتك.
''(2/54)''
فقلت له: من هذا الشيخ؟ فقال: رجل منا من الأنصار من الخزرج، فقلت: وما قصته؟ قال: أصيب بابنه، وكان به باراً قد كفاه جميع ما يعنيه، وقام به، وميتته أعجب ميتةٍ. قلت: وما كان سبب ميتته، وما كان خبره؟ قال: أحبته امرأة من الأنصار، فأرسلت إليه تشكو حبها وتسأله الزيارة، وتدعوه إلى الفاحشة. قال: وكانت ذات بعل، فأرسل إليها:
إنّ الحَرَامَ سَبيلٌ لستُ أسلُكُهُ، ... وَلا أمرُّ به ما عشتُ في النّاسِ
ألغي العتابَ، فإني غَيرُ مُتّبِعٍ ... ما تَشتَهينَ، فكُوني مِنهُ في يَاسِ
فلما قرأت الأبيات كتبت إليه:
دَعْ عَنكَ هذا الذي أصبَحت تذكرهُ، ... وَصِرْ إلى حَاجَتي يا أيّها القاسِي
دَعِ التّنَسُّكَ إنّي غَيْرُ نَاسِكَةٍ، ... وَلَيسَ يَدخُلُ ما أبدَيتَ في رَاسِي
قال: فأفشى ذلك إلى صديق له، فقال له: لو بعثت إليها بعض أهلك فوعظتها وزجرتها رجوت أن تكف عنك. فقال: والله لا فعلت ولا صرت في الدنيا حديثاً، وللعار في الدنيا خير من النار في الآخرة، وقال:
العارُ في مدّةِ الدّنيَا وَقِلّتِهَا، ... يَفنى وَيَبقى الذي بالنّار يؤذِيني
وَالنّارُ لا تَنقَضِي ما دامَ بي رَمَقٌ، ... وَلَستُ ذا ميتةٍ فيها، فتُفنيني
لكنْ سأصْبرُ صَبرَ الحُرِّ مُحتَسِباً، ... لَعَلّ رَبي مِن الفِرْدَوسِ يُدنيني
قال: وأمسك عنها، فأرسلت إليه: إما أن تزورني، وإما أن أزورك، فأرسل إليها: اربعي أيتها المرأة على نفسك، ودعي عنك التسرع إلى هذا الأمر. قال: فلما أيست منه ذهبت إلى امرأة كانت تعمل السحر، فجعلت لها الرغائب لتهيجه. قال: فعملت لها فيه.
قال: فبينا هو ذات ليلة جالس مع أبيه، إذ خطر ذكرها بقلبه وهاج به أمر لم يكن يعرفه، واختلط، فقام من بين يدي أبيه مسرعاً فصلى واستعاذ
''(2/55)''
وجعل يبكي والأمر يتزايد، فقال له أبوه: يا بني ما قصتك؟ فقال: يا أبت! أدركني بقيد فما أرى إلا وقد غلب علي. قال: فجعل أبوه يبكي ويقول: يا بني حدثني بالقصة، فحدثه بقصته، فقام إليه فقيده وأدخله بيتاً، فجعل يضطرب ويخور كما يخور الثور، ثم هدأ ساعة عند الباب، فإذا هو ميت، وإذا الدم يسيل من منخره.
ميتان وامرأة حرى
أخبرنا أبو بكر أحمد بن علي بالشام بقراءتي عليه، أخبرنا علي بن أبي علي البصري، حدثنا الحسين بن محمد بن سليمان الكاتب، حدثنا جحظة قال: كنت بحضرة الأمير محمد بن عبد الله بن طاهر، فاستؤذن عليه للزبير بن بكار حين قدم من الحجاز، فلما دخل عليه أكرمه وعظمه، وقال له: لئن باعدت بيننا الأنساب لقد قربت بيننا الآداب، وإن أمير المؤمنين ذكرك، فاختارك لتأديب ولده، وأمر لك بعشرة آلاف درهم وعشرة تخوت من الثياب وعشرة بغال تحمل عليها رحلك إلى حضرته بسر من رأى. فشكره على ذلك، وقبله، فلما أراد توديعه قال له: أيها الشيخ! أما تزودنا حديثاً نذكرك به؟ قال: أحدثك بما سمعت أو بما شاهدت؟ قال: بل بما شاهدت؟ فقال: بينا أنا في مسيري هذا بين المسجدين، إذ بصرت بحبالة منصوبة فيها ظبي ميت، وبإزائها رجل على نعشه ميت، ورأيت امرأة حرى تسعى، وهي تقول:
يا خَشْنُ، لوْ بَطَلٌ، لكنّهُ أجَلٌ، ... على الإثاية، ما أودى بكَ البَطَلُ
''(2/56)''
يا خَشنُ قَلقَلَ أحشائي وَأزْعَجها، ... وَذاكَ يا خَشنُ عندي كلُّه جَلَلُ
أمسَتْ فَتَاةُ بَني نَهدٍ عَلانِيَةً، ... وَبَعلُها في أكفّ القَوْمِ يُبتذَلُ
قَد كنتُ رَاغبَةً فيهِ أضَنُّ بِهِ، ... فحان من دون ضَنِّ الرّغبةِ الأجلُ
قال: فلما خرج من حضرته قال لنا محمد بن عبد الله بن طاهر: أي شيء أفدنا من الشيخ؟ قلنا له: الأمير أعلم. فقال: قوله: أمست فتاة بني نهد علانيةً أي ظاهرة، وهذا حرف لم أسمعه في كلام العرب قبل هذا.
أسود وسوداء
أخبرنا أبو الحسين أحمد بن علي التوزي وأبو القاسم علي بن المحسن التنوخي قالا: أخبرنا أبو عمر محمد بن العباس بن حيويه، حدثنا محمد بن خلف، حدثنا أبو الفضل قاسم بن سليمان الإيادي عن عبد الرحمن بن عبد الله قال: أخبرني مخبر أنه رأى أسود ببئر ميمون وهو يمتح من بئر، ويهمس بشيء لم أدر ما هو، فدنوت منه، فإذا بعضه بالعربية وبعضه بالزنجية، ثم تبينت ما قال، فإذا هو:
ألا يا لا ئِمي في خُبّ رِئمٍ، ... أفِقْ عن بعض لومك لا اهتديتا
أتأمرني بهجرَةِ بعضِ نَفسِي؟ ... مَعاذَ اللهِ أفعَلُ مَا اشتَهيتَا
أُحِبُّ لحُبّها تَثْليمَ طُرّاً، ... وَتَكَعةَ وَالمَشكَّ وَعينَ زَيتَا
فقلت: ما هذه؟ قال: رباع كانت لنا بالحبشة كنا نألفها. قال قلت:
''(2/57)''
أحسبك عاشقاً. قال: نعم! قلت: لمن؟ قال: لمن إن وقفت رأيته. فما لبثنا ساعة أن جاءت سوداء على كتفها جرة، فضرب بيده عليها، وقال: ها هي هذه. قال: قلت له: ما مقامك ههنا؟ قال: اشتريت، فأوقفت على هذا القبر أرشه، فأنا أبرد من فوق، وربك يسخن من أسفل.
جبال الحب
أنبأنا أبو محمد الحسن بن محمد الخلال، رحمه الله تعالى، في سنة سبع وثلاثين وأربعمائة، أخبرنا يحيى بن علي بن يحيى المعمري، أنشدنا أبو محمد جعفر بن محمد الصوفي أنشدني بعض إخواننا لأبي بكر محمد بن داود الفقيه:
حَمَلتُ جِبالَ الحُبّ فِيكَ، وَإنّني ... لأعجزُ عَن حَملِ القَميصِ وَأضْعُفُ
وما الحُبّ من حُسنٍ وَلا من سَماحةٍ، ... وَلِكنّه شيءٌ به الرّوح تَكْلَفُ
نياق القرشي
أخبرنا أبو محمد الحسن بن محمد الخلال بالتاريخ، حدثنا عبد الواحد بن علي بن الحسين، حدثنا أبو يحيى بن أبي مسرة، حدثنا أبو غسان محمد بن يحيى حدثنا المساحقي عن أبيه أنه خرج ساعياً في بني عامر، فأتاه مجنون بني عامر، فٍساله أن يكلم له عمه، فأبى أن يزوجه، فأمر المساحقي للمجنون بقلائص، فوهبها له وأبى أن يقبلها، ثم أنشأ يقول:
تَركتُ قَلائِصَ القُرَشيّ لمّا ... رَأيتُ النّقضَ مِنهُ للعُهُودِ
''(2/58)''
بقاء العاشقين عجيب
أنبأنا الجوهري، أنشدنا أبو عمر بن حيويه، أنشدنا محمد بن عبد الله الكاتب، أنشدني محمد بن المرزبان:
لّئِنْ كنتُ لا أشكُو هَوَاكِ فإنّني ... أخُو زَفَرَاتٍ، وَالفُؤادُ كَئيبُ
وَإنْ كانَ قلباً فيكِ يَضْنى صَبابَةً، ... وَقد مَرِضَتْ من مُقلَتَيكِ قلوبُ
فما عجبٌ موتُ المُحبّينَ في الهَوَى، ... وَلَكن بَقَاء العَاشِقينَ عَجيبُ
وفاة جميل
أخبرنا الأمير أبو محمد الحسن بن عيسى بن المقتدر بالله، حدثنا أبو العباس أحمد بن منصور اليشكري، أخبرنا الصولي، حدثنا محمد بن زكريا الغلابي، حدثنا محمد بن عبد الرحمن عن أبيه قال: لما حضرت الوفاة جميلاً بمصر قال: من يعلم بثينة؟ فقال رجل: أنا، فلما مات صار إلى حي بثينة فقال:
بَكَرَ النَّعيُّ وَمَا كَنَى بجَميلِ، ... وَثَوَى بمصرَ ثَوَاءَ غيرِ قَفولِ
بَكَرَ النَّعيُّ بفارِسٍ ذِي نَهمَةٍ، ... بطلٍ، إذا حُمِلَ اللّوَاءُ مُديلِ
فسمعته بثينة، فخرجت مكشوفةً تقول:
وَإنَّ سلُوِّي عَنْ جَميلٍ لَساعَةٌ ... من الدّهرِ ما حانَت وَلا حان حِينُها
سَوَاءٌ عَلينا يا جَميلُ بن مَعَمرٍ، ... إذا مُتّ، بأساءُ الحَياةِ وَلينُها
''(2/59)''
الهوى ينسي الأكل
أخبرنا الأمير أبو محمد الحسن بن عيسى بن المقتدر، حدثنا أحمد بن منصور اليشكري، حدثنا ابن الأنباري، أخبرنا أبو العباس قال: مر رجل بجميل، فأضافه، وخبز خبزةً من مكوك، وثردها في لين وسمن، قال: ثم أتاه بها، فجعل الرجل يحدث جميلاً عن بنت عم له بحبها، ويأكل حتى أتى على الخبزة، فقال جميل:
وَقَد رَابَني من جَعفَرٍ أنّ جَعفَراً ... يُلّحُ على قُرْصِي، وَيَبكي عَلى جُملِ
فَلَوْ كنتَ عُذرِيَّ العلاقَةِ لم تَكُنْ ... بَطِيناً وَأنْساكَ الهَوَى كَثرةَ الأكلِ
لا تقتليه
ولي من أثناء قصيدة أولها:
أدِرِ المُخَدَّرَةَ العُقَارَا، ... فاللّيلُ قد أرْخى الإزَارَا
يا جَارَتي بِرُصَافَةِ ال ... مَهْدِيّ لَمْ تَرْعَي جِوَارَا
رُدّي عَلى المُشْتَاقِ قَلْ ... باً هَائِماً بِكِ مُستَطَارَا
لا تَقْتُليهِ، فَقَوْمُهُ ... لا يَتركُونَ، الدّهرَ، ثَارَا
''(2/60)''
شعر على تكة
أخبرنا أبو الحسين علي بن عمر الحربي المعروف بابن القزويني الزاهد، رحمه الله تعالى، فيما أذن لنا في روايته، أخبرنا أبو عمر محمد بن العباس بن حيويه، حدثنا عبد الوهاب بن أبي حية قال: كتبت عازم على تكة حرير كانت تتعصب بها:
إنّ العُيونَ التي في طرْفِها مَرَضٌ ... قَتَلنَنا، ثمّ لمْ يُحيينَ قَتلانَا
يَصرعْنَ ذا اللُّبّ حتى لا حَرَاكَ به، ... وَهنّ أضْعَفُ خلقِ اللهِ أرْكانَا
شعر على عصابة
وأخبرنا علي بن عمر أيضاً، أخبرنا عمر بن حيويه، أخبرنا عبد الوهاب بن أبي حية قال: نقشت غليل على عصابتها:
مَا ضَرّ مَن صَيّرَني حُبُّهُ ... قَرِينَ أحزَانٍ وَوَسْوَاسِ
لَوْ أنّهُ فَرّجَ عَنْ كُرْبَتي ... بأسطُرٍ في شرّ قِرْطَاسِ
تضن بتسليمة
ولي من قصيدة رجز أولها:
لا تَحسَبُوا أني مَلُولٌ سَالي، ... لا أعرِفُ الهَجرَ مِنَ الوِصَالِ
حتى عَلِقتُ من بني هِلالِ ... جَارِيةً حَسنَاءَ كالتِّمْثَالِ
صَامِتَةَ السِّوَارِ وَالخَلخَالِ، ... جَامِعَةً للصَّوْنِ وَالجَمَالِ
''(2/61)''
تَرْنُو بِعَينِ رَشَإٍ غَزَالِ، ... رِيقَتُها أشهَى من الجِرْيالِ
قَد زَادَ في حُبّي لهَا بَلبَالي، ... لِحاظُها أمضَى منَ النِّصَالِ
تَرْمي القُلُوبَ ثمّ لا تُبالِي، ... من قَتَلَت هَوىً من الرّجَالِ
وَمَا دَمُ العُشّاقِ بالحَلالِ، ... سَألتُهَا عَشِيّةَ التّرْحَالِ
تَسلِيمَةً، فَلَمْ تُجِبْ سؤالي، ... وَأعرَضَت إعراضَ ذِي مَلالِ
أعشق من كثيِّر عزة
أخبرنا أبو محمد الحسن بن علي الجوهري قراءة عليه، أخبرنا أبو عمر محمد بن العباس بن حيويه، حدثنا محمد بن خلف، أخبرني عبد الله بن محمد الطالقاني، أخبرني السري بن يحيى الأزدي عن أبيه عن المفضل بن الحسن المخزومي قال: دخل كثيِّر عزة على عبد الملك بن مروان، فجعل ينشده شعره في عزة، وعيناه تذرفان، فقال له عبد الملك: قاتلك الله يا كثير! هل رأيت أحداً أعشق منك؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين، خرجت مرةً أسير في البادية على بعير لي، فبينا أنا أسير إذ رفع إلي شخص، فأممته، فإذا رجل قد نصب شركاً للظباء، وقعد بعيداً منه، فسلمت عليه، فرد السلام، فقلت: ما أجلسك ها هنا؟ قال: نصبت شركاً للظباء، فأنا أرصدها. قلت: إن قمت له لديك فصدت أتطعمني؟ قال: إي والله.
قال: فنزلت فعقلت ناقتي، وجلست أحدثه فإذا هو أحسن خلق الله حديثاً، وأرقه وأغزله. قال: فما لبثنا أن وقعت ظبية في الشرك، فوثب ووثبت معه فخلصها من الحبال، ثم نظر في وجهها ملياً، ثم أطلقها، وأنشأ يقول:
أيَا شِبهَ لَيلَى لَن تُرَاعَي، فإننّي ... لكِ اليَوْمَ من بينِ الوُحوش صَديقُ
''(2/62)''
ويَا شبهَ لَيلى لَنْ تَزَالي بِرَوْضَةٍ ... عَلَيكِ سَحَابٌ دَائِمٌ وَبُرُوقُ
فَما أنا إذ شَبّهتُها ثمّ لم تَؤبْ ... سَليماً عَليها، في الحَياةِ، شَفِيقُ
فَدَيتُكِ من أسرٍ دَهَاكِ لحُبّها، ... فأنتِ لَليلى مَا حَييتِ طَلِيقُ
ثم أصلح شركه، وعدونا إلى موضعنا، فقلت: والله لا أبرح حتى أعرف أمر هذا الرجل، فأقمنا باقي يومنا فلم يقع شيء، فلما أمسينا قام إلى غار قريب من الموضع الذي كنا فيه وقمت معه فبتنا به، فلما أصبح غدا فنصب شركه، فلم يلبث أن وقعت ظبية شبيهة بأختها بالأمس، فوثب إليها ووثبت معه، فاستخرجها من الشرك ونظر في وجهها ملياً ثم أطلقها، فمرت، وأنشأ يقول:
اذهَبي في كلاءَةِ الرّحمنِ، ... أنتِ مِني في ذِمّةٍ وَأمَانِ
تَرْهبيني؟ وَالجِيدُ مِنك كليلى، ... وَالحَشا وَالبُغَامُ وَالعَينانِ
لا تَخافي بأنْ تُفاجَيْ بسُوءٍ ... ما تَغَنّى الحَمامُ في الأغصَانِ
ثم عدنا إلى موضعنا فلم يقع يومنا ذلك شيء، فلما أمسينا صرنا إلى الغار، فبتنا فيه، فلما أصبحنا عدل إلى شركه، وغدوت معه، فنصبه، وقعدنا نتحدث وقد شغلني، يا أمير المؤمنين، حسن حديثه عما أنا فيه من الجوع، فبتنا نتحدث إذ وقعت في الشرك ظبية، فوثب إليها ووثبت معه، فاستخرجها من الشرك، ثم نظر في وجهها وأراد أن يطلقها فقبضت على يده وقلت: ماذا تريد أن تعمل؟ أقمت ثلاثاً كلما صدت شيئاً أطلقته. قال: فنظر في وجهي وعيناه تذرفان وأنشأ يقول:
أتَلحَى محِبّاً هائِمٌ القلبِ أن رَأى ... شَبيهاً لمَن يهوَاهُ في الحَبلِ مُوثَقَا
''(2/63)''
فَلَمّا دَنَا مِنهُ تَذَكّرَ شَجوَهُ، ... وَذّكّرَهُ مَن قد نأى فَتَشَوَّقَا
قال أبو بكر: وبيت آخر ذهب علي، فرحمته والله، يا أمير المؤمنين، فبكيت لبكائه ونسبته، فإذا هو قيس بن معاذ المجنون، فذاك والله أعشق مني يا أمير المؤمنين.
وشاية الطيب
ولي من ابتداء قصيدة:
طَرَقَتْ، وَالظّلامُ قد مدَ سِترَا، ... تَتَخَطّى إليّ سَهْلاً وَوَعرَا
وَالكَرَى قَد سَقَى سُلافَتَه السُّمّ ... ارَ صِرْفاً، فَطَرّحَ القَوْمَ سُكرَا
كتَمتْ خشيةَ الرّقيبِ خُطاهَا، ... فَوَشَى الطيّبُ بالمَليحَةِ نَشرَا
هَتَكتْ بُرْقُعَ العِتَابِ وَثَنّتْ ... مِنهُ نظماً يُذكي الغَرَامَ وَنثرَا
ثمّ قالت: وَقد جَلَتْ غُرّةً رَدّ ... تْ بأضْوَائها دُجى الليل فجرَا
أيّها المُدّعي هَوَانا، وَأنّا ... قد سَلَبنا كرَاهُ صَدّاً وَهَجرا
أتُرَى ما قَرَأتَ أخبَارَ مَجنُو ... نِ بَني عامرٍ وَعرْوَةِ عَفرَا
وَجَميلٍ وَقَيسِ لُبنى وَخَلْقٍ ... من بَني عُذرَةٍ يَزِيدُونَ كُثرَا
تَدّعي حبَّنا بغَيرِ شُهُودٍ؛ ... قلتُ: هذه الدموع تشهدُ قَطرَا
وَاستَهَلّت مدامعي، فَرَثَتْ لي، ... إذ رَأتْني حُرِمتُ في الحُبّ صَبرَا
وَسَقتني من رِيقِها العذبِ كأساً ... كانتِ الشَّهدَ لذّةً وَالخَمرَا
''(2/64)''
أم سالم والغزال
أخبرنا أبو محمد الحسن بن علي، رحمه الله تعالى، حدثنا محمد بن العباس، أخبرنا محمد بن خلف، حدثنا عمر بن شبة، حدثنا أبو غسان المديني، أخبرني عبد العزيز بن أبي ثابت، أخبرني رجل من التجار قال: اشترى أبو زبان الهرمي ظبياً من المصلى بدرهمين ثم أخذ بيدي، حتى إذا كنا بالحرة أطلقه وقال: ما كان ليؤسر شبه أم سالم، ثم أنشأ يقول:
ألا يا غَزَالَ الرّملِ بَينَ الصّرَائِمِ ... ألا لا، فَقَد ذكَرتَني أمَّ سَالمِ
لكَ الجِيدُ والعَينانِ منها وَحُوّةُ ال ... شّفَاهِ وَقد خالفَتهَا في القَوَائِمِ
إبراهيم بن المهدي وجارية عمته
أخبرنا أبو القاسم عبد العزيز بن بندار الشيرازي بقراءتي عليه في المسجد الحرام بين باب بني شيبة وباب النبي تجاه الكعبة، أخبرنا أبو بكر أحمد بن علي بن لآل الهمذاني، أخبرنا أحمد بن حرب الجيلي عن بعض مشايخه قال: اختفي إبراهيم بن المهدي زمن المأمون عند بنت عصمة بنت أبي جعفر عند هربه من المأمون لشدة طلبه له، وكانت تكرمه غاية الكرامة، وتلطفه بالطرائف، وتتفقده في أوقاته، ووكلت به جاريةً يقال لها ملك، وكانت قد أدبتها، وأنفقت عليها الأموال، وكانت مغنيةً حاذقة، راويةً للأشعار، بارعة الجمال، حسنة القد، عاقلة؛ وقد كانت طلبت منها بخمسين ومائة ألف درهم؛ فكانت تلي خدمة إبراهيم، وتقوم على رأسه، وتتفقد أموره، فهويها، وكره أن يطلبها من عمته، وأن يفجعها بها، وتذمم من ذلك، فلما اشتد وجده بها، وغلب حبها عليه، وسكر فهيجه السكر أيضاً، أخذ عوداً وغنى بشعر له فيها، وهي واقفة على
''(2/65)''
رأسه والغناء له:
يا غَزَالاً لي إلَيْهِ ... شَافِعٌ مِنْ مُقْلَتَيهِ
وَالّذي أجلَلتُ خَدّي ... هِ، فَقَبّلتُ يَدَيه
بأبي وَجْهَكَ مَا أكْ ... ثَرَ حُسّادِي عَلَيْهِ
أنَا ضَيْفٌ، وَجَزَاءُ الضَّ ... يفِ إحسَانٌ إلَيْهِ
فسمعت الجارية الشعر، وفطنت لمعناه لرقتها وظرفها، وكانت مولاتها تسألها عن حالها وحاله في كل يوم، فأخبرتها في ذلك اليوم بما في قلبه منها، وبما سمعت منه من الشعر والغناء، فقالت لها مولاتها: اذهبي فقد وهبتك له! فعادت إليه، فلما رآها أعاد الصوت، فأكبت عليه الجارية فقبلت رأسه، فقال لها: كفى! فقالت: قد وهبتني مولاتي لك، وأنا الرسول، فقال: أما الآن فنعم.
موت المجنون في الوادي
أخبرنا أبو محمد الحسن بن علي الجوهري قراءة عليه، أخبرنا أبو عمر محمد بن العباس الخزاز، حدثنا محمد بن خلف، حدثنا أحمد بن الهيثم القرشي، حدثني العباس بن هشام عن أبيه هشام بن محمد بن السائب الكلبي أن رجلاً من أهل الشام كان له أدب، وأنه ذكر له المجنون، وأخبر بخبره، فأحب أن يراه، وأن يسمع من شعره، فخرج يريده، حتى إذا صار إلى حية سأل عنه، فأخبر أنه لا يأوي إلى مكان، وأنه يكون مع الوحش، قال: فكيف لي بالنظر إليه؟ قيل: إنه لا يقف لأحد حتى يكلمه إلا لداية له هي التي كانت ربته، فكلم دايته وسألها، فخرجت معه تطلبه في مظانه التي كان يكون فيها في البرية، فطلبوه يومه ذلك، فلم يقدروا
''(2/66)''
عليه، ثم غدوا في اليوم الثاني يطلبونه، فبينا هم كذلك إذ أشرفوا على واد كثير الحجارة، وإذا به في ذلك الوادي ميت، فاحتمله الرجل ودايته حتى أتيا به الحي، فغسلوه وكفنوه ودفنوه، فقال الرجل: قد كنت أقدر أن أسمع منه شيئاً من شعره ففاتني ذلك فأنشدوني من شعره شيئاً أنصرف به، فأنشدوه أشياء كتبها، وانصرف.
لو بلي البين ببين
أخبرنا الشيخ أبو الفضل أحمد بن الحسن بن خيرون قراءة عليه، أخبرنا أبو الحسين محمد بن الحسن بن أحمد بن محمد بن أبي علي الأصبهاني، أخبرنا سعد بن الحسن الصوفي، أنبأنا عبد المؤمن، حدثنا الحسن بن أبي الفضل أنشدنا هبة الله بن الحسن لنفسه:
حتى مَتى يَا قُرّةَ العَينِ، ... تُعّذِّب المُدْنَفَ بالبَينِ
ما أقتلَ الشوْقَ لأهلِ الهَوى ... وَأقرَبَ البَينَ منَ الحَينِ
لَوْ بُلِيَ البَينُ بِبَينٍ لمَا ... فَرّقَ مَا بَينَ المُحِبَّينِ
أوْ ذاق طعمَ الوَصلِ يوماً لما ... شَتّتَ شَمْلاً بَينَ إلْفَينِ
غراب البين
وأخبرنا أحمد بن الحسن على أثره، أخبرنا محمد بن الحسن الأصبهاني، أنبأنا وليد بن معن المؤدب: أنشدنا أبي لأبي الحسن البرمكي:
أتَرْحَلُ عَمّن أنتَ صَبٌّ بذِكرِهِ ... وَتشكو غرَابَ البَينِ؟ هذا هوَ الظلمُ
وَما لغُرَابِ البينِ بالبَينِ فِطنَةٌ؛ ... وَما لغُرابِ البَينِ بالمُلتقَى عِلمُ
''(2/67)''
امرأة على قبر ولدها
أخبرنا أبو الحسين أحمد بن علي التوزي في ما أجاز لنا، أخبرنا أبو العباس أحمد بن محمد الرصافي، حدثنا أبو بكر أحمد بن كامل بن خلف بن شجرة، حدثنا محمد بن موسى بن حماد، حدثني أبو عبد الله العدوي، حدثني الحسين، سمعت أبي يقول: سمعت مصعباً يقول: قرأت على لوحين على قبرين:
أمُغَطّى مني على بَصَرِي في الحُبْ ... بِ أمْ أنتَ أكمَلُ النّاسِ حُسنَا
وَحَديثٌ ألَذُّهُ هُوَ مِمّا ... يَنعَتُ النّاعتون يُوزَنُ وَزْنَا
ورأيت امرأةً عند القبرين، وهي تقول: بأبي لم تمتعك الدنيا من لذتها، ولم تساعدك الأقدار على ما تهوى، فأوقرتني كمداً، فصرت مطيةً للأحزان، فليت شعري كيف وجدت مقيلك، وماذا قلت وقيل لك؟ ثم قالت: استودعتك من وهبك لي، ثم سلبني أسر ما كنت بك.
فقلت لها: يا أمه! ارضي بقضاء الله، عز وجل، وسلمي لأمره! فقالت: هاه نعم! فجزاك الله خيراً، لا حرمني الله أجرك، ولا فتنني بفراقك. فقلت لها: من هذا؟ فقالت: ابني، وهذه ابنة عمه، كان مسمى بها وهي صغيرة، فليلة زفت إليه أخذها وجع أتى على نفسها فقضت فانصدع قلب ابني فلحقت روحه روحها فدفنتهما في ساعة واحدة. فقلت: فمن كتب هذا على القبرين؟
قالت: أنا. قلت: وكيف؟ قالت: كان كثيراً ما يتمثل بهذين البيتين فحفظتهما لكثرة تلاوته لهما، فقلت: ممن أنت؟ فقالت: فزارية. قلت: ومن قائلهما؟ قالت: كريم ابن كريم، سخي ابن سخي، شجاع ابن بطل، صاحب رئاسة. قلت: من؟ قالت: مالك بن أسماء بن خارجة بن حصن يقولهما في امرأته حبيبة بنت أبي جندب الأنصاري. ثم قالت:
''(2/68)''
وهو الذي يقول:
يا مُنزِلَ الغَيثَ بَعدَمَا قَنَطوا ... وَيا وَليَّ النّعماءِ وَالمِنَنِ
يكونُ ما شِئتَ أنْ يكونَ وَما ... قدّرْتَ أن لا يكونَ لم يَكُنِ
لوْ شِئتَ إذ كان حبُّها غَرضاً، ... لم تُرِني وَجههَا، وَلم تَرَني
يا جارةَ الحَيّ كنتِ لي سَكَناً، ... إذ ليس بعضُ الجيرانِ بالسكنِ
أذكرُ من جارَتي وَمَجلِسِها ... طَرَائِفاً من حَديثِها الحَسَنِ
وَمن حَديثِ يَزِيدُني مِقَةً، ... ما لحَديثِ المَوْموقِ من ثَمَنِ
قال: فكتبتها، ثم قامت مولية، فقالت: شغلتني عما إليه قصدت لتسكين ما بي من الأحزان.
هذي الخدود
وأنشدت لأبي الحسن علي بن عبد الرحمن الصقلي، وقد لقيت المذكور بالإسكندرية منذ خمس وعشرين سنة، ابتداء قصيدة له:
هذي الخُدُودُ، وَهذه الحَدَقُ، ... فَلْيَدْنُ مَنْ بفُؤادِهِ يَثِقُ
لَو أنّهُمْ عَشِقُوا لمَا عَذّلُوا، ... لكِنّهُمْ عَذَلُوا وَمَا عَشِقُوا
عَنُفُوا عَليّ بِلَوْمِهِمْ سَفهاً، ... لوْ جُرّعوا كأسَ الهَوَى رَفِقوا
ليسَ الفُؤادُ مَعي فأعلَمَ مَا ... قد نَالَ منه الشْوقُ وَالقَلَقُ
مَا الحُبُّ إلاّ مَسلَكٌ خَطِرٌ، ... عَسرُ النّجاةِ، وَمَوْطئٌ زَلَقُ
''(2/69)''
المطبوع على الكرم
أخبرنا أبو محمد الحسن بن عيسى بن المقتدر بالله قراءة عليه وأنا أسمع، حدثنا أبو العباس أحمد بن منصور اليشكري، حدثنا أبو القاسم الصائغ، حدثني أسد بن خالد، حدثني قبيصة بن عمر بن حفص المهلبي عن أبي عبيدة النحوي قال: كنا نأتي رؤبة بن العجاج، فربما أعوزنا مطلبه فنطلبه في مظانه، وكان للحارث بن سليم الهجيمي، وهو أبو خالد بن الحارث، مجلس يؤلف، وكان رؤبة ربما أتاه، فطلبته يوماً، فأتيت مجلس الحارث، فتحدث القوم، وتحدث الحارث قال: شهدت مجلس أمير المؤمنين سليمان بن عبد الملك، فأتى سعيد بن خالد بن عمرو بن عثمان، فقال يا أمير المؤمنين! أتيتك مستعدياً. فقال: على من؟ قال: موسى شهوات. قال: وما له؟ قال: سمع بي، واستطال في عرضي، قال: يا غلام! علي بموسى! فأتي به، فقال أمير المؤمنين: سمعت به واستطلت في عرضه. قال: ما فعلت هذا يا أمير المؤمنين، ولكني مدحت ابن عمه، فغضب هو. قال: وما ذاك؟ قال: يا أمير المؤمنين علقت جاريةً لم تبلغ ثمنها جدتي، فأتيته، وهو صديقي، فشكوت ذلك إليه، فلم أصب عنده في ذلك شيئاً، فأتيت ابن عمه سعيد بن خالد بن عبد الله بن خالد بن أسيد، فشكوت إليه ما شكوت إلى ذلك. قال: تعود إلي، فتركته ثلاثاً ثم أتيته، فسهل من أمري، فما استقر المجلس حتى قال: يا غلام! قل لقيمي وديعتي! ففتح باباً بين بابين، فإذا أنا بجارية، فقال لي: هذه بغيتك؟ قلت: نعم! فداؤك أبي وأمي! قال: اجلس! يا غلام قل لقيمي ظبية نفقتي. فأتي بظبية فنثرت بين
''(2/70)''
يديه، فإذا فيها مائة دينار، وليس فيها غيرها، فردت في الظبية ثم قال: عتيدتي التي فيها طيبي! فأتي بها، فقال: ملحفة فراشي! فأتي بها، فصير ما في الظبية وما في العتيدة في حواشي الملحفة، وقال لي: شأنك بهواك، واستعن بهذا عليه.
قال فقال أمير المؤمنين: فذاك حين تقول ماذا؟ فقال:
أيا خالداً! أعني سعيدَ بنَ خالدٍ ... أخا العُرْفِ لا أعني ابنَ بنتِ سعيدِ
وَلكِنّني أعني ابنَ عائِشَةَ الّذي ... أبُو أبَوَيْهِ خَالِدُ بنُ أَسيدِ
عقيدُ الندى ما عاشَ يَرْضَى به الندى ... فإنْ ماتَ لم يرضَ النّدَى بعَقيدِ
دَعوهُ دَعُوهُ إنّكم قد رَقَدتُمُ، ... وَما هوَ عن أحسابكمْ برَقُودِ
قال: فقال: يا غلام علي بسعيد بن خالد! فأتي به، فقال: يا سعيد! أحق ما وصفك به موسى؟ قال: وما هو، يا أمير المؤمنين؟ فأعاد عليه، فقال: قد كان ذلك، يا أمير المؤمنين. قال: فما طوقك ذاك؟ قال: الكلف. قال: فما حملتك الكلف؟ قال: دين، والله يا أمير المؤمنين، ثلاثين ألف دينار، قال: قد أمرت لك بها وبمثلها وبمثلها، وثلث مثلها.
فلقيت سعيد بن خالد، بعد حين، فأخذت بعنان دابته، فقلت: بأبي وأمي! ما فعل المال الذي أمر لك بن سليمان أمير المؤمنين. قال: ما علمك به؟ قال: كنت حاضر المجلس يومئذ. قال: والله ما استطعت أن أملك منه ديناراً ولا درهماً، قال: فما اغتاله؟ قال: خلةٌ من صديق أو فاقةٌ من ذي رحم.
''(2/71)''
نقش الشعر على الخواتم
أنبأنا أبو الحسن علي بن عمر القزويني الزاهد، رحمه الله تعالى، حدثنا أبو عمر محمد بن العباس الخزاز، أخبرنا عبد الوهاب بن عيسى بن أبي حية قال: نقشت مغنية على خاتمها:
مَا أنصَفوا، حَجبوكَ أوْ حَجَبوني، ... مَهمَا أذَوْكَ، فبالأذَى طَلبوني
قال ونقشت مغنية أخرى على خاتمها:
أحببَتُ مَنْ يَهوَاني ... برُغمِ مَنْ يَنهَاني
ونقشت أخرى على خاتمها:
كَفَى بصَبٍّ عَشِقْ ... يَدعو بقَلبٍ حَنِقْ
ونقشت أخرى:
سَمَاجَةٌ بمُحِبٍّ خانَ عاشِقَهُ، ... ما خانَ قَطُّ محِبُّ يعرفُ الكَرَمَا
ونقشت أخرى:
قَلبانِ في خاتَمِ الهَوَى جُمِعَا، ... فأرْغَمَ اللهُ أنفَ مَنْ قَطَعَا
ونقشت أخرى:
يَا حَبيبي مِنْ شَقَائِي وَشُومي، ... أنتَ للنّاسِ جَميعاً حَبِيبُ
ونقشت أخرى:
أنا إن مُتُّ فالهوى داءُ قلبي، ... فبِداءِ الهَوَى يموتُ الكِرامُ
ونقشت أخرى:
تَمَنّيْتُ القِيَامَةَ لَيسَ إلاّ ... لألقَى مَن أُحِبّ على الصِّرَاطِ
ونقشت أخرى:
لا تُنكِرَنّ تَذَلّلي، ... فالحبّ يلعبُ بالكرَامْ
''(2/72)''
قلب على شعل
أنشدنا القاضي أبو القاسم علي بن المحسن التنوخي، رحمه الله تعالى، لمحمد بن عون الكاتب:
غَنِيَتُ بمِشيَتِها عَنِ الأغصَانِ، ... حَسنَاءُ يَلعَبُ حُبُّهَا بجَنَاني
وَبَدَتْ تَفضّ العَتبَ عن خاتامِه، ... وَتَجُولُ فِيهِ بِناظِرٍ وَلِسَانِ
رِفقاً بقَلبٍ قَلّ مَا قَلّبتِه ... إلاّ عَلى شُعَلٍ مِنَ النّيرَانِ
صوني ما تبقى
ولي ابتداء قصيدة:
طَرَقَت بعدَ هَجعَةٍ أمُّ وَرْقَا، ... خَوْفَ وَاشٍ وَحَاسِدٍ يَتَوَقّى
ثمّ فَضّتْ خَتْمَ العِتَابِ وَقَالتْ: ... أنتَ لوْ كنتَ عاشِقاً مُتَّ عِشقَا
مِثلَ ما ماتَ مِنْ بَني عُذرَةَ كُلْ ... لُ صَحيحِ الهَوَى فغُودرَ مُلقَى
قَتَلَ الحُبُّ قَيسَ لُبنى وَمجنُو ... نَ بَني عَامِرٍ وَأمرَضَ خَلقَا
وَتَحَدّى كُثيّراً وَجَميلاً، ... وَلَقيَ مِنْهُ عُرْوَةُ كُلِّ مَلقَى
قُلتُ: عِندي على هَوَاكِ شُهُودٌ: ... أدمُعٌ مُستَهلّةٌ، لَيسَ تَرْقَا
وَسَلي عَنْ أضَالِعي زَفَرَاتٍ، ... ما تُلاقي مِنْ حَرّهنّ وَألقَى
أنتِ ضَيّعتِ جُلَّ قَلْبيَ بالهَج ... رِ، فَصُوني بالوَصْلِ مَا قد تَبَقّى
''(2/73)''
المغنيات ونقشهن الشعر
أخبرنا ابن القزويني، حدثنا أبو عمر محمد بن العباس الخزاز، حدثنا عبد الوهاب بن أبي حية قال: نقشت مغنية على خاتمها:
الحُبُّ أسقَمَني، والحُبُّ أضْنَاني، ... وَالحُبُّ أنحلَني، وَالحُبُّ أبلاني
ونقشت أخرى:
فإنْ تَضرِبوا جَنبي وَظَهري كلَيهما، ... فَلَيسَ لِقَلبٍ بَينَ جَنْبيَّ ضَارِبُ
ونقشت مذنب جارية الحسن بن علي على قميص لها:
كأنّ رُوحي إذا ما غبتَ غائِبَةٌ، ... فإنْ تَعُدْ ليَ عَادَت لي إلى بدَني
ونقشت أخرى:
مَنْ صَحّحَ الحُبَّ لأحبابِهِ، ... أعَانَهُ اللهُ عَلى مَا بِهِ
ونقشت مخارق جارية القطيني على جبينها:
لا عَدِمتُ الهَوَى، وَلا من هَوِيتُ، ... وَبَقي مَنْ هَوِيتُ لي وَبَقِيتُ
؟
لا فرج الله عني
وأخبرني أبو الحسن القزويني أيضاً إجازة، أخبرنا أبو عمر بن حيويه، حدثنا عبد الوهاب بن أبي حية قال: نقشت شبل، وكانت تعشق ناشئاً:
لا فَرّجَ اللهُ عني إنْ مَدَدْتُ يدي ... إلَيْه أسألُهُ مِنْ حُبّهِ الفَرَجَا
''(2/74)''
أعرابي حذاء الكعبة
أنبأنا أبو محمد الحسن بن علي الجوهري، أخبرنا أبو القاسم إسماعيل بن سعيد، حدثنا الحسين بن القاسم، حدثنا محمد بن زكريا الغلابي، حدثني ابن بكار قال: وحكى العذري، أخبرنا الحسن بن جعفر بن سليمان الضبعي قال: كنت لا أكاد أمر في طريق ولا في حاجة إلا ومعي ألواح، فحججت فرأيت أعرابياً تقدم حتى قام حذاء الكعبة ثم قال: تفهموا عني، واحفظوا مقالتي، ثم رفع صوته فقال:
ألا يَا مَنْ لعَينٍ قَد عَصَتْني، ... وَقَلْبٍ قَدْ أبى إلاّ الحَنِينَا
وَنَفسٍ لا تَزَالُ الدّهرَ تَهفُو ... كأنّ بها لِما تَهفُو جُنُونَا
أُحِبُّ الغانياتِ، وَلَيسَ قَلبي ... بِسَالٍ مَا بَقيتُ وَما بَقينَا
وَجُملٌ، ما علِمتُ، غَرِيمُ سوء، ... تُمَنّينَا وَتَمْطُلُنا الدّيُونا
فرآني وأنا أكتب ما ينشد، ثم قلت له: ويحك! هذا هو الخسران المبين؛ أتفعل هذا في مثل هذا الموضع؟ قال: بل الخسران المبين ما أنت فيه؛ أنا معذور مسلوب العقل، جئت مستجيراً بربي لما أجد من قلبي، وأنت تكتب بلايا العاشقين مؤثراً لها في هذا الموضع، تنح عني لا قدس الله روحك!
يموت بكل يوم
أخبرنا أبو محمد الجوهري، رحمه الله تعالى قراءة عليه، حدثنا أبو عمر محمد بن العباس بن حيويه الخزاز، حدثنا محمد بن خلف، أخبرني إسحق بن محمد، حدثني أبو معاذ النميري قال: لقي مجنون بني عامر الأحوص بن محمد الأنصاري، فقال له: حدثني حديث عروة بن حزام! قال: فجعل الأحوص يحدثه وهو يسمع، حتى
''(2/75)''
فرغ من حديثه، فأنشأ المجنون يقول:
عَجِبتُ لعُرْوَةَ العُذرِيِّ أمسَى ... أحَادِيثاً لِقَوْمٍ بَعدَ قَوْمِ
وَعُرْوَةُ مَاتَ مَوْتاً مُستَرِيحاً، ... وَهَا أنا ذا أمُوتُ بكلّ يَوْمِ
عفا الله عنها
وبإسناده قال: أنشدنا محمد بن خلف، أنشدني القحذمي للمجنون:
أقُولُ لإلفٍ ذاتَ يَوْمٍ لَقِيتُهُ ... بمكّةَ، وَالأنضَاءُ مُلقى حِبالُها
برَبّكَ أخبرني ألَمْ تَأثَمِ التي ... أضرّ بجسمي من زَمانٍ خَيالُها؟
فقال: بلى وَالله سوْفَ يمَسُّهَا ... عَذابٌ وَبَلوَى في الحيَاةِ يَنالُها
فقلتُ: وَلم أملِك سَوَابقَ عَبرَةٍ ... سَرِيعٍ على جيبِ القميص انهمالُها:
عَفا اللهُ عنها ذَنبَها وَأقالَها، ... وَإن كان في الدّنيا قَليلاً نَوَالُها
لا مات ولا عوفي
أخبرنا الأمير السيد أبو محمد الحسن بن عيسى بن المقتدر بالله، حدثنا أحمد بن منصور اليشكري، حدثنا أبو بكر بن دريد، حدثنا الرياشي قال: قال عركن بن الجميح الأسدي: كان لي صديق من الحي، وكان شاباً جميلاً، يعشق ابنة عم له، وكانت له محبة، وكانت هيبة عمه تمنعه أن يخطبها إليه، فحجبت عنه، فكان يأتيني، فيشكو شوقه إليها، فما لبث أن مرض عمه مرضاً أشفى منه، فكان الفتى يدخل إليه، وابنته عند رأسه تمرضه، فيستشفي بالنظر إليها، ثم يخرج إلي مسروراً جذلاً، إلى أن برأ عمه فأنشأ يقول:
''(2/76)''
أبكي مِنَ الخَوْفِ أن يبرَا فَيحجُبَها ... وَلَستُ أبكي على عمّي من الجَزَعِ
لا ماتَ عمّي وَلا عُوفي منَ الوَجَعِ ... وَعَاشَ ما عاشَ بينَ اليَأسِ وَالطَّمعِ
فخطبت الجارية، فزوجها أبوها غيره، فجاءني الفتى، فقال: ودعني وداعاً لا نتلاقى بعده! فناشدته، فإذا الجزع قد حال دون فهمه، فقلت: فأين تذهب؟ فقال: اذهب ما وجدت أرضاً؛ ونهض، فكان آخر العهد به، وقد التمسه عمه في آفاق البلاد، فما قدر عليه ولم يطل عمر الجارية بعده.
الموت في الحب جميل
أنبأنا أبو الحسن علي بن عمر الحزبي، رحمه الله تعالى أخبرنا أبو عمر محمد بن العباس الخزاز، حدثنا عبد الوهاب بن أبي حية قال: نقشت كلثم على فص خاتمها: لا غفر من هجر. ونقشت خليدة الحيرية: الموت في الحب جميل.
حبذا نجد
أخبرنا أبو محمد الحسن بن علي الجوهري قراءة عليه، حدثنا محمد بن العباس الخزاز، حدثنا محمد بن خلف بن المرزبان قال: وذكر محمد بن حبيب عن هشام بن محمد الكلبي وغيث الباهلي وأبي عمرو الشيباني عن ابن دأب عن رياح، حدثني بعض المشايخ قال: خرجت حاجاً حتى إذا كنت بمنى إذا جماعة على جبل من تلك الجبال، فصعدت إليهم، فإذا معهم فتى أبيض حسن الوجه، وقد علاه اصفرار، وبدنه ناحل، وهم يمسكونه. قال: فسألتهم عنه، فقالوا: هذا قيس الذي يقال له المجنون، خرج به أبوه لما بلي به، يستجير له ببيت
''(2/77)''
الله الحرام، وقبر محمد، عليه الصلاة والسلام، فلعل الله يعافيه. قلت لهم: فما بالكم تمسكونه؟ قالوا: نخاف أن يجني على نفسه جناية تتلفه، قال: وهو يقول: دعوني أتنسم صبا نجد. فقال لي بعضهم: ليس يعرفك، فلو شئت دنوت منه، فأخبرته أنك قدمت من نجد وأخبرته عنها، قلت: نعم، أفعل، فدنوت منه. فقالوا له: يا قيس، هذا رجل قدم من نجد. قال: فتنفس حتى ظننت أن كبده قد تصدعت، ثم جعل يسائلني عن موضع فموضع وواد فواد، وأنا أخبره وهو يبكي، ثم أنشأ يقول:
ألا حَبذَا نَجدٌ وَطيبُ تُرَابِهِ ... وَأرْوَاحِهِ إنْ كانَ نجدٌ على العَهدِ
ألا لَيتَ شِعرِي! هل عُوَارَضَتي قَنَا ... بطُولِ اللّيالي قَدْ تَغَيَّرَتَا بَعدي
وَعَنْ جارَتَينَا بالنَّثِيلِ إلى الحِمَى، ... على عَهدنا أم لم تَدومَا على العَهدِ
وَعَن عَلَوِيّاتِ الرِّيَاحِ إذا جَرَتْ ... برِيحِ الخُزَامَى هل تَهُبُّ على نجدِ
وَعَنْ أُقحُوانِ الرَّملِ مَا هُوَ صَانعٌ ... إذا هُوَ أثرَى لَيلَةً بثَرىً جَعْدِ
ظبية بشاة
أخبرنا أبو محمد الحسن بن علي بن محمد، أخبرنا أبو عمر محمد بن العباس الخزاز، أخبرنا محمد بن خلف، أخبرني أبو بكر العامري عن عبد الله بن أبي كريم عن أبي عمرو الشيباني عن أبي بكر الوالبي قال: ذكروا أن المجنون برجلين قد صادا عنزاً من الظباء فلما نظر إليها دمعت عيناه وقال: يا هذان! خلياها، فأبيا عليه. فقال: لكما مكانها
''(2/78)''
شاة من غنمي. فقبلا ذلك منه، ودفعاها إليه، فأطلقها، ودفع إليهما الشاة، وأنشأ يقول:
شَرَيتُ بكَبشٍ شِبهَ ليلى، فلو أبى ... لأعطَيتُ ما لي من طَرِيفٍ وَتَالِدِ
فَيَا بائِعَيْ شِبْهٍ للَيلى هُبِلتُما، ... وَجُنّبتُمَا مَا نَالَهُ كُلّ عَائِدِ
فَلَوْ كُنتُما حُرّينِ ما بِعتُما فتىً ... شَبيهاً للَيلى بَيعَةَ المُتَزَايِدِ
وَأعتَقتُماهَا رَغبةً في ثَوَابِهَا، ... وَلم تَرْغَبا في ناقِصٍ غَيرِ زَائِدِ
قتيل لا يودى
ولي ابتداء قطعة:
بَينَ الحَطيمِ وزَمزَمٍ، ... وَالحِجرِ وَالحَجَرِ المُقبَّلْ
للعَاشِقينَ بَني الهَوَى ... أبداً مَصَارِعُ لَيسَ تُجهلْ
كَمْ بالمُحَصَّبِ مِنْ عَلِي ... لِ هَوىً طرِيحٍ لا يُعَلَّلْ
وَقَتيلِ بَيْنٍ بَينَ خَيْ ... فِ منى وَجمعٍ ليس يُعقَلْ
سكينة تنقد الشعراء
أخبرنا أبو القاسم عبد العزيز بن بندار الشيرازي بقراءتي عليه في المسجد الحرام بين باب بني شيبة وباب النبي تجاه الكعبة، أخبرنا أبو بكر أحمد بن علي بن لآل الهمذاني، حدثنا أحمد بن الحسين بن علي، حدثنا أبو الحسن حامد بن حماد بن المبارك، حدثنا إسحق بن سيار، حدثنا الأصمعي عبد الملك بن قريب عن أبيه عن لبطة بن الفرزدق بن غالب قال:
اجتمع أبي وجميل بن معمر العذري وجرير بن الخطفى ونصيب مولى عمر وكثير في موسم من المواسم، فقال بعضهم لبعض: والله لقد اجتمعنا
''(2/79)''
في هذا الموسم لأمر خير أو شر، وما ينبغي لنا أن نتفرق إلا وقد تتابع لنا في الناس شيء نذكر به، فقال جرير: هل لكم في سكينة بنت الحسين بن علي بن أبي طالب، نقصدها، فنسلم عليها، فلعل ذلك يكون سبباً لبعض ما نريد؟ فقالوا: امضوا بنا، فمضينا إلى منزلها، فقرعنا الباب فخرجت إلينا جارية لها بريعة ظريفة، فأقرأها كل رجل منهم السلام باسمه ونسبه، فدخلت الجارية، وعادت فبلغتهم سلامها، ثم قالت أيكم الذي يقول:
سَرَتِ الهُمُومُ فَبِتْنَ غَيرَ نِيامِ ... وَأخُو الهُمومِ يَرُومُ كلّ مَرَامِ
عَفّتْ مَعَالمَها الرّوَاسِمُ بَعدَنَا، ... وَسجالُ كلّ مُجَلجلٍ سَجّامِ
دَرَسَ المنَازِلُ بَعدَ مَنزِلَةِ اللّوَى ... وَالعَيشُ بَعدَ أُولَئِكَ الأيّامِ
طرَقَتْكَ صَائدةُ القلوبِ وَليسَ ذا ... حينَ الزيّارَةِ فَارْجِعي بسَلامِ
تُجرِي السّوَاكَ على أغرّ كأنّهُ ... بَرَدٌ تَحَدّرَ من مُتُونِ غَمَامِ
لَوْ كنتِ صَادِقَةً بمَا حَدّثْتِنا ... لَوَصَلتِ ذاكَ وكانَ غيرَ تَمامِ
قال جرير: أنا قلته. قالت: فما أحسنت ولا أجملت، ولا صنعت صنيع الحر الكريم، لا ستر الله عليك كما هتكت سترك وسترها، ما أنت بكلف ولا شريف حين رددتها بعد هدوء العين، وقد تجشمت إليك هول الليل. هلا قلت:
طرَقتْك صَائدَةُ القَلوبِ فَمَرْحباً ... نَفسِي فِدَاؤكِ فَادْخُلي بِسَلامِ
خذ هذه الخمسمائة درهم، فاستعن بها في سفرك.
ثم انصرفت إلى مولاتها وقد أفحمتنا، وكل واحد من الباقين يتوقع ما
''(2/80)''
يخجله، ثم خرجت فقالت: أيكم الذي يقول:
ألا حَبّذا البَيتُ الذي أنا هَاجِرُهْ ... فلا أنا ناسيه، وَلا أنا ذَاكِرُهْ
فَبُورِكَ من بَيتٍ وَطَالَ نَعيمُهُ ... وَلا زالَ مَغشِيّاً وَخُلّدَ عامِرُه
هوَ البيتُ بيتُ الطَّوْلِ وَالفضْلِ دائماً ... وَأسعَدَ رَبي جَدّ مَن هُوَ زَائرُهْ
بهِ كلّ مَوْشيِّ الذّرَاعَينِ يَرْتَعي ... أُصُولَ الخُزَامَى ما تَيَقّنَ طائرُهْ
هُمَا دَلّتاني مِنْ ثَمَانينَ قَامةً ... كما انقَضّ بازٍ أقتمُ الرّيشِ كاسرُهْ
فلما استَوَتْ رِجلايَ في الأرْضِ قالتا: ... أحَيٌّ نُرَجّي أم قَتيلٌ نُحاذرُهْ
فأصْبَحتُ في أهلٍ وَأصبَحَ قصرُها ... مُغَلّقَةً أبْوَابُهُ ودَسَاكِرُهْ
فقال أبي، يعني الفرزدق: أنا قلته. قالت: ما وفقت ولا أصبت، أما أيست بتعريضك من عودة عندك محمودة؟ خذ هذه الستمائة، فاستعن بها. ثم انصرفت إلى مولاتها، ثم عادت فقالت: أيكم الذي يقول:
فَلَوْلا أنْ يُقَالَ صَبا نُصَيبٌ ... لَقُلتُ بِنَفسِيَ النّشءُ الصّغَارُ
بِنَفسِي كُلّ مَهضُومٍ حَشاهَا، ... إذا ظُلِمَت فليسَ وَلها انتصَارُ
فقال نصيب: أنا قلته. فقالت: أغزلت وأحسنت وكرمت، إلا أنك صبوت إلى الصغار، وتركت الناهضات بأحمالها. خذ هذه السبعمائة درهم، فاستعن بها.
ثم انصرفت إلى مولاتها، ثم عادت فقالت: أيكم الذي يقول:
وَأعجَبَني يا عَزّ مِنك خلائقٌ ... كِرَامٌ إذا عُدّ الخلائِقُ أرْبَعُ
دُنُوُّكِ حتى يذكرَ الجاهلُ الصّبي ... وَمدّكِ أسبابَ الهوَى حينَ يَطمعُ
وَأنّكَ لا يدرِي غَرِيمٌ مطلتهِ، ... أيَشتدّ إن لاقاكِ أمْ يَتَضرّعُ
وَأنّكَ إن وَاصَلتِ أعلمتِ بالذي ... لديك فلم يوجَد لك الدهرَ مطمعُ
''(2/81)''
قال كثير: أنا قلته. قالت: أغزلت وأحسنت. خذ هذه الثمانمائة درهم، فاستعن بها. ثم انصرفت إلى مولاتها، وخرجت فقالت: أيكم يقول:
لكلّ حَدِيثٍ بَينَهُنّ بَشَاشَةٌ، ... وَكُلّ قَتيلٍ بَينَهُنّ شَهِيدُ
يَقولونَ جاهِد يا جَميلُ بغَزْوَةٍ، ... وَأيّ جِهَادٍ غَيرَهُنّ أُرِيدُ
وَأفضَلُ أيّامي وَأفضَلُ مَشهدِي، ... إذْ هِيجَ بي يوماً وَهنّ قُعُودُ
فقال جميل: أنا قلته. قالت: أغزلت وكرمت وعففت، ادخل. قال: فلما دخلت سلمت، فقالت لي سكينة: أنت الذي جعلت قتيلنا شهيداً. وحديثنا بشاشة، وأفضل أيامك يوم تنوب فيه عنا، وتدافع، ولم تتعد ذلك إلى قبيح خذ هذه الألف درهم وابسط لنا العذر، أنت أشعرهم.
سكينة والفرزدق
وأخبرنا أبو القاسم عبد العزيز بن بندار الشيرازي أيضاً بالمسجد الحرام، قال: أخبرنا أبو أحمد بن لآل الهمذاني قال: حدثنا أبو بكر بن أحمد الأخباري وأحمد بن الحسين قالا: حدثنا حامد بن حماد، حدثنا إسحق بن سيار، حدثنا الأصمعي، حدثنا جهضم بن سالم: بلغني أن الفرزدق بن غالب خرج حاجاً، فمر بالمدينة ودخل على سكينة بنت الحسين بن علي بن أبي طالب مسلماً عليها، فقالت: يا فرزدق، من أشعر الناس؟ قال: أنا. قالت: ليس كما قلت، أشعر منك الذي يقول:
بِنَفسِيَ مَن تَجَنّيهِ عَزيزٌ ... عليَّ، وَمَن زِيَارَتُهُ لمَامُ
وَمَن أُمسِي وَأُصْبحُ لا أرَاهُ ... ويَطَرُقني إذا هَجَعَ النِّيَامُ
''(2/82)''
فقال: والله لئن آذنتني لأسمعنك من شعري ما هو أحسن من هذا. فقالت: أقيموه، فخرج. فلما كان من الغد، عاد إليها، فقالت: يا فرزدق! من أشعر الناس؟ قال: أنا. قالت: ليس كما قلت؛ أشعر منك الذي يقول:
لَولا الحَيَاءُ لهَاجَني اسِتعبَارُ، ... وَلَزُرْتُ قَبرَكِ وَالحَبيبُ يُزَارُ
كانَتْ إذا هَجَرَ الضَّجيعُ فرَاشَها ... خُزِنَ الحَديثُ وَعفَّتِ الأسرَارُ
لا يُلبِثُ القُرَنَاءَ أنْ يَتَفَرَّقُوا ... لَيلٌ يَكُرُّ عَلَيهِمُ وَنَهَارُ
قال: والله لئن أذنت لي لأسمعنك من شعري ما هو أحسن من هذا، فأمرت به، فأخرج. فلما كان الغد غدا عليها، وحولها جوار مولدات، عن يمينها وعن شمالها، كأنهن التماثيل، فنظر الفرزدق واحدة منهن، كأنها ظبية أدماء، فمات عشقاً لها، وجنوناً بها، فقالت: يا فرزدق! من أشعر الناس؟ قال: أنا، قالت: ليس كذلك؛ أشعر منك الذي يقول:
إنَّ العُيونَ التي في طَرْفها مَرَضٌ ... قَتَلْنَنَا ثمّ لَمْ يُحيِينَ قَتْلانَا
يصرَعْنَ ذا اللُّبِّ حتى لا حرَاكَ به ... وَهُنَّ أضْعَفُ خَلْقِ اللهِ أرْكَانَا
فقال: يا ابنة رسول الله! إن لي عليك حقاً عظيماً لموالاتي لك ولآبائك، وإني سرت إليك من مكة قاصداً لك إرادة التسليم عليك، فلقيت في مدخلي إليك من التكذيب لي والتعنيف، ومنعك إياي أن أسمعك من شعري ما قطع ظهري وعيل صبري به، والمنايا تغدو وتروح، ولا أدري لعلي لا أفارق المدينة حتى أموت، فإذا مت فمري من يدفنني في درع هذه الجارية، وأومأ إلى الجارية التي كلف بها، فضحكت سكينة حتى كادت تخرج من بردها، ثم أمرت له بألف درهم وكسى وطيب وبالجارية بجميع آلتها، وقالت: يا أبا فراس! إنما أنت واحد منا أهل البيت، لا يسؤك ما جرى. خذ ما أمرنا لك به، بارك الله لك فيه، وأحسن إلى
''(2/83)''
الجارية، وأكرم صحبتها؛ وأمرت الجواري، فدفعن في ظهورهما، فقال الفرزدق، فلم أزل والله أرى البركة بدعائها في نفسي وأهلي ومالي.
سكينة وقبلة عزة
وبإسناده، حدثنا حامد بن حماد، حدثنا إسحق بن سيار، حدثنا الأصمعي، حدثنا سفيان بن عيينة قال: دخلت عزة على سكينة بنت الحسين بن علي، ذات يوم، فقالت: يا عزة، أرأيتك إن سألتك عن شيء هل تصدقينني؟ قالت: نعم! قالت: ما عنى كثير بقوله:
قضَى كلُّ دَينٍ فَوَفّى غَرِيمَه ... وَعَزَّةُ مَمطُولٌ معنّى غرِيمُها
فتحايت، وقالت: فداؤك أبي! إن رأيت أن تعفيني. فقالت: لا أعفيك بل أعزم عليك. قالت: كنت وعدته بقبة، قالت: أنجزيها له وعلي إثمها.
شهادة قبل عيان
أنشدني أبو محمد الحسن بن محمد الخلال من حفظه ولم يسم القائل:
يا قُبلَةً شَهِدَ الضّميرُ لهَا ... قبلَ المَذاقِ بأنَها عَذبُ
كَشَهَادَةٍ للهِ خَالِصَةٍ ... قَبلَ العِيانُ بأنّهُ الرَّبُّ
''(2/84)''
في أثواب العفاف
ولي من نسب قصيدة مدحت بها أمير المؤمنين المقتدي بأمر الله أولها:
كَمْ لا تَزَالُ تُسائِلُ الأطْلالا، ... يَصِلُ الغدُوَّ وُقُوفُكَ الآصَالا
رَحَلوا وَفي الأحداجِ غزْلانُ النَّقا ... مُتكَنّسِينَ أكِلَّةً وَحِجَالا
من كلّ ذاتِ لمىً شَهِيٍّ بَارِدٍ، ... يَرْوِي الصّوَادِي رَائِقاً سَلْسَالا
طَرَقَتْ فَنَمَّ الحَلْيُ في وَسوَاسِهِ ... بِمَزَارِهَا مِعطَارَةً مِكْسَالا
وَتَضَوَّعَ النّادي بفَائِحِ طِيبِها ... نشراً فقال رَقِيبنَا مَا قَالا
لمّا سَرَتْ وَهْناً، وَخافَت كاشحاً، ... جَرَّتْ عَلى آثَارِهَا أذْيَالا
حَسناءُ لوْ عَرَضَتْ لأشمطَ رَاهبٍ ... هَجَرَ الأنيسَ وَبتَّ منه حِبَالا
لَصبَا وَفَارَقَ دَبرَهُ وتَغَيَّرَتْ ... أحوَالُهُ لِجمَالِهَا أحوَالا
عُلِّقتُهَا من قَبلِ طَرْحِ تَمائِمي ... عَني، وأُقسِمُ، حُبُّها لا زَالا
بِتنَا، وَأثوَابُ العَفافِ تَضُمُّنَا، ... تَشكُو وَأشكُو في الهَوَى الأهوَالا
وَجَعَلتُ أُذكِرُهَا لَياليَ وَصْلِنا، ... وَأقُولُ، لوْ رَفَعَتْ بقَوْلي بَالا:
أنَسيتِ مَوْقِفنَا بِجَوّ سُوَيقَةٍ ... مُتَفَيِّئينَ بِهِ الغَضَا وَالضّالا
أيّامَ لا أخشَى من البِيضِ الدُّمَى ... ليَّ الدُّيُونِ وَلا أخافُ مَطَالا
''(2/85)''
ليلى المريضة
وأخبرنا الحسن بن علي، أخبرنا محمد بن العباس، أخبرنا محمد بن خلف قال: قال رباح بن حبيب: حدثني بعض بني عامر أن رجلاً أتى يوماً بعد تزويج ليلى وذهاب عقل قيس، فسأل عن المجنون، فقيل له: ما تريد منه؟ فقال: أريد أن أنظر إليه وأخبره بخبر، فقيل له: أخبرنا نحن بما عندك، فإنه لا يفهم منك ما تقول، قال: دلوني عليه، على كل حال.
قال: فبعثوا معه برجل، فلم يزل يطلبه حتى وجده، فقال له الرجل: أتحب ليلى؟ قال: نعم! قال: فما يغني حبك عنها، وهي مريضة لا تأتيها، ولا تسأل عنها؟ قال: فشهق شهقة ظننت أن روحه قد فارقت بدنه، ثم رفع رأسه، وهو يقول:
يَقولونَ لَيلى بالصِّفاحِ مَرِيضَةٌ ... فماذا إذاً تُغني وَأنتَ صَديقُ
شَفَى اللهُ مَرْضَى بالصِّفاحِ فإنّني ... عَلى كلِّ شاكٍ بالصِّفاحِ شَفيقُ
خشوع المذنب المتنصل
أخبرنا أبو طاهر محمد بن علي بن العلاف الواعظ بقراءتي عليه، أخبرنا أبو حفص عمر بن أحمد بن عثمان بن شاهين الواعظ، حدثنا جعفر بن محمد الصوفي، حدثنا أحمد بن محمد بن مسروق، حدثنا القاسم بن الحسن، حدثنا محمد بن سلام، حدثنا خلاد بن يزيد الأرقط، حدثني مغلس بن بكر الأسدي قال: كان في بني أسد شاب لا يكاد يكلم أحداً كأنه معتوه، فسمعته ينشد أبياتاً، فعلمت أنه مشغول عن كلام الناس ببثه، فسمعته يقول:
وَصَلتُ، فلمّا أرَ الوَصْلَ نافعي، ... وَقَرَّبتُ قُرْباناً، فلمُ يُتَقَبَّلِ
''(2/86)''
وَعَذّبتُ قلبي بالتجَلَّدِ صَابياً ... إليكِ، وَإن لم يَصْفُ عندك مَنهَلي
وَلمّا نَقَلتُ الدَّمعَ عَنْ مُسْتَقَرِّهِ ... إلى ساحَةِ من خَدِّ حَرّانَ مُعوِلِ
وَأظلَمَتِ الدّنيَا عليَّ برَحبِها، ... وقَلقَلَني الهِجرَانُ كلَّ مُقَلقَلِ
عَتبتُ على نَفسِي وَأقلَعتُ تائِباً، ... إليكِ، خشوعَ المُذنِبِ المُتَنَصّلِ
فمَا زَادَني إلاّ صُدُوداً وَهِجرَةً ... وَقد كنتُ عن دارِ الهَوَانِ بمعزَلِ
فَوَاللهِ ما أدرِي، فأشكُرُ عَامِداً ... لآخرَ، مَا أوْلَيتني أوْ لأوَّلِ
فدنوت منه، ورفقت به، وسألته أن يخبرني بقصته، فأبى، وقال: إليك عني، اشتغل بنفسك، فإن لك فيها شغلاً، ولم يعلم أحداً حاله حتى قضى.
الحب يتنفس ويتكلم
أخبرنا أبو محمد الحسن بن علي الجوهري، أخبرنا أبو عمر محمد بن العباس، أنبأنا محمد بن خلف بن المرزبان أنشدنا عبد الله بن شبيب لبعضهم:
وَمَا زَالَ يَشكو الحبَّ حتى سمعتُه ... تَنَفَّسَ في أحشَائِهِ وتَكَلَّمَا
وَيَبكي فأبكي رَحمةً لبُكَائِهِ، ... إذا ما بَكَى دَمعاً بَكيتُ له دَمَا
''(2/87)''
عبرى مولهة
وأخبرنا أبو محمد الحسن بن علي، أخبرنا أبو عمر محمد بن العباس، حدثنا محمد بن الحسن بن دريد، حدثنا الرياشي، حدثنا الأصمعي قال: مررت أنا وصاحب لي بجارية عند قبر، لم أر أحسن ولا أجمل منها، وعليها ثياب نظيفة وحلي كثير، وهي تبكي على القبر، فلم نزل نتعجب من جمالها وزينتها وحزنها، فقلت: يا هذه! علام هذا الحزن الشديد؟ فبكت، ثم أنشأت تقول:
فَلا تَسألاني فيمَ حُزْني، فإنّني ... رَهينَةُ هّذا القَبرِ يَا فَتَيانِ
وَإني لأستَحييهِ وَالتُّرْبُ بَينَنَا، ... كما كنتُ أستَحييهِ حينَ يَرَاني
فعجبنا منها ومن ظرفها وجمالها، واستحيينا منها، فتقدمنا قليلاً، ثم جلسنا نسمع ما تقول، ولا ترانا، ولا تعلم بنا، فسمعناها تقول:
يا صَاحبَ القبرِ يا من كان يؤنسني ... وكانَ يُكثِرُ في الدُّنيا مُؤاتَاتي
قد زُرتُ قبرَك في حَلْيي وَفي حُللي ... كأنّني لَستُ من أهلِ المُصيباتِ
لزمتُ ما كنتَ تَهوَى أن تَرَاهُ وَما ... قد كنتَ تَألَفُه من كلِّ هيئاتي
فَمنْ رآني رأى عَبْرَى مُوَلَّهَةً، ... مَشهورَةَ الزِّيِّ تَبكي بينَ أموَاتِ
فلم نزل قعوداً حتى انصرفت واتبعناها، حتى عرفنا موضعها، ومن هي، فلما خرجت إلى هارون الرشيد قال لي: يا أصمعي! ما أعجب ما رأيت بالبصرة؟ فأخبرته خبرها، فكتب إلى صاحب البصرة أن يمهرها عشرة آلاف وتجهز وتحمل إليه، فحملت إلى هارون، وقد سقمت حزناً على الميت، فلما وصلت إلى المداين ماتت، فقلما ذكرها هارون إلا دمعت عيناه.
''(2/88)''
شن بال
أخبرنا أبو طاهر محمد بن علي الواعظ، رحمه الله تعالى، حدثنا أبو حفص عمر بن أحمد بن عثمان المروروذي، حدثنا أبو محمد جعفر بن محمد بن نصير، حدثنا أحمد بن محمد بن مسروق الطوسي، حدثنا أبو محمد عبد الصمد الصوفي، حدثنا علي بن سياخف، وكان من ظرفاء الصوفية ونساكهم، قال: قال لي أبو الجعد السائح: رأيت رجلاً حسن الوجه، كأنه الشن البالي بجبال لبنان، وعليه خرقة، وما معه شيء، ولا عليه غير تلك الخرقة، فسمعته يقول:
شِدَّةُ الشّوْقِ وَالهَوَى ... تَرَكاني كمَا تَرَى
حزن شديد
أخبرنا أبو القاسم علي بن المحسن بن علي التنوخي قراءة عليه، أخبرنا أبو عمر محمد العباس بن حيويه الخزاز، حدثنا محمد بن خلف قال: روى هشام بن محمد بن السائب الكلبي عن أبيه قال: استعمل مروان بن الحكم رجلاً من قريش يقال له: محمد بن عبد الرحمن، على صدقات كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة، فسمع بخبر المجنون، فأمر أن يؤتى به، فسأله عن حاله، فأخبره، وأنشده شعره، فأعجب به، وقال له: الزمني، ووعده أن يعمل له في أمر ليلى، فكان يأتيه في بعض الأوقات، فيتحدث عنده.
وكان لبني عامر مجتمع يجتمعون إليه في كل سنة مرة، فيأكلون ويشربون يومهم؛ وكان الوالي يخرج إليهم، فيكون معهم في ذلك المجتمع لئلا يكون بينهم شر أو قتل، فحضر ذلك اليوم، فقال المجنون للوالي: أتأذن لي في
''(2/89)''
الخروج معك إلى هذا المجتمع؟ فقال له: نعم. فقيل له: إنما سألك أن يخرج معك ليرى ليلى، وقد استعدى أهلها عليه، فأهدر السلطان دمع إن أتاهم، فلما سمع ذلك منعه من الخروج معه، وأمر له بقلائص من قلائص الصدقة فأبى أن يقبلها وقال:
رَدَدتُ قَلائصَ القُرَشي لمّا ... أتَاني النَّقضُ مِنهُ العُهودِ
وَرَاحُوا مُقْصِرِينَ وَخَلَّفونِي ... إلى حُزْنٍ، أُعالجهُ، شَديدِ
؟
شوق ووجد
أخبرنا التنوخي، أخبرنا أبو عمر محمد بن العباس، حدثنا محمد بن خلف قال: وأنشدني أبو علي البلدي الشاعر للمجنون:
مِنْ نَزَحَتْ دَارٌ بِلَيْلَى لَرُبّمَا ... غَنِينَا بخَيرٍ، وَالزَّمَانُ جَميعُ
وَفي النّفسِ من شَوْقٍ إلَيكِ حَزَازَةٌ، ... وَفي القَلبِ من وَجدٍ عَليكَ صُدوعُ
المجنون وولي الصدقات
وأخبرنا أبو القاسم علي بن أبي علي، حدثنا محمد بن العباس، حدثنا محمد بن خلف، حدثني محمد بن إسحق، حدثني ابن عائشة عن أبيه قال: ولي نوفل بن مساحق صدقات كعب بن ربيعة، فنزل بمجمع من تلك المجامع، فرأى قيس بن معاذ المجنون، وهو يلعب بالتراب، فدنا منه، فكلمه وجعل يجيبه بخلاف ما يسأله عنه، فقال له رجل من أهله: إن أردت
''(2/90)''
أن يكلمك كلاماً صحيحاً، فاذكر له ليلى، فقال له نوفل: أتحب ليلى؟ قال: نعم! قال: فحدثني حديثك معها! قال: فجعل ينشده شعره فيها، ويقول:
وَشُغِلتُ عن فَهمِ الحَديثِ سوَى ... ما كانَ فيكِ، وَأنتمُ شُغلي
وَأُدِيمُ نَحْوَ مُحَدِّثي لِيَرَى ... أنْ قد فَهِمتُ، وَعِندكُم عَقلي
وأنشد أيضاً:
سَرَتْ في سَوَادِ القَلبِ حتى إذا انتهَى ... بها السَّيرُ وَارْتادت حِمى القلبِ حلَّتِ
فلِلعَينِ تَهمالٌ إذا القَلبُ مَلَّهَا، ... وَللقَلبِ وَسوَاسٌ إذا العَينُ مَلَّتِ
وَوَاللهِ ما في القلبِ شيءٌ من الهَوَى ... لأخرَى سِواهَا أكثرَتْ أمْ أقَلَّتِ
وأنشد أيضاً:
ذكَرْتُ عَشِيَّةَ الصّدَفَيْنِ لَيلى، ... وكلّ الدَّهرِ ذِكرَاهَا جَدِيدُ
عليَّ ألِيَّةٌ إنْ كُنتُ أدْرِي ... أيَنقُصُ حبُّ لَيلى أمْ يَزيدُ
فلما رأى نوفل ذلك منه أدخله بيتاً، وقيده، وقال: أعالجه، فأكل لحم ذراعيه وكفيه، فحله، وأخرجه، فكان يأوي مع الوحوش، وكانت له داية ربته صغيراً فكان لا يألف غيرها، ولا يقرب منه أحد سواها، فكانت تخرج في طلبه في البادية وتحمل له الخبز والماء، فربما أكل بعضه، وربما لم يأكل، فلم يزل على ذلك حتى مات.
''(2/91)''
دية فاسق
وجدت بخط أبي عمر بن حيويه ونقلته من كتابه، حدثنا أبو بكر محمد بن خلف، حدثني محمد بن سلمة الواسطي، حدثنا يزيد بن هارون، حدثنا شعبة بن الحجاج عن الحكم: أن رجلاً كان يدخل على امرأة رجل من جيرانه، فنهاه زوجها عن الدخول عليها، وأشهد عليه، فلم ينته، ثم رآه بعد ذلك في بيته، فقتله، فرفع إلى مصعب بن الزبير، فقال: لولا أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، ودى مثل هذا ما وديته. ثم وداه.
أبو عيشونة الشاعر
أخبرنا أبو الحسين محمد بن محمد بن علي الوراق، رحمه الله تعالى، بقراءتي عليه، حدثنا أبو الفضل محمد بن الحسن بن الفضل بن المأمون، حدثنا أبو بكر محمد بن القاسم إملاء، حدثنا أبي، حدثنا محمد بن محمد بن عجلان بسر من رأى قال: خرجت مرة من المرار إلى مدينة السلام، فدعاني صديق لي ينزل الدور، فأقمت عنده، ثم انصرفت إلى منزلي في ليلة مقمرة، فبينما أنا أنزل شارع دار الرقيق، رأيت شيخاً قصيراً أصلع متشحاً بإزار أحمر، وبيده سكين خوصية، وهو يقول:
عِشرُونَ ألفَ فَتَىً مَا مِنهُمُ رَجُلٌ ... إلاّ كألفِ فَتىً مِقدامَةٍ بَطَلِ
أضْحَتْ مَزَاوِدهُم مَملُوءةً أمَلاً ... فَفَرَّغُوها، وَأوْكَوْهَا على الأجل
فقلت لهم: أحسنت، فقصد إلي، وقال لي: لبيك، أتريد رقيقةً؟
''(2/92)''
قلت: نعم! فقال:
إنّمَا هَيَّجَ البَلا، ... حِينَ عَض السفَرْجَلا
وَلَقَدْ قَامَ لحظُهُ ... لي على القَلْبِ بالغَلا
فقلت له: أبو من شيخنا؟ فقال: أبو عيشونة الخياط من أهل مربعة حرب، قد خرجت الفتيان الكبار، وصغا من يدي كل شاطر كان في هذا الصقع، وشهدت حروب محمد كلها وعمرت تلك الدار منذ عشرين سنة؛ وأشار بيده إلى سجن الشام، وأنا الذي أقول:
لي فُؤادٌ مُستَهَامُ، ... وَجُفُونٌ مَا تَنَامُ
وَدُمُوعٌ أبَدَ الدَّهْ ... رِ عَلى خَدِّي سِجَامُ
وَحَبيبٌ كُلّمَا خا ... طَبْتُهُ قَالَ: سَلامُ
فإذا ما قُلتُ: زُرْني! ... قَالَ لي: ذاكَ حَرَامُ
ثم انثنى عني ناحيةً، وهو يقول:
مُؤرَّقٌ في سُهْدِهِ، ... مُسَهَّدٌ في كَمَدِهْ
خَلا بِهِ السُّقْمُ، فَمَا ... أسرَعَهُ في جَسَدِهْ
يَرْحَمُهُ مِمّا بِهِ ... مَنْ ضَرِّهِ ذُو حَسَدِهْ
كَأنَّ أطرَافَ المِدَى ... يَجرَحْنَ أعلى كَبِدِهْ
''(2/93)''
مجنون بين قبرين
أخبرنا أبو محمد الحسن بن محمد الخلال، بقراءتي عليه، حدثنا أبو الفتح يوسف بن عمر القواس الزاهد، حدثنا محمد بن عمرو البختري الرزاز إملاء، أنبأني محمد بن معاوية الزيادي قال: رأيت مجنوناً يختلف بين قبرين، وهو يقول:
وَصَفَ الطَّبيبُ، فهم بِما ... وَصَفَ الطّبيبُ يُعالجونَهْ
يَرْجُونَ صِحّةَ جِسْمِهِ، ... هَيهَاتَ مِمّا يَرتَجُونَهْ
قاتل أبيه
حدثنا أبو عبد الله محمد بن أبي نصر المؤدب من لفظه وكتابه، أخبرنا أبو عبد الله محمد بن إدريس، رحمه الله تعالى: أن أبا عبد الملك بن مروان بن عبد الرحمن بن مروان بن عبد الرحمن الناصر، وهو المعروف بالمطلق من بني أمية، كان يعشق جارية كان أبوه قد رباها معه، وذكرها له، ثم بدا له، فاستأثر بها، وخلا معها، فيقال: إنه اشتدت غيرته لذلك وانتضى سيفاً وتغفل أباه في بعض خلواته ليلاً، فقتله، وعثر على ذلك، فحبسه المنصور محمد بن أبي عامر سنين، وقال في السجن أشعاراً رائقةً، ثم أطلق فلقب بالمطلق، ويقال: إنه من ذلك اعتراه الجنون، وكان يصرع.
''(2/94)''
ماني الموسوس والماجنة
أخبرنا أبو محمد عبد الله بن الحسن البصري بتنيس، رحمه الله تعالى، حدثنا محمد بن الحسين البغدادي، حدثنا محمد بن الحسن بن الفضل، حدثني ابن الأنباري أبو بكر، حدثني محمد بن المرزبان، حدثني أبو حفص عمر بن علي قال: كنت عند بعض إخواني، فبينا نحن على شرابنا وقينة تغنينا، إذ استأذن ماني الموسوس، فدخل، فأتي بطعام، فأكل، وسقيناه، فشرب، فحانت من بعضنا التفاتةٌ، فبصر به وقد أخرج رقعةً من جيبه، فقرأها، ثم طواها، وقبلها ووضعها على عينه، ثم ردها إلى جيبه، فقلنا: إن لهذه الرقعة لشأناً، فلاطفناه، فأخذناها، فإذا هي رقعة من ماجنة من مواجن الكرخ، قد كتبت إليه تصف شغفها به، وأنها على حال التلف، وتطالبه بالجواب، فلما طلب الرقعة في جيبه فلم يجدها هاج وقام، وقال: أين رقعتي؟ فلم نزل نسكته، حتى جلس، فأنشأ يقول:
وَعَاشِقٍ جَاءَهُ كِتَابُ، ... فَزَالَ عَنْهُ بهِ العَذابُ
وَقَالَ: قَد خَصَّني حَبيبي ... بِنعمةٍ مَا لَها ثَوَابُ
فَحُقَّ لي أن أتِيهَ تِيهاً، ... يَقصرُ عَن وَصْفِهِ الخِطابُ
حَتى رَمَتهُ بِصَرْفِ دَهرٍ ... عُيُونُ حُسّادِهِ الصِّلابُ
فَاستَلَّ مِنهُ الكِتابَ وَاشٍ ... بِحيلَةٍ شَأنُهَا عِجَابُ
فَليَسَ يَهنيهِ طِيبُ عَيش ... وَلا طَعَامٌ وَلا شَرَابُ
ثم هاج، وقام، وحلف أن لا يجلس.
''(2/95)''
غريب يبسط عذره
وجدت بخط في مجموع عتيق يقول: حدثنا أبو الحسن أحمد بن محمد بن يزيد الوراق، حدثني عمي قال: سافرت في طلب العلم والحديث، فلم أدع بخراسان بلداً إلا دخلته، فلما أن دخلنا سمرقند، رأيت بلداً حسناً أعجبني، وتمنيت أن يكون مقامي فيه بقية عمري، وأقمنا فيه أياماً، وعاشرت من أهله جماعة، فحدثني بعضهم قال: ورد إلينا فتىً من أهل بغداد حسن الوجه، ولم يزل مقيماً عندنا دهراً، وكان أديباً، ثم إنه أثرى وحسنت حاله، فارتحل مع الحاج إلى العراق، وكان هوي فتىً من أولاد الفقهاء وله معه مواقف وأقاصيص، وله فيه أيضاً أشعار كثيرة، يحفظها أهل البلد، فخرج يوماً معه إلى البستان للنزهة، وأقاما يومهما، فخرجت في غد ذلك اليوم، واجتزت بالبستان، فدخلته، فإني لأطوفه إذ قرأت على حائط مجلس مكتوباً فيه:
لمْ يَخِبْ سَعيي وَلا سَفَرِي، ... حِينَ نِلْتُ الحَظّ مِنْ وَطَرِي
في قَضِيبِ البَانِ في مَيَلٍ، ... وَشَبِيهِ الشّمسِ وَالقَمَرِ
لَستُ أنسَى يَوْمَنَا أبَداً، ... بِفَنا البُسْتَانِ وَالنَّهَرِ
في رِياضٍ وَسْطَ دَسْكَرَةٍ، ... وبِسَاطٍ حُفّ بالشّجَرِ
وأبو نَصرٍ يُعَانِقُني، ... طَافِحاً سُكْراً إلى السَّحَرِ
غيرَ أنّ الدّهرَ فَرّقَنَا، ... وكذا مِنْ عادة القَدَرِ
وتحته مكتوب: الغريب يبسط العذر بالقول والفعل لاطراحه المراقبة وأمنه في هفواته من المعاتبة.
''(2/96)''
الشيطان واستراق السمع من السماء
أخبرنا أبو علي الحسن بن أحمد بن إبراهيم بن شاذان، رحمه الله تعالى، قراءة عليه سنة ثلاث وعشرين وأربعمائة، أخبرنا أبو عمرو عثمان بن أحمد بن عبد الله الدقاق، حدثنا عبد العزيز بن معاوية أبو خالد، حدثنا أبو حفص بن عمر أبو عمر الضرير، حدثنا حماد بن سلمة أن داود بن أبي هند أخبرهم عن سماك بن حرب عن جرير بن عبد الله البجلي قال: إني لفي تستر في طريق من طرقها، زمن فتحت، إذ قلت: لا حول ولا قوة إلا بالله، ما شاء الله كان، وما لا يشاء لا يكون، قال: فسمعني هربذ من تلك الهرابذة، فقال: ما سمعت هذا الكلام من أحد منذ سمعته من السماء، فقلت له: وكيف ذلك؟ قال: إنه كان رجل، يعني نفسه، وإنه وفد عاماً على كسرى بن هرمز، قال: فخلفه في أهله شيطان تصور على صورته، فلما قدم، لم يهش إليه أهله، كما يهش أهل الغائب إلى غائبهم إذا قدم، فقال لهم: ما شأنكم؟ قالوا: إنك لم تغب. قال: وظهر له الشيطان فقال: اختر أن يكون لك منها يوم، ولي يوم، وإلا أهلكتك، فاختار أن يكون له يوم، وله يوم، فأتاه يوماً فقال: إني ممن يسترق السمع، وإن استراق السمع بيننا نوب، وإن نوبتي الليلة، فهل لك أن تجيء معنا؟ قلت نعم.
فلما أمسى أتاني فحملني على ظهره، فإذا له معرفة كمعرفة الخنزير، فقال: لا تفارقني، فتهلك. قال: ثم عرجوا حتى لصقوا بالسماء، فسمعت قائلاً يقول: لا حول ولا قوة إلا بالله، ما شاء الله كان، وما لا يشاء لا يكون. قال: فلبج، ووجم، فوقعوا من وراء العمران في
''(2/97)''
غياض الشجر، فلما أصبحت رجعت إلى منزلي، وقد حفظت الكلمات، فكان إذا جاء قلتهن، فيضطرب، حتى تخرج من كوة البيت، فلم أزل أقولهن حتى ذهب عني.
تصرعه الجنية
ذكر محمد بن سعيد التيمي قال: رأيت جارية سوداء في بعض مدن الشام، وبيدها خوص تسفه، وهي تقول:
لَكَ عِلمٌ بما يَجُنُّ فُؤادِي، ... فارْحَمِ اليومَ ذِلّتي وَانفرادي
فقلت: يا سوداء! ما علامة المحب؟ وإذا رجل قد صرع بالقرب منها، فنظرت إلي وإلي الرجل، وقالت: يا بطال! علامة المحب الصادق لله في حبه أن يقول لهذا المجنون: قم، فيقوم، فإذا الرجل قد قام، وإذا الجنية تقول لها على لسانه: وحق صدق حبك لربك لا رجعت إليه أبداً.
الجني العاشق
أخبرنا أبو محمد الحسن بن محمد الخلال، رحمه الله تعالى، بقراءتي عليه، حدثنا أبو الحسن أحمد بن عمران الجندي، حدثنا عبد الله بن سليمان، حدثنا الوليد بن طلحة، حدثنا ابن وهب عن عمر بن محمد عن سالم يعني ابن عبد الله بن عمر، أخبرني واقد أخي أن جنياً عشق جاريةً لا أعلمه إلا قال: منهم أو من آل عمر، قال: وإذا في دارهم ديك. قال: فكلما جاءها صاح الديك، فهرب،
''(2/98)''
فتمثل في صورة إنسان، ثم خرج حتى لقي شيطاناً من الإنس، فقال: اذهب فاشتر لي ديك بني فلان بأي ثمن كان، فأتني به في مكان كذا؛ فذهب الرجل فأغلى لهم في الديك، فباعوه، فلما رآه الديك صاح، فهرب، وهو يقول: اخنقه، فخنقه حتى صرع الديك، فجاءه فحك رأسه، فلم يلبثوا إلا يسيراً حتى صرعت الجارية.
مس الإنسي كمس الجني
أخبرنا أبو القاسم عبد العزيز بن علي الأزجي، رحمه الله تعالى، سمعت أبا الحسن الجهضمي الهمذاني بمكة يقول في المسجد الحرام: سمعت الخالدي يقول: سمعت أبا محمد الجريري يقول: إذا تمكن الذكر في القلب، وقوي سلطانه، فلا يأمنه العدو، ويصرع به كما يصرع الإنسي إذا مسه الجني، فتمر به الجن فيقولون: ما بال هذا؟ فيقال مسه الإنسي.
عفا الله عن ليلى
أخبرنا أبو محمد الحسن بن علي الجوهري قراءة عليه، أخبرنا أبو عمر محمد بن العباس الخزاز، حدثنا محمد بن خلف قال: وقال العمري عن عطاء بن مصعب: خرج المجنون مع قوم في سفر، فبينا هم يسيرون إذا اتسعت لهم طريق إلى الماء الذي كانت عليه ليلى، فقال المجنون لأصحابه: إن رأيتم أن تحطوا وترعوا وتنتظروني حتى آتي الماء؟ فأبوا عليه، وعذلوه، فقال لهم: أنشدكم الله لو أن رجلاً صحبكم، وتحرم بكم، فأضل بعيره، أكنتم مقيمين عليه يوماً حتى يطلب بعيره؟ قالوا: نعم! قال: فوالله لليلى
''(2/99)''
أعظم حرمةً من البعير، وأنشأ يقول:
أأترُكُ لَيلى لَيسَ بَيني وَبَينهَا ... سِوَى لَيلَةٍ، إني إذاً لَصَبُورُ
هَبوني امرَأً مِنكُم أضَلَّ بَعيرَهُ ... لَهُ ذِمّةٌ، إنّ الذِّمَامَ كَبيرُ
وَللصّاحبُ المَتروكُ أعظمُ حُرْمَةً ... عَلى صَاحبٍ من أنْ يَضِلَّ بَعِيرُ
عَفَا اللهُ عَن لَيلى، الغَداةَ، فإنّها ... إذا وَلِيَتْ حُكْماً عَليَّ تَجُورُ
قال: فأقاموا عليه حتى مضى ورجع.
الحب المجرم
ذكر أبو بكر محمد بن الحسن بن دريد، أخبرنا الفضل بن محمد العلاف قال: لما قدم بغا ببني نمير أسرى كنت كثيراً ما أصير إليهم، فلا أعدم أن ألقى منهم الفصيح، فجئتهم، ذات يوم، في صبيحة ليلة، قد كانوا مطروا فيها، وإذا شاب جميل قد نهكه المرض وليس به حراك وهو ينشد:
ألا يا سنَا بَرْقٍ على قُلَلِ الحِمَى، ... لهَنَّكَ من بَرْقٍ عليَّ كَرِيمُ
لَمعتَ اقتداءَ الطيرٍ، وَالقوْمُ هُجّعٌ، ... فَهَيَّجتَ أحَزاناً، وَأنتَ سَليمُ
فَبِتُّ بحَدِّ المِرْفَقَينِ أشِيمُهُ، ... كَأني لبَرْقٍ بالسّتَارِ حَميمُ
فهلْ من مُعيرٍ طَرْفَ عَينٍ خَليَّةٍ؟ ... فإنسَانُ عَينِ العَامِرِيِّ كَليمُ
''(2/100)''
رَمَى قَلبَهُ البرْقُ المُلألئُ رَميَةً ... بذكرِ الحِمَى وَهناً فصارَ يَهيمُ
فقلت: يا فتى! إن في دون ما بك ما يشغل عن قول الشعر. قال: أجل، ولكن البرق أنطقني. ثم اضطجع فمات، فما يتهم عليه إلا الحب.
عبد الملك والغلام العاشق
أنبأنا أبو القاسم علي بن المحسن التنوخي، رحمه الله تعالى، حدثنا أبو بكر محمد بن عبد الرحيم المازني، حدثنا أبو علي الحسين بن القاسم بن جعفر الكوكبي، حدثنا الكديمي أبو العباس، أخبرنا السلمي عن محمد بن نافع مولاهم عن أبي ريحانة أحد حجاب عبد الملك بن مروان قال: كان عبد الملك يجلس في كل أسبوع يومين جلوساً عاماً، فبينا هو جالس في مستشرف له، وقد أدخلت عليه القصص، إذ وقعت في يده قصةٌ غير مترجمة، فيها: إن رأى أمير المؤمنين أن يأمر جاريته فلانة تغنيني ثلاثة أصوات ثم ينفذ في ما شاء من حكمه. فاستشاط من ذلك غضباً، وقال: يا رباح علي بصاحب هذه القصة. فخرج الناس جميعاً، وأدخل عليه غلام من أجمل الفتيان وأحسنهم، فقال له عبد الملك: يا غلام! أهذه قصتك؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين! قال: ومائتين الذي غرك مني؟ والله لأمثلن بك، ولأردعن بك نظراءك من أهل الخسارة. علي بالجارية! فجيء بها كأنها فلقة قمر، وبيدها عود، فطرح لها الكرسي، فجلست، فقال عبد الملك: مرها يا غلام! فقال لها: غنيني يا جارية بشعر قيس بن ذريح:
لقد كنتِ حسبَ النفسِ لوْ دامَ وِدُّنا، ... وَلَكِنَّمَا الدُّنْيَا مَتَاعَ غُرُورِ
''(2/101)''
وَكنّا جميعاً قَبلَ أنْ يَظهَرَ الهَوَى ... بِأنْعَمِ حَالَيْ غِبْطَةً وَسُرُورِ
فَمَا بَرِحَ الوَاشُونَ حَتى بَدَتْ لَنَا ... بُطُونُ الهَوَى مَقْلُوبَةً لِظُهُورِ
فغنت، فخرج الغلام بجميع ما كان عليه من الثياب تخريقاً، ثم قال له عبد الملك: مرها تغنك الصوت الثاني! فقال: غنيني بشعر جميل:
ألا لَيتَ شِعري هَلْ أبِيتَنَّ لَيلَةً ... بِوَادي القُرَى إني إذاً لَسَعيدُ
إذا قلتُ ما بي يا بُثيَنَةُ قَاتِلي ... من الحُبِّ قالت: ثابتٌ ويَزيدُ
وَإن قلتُ رُدي بعض عقلي أعش به ... معَ النّاسِ قالت: ذاكَ منك بَعيدُ
فَلا أنا مَرْدُوْدٌ بما جِئتُ طالِباً، ... وَلا حُبُّهَا فِيما يَبيدُ يَبيدُ
يَموتُ الهَوَى مني إذا ما لَقيتُها، ... وَيَحيَا إذا فارَقتُها، فَيَعُودُ
قال: فغنته الجارية، فسقط الغلام مغشياً عليه ساعةً، ثم أفاق، فقال له عبد الملك: مرها فلتغنك الصوت الثالث! فقال: يا جارية غنيني بشعر قيس بن الملوح المجنون:
وَفي الجيرَة الغادينَ من بَطنِ وَجرَةٍ ... غَزَالٌ غَضيضُ المُقلَتينِ رَبيبُ
فَلا تَحسَبي أنَّ الغَريبَ الذي نأى ... وَلَكِنَّ مَن تَنأينَ عَنهُ غَرِيبُ
فغنته الجارية، فطرح الغلام نفسه من المستشرف فلم يصل إلى الأرض حتى تقطع، فقال عبد الملك: ويحه لقد عجل على نفسه، ولقد كان تقديري فيه غير الذي فعل، وأمر، فأخرجت الجارية من قصره، ثم سأل عن الغلام، فقالوا: غريب لا يعرف إلا أنه منذ ثلاث ينادي في الأسواق ويده على رأسه:
غداً يكثُرُ الباكونَ مِنّا وَمِنكُمُ، ... وَتَزْدادُ دارِي من دِيارِكُمُ بُعدا
''(2/102)''
تصافح الأكف والخدود
أنبأنا القاضي أبو الحسين بن المهتدي، أنشدنا أبو الفضل محمد بن الحسين بن الفضل بن المأمون، أخبرنا أبو بكر بن الأنباري: أنشدني إبراهيم بن عبد الله الوراق لمحمد بن أمية وأنشدنيها أبي لغيره من المحدثين:
وَحدَثَّني عن مجلِسٍ كنتَ زينَهُ ... رَسُولٌ أمينٌ وَالوُفُودُ شُهُودُ
فَقُلتُ له: كرَّ الحديثَ الذي مضَى ... وَذِكرُكَ من بَينِ الحَديثِ أرِيدُ
أنَاشِدُهُ باللهِ ألاّ ذَكَرْتَهُ، ... كأني بَطيء الفَهمِ حِينَ يُعيدُ
يُجَدِّدُ لي ذِكْرُ الحَديثِ لَذاذةً، ... فذِكرُكَ عِندي وَالحَديثُ جديدُ
قال وفي رواية أبي، رحمه الله تعالى:
فلمّا هَمَنا بالفِرَاقِ تَصَافَحَتْ ... أكفٌّ، وَثَنَّتْ عندَ ذاكَ خُدودُ
مخافة الواشي
وبالإسناد أخبرنا أبو بكر أنبأنا أبي أنشدنا أحمد بن عبيد:
يَقولونَ: ما تَهوَاكَ ميُّ تَعَبُّثاً، ... فما بالُهُ يُضْحِي وَيُمسِي مُسَلَّمَا
وَيُعرِض عن ذكرَاك في كلِّ موطنٍ ... وَقد يُسعِفُ الحبُّ المحبَّ المُتَيَّمَا
وقد صَدقُوا أني لأترُكُ ذَاكُمُ، ... كَأنيَ لمْ أعرِفكَ إلاّ تَوَهُّمَا
وَأهجُرُكُمْ، وَاللهُ يَعَلَمُ أنّني ... أُحِبّكِ حُبّاً خالطَ اللحمَ وَالدمَا
مَخَافةَ وَاشٍ أوْ تَوَقّيَ أعيُنٍ، ... تَرَى بَثَّ أسرَارِ المُحبِّينَ مَغنَمَا
''(2/103)''
فراق أم تلاق؟
أخبرنا الأمين العدل أبو الفضل أحمد بن الحسن قراءة عليه، حدثنا أبو الحسين محمد بن الحسن الأصبهاني، سمعت أبا الحسين محمد بن أحمد بن إسحق الشاهد يقول: ودعت أبا عبد الله نفطويه، فقال لي: إلى أين؟ فقلت: إلى العراق؛ فقال: وأي العراق؟ قلت: الأهواز، فأنشدني:
قَالُوا: وَشيكُ فِرَاقِ، ... فَقُلتُ: لا بَلْ تَلاقِ
كَمْ بَينَ أكْنَافِ نَجْدٍ، ... وَبَينَ أرْضِ العِرَاقِ
قَدْ فُزْتُ يَوْمَ التَقَينَا، ... بِقُبْلَةٍ وَاعتِنَاقِ
وَبَعدَ هَذَا وِصَالٌ ... مِنَ الأحِبَّةِ بَاقِ
؟
جناية السبع على عاشقين
ذكر أبو عمر محمد بن العباس الخزاز، ونقلته من خطه، أن أبا بكر محمد بن خلف حدثهم: حدثني أبو أحمد عبد الله بن محمد الطالقاني، حدثني محمد بن الحارث الرازي، أخبرني أحمد بن عمر الزهري، حدثني عمي عن أبيه قال: خرجت في نشدان صالة لي، فآواني المبيت إلى خيمة أعرابي، فقلت: هل من قرىً؟ فقال لي: انزل! فنزلت، فثنى لي وسادة، وأقبل علي يحدثني، ثم أتاني بقرىً، فأكلت.
فبينا أنا بين النائم واليقظان، إذا بفتاة قد أقبلت لم أر مثلها جمالاً وحسناً، فجلست، وجعلت تحدث الأعرابي ويحدثها، ليس غير ذلك، حتى طلع الفجر، ثم انصرفت، فقلت: والله لا أبرح موضعي هذا، حتى أعرف خبر الجارية والأعرابي.
''(2/104)''
قال: فمضيت في طلب ضالتي يوماً، ثم أتيته عند الليل، فأتى بقرىً، فبينا أنا بين النائم واليقظان، وقد أبطأت الجارية عن وقتها، قلق الأعرابي، فكان يذهب ويجيء وهو يقول:
ما بالُ مَيَّةَ لا تأتي لِعَادَتِها، ... أعاجَها طَرَبٌ أمْ صَدَّها شُغُلُ
لَكِنَّ قَلبي عَنكُمُ لَيس يَشغلهُ ... حتى المماتِ، وَما لي غيركُم أمَلُ
لَو تَعلمينَ الذي بي مِنْ فِرَاقِكُمُ ... لما اعتَذّرْتِ وَلا طابت لك العِلَلُ
نَفسِي فداؤكِ قد أحلَلتِ بي سقَماً ... تكادُ من حرِّهِ الأعضَاءُ تَنفصِلُ
لَوْ أنّ غادِيةً منهُ على جَبَلٍ، ... لمَادَ وَانهَدَّ من أرْكانِهِ الجَبَلُ
ثم أتاني فأنبهني، ثم قال لي: إن خلتي التي رأيت بالأمس، قد أبطأت علي، وبيني وبينها غيضة، ولست آمن السبع عليها، فانظر ما ههنا حتى أعلم علمها، ثم مضى فأبطأ قليلاً، ثم جاء بها يحملها، السبع قد أصابها، فوضعها بين يدي، ثم أخذ سيفه، ومضى فلم أشعر إلا وقد جاء بالأسد يجره مقتولاً، ثم أنشأ يقول:
ألا أيّها اللّيثُ المُضِرّ بِنَفسِهِ، ... هُبلتَ لقد جَرَّتْ يداكَ لكَ الشرَّا
أخلّفتَني فَرْداً وَحِيداً مُدَلّهاً، ... وَصَيَّرْتَ آفَاقَ البِلادِ بِهَا قَبرَا
أأصحَبُ دَهراً خَانَني بِفِرَاقِها؟ ... مَعاذَ إلهي أن أكونَ بها بَرّا
ثم أقبل علي فقال: هذه ابنة عمي كانت من أحب الناس إلي، فمنعني أبوها أن أتزوجها، فزوجها رجلاً من أهل هذه الأبيات، فخرجت من مالي كله ورضيت بالمقام ههنا على ما ترى، فكانت إذا وجدت خلوة أو غفلة من زوجها أتتني، فحدثتني وحدثتها، كما رأيت ليس شيء
''(2/105)''
غيره، وقد آليت على نفسي أن لا أعيش بعدها، فأسألك بالحرمة التي جرت بيني وبينك، إذا أنا مت فلففني وإياها في هذا الثوب، وادفنا في مكاننا هذا، وأكتب على قبرنا هذا الشعر:
كنّا على ظَهرِها وَالدَّهرُ في مَهَلٍ، ... وَالعَيشُ يَجمَعُنا وَالدّارُ وَالوَطنُ
فَفَرَّقَ الدّهرُ بِالتّصرِيفِ أُلفَتَنَا، ... فَاليَوْمَ يَجمعُنا في بَطنِها الكَفَنُ
ثم اتكأ على سيفه، فخرج من ظهره فسقط ميتاً، فلففتهما في الثوب وحفرت لهما، فدفنتهما في قبر واحد وكتبت عليه كما أمرني.
؟
في الدنيا وفي الآخرة
قال ابن المرزبان: وحدثني سعيد بن يحيى القرشي، حدثنا عيسى بن يونس عن محمد بن إسحق عن أبيه عن أشياخ من الأنصار قالوا: أتي النبي، صلى الله عليه وآله وسلم، يوم أحد بعبد الله بن عمرو بن حرام وعمرو بن الجموح قتيلين، فقال: ادفنوهما في قبر واحد، فإنهما كانا متصافيين في الدنيا.
مات على الجبل
قال وذكر أبو الحسن المدايني عن محمد بن صالح الثقفي: أن بعض الأعراب عشق جاريةً من حيه، فكان يتحدث إليها، فلما علم أهلها بمكانه ومجلسه منها، تحملوا بها، فتبعهم ينظر إليهم، ففطن به، فلما علم أنه قد فطن به انصرف، وهو يقول:
بانَ الخَليطُ فأوجَعوا قَلبي، ... حَسبي بما قد أوْرَثوا حَسبي
''(2/106)''
إن تَكتُبوا نكتُبْ، وإن لا يكن ... يأتيكُمُ بمَكانِكُمْ كُتْبي
جدَّ الرّحِيلُ، فبَانَ ما بَينَنا، ... لا شَكَّ أني مُنقَضٍ نَحبي
قال: ثم وقف على جبل ينظر إليهم ماضين، فلما غابوا عن عينه خر ميتاً.
ليلى الغريبة
ذكر أبو عمر بن حيويه ونقلته من خطه أن أبا بكر محمد بن خلف حدثهم: أخبرني عبد الله بن أبي عبد الله القرشي قال: وجدت في كتاب بعض أهل العلم أن الهيثم بن عدي حدثهم عن رجل من بني نهد قال: كان رجل منا يقال له: مرة تزوج ابنة عم له جميلة يقال لها: ليلى، وكان مستهاماً بها، فضرب عليه البعث إلى خراسان فكره فراقها، واشتد عليه، ولم يجد من ذلك بداً، فقال لها: أكره أن أخلفك، وقلبي متعب بك. قالت: اصنع ما شئت، فمر براذان، وبها رجل من قومه، له شرف وسؤدد، فذكر حاله، وأمر امرأته، وقال: اخلفها عند عيالك وأهلك حتى أقدم، قال: نعم! فأخلوا لها منزلاً، فقرأ، ثم تعجل، فلما صار براذان، جلس قريباً من القصر الذي كانت فيه امرأته، حتى يمسي، وكره أن يدخل نهاراً. فخرجت جارية من القصر، فقال لها: ما فعلت المرأة التي خلفتها عندكم؟ قالت: أما ترى ذلك القبر الجديد؟ قال: بلى! قالت: فإن ذلك قبرها، فلم يصدق حتى خرجت أخرى، فسألها، فقالت له مثل ذلك، فأتى القبر، فجعل يبكي ويتمرغ عليه، ويرثيها، فقال:
أيَا قبرَ ليلى! لو شَهِدناكَ أعوَلَت ... علَيها نساءٌ من فصِيحٍ وَمَن عَجَمْ
''(2/107)''
ويَا قَبرَ لَيلى! ما تَضَمَّنتَ مثلَها ... شَبيهاً للَيلى في عَفافٍ وَفي كَرَمْ
وَيَا قَبرَ لَيلى! أكرِمَنَّ مَحَلّها، ... تكنْ لكَ ما عِشنا عَلينا بها نِعَمْ
ويَا قبرَ لَيلى، إنَّ لَيلى غَرِيبَةٌ، ... برَاذان لم يشهدكَ خالٌ وَلا ابنُ عمْ
يسائلني عن علتي وهو علتي
أخبرنا أبو محمد أحمد بن علي بن الحسن بن الحسين بن أبي عثمان فيما أجاز لنا، أخبرنا أبو الحسن أحمد بن محمد بن موسى القرشي، حدثنا أبو بكر بن الأنباري، حدثنا محمد بن المرزبان، حدثنا محمد بن هارون المقري، حدثنا سعيد بن عبد الله بن راشد قال: علقت فتاةٌ من العرب فتى من قومها، وكان الفتى عاقلاً فاضلاً، فجعلت تكثر التردد إليه، تسأله عن أمور النساء، وما في قلبها إلا النظر إليه واستماع كلامه، فلما طال ذلك عليها، مرضت وتغيرت، واحتالت في أن خلا لها وجهه وقتاً، فتعرضت له ببعض الأمر، فصرفها، ودفعها عنه، فتزايد بها المرض، حتى سقطت على الفراش، فقالت له أمه: إن فلانة قد مرضت، ولها علينا حق. قال: فعوديها، وقولي لها: يقول لك ما خبرك؟ فصارت إليها أمه، فقالت لها: ما بك؟ قالت: وجع في فؤادي هو أصل علتي، قالت: فإن ابني يقول لك ما علتك؟ فتنفست الصعداء، وقالت:
يُسائِلُني عن عِلّتي وَهوَ عِلّتي، ... عَجيبٌ من الأنبَاءِ جَاءَ به الخَبَرْ
فانصرفت أمه إليه، فأخبرته، وقالت له: قد كنت أحب أن نسألها المصير إلينا لنقضي حقها ونلي خدمتها، قال: فسليها ذلك. قالت: قد أردت أن أفعله ولكن أحببت أن يكون عن رأيك. فمضت إليها، فذكرت
''(2/108)''
لها ذلك عنه، فبكت وقبلت، ثم أنشأت تقول:
يُبَاعِدُني عَنْ قُرْبِهِ وَلِقَائِهِ، ... فلمّا أذَابَ الجسْمَ مني تَعَطَّفَا
فَلَستُ بآتٍ موْضِعاً فيه قاتلي، ... كَفَاني سَقَاماً أن أموتَ كذا كفى
فألحت عليها؛ فأبت. وترامت العلة بها، وتزايد المرض حتى ماتت.
أين الشفاء من السقم
أخبرنا القاضي الشريف أبو الحسين بن المهتدي إن لم يكن سماعاً فإجازة، أخبرنا الشريف أبو الفضل محمد بن الحسن بن الفضل الهاشمي، أنبأنا أبو بكر بن الأنباري قال: أنشدنا محمد بن المرزبان:
شَكَوْتُ إلى رَفيقيَّ الّذي بي، ... فَجَاءاني وَقد جَمَعا دَوَاءَ
وَجَاءَا بالطّبيبِ ليَكوِيَاني، ... وَلا أبغي، عَدِمتُهما، اكتوَاءَ
وَلَوْ ذَهَبا إلى مَنْ لا أُسَمّي، ... لأهدى لي منَ السّقَمِ الشّفَاءِ
قوت النفس
وبالإسناد: أنشدنا أبو بكر بن الأنباري لأحمد بن يحيى:
إذا كنتَ قُوتَ النفسِ ثمّ هَجَرْتَهَا ... فكَم تَلبثُ النّفسُ التي أنتَ قُوتُها
سَتَبقَى بَقاءَ الضّبّ في الماءِ أوْ كَمَا ... يَعيشُ لَدى دَيمُومةِ النّبتِ حوتُهَا
'' (2/109)''
المتصبر الجاهد
قال وزادنا أبو الحسن بن البراء:
أغرّكِ أني قد تَصَبّرتُ جاهِداً، ... وَفي النّفسِ مني مِنكِ ما سَيُميتُها
فَلَوْ كانَ ما بي بالصّخُورِ لهَدّهَا، ... وَبالرّيحِ مَا هَبّتْ وطَالَ سكوتُهَا
فَصَبراً لَعَلّ اللهَ يَجْمَعُ بَينَنَا، ... فأشكو هُمُوماً منكِ كنتُ لَقِيتُهَا
على قبر ابن سريج
أخبرنا أبو القاسم علي بن المحسن في ما أذن لنا أن نرويه عنه، حدثنا أبو بكر محمد بن عبد الرحيم المازني قال: حدثنا أبو علي الحسين بن القاسم الكوكبي، حدثنا ابن أبي الدنيا، حدثني هارون بن أبي بكر بن عبد الله بن مصعب، حدثني إسحق بن يعقوب مولى آل عثمان عن أبيه قال: إنا لبفناء دار عمرو بن عثمان بالأبطح صبح خامسة من التهانئ إذ دريت برجل على راحلة؛ ومعه إداوة جميلة قد جنب إليها فرساً وبغلاً، فوقفا علي، فسألاني، فانتسبت لهما عثمانياً، فنزلا، وقالا: رجلان من أهلك، قد نابتنا إليك حاجةً، نحب أن تقضيها قبل الشدة، بأمر الحاج، قلت: فما حاجتكما؟ فالا: نريد إنساناً يوقفنا على قبر عبيد بن سريج. قال: فنهضت معهما، حتى بلغت بهما محلة ابن أبي قارة من خزاعة، بمكة، وهم موالي عبيد بن سريج، فالتمست لهما إنساناً يصحبهما، حتى يوقفهما على قبره بدسم، فوجدت ابن أبي دباكل، فأنهضته معهما،
''(2/110)''
فأخبرني ابن أبي دباكل أنه لما وقفهما على قبره، نزل أحدهما عن راحلته، وهو عبد الله بن سعيد بن عبد الملك بن مروان، ثم عقرها واندفع يغني غناء الركبان بصوت طليل حسن:
وَقَفنَا على قَبرٍ بدَسْمَ، فهاجَنا، ... وذَكَّرَنا بالعَيشِ إذ هوَ مُصْحَبُ
فَجالتْ بأرْجَاءِ الجُفُونِ سَوَافِحٌ ... من الدّمعِ تَستَبكي الذي تَتَعقّبُ
فإنْ تَنْفَدَا عن ساحَةِ عُبَيداً بعَوْلَةٍ، ... وَقَلَّ له منّا البُكَى وَالتحَوّبُ
فلما أتى عليها نزل صاحبه، فعقر ناقته، وهو رجل من جذام، يقال له عبيد الله بن المنتشر، فاندفع يتغنى عند الخلوات:
فارَقوني وَقد عَلِمتُ يَقيناً، ... ما لَمنْ ذَاقَ مِيَتةً مِنْ إيَابِ
إنّ أهلَ الحِصَابِ قد تَركوني ... مُودَعاً مُولَعاً بأهلِ الحِصَابِ
أهلِ بيتٍ تَتَابَعُوا للمَنَايَا، ... ما على الدهرِ بعدهم من عِتابِ
سكنوا الجِزْعَ جزْعَ بَيتِ أبي مو ... سَى إلى الشِّعبِ من صَفّي الشبابِ
كم بذاك الحجونِ من حيّ صِدقٍ ... من كُهولٍ أعِفّةٍ وَشَبَابِ
قال ابن أبي دباكل: فوالله ما أتم منها ثالثاً، حتى غشي على صاحبه، ومضى غير معرج عليه، حتى إذا فرغ جعل ينضح الماء في وجهه، ويقول: أنت أبداً منصوب على نفسك من كلفات ما ترى، فلما أفاق قرب إليه الفرس، فلما علاه استخرج الجذامي من خرج على البغل قدحاً، وإداوة، فجعل في القدح تراباً من تراب القبر، وصب عليه ماء، ثم قال: هاك! فاشرب، هذه السلوة، فشرب، ثم جعل الجذامي مثل ذلك لنفسه، ثم
''(2/111)''
نزل على البغل، وأردفني، فخرجنا، لا والله ما يعرجان ولا يعرضان بذكر شيء مما كانا فيه، ولا أرى في وجوههما مما كنت أرى قبل شيئاً. قال: فلما اشتمل علينا أبطح مكة مد يده إلي بشيء، وإذا عشرون ديناراً، فوالله ما جلست حتى ذهبت ببعيري، واحتملت أداة الراحلتين، فبعتهما بثلاثين ديناراً.
قاتل الله الأعرابي ما أبصره!
أخبرنا أبو القاسم عبيد الله بن عمر بن شاهين، رحمه الله تعالى، حدثنا أبي، أخبرنا عمر بن الحسن، حدثنا ابن أبي الدنيا، حدثنا علي بن الجعد، سمعت أبا بكر بن عياش يقول: كنت في الشباب إذا أصابتني مصيبة تجلدت، ودفعت البكاء بالصبر، فكان ذلك يؤذيني ويؤلمني، حتى رأيت أعرابياً بالكناسة، واقفاً على نجيب، وهو ينشد:
خَليليّ عُوجَا من صُدُورِ الرّوَاحِلِ ... بجُمهُورِ حَزْوَى فابكِيَا في المَنازِلِ
لَعَلّ انحِدَارَ الدّمعِ يُعقِبُ رَاحَةً ... مِنَ الوَجْدِ أوْ يَشفي نَجيّ البَلابِلِ
فسألت عنه، فقيل: ذو الرمة، فأصابتني بعد ذلك مصائب، فكنت أبكي، وأجد لذلك راحةً، فقلت: قاتل الله الأعرابي ما كان أبصره!
''(2/112)''
لسان كتوم ودمع نموم
أخبرنا أبو محمد الحسن بن محمد بن الحسن الخلال، رحمه الله تعالى، بقراءتي عليه، سمعت أحمد بن محمد بن عروة يقول: سمعت جعفر بن محمد بن نصير يقول: كان الجنيد يقول:
لِسَاني كَتُومٌ لأسرَارِكُم، ... وَدَمعي نَمُومٌ لسِرّي مُذِيعْ
وَلَوْلا دُمُوعي كَتَمتُ الهَوَى، ... وَلَوْلا الهَوى لم تكنْ لي دُمُوعْ
الشعر حسن وقبيح
ومما وجدته بغير سند في مجموعات بعض أهل العلم قال: وقف شيخ من العرب على مسعر بن كدام، وهو يصلي، فأطال، فلما فرغ قال له الأعرابي: خذ من الصلاة كفيلاً! فتبسم وقال له: يا شيخ! خذ فيما يجدي عليك. كم تعد من سنيك؟ قال: مائة وبضع عشرة سنة. فقال له: في بعضها ما يكفي واعظاً فاعمل لنفسك، فأنشأ الأعرابي يقول:
أُحِبُّ اللّوَاتِي هُنّ مِنْ وَرَقِ الصّبى ... وَفيهِنَّ عَنْ أزْواجِهِنَّ طِمَاحُ
مُسِرّاتُ بُغضٍ مُظهِرَاتٌ مَوَدّةً، ... تَرَاهُنّ كالمَرْضَى، وَهُنّ صَحَاحُ
فقال له مسعر: أف لك من شيخ! فقال: والله ما بأخيك حراك منذ أربعين سنة، لكنه بحر يجيش من زبده، فضحك مسعر وقال: إن الشعر كلام، فحسنه حسن، وقبحه قبيح.
''(2/113)''
عديني وامطلي
أنشدنا القاضي أبو القاسم علي بن المحسن التنوخي، رحمه الله تعالى، للشريف الرضي أبي الحسن محمد بن الطاهر أبي أحمد الحسين بن موسى الموسوي:
أذاتَ الطَّوْقِ لمْ أُقرِضْكِ قَلبي، ... عَلى ضَنِّي بهِ، لِيضِيعَ دَيْنِي
سكَنتِ القَلبَ حِينَ خُلِقتِ مِنهُ، ... فَأنتِ مِنَ الحَشَا وَالنّاظِرَينِ
أُحِبّكِ أنّ لَوْنَكِ لَوْنَ قَلبي، ... وَإنْ ألبستِ لَوْناً غَيرَ لَوْني
عِدِيني وَامطُلي، أبداً، فحِسبي ... وِصَالاً أنْ أرَاكِ وَأنْ تَرَيْني
البين صعب على الأحباب
وأخبرنا القاضي، أنشدنا الثقة بحضرة المرتضى:
قالَتْ، وَقَد نَالَهَا للبَينِ أوْجَعُهُ، ... وَالبَينُ صَعبٌ على الأحبَابِ مَوْقِعُهُ
اشدُدْ يَدَيكَ على قَلبي فقد ضَعُفَتْ ... قوَاهُ مِمّا بهِ لَوْ كانَ يَنفَعُهُ
اعطِفْ عليّ المَطَايَا سَاعَةً فَعَسَى ... مَن كانَ شَتّتَ شملَ البَينِ يجمَعُهُ
كَأنّني، يَوْمَ وَلَّوْا سَاعِةً بِمِنىً، ... غَرِيقُ بَحرٍ رَأى شَطّاً وَيَمنَعُهُ
''(2/114)''
قتلها الجوى
ذكر أبو عمر بن حيويه ونقلته من خطه، حدثنا أبو بكر محمد بن خلف، أخبرني أبو العلاء القيسي، حدثنا أبو عبد الرحمن العائشي، أخبرني أبو منيع عبد لآل الحارث بن عبيد قال: رأيت شيخاً من كلب قاعداً على رأس هضبةٍ، فملت إليه، فإذا هو يبكي، فقلت: ما يبكيك؟ فقال: رحمةٌ لجارية منا كانت تحب ابن عم لها، وكان أهلها بأعلى واد بكلب، فتزوجها رجل من أهل الكوفة، فنقلها إلى الكوفة، فقتلها الجوى وبلغ منها الشوق، فأوت في علية لها، فتغنت بهذا الشعر:
لَعَمرِي لَئِنْ أشرَفتُ أطوَلَ ما أرَى ... وكَلّفتُ عَيني مَنظَراً مُتَعَاديَا
وَقُلتُ: زِيَادٌ مُؤنِسِي مُتَهَلِّلٌ، ... أمِ الشّوْقُ يُدني مِنهُ ما ليس دانيَا
وَقُلتُ لبَطنِ الجِنّ حِينَ لَقِيتُهُ: ... سَقَى اللهُ أعلالَ السّحابَ الغَوَاديَا
ثم قبضت مكانها.
غراب البين ناقة أو جمل
أخبرنا أبو إسحق الحبال في ما أذن لنا في روايته، أخبرنا أبو الفرج محمد بن عمر الصدفي، حدثنا أبو الفتح بن سنحت، حدثنا أبو عبد الله الحكيمي: أنشدني عون عن أبيه لأبي الشيص:
مَا فَرّقَ الأحْبَابَ بَعْ ... دَ اللهِ إلاّ الإبلُ
وَالنّاسُ يُلْحُونَ غُرَا ... بَ البَيْنِ لَمّا جَهِلُوا
وَمَا غُرَابُ البَيْنِ إلْ ... لا نَاقَةٌ أوْ جَمَلُ
''(2/115)''
الدنو الفاضح
وبإسناده قال: وأنشدنا لنفسه:
اللهُ يَعلَمُ مَا أرَدتُ بِهَجرِكُمْ ... إلاّ مُسَاتَرَةَ العَدُوّ الكَاشِحِ
وَعَلِمتُ أنّ تَسَتّرِي وَتَبَاعُدِي ... أدنى لِوَصْلِكِ مِنْ دُنُوٍّ فاضِحِ
الحراث الشاعر
أنبأنا أبو بكر الخطيب، إن لم يكن حدثنا، أخبرنا أبو الحسن علي بن الحسن بن محمد بن إبراهيم قراءة عليه، حدثنا أبو الحسن علي بن الحسن الرازي، حدثنا أبو علي الحسين بن علي الكوكبي الكاتب، حدثنا أبو العباس المبرد قال: قال لي الجاحظ: أنشدني أكارٌ بالمصيصة لنفسه:
حَصَدَ الصّدودُ وِصَالَنا بمَناجلٍ، ... طُبعَ المَناجِلُ من حَديدِ البَينِ
دِيسَ الحَصَادُ، وَذُرّيتْ أكداسُهُ، ... بَعدَ الحَصَادِ، بسَافيَاتِ المَينِ
فَالشّوْقُ يَطحنَهُ بأرْحِيةِ الهَوَى، ... وَالهَمُّ يَعجُنُهُ بدَمعِ العَينِ
وَالحزْنُ يَخبزُهُ بنِيرانِ الهَوَى، ... وَالهَجْرُ يَأكُلُهُ بلَوْنٍ لَوْنِ
''(2/116)''
لم يطل ليلي
وبإسناده أنشدنا أبو علي لبشار:
لمْ يَطُلْ لَيلي، وَلكِنْ لمْ أنَمْ، ... وَنَفَى عَني الكَرَى طَيفٌ ألَمّ
خَتَمَ الحُبُّ لهَا في عُنُقي، ... مَوْضِعَ الخَاتَم من أهلِ الذِّمَمْ
إنّ في ثَوْبيّ جِسْماً نَاحِلاً ... لَوْ تَوَكّأتُ عَلَيْهِ لانْهَدَمْ
عقوبة الغراب
أخبرنا أبو إسحق الحبال، رحمه الله تعالى، فيما أجاز لنا، أخبرنا أبو الفرج محمد بن عمر الصدفي، أخبرنا أبو علي الحسين بن علي بن محمد بن رحيم، أخبرنا أبو بكر محمد بن إبراهيم بن عبد الله بن زوزان، حدثنا أبو زيد، أخبرنا إبراهيم بن الأزهر عن عبد الله بن محمد قال:
مررت في بعض سكك البصرة فسمعت استغاثة جارية تضرب، فتيممت الأبواب حتى وقفت على الباب الذي يخرج منه الصوت، فقلت: يا أهل الدار! أما تتقون الله؟ علام تضربون جاريتكم؟ فقيل لي: ادخل. فدخلت، فإذا أمرأة كأن عنقها إبريق فضة، جالسة على منصة، وبين يديها غراب مشدود، وفي يدها عصاً تضربه بها. قال: فكلما ضربت الغراب صاحت الجارية، فقلت: ما شأن هذا الغراب؟ فقالت لي: أما سمعت قول قيس بن ذريح حيث يقول:
ألا يا غُرَابَ البَينِ قد طِرْتَ بالّذي ... أُحَاذِرُ مِنْ لَيلى فَهَلْ أنتَ وَاقعُ
ألا وقع كما أمره؟ فقلت: إن هذا الغراب ليس هو ذاك الغراب. فقالت: نأخذ البريء بالسقيم حتى نظفر بحاجتنا.
''(2/117)''
موت عروة بن حزام
حدث أبو القاسم منصور بن جعفر بن محمد الصيرفي، حدثنا عبد الله بن جعفر عن المبرد، أخبرني مسعود بن بشر الأنصاري قال: وليت صدقات عذرة، فصرت إلى بلدهم، فإذا بشيء يختلج تحت ثوب، فأقبلت، فكشفت عنه، فإذا رجل لا يرى إلا رأسه، فقلت: ويحك! ما بك؟ فقال:
كأنّ قطاةً عُلّقَتْ بجنَاحِهَا ... عَلى كَبدي من شِدّةِ الخَفَقانِ
جَعَلتُ لعَرّافِ اليَمَامَةِ حُكمَه ... وَعَرّافِ حِجرٍ إن هُما شَفَياني
قال: ثم تنفس حتى ملأ ثوبه الذي كان فيه ثم خمد، فنظرت فإذا هو قد مات. فلم أرم حتى أصلحت من شأنه، وصليت عليه، فقال لي رجل: أتدري من هذا؟ قلت: لا! قال: هذا عروة بن حزام.
عيش غض وزمان مطاوع
أخبرنا أبو بكر أحمد بن علي الحافظ بدمشق، أخبرنا أبو علي محمد بن الحسين الجازري، حدثنا المعافى بن زكريا الجريري، حدثنا محمد بن يحيى الصولي قال: كنت عند ثعلب جالساً، فجاءه محمد بن داود الأصبهاني، فقال له: أهاهنا شيء من صبوتك؟ فأنشده:
سَقَى اللهُ أيّاماً لَنَا وَلَيَالِيَا ... لَهُنّ بأكْنَافِ الشّبَابِ مَلاعِبُ
إذِ العيشُ غضٌّ وَالزَمانُ مطاوِعٌ ... وَشَاهِدُ آفَاتِ المُحِبّينَ غَائِبُ
''(2/118)''
فتوى في الحب
وأخبرنا أحمد بن علي، أخبرنا أبو نعيم الحافظ، حدثنا سليمان بن أحمد الطبراني، أخبرني بعض أصحابنا قال: كتب بعض أهل الأدب إلى أبي بكر بن داود الفقيه الأصبهاني:
يا ابنَ داودَ، يا فَقيهَ العِرَاقِ ... أفتِنَا في قَواتِلِ الأحدَاقِ
هَلْ عليها القِصَاصُ في القتلِ يوْماً، ... أمْ حَلالٌ لَهَا دَمُ العُشّاقِ؟
فأجابه ابن داود:
عِندِي جَوَابُ مَسِائِلِ العُشّاقِ، ... فَاسمَعْهُ مِنْ قَلِقِ الحَشَا مُشتاقِ
لمّا سألتَ عَنِ الهَوَى أهلَ الهَوَى ... أجرَيتَ دَمعاً لَمْ يَكُنْ بِالرّاقي
أخطأتَ في نَفسِ السؤالِ، وَإن تُصِبْ ... بكَ في الهَوَى شَفَقاً مِنَ الأشفاقِ
لَوْ أنّ مَعشُوقاً يُعَذِّبُ عَاشِقاً، ... كَانَ المُعَذَّبُ أنْعَمَ العُشّاقِ
أبو العتاهية يعاتب عتبةَ
أخبرنا القاضي الشريف أبو الحسين بن المهتدي، رحمه الله تعالى، إجازة، حدثنا الشريف أبو الفضل بن المأمون، حدثنا أبو بكر بن الانباري، أنشدنا محمد بن المرزبان: أنشدني الحسن بن صالح الأسدي لأبي العتاهية:
سُبحَانَ جَبّارِ السّمَاءِ ... إنّ المُحِبّ لَفي عَنَاءِ
مَن لمْ يَذُقْ حُرَقَ الهَوَى، ... لم يَدْرِ مَا جُهدُ البَلاءِ
لَوْ كُنتُ أحسَبُ عَبرَتي ... لَوَجَدْتُهَا أنْهَارَ مَاءِ
''(2/119)''
كَمْ مِنْ صَدِيقٍ لي أُسا ... رِقُهُ البُكَاءَ مِنَ الحَيَاءِ
فإذَا تَفَطّنَ لامَني، ... فأقُولُ: مَا بي مِنْ بُكاءِ
لَكِنْ ذَهّبْتُ لأرْتَدِي، ... فَأصَبْتُ عَيْنيَ بالرّدَاءِ
حَتى أُشَكّكَهُ، فَيَس ... كُتَ عَنْ مَلامي وَالمِرَاءِ
يا عُتبَ! مَنْ لمْ يَبكِ لي ... مِمّا لَقيتُ مِنَ الشّقَاءِ
بَكَتِ الوُحُوشُ لرَحْمَتي، ... وَالطّيرُ في جوّ السّمَاءِ
وَالجِنُّ عُمّارُ البُيُو ... تِ، بَكَوْا، وَسكّانُ الهَوَاءِ
وَالنّاسُ، فَضْلاً عَنْهُمُ، ... لَمْ تَبكِ إلاّ بالدّمَاءِ
يا عَتبَ! إنّكِ لَوْ شَهِدْ ... تِ عليّ وَلْوَلَةَ النّسَاءِ
وَمُوَجَّهاً مُسْتَرْسلاً ... بَينَ الأحِبّةِ للقَضاءِ
لَجَزَيتنِي غَيرَ الّذِي ... قَد كانَ منكِ من الجَزَاءِ
أفَمَا شَبِعتِ، وَلا رَوِي ... تِ منَ القَطيعَةِ وَالجَفَاءِ
لِمْ تَبخَلِينَ عَلى فَتىً ... مَحضِ المَوَدّةِ وَالصّفَاءِ؟
وفيها أبيات اختصرتها.
يا حبذا بلداً حلته
أخبرنا أبو القاسم عبيد الله بن عمر بن شاهين، حدثنا أبي، حدثنا محمد بن الحسن بن دريد الأزدي: حدثنا عبد الرحمن ابن أخي الأصمعي عن عمه يعني الأصمعي لنائل ابن أبي حليمة أحد بني بزوان من بني أسد:
إني أرِقتُ، وَسارِي اللّيلِ قد هَجَدَا، ... وَالنّجمُ يَنهَضُ في مِرْقاتِهِ صُعُدَا
''(2/120)''
وَما أرِقتُ بحَمدِ اللهِ مِنْ وَصَبٍ ... وَمَا شَكَوْتُ وَرَبي مُنعِمٌ أبَدا
طافَتْ طَوَائِفُ من ذِكرَاكِ عَاتِيَةٌ، ... مُخَالِطٌ حُبُّهَا الأحشَاءَ وَالكَبِدَا
ما تأمُرِين بكَهلٍ قَد عَرضْتِ لَهُ، ... واللهِ مَا وَجَدَ النَّهدِيُّ مَا وَجَدَا
أمّا الفُؤادُ فأمسَى مُقصَداً كَمِداً، ... مِنْ أجلِ مَنْ لا تُداني دارَهُ أبَدَا
مِنْ أجلِ جَارِيَةٍ إني أُكَاتِمُهَا ... حَتى أمُوتَ، وَلَمْ أُخبِرْ بها أحَدَا
مَنْ يَمُوتُ وَلَمْ يُخبرْ بقَاتِلِهِ ... فَلا إخَالُ لَهُ عَقلاً، وَلا قَوَدا
وَهاجَني صُرَدٌ في فَرْعِ غَرْقَدَةٍ؛ ... إناّ إلى رَبّنَا، مَا أشأمَ الصُّرَدا
مَا زَالَ يَنْتِفُ رِيشاً مِنْ قَوَادِمِهِ، ... ويَرْجُفُ الرّيشُ حتى قلتُ قد سجدَا
تَحَقّقَ البَينُ مِنْ لُبنى وَجَارَتِها، ... يا بَرْحَ عَيْنيَ إنْ كانَ الفِرَاقُ غدَا
تَمشي الهُوَينَا إلى الأترَابِ إن فَعَلتْ ... عومَ الغَدِيرِ زَهَتهُ الرّيحُ فَاطّرَدَا
تَجلُو بأخضَرَ مِنْ نَعمَانَ يَصْحَبُه ... قَبلَ الشّرَابِ بكَفّ رَخصَةٍ بَردَا
يُضَمَّنُ المِسكُ وَالكَافُورُ ذا غُدُرٍ ... مِثلِ الأسَاوِدِ لا سَبطاً وَلا قِدَدَا
حَلّتْ بأطيبَ نجدٍ نَهرَهُ، عَلِمَتْ، ... يَا حَبّذا بَلَداً حَلّتْ بِهِ بَلَدَا
''(2/121)''
قتيلهن شهيد
ووجدت على ظهر جزء بن شاهين هذين البيتين:
يَقولُونَ جاهد يا جَميلُ بغَزْوَةٍ، ... وَأيّ جِهَادٍ غَيركُنّ أُرِيدُ
لكلّ حَديثٍ عِنْدَكُنّ بَشاشَةٌ، ... وكُلُّ قَتيلٍ بَينَكُنّ شَهيدُ
عاشق لي أو لمن؟
أنبأنا الرئيس أبو علي محمد بن وشاح الكاتب، أخبرنا المعافى بن زكريا الجريري إجازة، حدثنا محمد بن محمد بن يحيى الصولي، حدثنا عون بن محمد الكندي قال: خرجت مع محمد بن أبي أمية إلى ناحية الجسر ببغداد، فرأى فتىً من ولاد الكتاب جميلاً، فمازحه، فغضب وهدده، فطلب من غلامه دواته وكتب من وقته:
دونَ بابِ الجِسرِ دارٌ لِفَتى، ... لا أُسَمّيهِ وَمَنْ شَاءَ فَطَنْ
قَالَ كَالمَازِحِ، وَاستَعلَمَني: ... أنتَ صَبٌّ عَاشِقٌ لي، أوْ لمَنْ؟
قلتُ: سَلْ قَلبَكَ يخبرْكَ به، ... فَتَحَايَا بَعدَمَا كانَ مَحَنْ
حُسنُ ذاكَ الوَجهِ لا يُسلِمُني، ... أبداً مِنهُ، إلى غَيرِ حَسَنْ
ثم دفع الرقعة إليه، فاعتذر وحلف أنه لم يعرفه.
''(2/122)''
أبو العتاهية وعتبة
أخبرنا القاضي أبو الحسين بن المهتدي، رحمه الله تعالى، إجازة إن لم يكن سماعاً، حدثنا أبو الفضل محمد بن الحسن بن الفضل الهاشمي، أنشدنا أبو بكر بن الأنباري، حدثني محمد بن المرزبان، حدثني إسحق بن محمد، حدثنا محمد بن سلام قال:
قدم أبو العتاهية من الكوفة إلى بغداد، وهو خامل الذكر، لا يعرف، فمدح المهدي بشعر، فلم يجد من يوصله إليه، فكان يطلب سبباً يشتهر به، ويعرف من جهته، فيوصله إلى المهدي، فاجتازت به يوماً عتبة راكبةً مع عدة من جواريها وحشمها، فكلمها واستوقفها، فلم تكلمه، لم تقف عليه، وأمرت غلمانها بتنحيته، فأنشأ يقول:
يا عُتْبَ! مَا شاني وَمَا شانُكِ، ... تَرَفّقي، سِتّي، بسُلطَانِكِ
أخَذْتِ قَلْبي هَكَذا عَنوَةً ... ثمّ شَدَدْتِيهِ بأشْطَانِكِ
اللهَ في قَتلِ فَتىً مُسْلِمٍ ... مَا نَقَضَ العَهدَ وَما خانَكِ
حَرَمْتنِي مِنكِ دُنُوّاً، فَيَا ... وَيْلِيَ، ما لي وَلحِرْمَانِكِ
يا جَنّةَ الفِرْدوْسِ جودي، فَقد ... طَابَتْ ثَنَايَاكِ وَأرْدَانُكِ
''(2/123)''
البيت يعرفهن لو يتكلم
وبإسناده: أنشدني أبي وأبو الحسن بن البر لعمر بن بي ربيعة:
لَبِثُوا ثَلاثَ مِنى بمَنزِلِ قَلعَةٍ، ... فَهُمُ على عِرْضٍ، لعَمرُكَ ما همُ
مُتَجاوِرِينَ بغَيرِ دَارِ إقَامَةٍ، ... لَوْ قد أجَدّ تَرَحّلٌ لَم يَندَمُوا
وَلَهُنّ بالبَيتِ العَتيقِ لُبَانَةٌ، ... وَالبَيتُ يَعرِفُهُنّ لَوْ يَتَكَلّمُ
لَوْ كانَ حَيّاً قَبلَهُنّ ظَعَائِناً، ... حَيّا الحَطيمُ وُجوهَهُنّ وزَمزَمُ
لَكِنّهُ مِمّا يُطِيفُ بِرُكْنِهِ، ... مِنهنّ، صَمّاءُ الصّدى مُستَعجِمُ
وكأنهّنّ، وَقد صَدَرْنَ عَشِيّةً، ... دُرٌّ بأكنَافِ الحَطيمِ مُنّظَّمُ
الحب لا يعلق إلا الكرام
أخبرنا القاضي أبو الحسين بن المهتدي فيما أجاز لنا، حدثنا الشريف أبو الفضل محمد بن الحسين بن الفضل الهاشمي، حدثنا أبو بكر بن الأنباري، حدثني أبي، حدثنا الحسن بن عبد الرحمن، حدثنا محمد بن أبي أيوب: اجتمع أبو نواس والعباس بن الأحنف، فاستنشد أبو نواس العباس، فأنشده:
حُبُّ الحِجازِيَّةِ أبلى العِظامْ، ... وَالحبُّ لا يَعلقُ إلاّ الكِرَامْ
''(2/124)''
سَيّدَتي، سَيّدَتي! إنّهُ ... ليسَ لِما بالعاشِقينَ اكتِتَامْ
سَيّدَتي، سَيّدَتي! إنّني ... أعجزُ عن حمل البلايا العظامْ
سَيّدَتي، سَيّدَتي! فاسمعي ... دعوَةَ صَبٍّ عاشقٍ مستهامْ
ومر في أبيات كثيرة أول كل بيت سيدتي سيدتي، فقال له أبو نواس: لقد خضعت لهذه المرأة خضوعاً، ظننت معه أنك تموت قبل تمام القصيدة.
يزيد بن معاوية وعمارة المغنية
أخبرنا أبو علي محمد بن الحسين الجازري إن لم يكن سماعاً فإجازة، حدثنا المعافى بن زكريا الجريري، حدثنا أبو النضر العقيلي، حدثني عبد الله بن أحمد بن حمدون النديم عن أبي بكر العجلي عن جماعة من مشايخ قريش من أهل المدينة قالوا: كانت عند عبد الله بن جعفر جارية مغنية يقال لها عمارة، وكان يجد بها وجداً شديداً، وكان لها نمه مكان لم يكن لأحد من جواريه، فلما وفد عبد الله بن جعفر على معاوية خرج بها معه فزاره يزيد، ذات يوم، فأخرجها إليه، فلما نظر إليها، وسمع غناءها، وقعت في نفسه، فأخذه عليها ما لا يملكه، وجعل لا يمنعه من أن يبوح بما يجد بها إلا مكان أبيه مع يأسه من الظفر بها، فلم يزل يكاتم الناس أمرها إلى أن مات معاوية، وأفضى الأمر إليه، فاستشار بعض من قدم عليه من أهل المدينة وعامة من يثق به في أمرها، وكيف الحيلة فيها، فقيل له: إن أمر عبد الله بن جعفر لا يرام، ومنزلته من الخاصة والعامة ومنك ما قد علمت؛ وأنت لا تستجيز إكراهه، وهو لا يبيعها بشيء أبداً، وليس يغني في هذا إلا الحيلة، فقال: انظروا لي رجلاً عراقياً له أدب وظرف ومعرفة، فطلبوه،
''(2/125)''
فأتوه به، فلما دخل رأى بياناً وحلاوةً وفهماً، فقال يزيد: إني دعوتك لأمر إن ظفرت به فهو حظك آخر الدهر ويد أكافئك عليها إن شاء الله تعالى؛ ثم أخبره بأمره، فقال له: عبد الله بن جعفر ليس يرام ما في قلبه إلا بالخديعة، ولن يقدر أحد على ما سألت، فأرجو أن أكونه، والقوة بالله، فأعني بالمال. قال: خذ ما أحببت.
فأخذ من طرف الشام وثياب مصر، واشترى متاعاً للتجارة من رقيق ودواب وغير ذلك، ثم شخص إلى المدينة، فأناخ بعرصة عبد الله بن جعفر، واكترى منزلاً إلى جانبه، ثم توسل إليه وقال: إني رجل من أهل العراق قدمت بتجارة وأحببت أن أكون في عز جوارك وكنفك إلى أن أبيع ما جئت به، فبعث عبد الله بن جعفر إلى قهرمانه أن أكرم الرجل، ووسع عليه في نزوله.
فلما اطمأن العراقي سلم عليه أياماً وعرفه نفسه، وهيأ له بغلةً فارهةً، وثياباً من ثياب العراق وألطافاً، فبعث بها إليه، وكتب معها: يا سيدي! إني رجل تاجر، ونعم الله علي سابغة، وقد بعثت إليك بشيء من تحف وكذا من الثياب والعطر، وبعثت ببغلة خفيفة العنان، وطيئة الظهر، فاتخذها لرجلك، فأنا أسألك بقرابتك من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ألا قبلت هديتي ولم توحشني بردها، إني أدين الله تعالى بحبك وحب أهل بيتك، وإن أعظم أملي في سفرتي هذه أن أستفيد الأنس بك والتحرم بمواصلتك.
فأمر عبد الله بقبض هديته، وخرج إلى الصلاة، فلما رجع مر بالعراقي في منزله، فقام إليه، وقبل يده، واستكثر منه، فرأى أدباً وظرفاً وفصاحةً، فأعجب به وسر بنزوله عليه، فجعل العراقي في كل يوم
''(2/126)''
يبعث إلى عبد الله بلطف تطرفه، فقال عبد الله: جزى الله ضيفنا هذا خيراً، فقد ملأنا شكراً، وما نقدر على مكافأته.
فإنه لكذلك إلى أن دعاه عبد الله، ودعا بعمارة في جواريه، فلما طاب لهما المجلس، وسمع غناء عمارة، تعجب، وجعل يزيد في عجبه، فلما رأى ذلك عبد الله سر به إلى أن قال له: هل رأيت مثل عمارة! قال: لا والله يا سيدي ما رأيت مثلها، وما تصلح إلا لك، وما ظننت أن يكون في الدنيا مثل هذه الجارية، حسن وجه، وحسن عمل، قال: فكم تساوي عندك؟ قال: ما لها ثمن إلا الخلافة؟ قال: تقول هذا لتزين لي رأياً فيها وتجتلب سروري؟ قال له: يا سيدي، والله، إني لأحب سرورك، وما قلت لك إلا الجد، وبعد فإني تاجر أجمع الدراهم إلى الدرهم، طلباً للربح، ولو أعطيتها بعشرة آلاف دينار لأخذتها. فقال له عبد الله: عشرة آلاف؟ قال: نعم! ولم يكن في لك الزمان جارية تعرف بهذا الثمن. فقال له عبد الله: أنا أبيعكها بعشرة آلاف. قال: قد أخذتها. قال: هي لك، قال: قد وجب البيع، وانصرف العراقي.
فلما أصبح عبد الله لم يشعر إلا بالمال قد جيء به، فقيل لعبد الله: قد بعث العراقي بعشرة آلاف دينار، وقال: هذا ثمن عمارة، فردها، وكتب إليه: إنما كنت أمزح معك، ومما أعلمك أن مثلي لا يبيع مثلها. فقال له: جعلت فداءك! إن الجد والهزل في البيع سواء. فقال له عبد الله: ويحك! ما أعلم جاريةً تساوي ما بذلت، ولو كنت بائعها من أحد لآثرتك، ولكني كنت مازحاً، وما أبيعها بملك الدنيا لحرمتها بي وموضعها من قلبي. فقال العراقي: إن كنت مازحاً، فإني كنت جاداً، وما اطلعت على ما في نفسك وقد ملكت الجارية، وبعثت إليك بثمنها، وليس تحل لك، وما لي من أخذها من بد. فمانعه إياها، فقال له: ليست لي بينة، ولكني أستحلفك عند قبر رسول الله {{ص}}، ومنبره.
''(2/127)''
فلما رأى عبد الله الجد قال: بئس الضيف أنت، ما طرقنا طارق، ولا نزل بنا نازل أعظم بليةً منك، أتحلفني فيقول الناس: اضطهد عبد الله ضيفه وقهره وألجأه إلى أن استحلفه؟ أما والله ليعلمن الله، عز وجل، أني سأبليه، في هذا الأمر، الصبر وحسن العزاء.
ثم أمر قهرمانه بقبض المال منه، وبتجهيز الجارية بما يشبهها من الخدم والثياب والطيب، فجهزت بنحو من ثلاثة آلاف دينار، وقال: هذا لك ولك عوضها مما ألطفتنا، والله المستعان.
فقبض العراقي الجارية وخرج بها، فلما برز من المدينة قال لها: يا عمارة! إني، والله، ما ملكتك قط، ولا أنت لي، ولا مثلي يشتري دارية بعشرة آلاف دينار، وما كنت لأقدم على ابن عم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فأسلبه أحب الناس إليه لنفسي، ولكني دسيس من يزيد بن معاوية، وأنت له وفي طلبك بعث بي فاستتري مني، وإن داخلني الشيطان في أمرك، أو تاقت نفسي إليك فامتنعي.
ثم مضى بها حتى ورد دمشق، فتلقاه الناس بجنازة يزيد، وقد استخلف ابنه معاوية بن يزيد، فأقام الرجل أياماً، ثم تلطف للدخول عليه، فشرح له القصة، ويروى أنه لم يكن أحد من بني أمية يعدل بمعاوية بن يزيد في زمانه نبلاً ونسكاً، فلما أخبره قال: هي لك وكل ما دفعه إليك من أمرها فهو لك، وارحل من يومك، فلا أسمع بخبرك في شيء من بلاد الشام.
فرحل العراقي ثم قال للجارية: إني قلت لك ما قلت حين خرجت بك من المدينة، فأخبرتك أنك ليزيد، وقد صرت لي، وأنا أشهد الله أنك لعبد الله بن جعفر، وإني قد رددتك عليه، فاستتري مني.
ثم خرج بها حتى قدم المدينة، فنزل قريباً من عبد الله، فدخل عليه بعض خدمه فقال له: هذا العراقي ضيفك الذي صنع بنا ما صنع، وقد
''(2/128)''
نزل العرصة، لا حياه الله، فقال عبد الله: مه! أنزلوا الرجل وأكرموه.
فلما استقر بعث إلى عبد الله: جعلت فداءك! إن رأيت أن تأذن لي أذنةً خفيفةً لأشافهك بشيء فعلت. فأذن له، فلما دخل سلم عليه، وقبل يده، فقربه عبد الله، ثم اقتص عليه القصة، حتى إذا فرغ قال: قد والله وهبتها لك قبل أن أراها، وأضع يدي عليها، فهي لك، ومردودة عليك. وقد علم الله تعالى أني ما رأيت لها وجهاً إلا عندك. فبعث إليها، فجاءت وجاء بما جهزها به موفراً، فلما نظرت إلى عبد الله خرت مغشياً عليها، وأهوى إليها عبد الله فضمها إليه.
وخرج العراقي وتصايح أهل الدار: عمارة عمارة، فجعل عبد الله يقول، ودموعه تجري: أحلم هذا، أحق هذا؟ ما أصدق بهذا. فقال له العراقي: جعلت فداءك! قد ردها عليك إيثارك الوفاء وصبرك على الحق وانقيادك له. فقال عبد الله: الحمد لله، اللهم إنك تعلم أني تصبرت عنها، وآثرت الوفاء، وأسلمت لأمرك، فرددتها علي بمنك، فلك الحمد! ثم قال: يا أخا العراق ما في الأرض أعظم منةًَ منك، وسيجازيك الله تعالى.
وأقام العراقي أياماً، وباع عبد الله غنماً له بثلاثة عشر ألف دينار، وقال لقهرمانه: احملها إليه، وقل له: اعذر، واعلم أني لو وصلتك بكل ما أملك لرأيتك أهلاً لأكثر منه، فرحل العراقي محموداً وافر العرض والمال.
''(2/129)''
سكينة وعروة بن أذينة
وأخبرنا محمد، حدثنا المعافى، حدثنا محمد بن القاسم الأنباري، حدثنا محمد بن يحيى النحوي، حدثنا عبيد الله بن شبيب عن عمر بن عثمان قال: مرت سكينة بعروة بن أذينة، وكان تنسك، فقالت له: يا أبا عامر! ألست القائل:
إذا وَجَدتُ أذىً للحبّ في كَبِدي ... أقبَلتُ نَحوَ سِقاءِ القَوْمِ أبترِدُ
هَبني ابترَدتُ ببَرْدِ الماءِ ظاهرَهُ، ... فمَن لنَارٍ على الأحشاءِ تَتّقِد ُ
أو لست القائل:
قالت، وأبثَثتُها سرّي فبُحتُ بهِ: ... قد كُنتَ عندي تُحبّ السَّترَ فاستَترِ
ألَستَ تُبصِرُ مَن حَوْلي؟ فقلتُ لها: ... غَطّى هَوَاكِ، ومَا ألقَى، على بصرِي
ثم قالت: هؤلاء أحرار إن كان هذا خرج من قلب سليم.
رقية حميرية
وجدت بخط شيخي أبي عبد الله الحسين بن الحسن الأنماطي في مجموع له بخطه قال: وحكى بعضهم عن شيخ من أهل اليمن أنه وجد في كتاب بالمسند، وهي لغة حمير، كلاماً كانت حمير ترقي به العاشق، فيسلو. وهو:
ما أحسَنَتْ سَلمَى إليكَ صَنيعَا، ... تَرَكَتْ فؤادَكَ بالفِرَاقِ مَرُوعا
قال: فحدثت بهذا الحديث كاهنةً كانت هناك، فلما كان من غد ذلك اليوم، لقيتني فقالت: إني رأيت البارحة الشعر يحتاج أن يقلب كلامه وحروفه، حتى يسلو به العاشق. قلت: فكيف يقلب كلامه؟ قالت: يقول مروعاً بالفراق فؤادك تركت صنيعاً إليك سلمى. أحسنت ما.
''(2/130)''
أمثل هذا يبتغي وصلنا؟
أخبرنا أحمد بن علي الوراق بصور، حدثنا أبو الحسن علي بن الحسين بن أحمد التغلبي بدمشق، حدثنا عبد الرحمن بن عمر بن نصر، حدثنا الزجاجي، حدثنا الأخفش، حدثني أبي عن أبيه قال: خرجت إلى سر من رأى في بعض حاجاتي فصحبني رجل في الطريق، فقال: ألا أنشدك شيئاً من شعري؟ قلت: بلى، فأنشدني:
وَيلي على سَاكِنِ شَطِّ الصَّرَاهْ، ... مَرّرَ حُبِّيهِ عَليّ الحَيَاهْ
مَا يَنْقَضِي مِنْ عَجَبٍ فِكرَتي، ... في خَلّةٍ قَصّرَ فِيها الوُلاهْ
تَرْكُ المُحبّينَ بِلا حَاكِمٍ، ... لَمْ يَنصبُوا للعَاشِقينَ القُضَاهْ
أما، وَمَنْ أصْبَحتُ عَبداً لَهُ، ... وَمَنْ لَهُ في كُلّ أُفْقٍ رُعَاهْ
لَوْ أنّني مَلَكْتُ أمرَ الهَوَى، ... مَلأتُ بالضّرْبِ ظُهُورَ الوُشَاهْ
حَتى إذا قَطّعتُ أبْشَارَهُمْ، ... قَعَدءتُ أقْضِي للفَتى بالفَتاهْ
لَقَدْ أتَاني عَجَبٌ رَاعَني ... مَقَالُهَا للقَوْمِ: يا ضَيعَتَاهْ
أمِثلُ هَذَا يَبْتَغِي وَصْلَنَا؟ ... أمَا يَرَى ذَا وَجْهَهُ في المِرَاهْ؟
فقلت: من أنت؟ قال: أنا القصافي الشاعر.
''(2/131)''
الأخوات الثلاث وكتابهن
أخبرنا محمد بن الحسين الجازري، حدثنا المعافى بن زكريا، حدثني الحسين بن القاسم الكوكبي، حدثنا أحمد بن زهير بن حرب أبي خيثمة، أخبرنا الزبير بن بكار، حدثني مصعب عمي قال: ذكر لي رجل من أهل المدينة أن رجلاً خرج حاجاً، فنزل تحت سرحة في بعض الطريق، بين مكة والمدينة، فنظر إلى كتاب معلق على السرحة فيه، بسم الله الرحمن الرحيم، أيها الحاج القاصد بيت الله تعالى! إن ثلاث أخوات خلون يوماً فبحن بأهوائهن، وذكرن أشجانهن، فقالت الكبرى:
عَجبتُ له إذ زَارَ في النّومِ مَضْجَعي، ... وَلَوْ زَارَني مُستَيقظاَ كَانَ أعجَبَا
وقالت الوسطى:
وَمَا زَارَني في النّوْم إلاّ خَيَالُهُ، ... فقلتُ لهُ: أهلاً وَسَهلاً وَمَرْحَبَا
وقالت الصغرى:
بِنَفسِي وَأهلي مَنْ أرَى كُلَّ لَيْلَةٍ ... ضَجيعي، وَرَيّاهُ مِنَ المِسكِ أطيَبَا
وفي اسفل الكتاب مكتوب: رحم الله امرأً نظر في كتابنا، وقضى بالحق بيننا، ولم يجر في القضية.
قال: فأخذ الكتاب فتىً، فكتب في أسفله:
أُحَدّثُ عَنْ حُورٍ تَحَدّثنَ مَرّةً، ... حديثَ امرِئٍ سَاسَ الأمورَ وَجَرّبَا
ثَلاثٍ كَبَكْرَاتِ الهِجَانِ عَطابلٍ، ... نَوَاعِمَ يَغلِبنَ اللّبِيبَ المُشَبِّبَا
''(2/132)''
خَلَوْنَ، وقد غابَتْ عُيُونٌ كَثيرَةٌ، ... مِنَ اللاّءِ قَد يَهوَينَ أنْ يَتَغَيَّبَا
فَبُحنَ بمَا يُخفِينَ من لاعجِ الهَوَى، ... معاً، واتّخّذنَ الشّعرَ مَلهىً وَمَلعَبا
عَجبتُ له إذ زَارَ في النّوْمِ مضجعي، ... ولَوْ زَارَني مُستَيقظاً كَانَ أعْجَبَا
عمر وجميل وبثينة
أخبرنا محمد بن الحسين، حدثنا المعافى بن زكريا، حدثنا إبراهيم بن محمد بن عرفة الأزدي، حدثنا أحمد بن يحيى عن أبي عبد الله القرشي قال: خرج عمر بن أبي ربيعة إلى الجباب، حتى إذا كان بالجباب لقيه جميل بن معمر، فاستنشده عمر بن أبي ربيعة، فأنشده كلمته التي يقول فيها:
خَلِيليّ في ما عِشتُما هَلْ رَأيتُما ... قَتيلاً بكَى من حبّ قاتِلِهِ قَبلي
ثم استنشده جميل، فأنشده قافيته التي أولها:
عَرَفتُ مَصيفَ الحَيّ وَالمُترَبَّعَا
حتى بلغ إلى قوله:
وَقَرّبنَ أسبَابَ الهَوَى لمُتَيَّمٍ ... يَقيسُ ذرَاعاً قِسنَ إصْبَعَا
فصاح جميل واستحيا، وقال: لا والله ما أحسن أن أقول مثل هذا. فقال له عمر: اذهب بنا إلى بثينة لنتحدث عندها؟ فقال له: إن الأمير قد أهدر دمي متى جئتها، قال: دلني علي أبياتها؟! فدله، ومضى حتى وقف على الأبيات، وتأنس، وتعرف، ثم قال: يا جارية أنا عمر بن أبي ربيعة، فأعلمي بثينة مكاني! فأعلمتها، فخرجت إليه فقالت: لا والله يا عمر! ما أنا من نسائك اللاتي تزعم أن قد قتلهن الوجد بك. قال:
''(2/133)''
وإذا امرأة طوالة أدماء حسناء، فقال لها عمر: فأين قول جميل:
وَهُما قالَتا: لَو أنّ جَميلاً ... عَرَضَ اليَوْمَ نَظرَةً فَرَآنَا
نَظَرَتْ نَحوَ تِرْبِها ثمّ قالَتْ: ... قَد أتَانَا، ومَا عَلِمنَا، مُنَانَا
بَينَمَا ذاكَ مِنهُمَا رَأتَاني ... أُعمِلُ النّصّ سَيرَةً زَفَيَانَا
فقالت له: لو استمد جميل منك ما أفلح، وقد قيل: اشدد البعير مع الفرس إن تعلم جرأته وإلا تعلم من خلقه.
العجوز وبنتها الجميلة
أخبرنا أبو الحسين أحمد بن علي التوزي، حدثنا أبو القاسم إسماعيل بن سعيد بن سويد المعدل، حدثنا علي أبو الحسين بن القاسم الكوكبي، حدثنا أبو أمية الغلابي، أخبرني محمد بن أفلح السدوسي، أخبرني سوادة بن الحسين قال: خرجت أنا وصاحب لي نبغي ضالةً لنا، فألجأنا الحر إلى أخبية، فدنونا من خباء منها، فإذا عجوز بفنائه، فسلمنا، فردت السلام، ثم جلسنا نتناشد الأشعار. فقالت العجوز: هل فيكم من يروي لذي الرمة شيئاً؟ قلنا: نعم! قالت: قاتله الله حيث يقول:
وَما زَالَ يَنمي حبُّ مَيّةَ عِندنَا ... وَيَزْدادُ حتى لم نَجِدْ مَا يَزِيدُها
ثم ولت، واطلعت علينا من الخباء بهكنة كأنها شقة قمر، فقالت: إنها والله ما قالت شيئاً وإن أشعر منه الذي يقول:
وَرَخْصَةِ الأطرَافِ مَمكُورَةٍ ... تَحسَبُها مِنْ حُسنِها لُؤلُؤهْ
''(2/134)''
كَأنّهَا بَيْضَةُ أُدْحِيّةٍ، ... أرْخَى عَلَيها هِقْلُها جُؤْجُؤْهْ
قال: فأقبلت على صاحبي متعحباً من حالها، فقالت: مم تعجب؟ فقلت: من جمالك. قالت: فوالله لو رأيت بنيةً لي رأيت ما لم يخطر على قلبك من حسن امرأة. قلت: فأرينيها! قالت: إنه يقبح ذلك. قلت: إنما نريد أن نستتم الحديث، ولعلنا أن لا نلتقي أبداً.
قال: فأشارت إلى جانب الخباء، فسفرت منه جارية كأنها الشمس، فبهتنا ننظر إليها ثم أسبلت الستر، فكان آخر العهد بها.
أحيا الناس جميعاً
أنبأنا الشيخ الصالح أبو طالب محمد بن علي بن الفتح، أخبرنا أبو الحسين محمد ابن أخي ميمي، حدثنا جعفر الخالدي، حدثنا أحمد بن محمد بن مسروق، حدثنا محمد الحسين البرجلاني، حدثني أشرس بن النعمان، حدثني الجزري، حدثني موسى بن علقمة المكي قال: كان عندنا ههنا بمكة نخاس، وكانت له جارية، وكان يوصف من جمالها وكمالها أمر عجيب، وكان يخرجها أيام الموسم، فتبذل فيها الرغائب، فيمتنع من بيعها، ويطلب الزيادة في ثمنها، فما زال كذلك حينا، وتسامع بها أهل الأمصار، فكانوا يحجون عمداً للنظر إليها.
قال: وكان عندنا فتىً من النساك قد نزع إلينا من بلده، وكان مجاوراً عندنا، فرأى الجارية يوماً، في أيام العرض لها، فوقعت في نفسه، وكان يجيء أيام العرض، فينظر إليها، وينصرف. فلما حجبت أحزنه ذلك، وأمرضه مرضاً شديداً، فجعل يذوب جسمه، وينحل، واعتزل الناس، فكان يقاسي البلاء طول السنة إلى أيام الموسم، فإذا خرجت الجارية
''(2/135)''
إلى العرض خرج فنظر إليها فسكن ما به، حتى تحجب. فبقي على ذلك سنين، ينحل ويذبل، وصار الخلال من شدة الوله وطول السقم. قال: فدخلت عليه يوماً، ولم أزل به، وألح عليه، إلى أن حدثني بحديثه، وما يقاسيه، وسأل أن لا أذيع عليه ذلك، ولا يسمع به أحد، فرحمته لما يقاسي، وما صار إليه، فدخلت إلى مولى الجارية، ولم أزل أحادثه، إلى أن خرجت إليه بحديث الفتى، وما يقاسي، وما صار إليه، وأنه على حالة الموت، فقال: قم بنا إليه حتى أشاهده وأنظر حاله.
فقمنا جميعاً فدخلنا عليه، فلما دخل مولى الجارية ورآه وشاهده، وشاهد ما هو عليه لم يتمالك أن رجع إلى داره، فأخرج ثياباً حسنة سرية، وقال: أصلحوا فلانة، ولبسوها هذه الثياب، واصنعوا بها ما تصنعون لها أيام الموسم، ففعلوا بها ذلك، فأخذ بيدها، وأخرجها إلى السوق، ونادى في الناس، فاجتمعوا، فقال: معاشر الناس! اشهدوا أني قد وهبت جاريتي فلانة لهذا وما عليها ابتغاء ما عند الله. ثم قال للفتى: تسلم هذه الجارية فهي هدية مني إليك بما عليها، فجعل الناس يعذلونه ويقولون: ويحك! ما صنعت؟ قد بذل لك فيها الرغائب، فلم تبعها، ووهبتها لهذا؟ فقال: إليكم عني، فإني قد أحييت كل من على وجه الأرض، قال الله تعالى: " ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعاً ".
تضحية محمودة
حدثنا الخطيب بدمشق، أخبرني محمد بن أحمد بن يعقوب، حدثنا محمد بن يعقوب الضبي، سمعت أمي تقول، سمعت مريم امرأة أبي عثمان تقول:
صادفت من أبي عثمان خلوةً، فاغتنمتها، فقلت: يا أبا عثمان! أي عملك أرجى عندك؟ فقال: يا مريم! لما ترعرعت، وأنا بالري،
''(2/136)''
وكانوا يريدونني على التزويج، فأمتنع، جاءتني امرأة فقالت: يا أبا عثمان! قد أحببتك حباً ذهب بنومي وقراري، وأنا أسألك بمقلب القلوب، وأتوسل إليك به أن تتزوج بي. قلت: ألك والد؟ قالت: نعم، فلان الخياط، في موضع كذا وكذا، فراسلت أباها أن يزوجها إياي، ففرح بذلك وأحضر الشهود، فتزوجت بها. فلما دخلت بها وجدتها عوراء عرجاء مشوهة الخلق، فقلت: اللهم لك الحمد على ما قدرته لي.
فكان أهل بيتي يلومونني على ذلك، فأزيدها براً وإكراماً، إلى أن صارت بحيث لا تدعني أخرج من عندها، فتركت حضور المجلس إيثاراً لرضاها، وحفظاً لقلبها، ثم بقيت معها على هذه الحال خمس عشرة سنة، وكأني في بعض أوقاتي على الجمر، وأنا لا أبدي لها شيئاً من ذلك إلى أن ماتت، فما شيء أرجى عندي من حفظي عليها ما كان في قلبها من جهتي.
ابن داود وابن سريج والظهار
أخبرنا أبو بكر الخطيب، حدثنا التنوخي، حدثنا أبي، حدثني أبو العباس أحمد بن عبد الله بن أحمد بن إبراهيم بن البختري القاضي الداودي، حدثني أبو الحسن عبد الله بن أحمد، حدثني أبو الحسن عبد الله بن أحمد بن محمد الداودي قال: كان أبو بكر محمد بن داود وأبو العباس بن سريج، إذا حضرا مجلس القاضي أبي عمر، يعني محمد بن يوسف، لم يجر بين اثنين في ما يتفاوضان أحسن مما يجري بينهما، وكان ابن سريج كثيراً ما يتقدم أبا بكر في الحضور إلى المجلس، فتقدمه في الحضور أبو بكر يوماً، فسأله حدث من الشافعين عن العود الموجب للكفارة في الظهار ما هو؟ فقال: إنه إعادة القول ثانياً، وهو مذهبه، ومذهب داود، فطالبه بالدليل، فشرع فيه،
''(2/137)''
ودخل ابن سريج، فاستشرحهم ما جرى، فشرحوه، فقال ابن سريج لابن داود: أولاً يا أبا بكر أعزك الله! هذا قول، مَن من المسلمين تقدمكم فيه؟ فاستشاط أبو بكر من ذلك، وقال: أتقدر أنّ من اعتقدت أن قولهم إجماع في هذه المسألة، إجماع عندي؟ أحسن أحوالهم أن أعدهم خلافاً، وهيهات أن يكونوا كذلك. فغضب ابن سريج وقال له: أنت يا أبا بكر بكتاب الزهرة أمهر منك في هذه الطريقة. فقال أبو بكر: وبكتاب الزهرة تعيرني! والله ما تحسن تستتم قراءته قراءة من يفهم، وإنه من أحد المناقب إذ كنت أقول فيه:
أُكَرّرُ في رَوْضِ المَحَاسنِ مُقلَتي، ... وَأمنَعُ نَفسِي أنْ تَنَالَ المُحَرَّمَا
رَأيتُ الهَوَى دَعوَى من الناس كلّهم، ... فَمَا إنْ أرَى حُبّاً صَحِيحاً مُسلَّمَا
وَيَنطِقٌ سِرّي عَن مُتَرْجَمِ خاطرِي، ... فَلَوْلا اختِلاسٌ رَدَّهُ لَتَكَلّمَا
؟
يكتب إلى روحه
أخبرنا الأزجي، حدثنا علي بن عبد الله: كتب الحسين بن منصور إلى أخبرنا بن عطاء: أطال الله لي حياتك، وأعدمني وفاتك، على ما أحسن ما جرى به قدر، أو نطق به خبر، مع ما أنّ لك في قلبي من لواعج أسرار محبتك، وأفانين ذخائر مودتك، ما لا يترجمه كتاب، ولا يحصيه حساب، ولا يفنيه عتاب، وفي ذلك أقول:
كَتَبتُ، وَلَمْ أكتُبْ إلَيكَ، وَإنّمَا ... كَتَبتُ إلى رُوحي بِغَيرِ كِتابِ
وَذلكَ أنّ الرّوحَ لا فَرْقَ بَينَها ... وَبَينَ محبّيها بِفَضْلِ خِطابِ
فكلُّ كِتَابٍ صَادِرٍ مِنكَ وَارِدٌ ... إلَيكَ، بِلا رَدّ الجَوَابِ، حَوَابي
''(2/138)''
الفتى الحاج والجارية المكية
وجدت بخط أبي عمر بن حيويه يقول: حدثنا أبو بكر محمد بن المرزبان، أخبرني أبو جعفر أحمد بن الحارث، حدثنا أبو الحسن المدايني عن بعض رجاله قال: حج ابن أبي العنبس الثقفي، فجاور، ومعه ابن ابنه، وإلى جانبهم قوم من آل أبي الحكم مجاورون، وكان الفتى يجلس مجلساً يشرف منه على جارية، فعشقها، فأرسل إليها، فأجابته، فكان يأتيها يتحدث إليها. فلما أراد جده الرحيل جعل الفتى يبكي، فقال له جده: ما يبكيك يا بني، لعلك ذكرت مصر؟ وكانوا من أهل مصر. فقال: نعم! وأنشأ يقول:
يُسائِلُني، غَداةَ البَينِ، جَدّي، ... وَقَد بَلّتْ دُمُوعُ العَينِ نَحرِي:
أمِنْ جَزَعٍ بكَيتَ، ذكَرْتَ مصراً؟ ... فقلتُ: نعم! وَما بي ذكرُ مصرِ
وَلَكِنْ للّتي خَلّفتُ خَلْفي، ... بكَتْ عَيني، وَقَلّ اليَوْمَ صَبرِي
فَمن ذا إن هَلَكتُ وَحانَ يَوْمي ... يُخَبّرُ وَالِدي دَائي وَأمرِي
فَيَحفظَ أهلُ مَكّةَ في هَوَائي، ... وَإنْ كانوا أتوا قَتلي وَضُرّي
قال: وارتحلوا، فلما خرجوا عن أبيات مكة أنشأ يقول:
رَحَلُوا، وكُلّهُمْ يَحِنّ صَبَابَةً ... شَوْقاً إلى مِصْرَ، وَدَارِي بالحَرَمْ
لَيتَ الرّكابَ، غداةَ حَانَ فرَاقُنا، ... كانتْ لحوماً قُسّمَتْ فوْق الوَضَمْ
رَاحُوا سِرَاعاً يُعملِونَ مَطِيّهم ... قُدُماً، وَبتّ مِنَ الصّبابَةِ لم أنمْ
طُوبى لهُمْ يَبغونَ قَصْدَ سَبيلهمْ، ... وَالقَلبُ مُرْتهنٌ ببَيتِ أبي الحَكَمْ
ثم إن الفتى اعتل، واشتدت علته، فلما وردوا أطراف الشام
''(2/139)''
مات فدفنه جده، ووجد عليه وجداً شديداً، وقال يرثيه:
يَا صَاحِبَ القَبرِ الغَرِيبِ ... بالشّامِ من طَرفِ الكَثيبِ
بالشِّعبِ بَينَ صَفَائِحٍ ... صُمٍّ تُرَصَّفُ بالجُنُوبِ
مَا إنْ سَمعتُ أنينَهُ، ... وَنِدَاءَهُ عِنْدَ المَغيبِ
أقبَلْتُ أطْلُبُ طِبَّهُ، ... وَالمَوْتُ يَعْضُلَ بالطَّبيبِ
وَاللّيلُ مُنْسَدِلُ الدّجَى، ... وَحشُ الجِنابِ من الغُرُوبِ
هَاجَتْ لِذَلِكَ لَوْعَةٌ ... في الصّدْرِ ظَاهرَةُ الدبيبِ
عاشق أخت زوجته
ذكر أبو عمر محمد بن العباس، ونقلته من خطه، أخبرنا أبو بكر محمد بن خلف المحولي، أخبرني أبو بكر العامري، أخبرني رياح بن قطب بن زيد الأسدي ابن أخت قريبة أم البهلول ابنة أباق الدبيرية الأسدية أخت الركاض بن أباق الدبيري الشاعر عن قريبة قالت: كان لعبد المخبل وهو كعب بن مالك؛ وقال غير قريبة: هو كعب بن عبد الله من بني لأي بن شاس بن أنف الناقة وهو من أهل الحجاز؛ ابنة عم له يقال لها أم عمرو، وكانت أحب الناس إليه، فخلا بها ذات يوم، فنظر إليها وهي واضعة ثيابها فقال لها: يا أم عمرو! هل ترين أن أحداً من النساء أحسن منك؟ قالت: نعم! أختي ميلاء أحسن مني. قال: فكيف لي بأن ترينيها؟ قالت: إن علمت بك لم تخرج إليك. ولكن تختبئ في الستر، وأبعث إليها.
قال: ففعلت، وأرسلت إليها، وهو في الستر، وجاءت ميلاء، فلما نظر إليها عشقها وترك أختها امرأته، وعارضها من مكان لا تحتسبه، فشكا إليها حبها، وأعلمها أنه قد رآها. فقالت: والله يا ابن عم! ما
''(2/140)''
وجدت بي من شيء، إلا قد وجدت منك مثله، وظنت أم عمرو امرأته أنه قد عشق أختها فتبعتهما، وهما لا يدريان، حتى رأتهما قاعدين جميعاً، فمضت تقصد إخوتها، وكانوا سبعةً، فقالت: إما أن تزوجوا كعباً ميلاء، وإما أن تغيبوها عني. فلما بلغه أن ذلك قد بلغ إخوتها هرب، فرمى بنفسه نحو الشام وترك الحجاز. وقال وهو بالشام:
أفي كُلّ يَوْمٍ أنتَ مِنْ بارِحِ الهَوَى ... إلى الشُّمّ من أعلامِ مَيلاءَ ناظِرُ
فروى هذا البيت رجل من أهل الشام. ثم خرج يريد مكة فمر على أم عمرو وأختها ميلاء، وقد ضل الطريق، فسلم عليهما، وسألهما عن الطريق. فقالت أم عمرو: يا ميلاء! صفي له الطريق، فذكر الرجل لما سمعها تقول يا ميلاء:
أفي كُلّ يَومِ أنتَ مِنْ بارِحِ الهَوَى ... إلى الشُّمِّ مِنْ أعلامِ مَيلاءَ نَاظِرُ
فتمثل به فعرفت الشعر، فقالت: يا عبد الله! من أين أنت؟ قال: أنا رجل من أهل الشام، فقالت: فمن أين رويت هذا الشعر؟ قال: رويته عن أعرابي بالشام. قالت: أو تدري ما اسمه؟ قال: اسمه كعب. قال: فأقسمتا عليه أن لا يبرح حتى يراك إخوتنا، فيكرموك، ويدلوك على الطريق، فقد أنعمت علينا. فقال: إني لأروي له شعراً آخر، فما أدري أتعرفانه أم لا؟ فقالتا: نسألك بالله إلا أسمعتنا إياه؟ قال: سمعته يقول:
خَلِيليَّ! قد رُزْتُ الأمورَ وَقِستُهَا، ... بِنَفسِي وَبالفِتيَانِ كُلَّ مَكَانِ
فَلَمْ أُخفِ يَوْماً للرّفِيقِ وَلمْ أجِدْ ... خَلِيّاً وَلا ذا البَثّ يَستَوِيَانِ
مِنَ النّاسِ إنسَانانِ، دَيني عَلَيهما، ... مَلِيّانِ لَوْلا النّاسُ قَدْ قَضَيَانِي
مَنُوعَانِ، ظَلاّمانِ، مَا يُنصِفَانِني، ... بدَلَّيهِما وَالحُسنِ قَدْ خَلَبَاني
'' (2/141)''
يُطِيلانِ حَتى يَحسَبَ النّاسُ أنّني ... قُضِيتُ، وَلا وَاللهِ مَا قَضَيَاني
خَلِيليّ، أمّا أُمُّ عَمرو فَمِنهُمَا، ... وَأمّا عَنِ الأخرَى، فَلا تَسلاني
بُلِينا بِهِجرانٍ، وَلَمْ يُرَ مِثْلُنا ... مِنَ النّاسِ إنسَانَانِ يَهتَجِرَانِ
أشَدَّ مُصافاةً وَأبْعَدَ مِنْ قِلىً، ... وَأعصَى لِوَاشٍ حِينَ يُكْتَنَفَانِ
يُبَيّنُ طَرْفَانَا الذّي في نُفُوسِنا، ... إذا استُعجِمَتْ بالمَنطِقِ الشّفَتَانِ
فَوَاللهِ مَا أدرِي أكُلُّ ذَوِي الهَوَى ... عَلى شَكلِنَا، أمْ نَحنُ مُبتَلَيَانِ
فَلا تَعجَبا مِمّا بيَ اليَوْمَ مِنْ هَوَىً، ... فَفي كُلّ يَوْمٍ مِثْلُ مَا تَرَيَانِ
خَلِيليّ! عَن أيّ الذي كانَ بَيننَا ... مِنَ الوَصْلِ أوْ ماضِي الهَوَى تَسَلانِ
وكُنّا كَرِيمَيْ مَعشَرٍ حُمّ بَينَنَا ... هَوىً، فَحِفظنَاهُ بِحُسْنِ صِيَانِ
نَذودُ النفوسَ الحَائماتِ عَنِ الهَوَى ... وَهُنّ بأعنَاقٍ إلَيْهِ ثَوَانِ
سَلاهُ بأُمّ العَمرِ مِنهُ، فَقَدْ بَرَا ... بِهِ السّقمُ لا يَخفَى وَطولُ ضَمانِ
فَما زَادَنا بُعدَ المَدى نَقضُ مَرّةٍ، ... وَلا رَجَعَا مِنْ عِلْمِنا بِبَيَانِ
خَلِيليّ! لا وَاللهِ مَا لي بالّذي ... تُرِيدانِ مِنْ هَجرِ الصّدِيقِ يَدَانِ
وَلا ليَ بالهَجرِ اعتِلاءٌ، إذا بَدَا ... كَمَا أنْتُمَا بالبَينِ مُعتَلَيَانِ
قال: فنزل الرجل وحط رحله حتى جاءت إخوتهما فأخبرتاهم الخبر، وكانتا مهتمتين بكعب، وذلك أنه كان ابن عمهم، وكان ظريفاً شاعراً، فأكرموا الرجل ودلوه على الطريق، وخرجوا، فطلبوا كعباً بالشام، فوجدوه، فأقبلوا به، حتى إذا صار إلى بلدهم نزل كعب في بيت ناحيةً من الحي، فرأى ناساً قد اجتمعوا عند البيوت، فقال كعب لغلام قائم، وكان قد ترك بنياً له صغيراً: يا غلام من أبوك؟ قال: أبي كعب. قال: فعلام يجتمع هذا الناس؟ وأحس فؤاد كعب بشر. قال: يجتمعون على
''(2/142)''
خالتي ميلاء، ماتت الساعة. قال: فزفر زفرةً حر منها ميتاً، فدفن إلى جانب قبرها.
يقتل حبيبته وينتحر
ذكر أبو عمر محمد بن العباس بن حيويه، ونقلته من خطه، حدثنا أبو بكر محمد بن خلف المحولي، حدثنا العمري عن الهيثم عن ابن عياش ولقيط بن بكير قال: وحدثنا أحمد بن الحارث الخزاز، حدثنا أبو الحسن المدايني، حدثني هشام بن الكلبي عن أبي مسكين قال: خرج ناس من بني حنيفة يتنزهون فبصر فتىً منهم بجارية فعشقها، فقال لأصحابه: انصرفوا حتى أقيم وأرسل إليها، فطلبوا إليه أن يكف، وأن ينصرف، فأبى، وانصرف القوم، وجعل يراسل الجارية حتى وقع في نفسها، فأقبل في ليلة إضحيان متقلداً قوساً، والجارية نائمة بين إخوتها، فأيقظها، فقالت: يا فاسق انصرف وإلا، والله أيقظت إخوتي، فقاموا إليك، فقتلوك، فقال: والله للموت أهون علي مما أنا فيه، ولكن أعطيني يدك أضعها على فؤادي وأنصرف، فأعطته يدها، فوضعها على فؤاده وصدره، ثم انصرف.
فلما كانت الليلة القابلة أتاها، وهي في مثل حالها، فأيقظها، فقالت: له مثل مقالتها الأولى، ورد هو عليها مثل قولها، وقال: لك الله علي إن أمكنتني من شفتيك أرتشفهما أن أنصرف، ثم لا أعود إليك، فأمكنته من شفتيها ثم انصرف، ووقع في نفسها مثل النار، ونذر به الحي، فقالوا: ما لهذا الفاسق في هذا الحي ذاهباً وجائياً؟ انهضوا بنا حتى نخرجه. فأرسلت إليه أن القوم يأتونك الليلة، فالحذر، فلما أمسى خرج ناحيةً عن الحي، فقعد على مرقب له ومعه قوسه وأسهمه، وكان أحد الرماة،
''(2/143)''
وأصاب الحي من النهار مطر، فلهوا عنه، فلما كان في آخر الليل ذهب السحاب، وطلع القمر، فخرجت تريده، وقد أصابها الندى، فنشرت شعرها، وكانت معها جارية من الحي، فقالت: هل لك في عباس، وهو اسمه، فخرجتا تمشيان، فنظر إليهما، وهو على المرقب، فظن أنهما ممن يطلبه، فرمى بسهمه فما أخطأ قلب الجارية، ففلقه، وصاحت الجارية التي كانت معها، وانحدر من المرقب الذي كان عليه، فإذا هو بالجارية متضمخة بدمها، فقال عند ذلك، وهو يبكي:
نَعَبَ الغُرَابُ بِما كَرِهْ ... تُ وَلا إزَالَةَ للقَدَرْ
تَبكي، وَأنتَ قَتَلتَهَا، ... فَاصْبِرْ، وَإلا فانْتَحِرْ
قال: ثم وجأ نفسه بمشاقصه، حتى مات. وجاء الحي فوجدوهما ميتين، فدفنوهما في قبر واحد.
؟
المأمون وذات القلم
أخبرنا أبو الحسين أحمد بن علي بن الحسين التوزي، حدثنا أبو عبد الله محمد بن عمران المرزباني، حدثنا محمد بن عبد الله البصري، حدثنا الغلابي محمد بن زكريا، حدثنا مهدي بن سابق قال: رأى المأمون في يد جارية له قلماً، وكان ذا شغف بها، واسمها منصف، فقال:
أرَاني مَنَحتُ الحُبّ مَن لَيسَ يعرِفُ ... فمَا أنصَفتَني في المَحَبّةِ مُنصِفُ
وَزَادَتْ لَدَينا حُظوَةً يَوْمَ أعرَضَتْ ... وَفي إصْبعَيها أسمَرُ اللّوْنِِ أهيَفُ
أصَمُّ، سَميعٌ، سَاكِنٌ، مُتَحَرّكٌ، ... يَنالُ جَسِيماتِ العُلى، وَهوَ أعجَفُ
عَجبتُ لَهُ أنَّى، وَدَهرُكِ مُعجِبٌ، ... يُقَوِّمُ تَحريفَ العِبَادِ مُحَرَّفُ
''(2/144)''
ميت الحب شهيد
قال الجوهري: وأنشدني محمد بن محمد الصائغ:
سأكتُمُ ما ألقَاهُ، يا فَوْزَ، نَاظِرِي، ... من الوَجدِ كَيلا يَذهَبَ الأجرُ باطِلا
فَقَدْ جاءَنا عَن سَيّدِ الخَلقِ أحمدٍ، ... وَمَن كانَ بَرّاً بالعِبَادِ وَوَاصِلا
بأنْ من يَمُتْ في الحُبِّ يكتمُ وَجدَهُ، ... يَمُوتُ شَهيداً في الفَرَاديسِ نَازِلا
رَوَاهُ سُوَيدٌ عَنْ عليّ بنِ مُسهَرٍ، ... فَما فيه من شَكٍّ لمَنْ كانَ عَاقِلا
وَمَاذا كَثيرٌ للّذي بَاتَ مُفرَداً، ... سَقِيماً، عَليلاً، بالهَوَى مُتَشَاغِلا
عصيان العذال سنة
ولي من أثناء قصيدة مدحت بها ببغداد:
وَحَوْراءَ غَدَتْ باللّحْ ... ظِ للعُشّاقِ قَتّالَهْ
فكَمْ من قَائِلٍ حينَ ... رآهَا، وَهيَ مُختالَهْ
أفي أجفَانِها المَرْضَى ... مِنَ القَارَةِ نَبّالَهْ
بَدَتْ مَا بَينَ أترَابٍ ... لَهَا كَالبَدرِ في الهَالَهْ
عَلَيهَا من ثِيَابِ الصَّوْ ... نِ مَا تَسْحَبُ أذْيَالَهْ
أيَا ظَبيَةَ بَطنِ الخَيْ ... فِ! ضَيفٌ رَامَ إنزَالَهْ
قِرَاهُ قُبْلَةٌ، فَالبَيْ ... نُ قَدْ قَرّبَ أحمَالَهْ
''(2/145)''
فَكَمْ لاحٍ عَلى حُبِّي ... كِ لمْ أُصْغِ لِمَا قَالَهْ
وَمِنْ سُنّةِ مَنْ يَعْشَ ... قُ أنْ يَعصِيَ عُذّالَهْ
عمر والمرأة المتلعجة
أخبرنا محمد بن الحسين الجازري، حدثنا المعافى بن زكريا، حدثنا أبو بكر بن الأنباري، حدثني أبي، حدثنا أحمد بن الربيع الخزاز، حدثني يونس بن بكير الشيباني، حدثني أبو إسحق عن السائب بن جبير مولى ابن عباس، وكان قد أدرك أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله، قال:
ما زلت أسمع حديث عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، أنه خرج ذات ليلة يطوف بالمدينة، وكان يفعل ذلك كثيراً، إذ مر بامرأة من نساء العرب مغلقة عليها بابها، وهي تقول:
تَطَاولَ هذا اللّيلُ تَسرِي كَوَاكِبُهْ ... وأَرّقَنِي أنْ لا ضَجيعَ أُلاعِبُهْ
أُلاعِبُهُ طَوْراً، وطَوْراً كَأنّما ... بَدَا قَمَراً في ظُلْمَةِ اللّيلِ حَاجِبُهْ
يُسَرُّ بِهِ مَنْ كَانَ يَلهُو بِقُرْبِهِ، ... لَطيفُ الحَشَا لا تَحتَوِيهِ أقَارِبُهْ
فَوَاللهِ، لَوْلا اللهُ لا شَيءَ غَيرَهُ، ... لَنُقّضَ مِنْ هذا السّرِيرِ جَوَانِبُهْ
وَلَكِنِنّي أخشَى رَقيباً مُوَكَّلاً ... بأنْفُسِنا لا يَفترُ، الدّهرَ، كَاتِبُهْ
ثم تنفست الصعداء، وقالت: لهان على عمر بن الخطاب وحشتي، وغيبة زوجي عني، وعمر واقف يستمع قولها، فقال لها: يرحمك الله، يرحمك الله! ثم وجه إليها بكسوة ونفقة، وكتب في أن يقدم عليها زوجها.
''(2/146)''
سادلة البرقع
أخبرنا أبو بكر أحمد بن علي الحافظ، أخبرنا أبو نعيم الحافظ الأصبهاني بأصفهان، حدثنا أبو القاسم سليمان بن أحمد الطبراني، حدثنا أبو عبد الرحمن النسائي، حدثنا محمد بن علي بن حرب المروزي، أخبرنا أبو الفتح عبد الواحد بن الحسين بن شيطا المقري، رحمه الله تعالى، حدثنا أبو القاسم إسماعيل بن سويد، حدثنا الكوكبي، أخبرنا أبو العيناء، أخبرني الجماز عن الأصمعي قال: نظر أعرابي إلى أعرابية عليها برقع، فقال لها: ارفعي البرقع أنظر نظرةً! فقالت: لا والله، دون أن يبيضّ القار، فأنشأ يقول:
هَلِ القَارُ مُبَيضٌّ فأنظُرَ نَظرَةً ... إلى وَجهِ لَيلى، أوْ تَقضّى نُذورُهَا
ميعاد السلو
أخبرنا محمد بن الحسين، أخبرنا المعافى بن زكريا، حدثنا ابن دريد، حدثنا عبد الرحمن عن عمه، سمعت جعفر بن سليمان يقول: ما سمعت بأشعر مر القائل:
إذا رُمتُ عَنها سَلوَةً قالَ شافعٌ ... منَ الحُبّ: ميعادُ السّلُوّ المَقَابرُ
فقلت: أشعر منه الأحوص حيث يقول:
سَيبقَى لها في مُضْمَرِ القَلبِ وَالحَشا ... سَرِيرَةُ وُدٍّ يَوْمَ تُبلى السّرَائر
''(2/147)''
رجل في ثوب امرأة
أنبأنا محمد بن الحسين الجازري، حدثنا القاضي أبو الفرج المعافى بن زكريا، حدثنا الحسين ابن القاسم الكوكبي، حدثنا عبد الله بن محمد القرشي، حدثنا محمد بن صالح الحسني، حدثني أبي عن نمير بن قحيف الهلالي قال: كان في بني هلال فتىً يقال له بشر، ويعرف بالأشتر، وكان سيداً حسن الوجه، شديد القلب، سخي النفس، وكان معجباً بجارية من قومه تسمى جيداء، وكانت الجارية بارعةً، فاشتهر أمره وأمرها ووقع الشر بينه وبين أهلها، حتى قتلت بينهم القتلى، وكثرت الجراحات، ثم افترقوا على أن لا ينزل أحد منهم بقرب الآخر.
فلما طال على الأشتر البلاء والهجر جاءني ذات يوم، فقال يا نمير! هل فيك من خيرٍ؟ قلت: عندي كل ما أحببت. قال: أسعدني على زيارة جيداء، فقد ذهب الشوق إليها بروحي، وتنغصت علي حياتي، قلت: بالحب والكرامة، فانهض إذا شئت.
فركب وركبت معه، فسرنا يومنا وليلتنا، حتى إذا كان قريباً من مغرب الشمس نظرنا إلى منازلهم، ودخلنا شعباً خفياً، فأنخنا راحلتينا، وجلين، فجلس هو عند الراحلتين، وقال: يا نمير! اذهب، بأبي أنت وأمي، فادخل الحي واذكر لمن لقيك أنك طالب ضالةً، ولا تعرض بذكري بين شفةٍ ولسان، فإن لقيت جاريتها فلانة الراعية، فأقرئها مني السلام، وسلها عن الخبر، وأعلمها بمكاني.
فخرجت لا أعذر في أمري حتى لقيت الجارية فأبلغتها الرسالة، وأعلمتها بمكانه، وسألتها عن الخبر، فقالت: بلى، والله، مشدد عليها، متحفظ منها، وعلى ذلك فموعدكما الليلة عند تلك الشجرات اللواتي عند أعقاب البيوت.
''(2/148)''
فانصرفت إلى صاحبي، فأخبرته الخبر، ثم نهضنا نقود راحلتينا، حتى جاء الموعد، فلم نلبث إلا قليلاً إذا جيداء قد جاءت تمشي حتى دنت منا، فوثب إليها الأشتر، فصافحها وسلم عليها، وقمت مولياً عنهما، فقالا: إنا نقسم عليك إلا ما رجعت، فوالله ما بيننا ريبة، ولا قبيح نخلو به دونك. فانصرفت راجعاً إليهما حتى جلست معهما، فتحدثا ساعةً، ثم أرادت الانصراف، فقال الأشتر: أما فيك حيلة يا جيداء، فنتحدث ليلتنا، ويشكو بعضنا إلى بعض؟ قالت: والله ما إلى ذلك من سبيل إلا أن تعود إلى الشر الذي تعلم. قال لها الأشتر: لا بد من ذلك، ولا وقعت المساء على الأرض. فقالت: هل في صديقك هذا من خير أو فيه مساعدة لنا؟ قال: الخير كله. قالت: يا فتى! هل فيك من خيرٍ؟ قلت: سلي ما بدا لك، فإني منته إلى مرادك، ولو كان في ذلك ذهاب روحي.
فقامت فنزعت ثيابها، فخلعتها علي، فلبستها. ثم قالت: اذهب إلى بيتي، فادخل في خبائي، فإن زوجي سيأتيك بعد ساعة، أو ساعتين، فيطلب منك القدح ليحلب به الإبل، فلا تعطه إياه حتى يطيل طلبه، ثم ارم به رمياً، ولا تعطه إياه من يدك، فإني كذا كنت أفعل به، فيذهب فيحلب، ثم يأتيك عند فراغه من الحلب والقدح ملآن لبناً، فيقول: هاك غبوقك، فلا تأخذ منه حتى تطيل نكداً عليه، ثم خذه أو دعه حتى يضعه، ثم لست تراه حتى تصبح، إن شاء الله تعالى.
قال: فذهبت، ففعلت ما أمرتني به، حتى إذا جاء القدح الذي فيه اللبن أمرني أن آخذه فلم آخذه، حتى طال نكدي، ثم أهويت لآخذه، وأهوى ليضعه، واختلفت يدي ويده، فانكفأ القدح، واندفق ما فيه، فقال: إن هذا طماح مفرط. وضرب بيده إلى مقدم البيت فاستخرج منه سوطاً مفتولاً كمتن الثعبان المطوق، ثم دخل علي،
''(2/149)''
فهتك الستر عني وقبض بشعري، وأتبع ذلك السوط متني، فضربني تمام ثلاثين، ثم جاءت أمه وإخوته، وأخت له، فانتزعوني من يده، ولا والله ما أقلعوا، حتى زايلتني روحي، وهممت أن أوجره السكين، وإن كان فيه الموت.
فلما خرجوا عني، وهو معهم، شددت ستري، وقعدت كما كنت، فلم ألبث إلا قليلاً حتى دخلت أم جيداء علي تكلمني، وهي تحسبني ابنتها، فاتقيتها بالسكات والبكى، وتغطيت بثوبي دونها. فقالت: يا بنية! اتقي الله ربك ولا تعرضي لمكروه زوجك فذاك أولى بك، فأما الأشتر، فلا أشتر لك آخر الدهر.
ثم خرجت من عندي، وقالت: سأرسل إليك أختك تؤنسك، وتبيت عندك الليلة. فلبثت غير ما كثير، فإذا الجارية قد جاءت فجعلت تبكي وتدعو على من ضربني، وجعلت لا أكلمها، ثم اضطجعت إلى جانبي، فلما استمكنت منها شددت بيدي على فيها، وقلت: يا هذه! تلك أختك مع الأشتر، وقد قطع ظهري الليلة في سببها، وأنت أولى بالستر عليها، فاختاري لنفسك، ولها، فوالله لئن تكلمت بكلمة لأصيحن بجهدي حتى تكون الفضيحة شاملةً، ثم رفعت يدي عنها، فاهتزت الجارية كما تعتز القصبة من الزرع، ثم بات معي منها أملح رفيق رافقته، وأعفه وأحسنه حديثاً، فلم تزل تتحدث، وتضحك مني ومما بليت به من الضرب حتى برق النور، إذا جيداء قد دخلت علينا من آخر البيت، فلما رأتنا ارتاعت، وفزعت، وقالت: ويلك! من هذا عندك؟ قلت: أختك. قالت: وما السبب؟ قلت: هي تخبرك، ولعمر الله إنها لعالمة بما نزل بي.
وأخذت ثيابي منها، ومضيت إلى صاحبي، فركبنا، ونحن خائفان، فلما سري عنا روعنا، حدثته ما أصابني، وكشفت عن ظهري، فإذا
''(2/150)''
فيه ما غرس الله من ضربة إلى جانب أخرى، كل ضربة تخرج الدم وحدها. فلما رآني الأشتر قال: لقد عظمت صنيعتك ووجب شكرك، إذ خاطرت بنفسك، فبلغني الله مكافأتك.
شامة مشؤومة
أخبرنا محمد بن الحسين الجازري، حدثنا المعافى بن زكريا، حدثنا أبو بكر بن الأنباري، حدثني أبي، حدثنا الحسن بن عبد الرحمن الربعي، حدثني عباد بن عبد الواحد، حدثني ابن عائشة، حدثني أبي قال:
كانت عبدة بنت عبد الله بن يزيد بن معاوية عند هشام بن عبد الملك، وكانت من أجمل النساء، فدخل عليها يوماً، وعليها ثياب سود رقاق من هذه التي يلبسها النصارى يوم عيدهم، فملأته سروراً حين نظر إليها، ثم تأملها فقطّب، فقالت: ما لك يا أمير المؤمنين؟ أكرهت هذه، ألبس غيرها؟ قال: لا! ولكن رأيت هذه الشامة التي على كشحك من فوق الثياب، وبك يذبح النساء، وكانت بها شامة في ذلك الموضع، أما إنهم سينزلونك عن بغلة شهباء، يعني بني العباس، وردة، ثم يذبحونك ذبحاً. قال: وقوله يذبح بك النساء، يعني إذا كانت دولة لأهلك ذبحوا بك من نساء القوم الذين ذبحوك.
فأخذها عبد الله بن علي بن عبد الله بن العباس، وكان معها من الجوهر ما لا يدرى ما هو، ومعها درع يواقيت وجوهر منسوج بالذهب، فأخذ ما كان معها وخلى سبيلها. فقالت، في الظلمة: أي دابةٍ تحتي؟ قيل لها: دهماء، في الظلمة، فقالت، نجوت.
قال: فأقبلوا على عبد الله بن علي، فقالوا: ما صنعت؟ أدنى ما يكون يبعث أبو جعفر إليها، فتخبره بما أخذت منها، فيأخذه منك، اقتلها،
''(2/151)''
فبعث في إثرها، وأضاء الصبح، وإذا تحتها بغلة شهباء وردة، فلحقها الرسول، فقالت: مه! فقال: أمرنا بقتلك، قالت: هذا أهون علي، فنزلت فشدت درعها من تحت قدميها وكميها.
صاحب يساوي الخلافة
أخبرنا أبو علي بن محمد الحسين الجازري، حدثنا المعافى بن زكريا، حدثنا الحسين بن القاسم الكوكبي، حدثنا الفضل بن العباس أبو الفضل الربعي، حدثنا إبراهيم بن عيسى الهاشمي قال: قال علويه: أمرني المأمون وأصحابي أن نغدو إليه لنصطبح، فغدوت، فلقيني عبد الله بن إسماعيل صاحب المراكب. فقال: يا أيها الرجل الظالم المتعدي! أما ترحم ولا ترق ولا تستحي من عريب؟ هي هائمة بك.
قال علويه: وكانت عريب أحسن الناس وجهاً، وأظرف الناس وأحسن غناء مني ومن صاحبي مخارق، فقلت له: مر حتى أجيء معك، فحين دخلنا قلت له: استوثق من الأبواب، فإني أعرف الناس بفضول الحجاب، فأمر بالأبواب فأغلقت ودخلت، فإذا عريب جالسة على كرسي، وبين يديها ثلاث قدور زجاج، فلما رأتني قامت إلي، فعانقتني، وقبلتني، وأخلت لسانها في فمي.
قالت: ما تشتهي تأكل؟ قلت: قدراً من هذه القدور، فأفرغت قدراً منها بيني وبينها، فأكلنا. ثم دعت بالنبيذ، فصبت رطلاً، فشربت نصفه، وسقتني نصفه، فما زلنا نشرب حتى سكرنا، ثم قالت: يا أبا الحسن! أخرجت البارحة شعراً لأبي العتاهية فاخترت منه شيئاً. قلت: ما هو؟ قالت:
وَإني لمُشتَاقٌ إلى ظِلّ صَاحِبٍ ... يَرِقُّ ويَصفُو إنْ كَدُرْتُ عَلَيهِ
''(2/152)''
عذيرِي من الإنسانِ! لا إنْ جَفَوتُه ... صَفَا لي، وَلا إنْ كنتُ طَوْعَ يَدَيهِ
فصيرناه مجلسنا، فقالت: بقي فيه شيء، فأصلحه! قلت: ما فيه شيء. قالت: بلى، في موضع كذا، فقلت: أنت أعلم، فصححناه جميعاً، ثم جاء الحجاب، وكسروا الباب، واستخرجت، فأدخلت على المأمون، فأقبلت أرقص من أقصى الصحن، وأصفق بيدي، وأغني الصوت، فسمع وسمعوا ما لم يعرفوه، فاستطرفوه، فقال المأمون: ادن يا علويه! فدنوت، فقال: رد الصوت! فرددته سبع مرات، فقال: أنت الذي تشتاق إلى ظل صاحب يروق ويصفو إن كدرت عليه؟ فقلت: نعم! فقال خذ مني الخلافة، وأعطني هذا الصاحب بدلها.
وسألني عن خبري، فأخبرته، فقال: قاتلها الله، فهي أجل أبزار من أبازير الدنيا.
امرأة على كتف أعرابي
أخبرنا أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت، حدثنا أبو نعيم أحمد بن عبد الله الأصبهاني، حدثنا أبو القاسم سليمان بن أحمد بن أيوب الطبراني، حدثنا بشر بن موسى، حدثنا عمران بن أبي ليلى، حدثنا حبان بن علي عن مجالد عن الشعبي عن ابن عباس قال: كنت أطوف مع عمر بن الخطاب حول الكعبة، وكفي في كفه، فإذا أعرابي على كتفه امرأة مثل المهاة وهو يقول:
صِرْتُ لِهَذي جَمَلاً ذَلُولا ... مُوَطّأً أتّبِعُ السّهُولا
أعدِلُها بالكَفّ أنْ تَمِيلا ... أحذَرُ أنْ تَسقُطَ أوْ تَزُولا
أرْجُو بذَاكَ نَائِلاً جَزِيلا
فقال له عمر: ما هذه المرأة التي وهبت لها حجتك يا أعرابي؟ فقال:
''(2/153)''
هذه امرأتي، والله، يا أمير المؤمنين، إنها مع ما ترى من صنيعتي بها، حمقاء مرغامة، أكول قمّامة، مشؤومة الهامة. قال: فما تصنع بها إذا كان هذا قولك فيها؟ قال: إنها ذات جمال، فلا تفرك، وأم صغار، فلا تترك. قال: إذاً فشأنك بها.
كيد النساء
أخبرنا أبو الحسين أحمد بن علي التوزي، حدثنا إسماعيل بن سعيد بن سويد، حدثنا الكوكبي قال: حدثنا أحمد بن عبيد النحوي، حدثنا محمد بن زبار عن الشرقي بن قطامي قال: كان عمرو بن قمية البكري من أحب الناس إلى مرثد بن قيس بن ثعلبة، وكان يجمع بينه وبين امرأته على طعامه، وكانت إصبع قدم عمرو الوسطى والتي تليها ملصقتين، فخرج مرثد ذات يوم يضرب بالقداح، فأرسلت امرأته إلى عمرو أن عمك يدعوك، فجاءت به من وراء البيوت، فلما دخل عليها، لم يجد عنه، وأنكر شأنها، فأرادته على نفسه، فقال: لقد جئت بأمر عظيم. فقالت: أما لتفعلن أو لأسوءنك. فقال: للمساءة ما دعوتني. ثم قام فخرج، وأمرت بجفنة، فكفئت على أثر قدمه، فلما رجع مرثد وجدها متغضبة، فقال: ما شأنك؟ قالت: رجل قريب القرابة منك جاءني يسومني نفسي. قال: من هو؟ قالت: أما أنا فلا أسميه، وهذا أثر قدمه، فعرف مرثد أثر عمرو، فأعرض عنه، وعرف عمرو من أين أتي، فقال في ذلك:
لَعمرُكَ! مَا نَفسِي بِجِدّ رَشِيدَة، ... تُؤامِرُني سِرّاً لأصْرِمَ مَرْثَدَا
عَظيمُ رَمَادِ القِدرِ، لا مُتَعَبّسٌ، ... وَلا مُؤيِسٌ مِنها، إذا هُوَ أخمَدَا
''(2/154)''
فَقَدْ أظهَرَتْ مِنهُ بَوَائِقُ جَمّةٌ، ... وَأفرَغَ في لَوْمي مِراراً وَأصْعَدَا
عَلى غَيرِ ذَنبٍ أن أكونَ جَنَيتُهُ، ... سِوى قَوْلِ باغٍ جاهدٍ فَتَجَهّدَا
النخلة العاشقة
أخبرنا القاضي أبو الحسين أحمد بن علي بن الحسين التوزي، أخبرنا أبو عبيد الله محمد بن عمران المرزباني، أخبرني محمد بن أحمد الحكيمي، حدثنا أحمد بن أبي خيثمة زهير بن حرب قال: سمعت أبا مسلمة المنقري يقول: كان عندنا بالبصرة نخلة ذكر من حسنها وطيب رطبها. قال: ففسدت حتى شيّصت. قال: فدعا صاحبها شيخاً قديماً يعرف النخيل، فنظر إليها وإلى ما حولها من النخل، فقال: هذه عاشقة لهذا الفحل الذي بالقرب منها. قال: فلقحت منه، فعادت إلى أحسن ما كانت.
المهدي ونخلتا حلوان
وأخبرنا أحمد بن علي التوزي، أخبرنا أبو عبيد الله، أخبرنا أبو بكر الجرجاني، حدثنا الحارث بن أبي أسامة عن محمد بن أبي القيسي عن أبي سمير عبد الله بن أبي أيوب قال: لما خرج المهدي، فصار بعقبة حلوان، استطاب الموضع، فتغدى ودعا بحسنة، فقال لها: أما ترين طيب هذا الموضع، فغنيني، فأخذت محكةً كانت في يده وأوقعت بها على مخدة، وغنته:
أيَا نَخلَتَيْ وَادي بُوَانَةَ! حَبّذا، ... إذا نَامَ حُرّاسُ النّخِيلِ، جَناكُمَا
فقال: أحسنت! لقد هممت بقطع هاتين النخلتين، يعني نخلتي
''(2/155)''
حلوان. فقالت: أعيذك بالله أن تكون النحس. قال: وما ذاك؟ قالت: قول الشاعر فيهما:
أسعِدَانِي يَا نَخلَتَيْ حُلْوَانِ، ... وَابكِيا لي من رَيبِ هذا الزّمَانِ
وَاعْلَمَا، إنْ بَقِيتُمَا، أنّ نَحساً ... سَوْفَ يَأتِيكُما، فَتَفتَرِقَانِ
فقال: لا أقطعهما أبداً، ووكل بهما من يحفظهما.
الأشتر وجيداء
أخبرنا أبو القاسم علي بن أبي علي قراءة عليه، حدثني أبي، أخبرني أبو الفرج علي بن الحسين بن الأصفهاني، حدثني جعفر بن قدامة، حدثني أبو العيناء قال: كنت أجالس محمد بن صالح بن عبد الله بن حسن بن علي بن أبي طالب، وكان حمل إلى المتوكل أسيراً، فحبسه مدة، ثم أطلقه، وكان أعرابياً فصيحاً محرماً، فحدثني قال: حدثني نمير بن قحيف الهلالي، وكان حسن الوجه حيياً، قال: كان منا فتىً يقال له بشر بن عبد الله، ويعرف بالأشتر. وكان يهوى جاريةً من قومه يقال لها جيداء، وكانت ذات زوج، وشاع خبره في حبها، فمنع منها، وضيق عليه، وذكر قصة الأشتر مع جيداء على نحو ما في الخبر الذي قبل هذا الجزء فكرهت إعادتها لأن المعنى واحد.
''(2/156)''
ماتت حزناً على المأمون
أخبرنا أبو علي محمد بن الحسين الجازري، حدثنا المعافى بن زكريا، حدثنا الحسين بن القاسم الكوكبي، حدثنا أبو محمد عبد الله بن مالك النحوي، حدثنا يحيى بن أبي حماد الموكبي عن أبيه قال: وصفت للمأمون جارية بكل ما توصف امرأة من الكمال والجمال، فبعث في شرائها، فأتي بها وقت خروجه إلى بلاد الروم، فلما هم ليلبس درعه، خطرت بباله، فأمر، فخرجت إليه، فلما نظر إليها أعجب بها وأعجبت به، فقالت: ما هذا؟ قال: أريد الخروج إلى بلاد الروم. قالت: قتلتني، والله يا سيدي، وحدرت دموعها على خدها كنظام اللؤلؤ، وأنشات تقول:
سأدعُو دَعوَةَ المُضْطَرّ رَبّاً ... يُثيبُ عَلى الدّعاءِ وَيَستَجيبُ
لَعَلّ اللهَ أن يَكفيكَ حَرْباً، ... وَيَجمعَنَا، كما تَهوَى القُلوبُ
فضمها المأمون إلى صدره، وأنشأ متمثلاً يقول:
فَيا حُسنَها إذ يَغسِلُ الدمعُ كُحلَها ... وَإذ هيَ تُذرِي الدمعَ مِنها الأنَامِلُ
صَبيحَةَ قالت في العتابِ: قَتَلتَني، ... وقتلي، بما قالت، هُنَاكَ تُحَاوِلُ
ثم قال لخادمه: يا مسرور! احتفظ بها وأكرم محلها، وأصلح لها كل ما تحتاج إليه من المقاصير والخدم والجواري إلى وقت رجوعي، فكان كما قال الأخطل:
قَوْمٌ إذا حَارَبوا شّدوا مآزِرَهُم ... دونَ النّساءِ، وَلَوْ باتَتْ بأطْهَارِ
ثم خرج، فلم يزل الخادم يتعاهدها، ويصلح ما أمر به، فاعتلت علةً شديدة أشفق عليها منها وورد نعي المأمون، فلما بلغها ذلك تنفست
''(2/157)''
الصعداء وتوفيت، وكان مما قالت، وهي تجود بنفسها:
إنّ الزّمَانَ سَقَانَا مِنْ مَرَارَتِهِ ... بَعدَ الحَلاوَةِ أنفَاساً وَأرْوَانَا
أبدَى لَنَا تَارَةً مِنهُ، فأضْحكَنا، ... ثمّ انثنَى تَارَةً أُخرَى، فأبكَانَا
إنّا إلى اللهِ في مَا لا يَزَالُ لَنَا، ... مِنَ القَضَاءِ، ومَن تَلوِينَ دُنيَانَا
دُنيَا نَرَاها تُرِينَا من تَصرّفِها ... مَا لا يَدُومُ مُصَافاةً وَأحزَانَا
وَنَحنُ فِيها، كَأنّا لا نُزَايلُهَا، ... للعَيشِ أحيَاؤُنَا يَبكُونَ مَوْتَانَا
القاضي المدنف
وأخبرنا الجازري، حدثنا المعافى، حدثنا محمد بن الحسن بن زياد المقري، حدثنا أحمد بن الصلت قال: كان حمدان البرتي على قضاء الشرقية، فقدمت امرأة طقطق الكوفي زوجها إليه، وادعت عليه مهراً أربعة آلاف درهم، فسأله القاضي عما ذكرت، فقال: أعز الله القاضي، مهرها عشرة دراهم. فقال لها البرتي: أسفري، فسفرت حتى انكشف صدرها، فلما رأى ذلك قال لطقطق: ويحك! مثل هذا الوجه يستأهل أربعة آلاف دينار ليس أربعة آلاف درهم، ثم التفت إلى كاتبه، فقال له: ما في الدنيا أحسن من هذا الشذر على هذا النحر.
فقال له طقطق: فديتك إن كانت قد وقعت في قلبك طلقتها. فقال له البرتي: تهددها بالطلاق، وقد قال الله: عز وجل: " فلما قضى زيد منها وطراً زوجناكها "، وإن ههنا ألفاً ممن يتزوجها. فقال طقطق: فإني، والله،
''(2/158)''
ما قضيت وطري منها، وأنا طقطق لست بزيد. فأقبل البرتي على المرأة، فقال: يا حبيبتي! ما أدري كيف كان صبرك على مباضعة هذا البغيض، ثم أنشأ يقول:
تَرَبّصْ بها رَيبَ المَنونِ، لَعَلّهَا ... تُطَلّقُ يَوْمَاً، أوْ يموتَ حَليلُها
فقام طقطق، وتعلق به وصيف غلام البرتي، فصاح به: دعه يذهب عنا إلى سفر، ثم قال لها: إن لم يصر لك إلى ما تريدين فصيري إلى امرأة وصيف حتى تعلمني، وأضعه في الحبس.
وكتب صاحب الخبر ما كان، فعلق به البرتي، وصانعه على خمسمائة دينار على أن لا يرفع الخبر بعينه، ولكن يكتب أن عجوزاً خاصمت زوجها، فاستغاثت بالقاضي، فقال لها: ما أصنع يا حبيبتي! هو حكم ولا بد أن أقضي بالحق.
وانصرف البرتي متيماً، فما زال مدنفاً يبكي ويهيم فوق السطوح، ويقول الشعر: فكان مما يقوله:
وَاحَسرَتي عَلى مَا مَضَى، ... لَيْتَني لضمْ أعرِفِ القَضَا
أحبَبتُ أمراً وَخِفتُ اللهَ حَقّاً ... فَمَا تَمّ حَتى انقَضَى
وغير ذلك من شعر لا وزن له ولا روي إلا أنه ارعوى ورجع.
بماذا أكفر؟
أخبرنا أبو بكر أحمد بن علي بصور، أنبأنا أبو الوليد سليمان بن خلف بن سعد الناجي الأندلسي: حدثني خالي القاضي أبو شاكر عبد الواحد بن محمد بن موهب بن محمد التجيبي لعبد الله بن الفرج الجياني، وهو أخو سعيد وأحمد ابني الفرج:
''(2/159)''
تَدَارَكتُ من خَطَإي نَادِمَا، ... لرُجْوَى سِوَى خالقي رَاحِمَا
فَلا رُفِعَتْ صَرْعَتي إنْ رَفَعْ ... تُ يَديَّ إلى غَيْرِ مَوْلاهُمَا
أمُوتُ وَأدْعُو إلى مَنْ يَمُو ... تُ بمَاذا أُكَفّرُ هَذَا بِمَا؟
كل يومين حجة واعتمار
وأخبرنا محمد، حدثنا المعافى، حدثنا محمد بن القاسم الأنباري، حدثنا أحمد بن سعيد الدمشقي، حدثنا الزبير بن بكار، حدثنا مسلم بن عبد الله بن مسلم بن جندب عن أبيه قال: أنشد ابن أبي عتيق سعيد بن المسيب قول عمر بن أبي ربيعة:
أيّهَا الرّاكِبُ المُجِدُّ ابتِكَارَا، ... قَد قَضَى من تهامَةَ الأوْطَارَا
إنْ يكُنْ قَلبُك، الغداةَ، خَلِيّاً، ... فَفُؤادِي بالخَيفِ أمسَى مُعَارَا
لَيتَ ذا الدّهرَ كانَ حَتماً عَلَينا، ... كُلَّ يَوْمَينِ حِجّةً وَاعتِمَارَا
فقال: لقد كلفت المسلمين شططاً. فقال: يا أبا محمد! في نفس الجمل شيء غير ما في نفس سائقه.
ليس للغدور وفاء
أخبرنا أبو القاسم علي بن المحسن التنوخي سنة اثنتين وأربعين وأربعمائة أنشدنا أبو الحسن علي بن محمد بن عبد الجبار لنفسه:
رَنَتْ إليّ بِعَينِ الرّئمِ، وَالتَفَتَتْ ... بجيدِهِ، وثَنَتْ مِنْ قَدِّهَا ألِفَا
فخِلتُ بدرَ الدّجَى يَسرِي على غُصنٍ ... هَزّتهُ رِيحُ الصَّبَا فاهتزّ وَانعَطَفَا
''(2/160)''
وَأبصَرَتْ مُقلَتي تَرْنُو مُسَارِقَةً ... إلى سِوَاهَا، فَعَضّتْ كَفَّها أسَفَا
ثمّ انثَنَتْ كالرَّشَا المَذعُورِ نَافِرَةً، ... وَوَرْدُ وَجنَتِها بالغَيظِ قد قُطِفَا
تَقولُ: يا نعمُ! قومي تَنظرِي عجباً، ... هذا الذي يَدّعي التَّهيَامَ وَالشَّعَفَا
يُريدُ منّا الوَفَا، وَالغَدْرُ شِيمَتُهُ، ... هَيهَاتَ أنْ يَتَأتّى للغَدُورِ وَفَا
أكني بغيرك واعنيك
وأخبرنا التنوخي قال: تقلت من خط أبي إسحق الصابي:
أكني بِغَيركَ في شعرِي وَأعنيكِ، ... تَقِيّةً، وَحِذَاراً مِنْ أعَادِيكِ
فإنْ سَمعتِ بإنسانٍ شُعِفتُ به، ... فإنّما هُوَ سِترٌ دونَ حُبّيكِ
غَالطتُهم دونَ شَخصٍ لا وُجودَ لَهُ، ... مَعناهُ أنتِ، وَلكن لا أُسَمّيكِ
أخافُ مِنْ مُسعدِي في الحبّ زَلّتَهُ، ... وكَيفَ آمَنُ فيهِ كَيدَ وَاشِيكِ
وَلَوْ كَشَفتُ لهُمْ ما بي وَبحتُ بهِ ... لاستَعبَرُوا رَحمةً من محنَتي فيكِ
مرضى تبعث المرض
ولي من أثناء قصيدة:
وَشَادِنٍ سِهَامُهُ ... مِنَ الجُفُونِ تُنتَضَى
قَدْ أصْبَحَتْ لهَا قُلُو ... بُ عَاشِقيهِ غَرَضا
كَمْ بَعَثَتْ أجفانُهُ ال ... مَرضَى لِقَلْبِ مَرَضَا
''(2/161)''
شعر على حائط
أخبرنا أبو علي محمد بن الحسين الجازري، حدثنا المعافى بن زكريا، حدثنا الحسين بن محمد بن عفير الأنصاري قال: قال أبو علي صديقنا: حدثني بعض أهل المعرفة أنه بينا هو في بعض بلاد الشام نزل في دار من دورها، فوجد على بعض حيطانها مكتوباً:
دَعُوا مُقلَتي تبكي لِفَقدِ حَبيبها، ... لتُطفي ببرْدِ الدّمعِ حَرَّ كُرُوبِهَا
ففي حلّ الدّمعِ للقلبِ رَاحةٌ، ... فَطُوبَى لنَفسٍ مُتّعَتْ بِحَبيبها
بمَنْ لَوْ رَأتْهُ القَاطِعاتُ أكفَّهَا ... لَما رَضِيَتْ إلاّ بقَطعِ قُلُوبِها
قال: فسأل عنه، فأخبر أن بعض العمال نزل هذه الدار، وقد أصاب ثلاثين ألف دينار، فعلق غلاماً، فأنفق ذلك المال كله عليه. قال: فبينا أنا جالس إذ مر بنا ذلك الغلام، قال: فما رأيت غلاماً أحسن منه حسناً وجمالاً.
جرير والحجاج وأمامة
وأخبرنا أبو علي، حدثنا المعافى بن زكريا، حدثنا أبو النضر العقيلي، أخبرنا الزبير، حدثني محمد بن أيوب اليربوعي عن أبي الذيال السلولي، حدثني جرير قال: وفدت على الحجاج في سفرة تسمى سفرة الأربعين، فأعطاني أربعين راحلةً ورعاءها، وحشو حقائبها القطائف والأكسية لعيالي، وأوقرها
''(2/162)''
حنطة، ثم خرجت. فلما شددت على راحلتي كورها، وأنا أريد المضي، جاءني خادم فقال: أجب الأمير، فرجعت معه، فدخلت على الحجاج، فإذا هو قاعد على كرسي، وإذا جارية قائمة تعممه، فقلت: السلام عليك أيها الأمير. فقال: هات، قل في هذه! فقلت: بأبي وأمي تمنعني هيبة الأمير، وإجلاله، فأفحمت، فما أدري ما أقول، فقال: بل هات، قل فيها! فقلت: بأبي وأمي، فما اسمها؟ قال: أمامة، فلما قال أمامة فتح علي فقلت:
وَدّعْ أُمَامَةَ حَانَ مِنكَ رَحيلُ، ... إنّ الوَداعَ لمَنْ تُحِبّ قَليلُ
تِلْكَ القُلُوبُ صَوَادِياً تَيّمتَهَا، ... وَأرَى الشّفَاءَ، وَمَا إلَيهِ سَبيلُ
فقال: بل إليه سبيل. خذ بيدها! فأخذت بيدها، فجبذتها، فتعلقت بالعمامة، وجبذتها حتى رأيت عنق الحجاج قد صغت، ومالت مما جبذتها، وتعلق بالعمامة. قال: وخطر ببالي بيت من شعر، فقلت:
إنْ كانَ طِبَّكُمُ الدّلالً، فإنّهُ ... حَسَنٌ دلالك، يا أُمَيمَ، جَميلُ
فقال الحجاج: إنه، والله، ما بها ذاك، ولكن بها بغض وجهك، وهو أهل لذاك. خذها بيدها جرها! فلما سمعت ذلك منه خلت العمامة، وخرجت بها، فكنيتها أم حكيم، وجعلتها تقوم على عمالي وتعطيهم نفقاتهم بقرية يقال لها الفنة، من قرى الوشم.
قال طلحة: فأخبرني الزبير قال: قال محمد بن أيوب: وسمعت حبجياً بن نوح يقول: كانت والله مباركة.
''(2/163)''
عائشة بنت طلحة وغراب قيس بن ذريح
أخبرنا محمد بن الحسين الجازري، حدثنا المعافى بن زكريا، حدثنا أبو الحسن أحمد بن محمد بن إسحق بن إبراهيم العجلي البزاز المعروف بالمراجلي بسر من رأى، حدثنا محمد بن يونس الكديمي، حدثنا يحيى بن عمر الليثي، حدثنا الهيثم بن عدي، حدثنا المجالد عن الشعبي قال: مر بي مصعب بن الزبير، وأنا في المسجد. فقال: يا شعبي؛ قم! فقمت، فوضع يده في يدي وانطلق حتى دخل القصر، فقصرت، فقال: ادخل يا شعبي! فدخل حجرةً، فقصرت، فقال: ادخل يا شعبي! فدخل بيتاً، فقصرت، فقال: ادخل، فدخلت، فإذا امرأة في حجلة، فقال: أتدري من هذه؟ فقلت: نعم! هذه سيدة نساء المسلمين، هذه عائشة بنت طلحة بن عبيد الله، فقال: هذه ليلى، وتمثل:
وَمَا زِلتُ في لَيلى لدن طَرّ شارِبي ... إلى اليَوْمِ أُخفي حُبّها وَأُدَاجِنُ
وَأحمِلُ في لَيلى لقَوْمٍ ضَغِينَةً، ... وَتُحملُ في لَيلى عليّ الضّغائنُ
ثم قال لي: يا شعبي! إنها اشتهت علي حديثك، فحادثها، فخرج وتركها، قال: فجعلت أنشدها وتنشدني، وأحدثها وتحدثني، حتى أنشدتها قول قيس بن ذريح:
ألا يا غُرَابَ البَيْنِ! قَد طرْتَ بالّذي ... أُحَاذِرُ من لُبنى، فَهلْ أنتَ وَاقعُ؟
أتَبكي عَلى لُبنى، وَأنتَ قَتَلتهَا؟ ... فَقَد هَلَكَتْ لُبنى، فما أنتَ صَانِعُ؟
قال: فلقد رأيتها، وفي يدها غراب تنتف ريشه، وتضربه بقضيب وتقول: يا مشؤوم.
''(2/164)''
أبو السائب يضرب الغراب
وحدثنا المعافى قال: قال محمد بن مزيد الخزاعي، حدثنا الزبير قال: قال الخليل بن سعيد: مررت بسوق الطير، فإذا الناس قد اجتمعوا يركب بعضهم بعضاً، فاطلعت فإذا أبو السائب قابضاً على غراب يباع، قد أخذ طرف ردائه. وهو يقول للغراب: يقول لك ابن ذريح:
ألا يا غُرَابَ البَينِ! قَد طرْتَ بالّذي ... أُحَاذِرُ من لُبنى، فَهلْ أنتَ وَاقعُ؟
ثم لا تقع، ويضربه بردائه والغراب يصيح.
السوداء وغراب البين
وحدثنا المعافى، حدثنا محمد بن أحمد بن إبراهيم الحكيمي، حدثنا ميمون بن المزرع قال: كنت آتي أبا إسحق الزيادي. فأتيته مرة، فمرت به أمة سوداء شوهاء، فقال لها: يا عنيزة أسمعيني: مر بالبين غراب فنعب، فقالت: لا والله أو تهب لي قطيعةً، فأخرج صريرةً من جيبه فناولها قطيعةً أريت أن فيها ثلاث حبات، فوضعت الجرة عن ظهرها وقعدت عليها، ثم رفعت عقيرتها:
مَرّ بالبَينِ غُرَابٌ فَنَعَبْ، ... لَيتَ ذا النّاعِبَ بالبَينِ كَذَبْ
فَلضحَاكَ اللهُ مِنْ طَيرٍ لَقَدْ ... كنتَ لوْ شِئتَ غنيّاً أن تُسَبّ
قال أبو بكر: فأحسنت.
''(2/165)''
الذنب ذنبي لا ذنب الغراب
قال أبو الفرج المعافى: وحدثني محمد بن الحسن بن مقسم أنشدني أحمد بن يحيى لأحمد بن مية، وهو أحد الظرفاء:
يَسُبّ غُرَابَ البَينِ ظُلماً مَعاشِرٌ، ... وَهُمْ آثَرُوا بُعدَ الحَبيبِ على القرْبِ
وَمَا لِغُرَابِ البَينِ ذنَبٌ، فَأبتَدي ... بِسَبّ غُرَابِ البَينِ، لَكِنّهُ ذَنبي
فيا شوْقُ لا تنفَد، ويَا دمعُ فِضْ وَزِدْ ... ويَا حُبُّ رَاوِحْ بَينَ جَنبٍ إلى جَنبِ
ويَا عاذِلي لمْني! ويَا عائِدي الحَني، ... عَصَيتُكُمَا، حَتى أُغَيّبَ في التُّربِ
إذا كَانَ رَبّي عَالِماً بِسَرِيرَتي ... فمَا النّاسُ في عَيني بأعظمَ من رَبي
المعتصم والمأمون والغلام التركي
أخبرنا أبو الحسين أحمد بن علي بن الحسين التوزي المحتسب، حدثنا أبو عبيد الله محمد بن عمران، أخبرني محمد بن يحيى الصولي، حدثني محمد بن يحيى بن أبي عباد، حدثني هارون بن محمد بن عبد الملك الزيات قال: دعا المعتصم بالله المأمون، فأجلسه في مجلس في سقفه جامات، فوقع ضوء بعض الجامات على وجه سيماء التركي، غلام المعتصم، وكان أوجد الناس به ولم يكن في عصره مثله، فصاح المأمون: يا أحمد بن محمد اليزيدي، وكان حاضراً، انظر إلى ضوء الشمس على وجه سيماء، أرأيت أحسن من هذا قط؟ وقد قلت:
قد طَلَعَتْ شمسٌ على شَمسِ، ... وَزَالَتِ الوَحْشَةُ بالأنْسِ
''(2/166)''
أجز، فقال:
قَدْ كُنتُ أقلَى الشمسَ في ما مَضَى، ... فَصرْتُ أشْتاقُ إلى الشّمسِ
وفطن المعتصم، فعض شفته على أحمد. فقال أحمد للمأمون: والله، لئن يعلم أمير المؤمنين لأقعن معه في ما أكره. فدعاه، فأخبره الخبر، وأنشده الشعر، فضحك المعتصم، وقال: كثر الله في غلمان أمير المؤمنين مثله.
المأمون والعشق
وأخبرنا أحمد بن علي الوكيل، حدثنا المرزباني الصولي، حدثنا عون بن محمد الكندي، سمعت موسى بن عيسى يقول: سمعت أحمد بن يوسف يقول: كان المأمون يحب أن يعشق ويعمل أشعاراً في العشق، فلم يكن يقع له العشق، ولا يستمر له ما يريد. وكانت عنده جاريةٌ اشتريتها له، وكانت تسميني أبي، وكان يباثّني حديثها وأمرها. وربما شكاها إلي، فقال: فعلت بنتك كذا وكذا. وله أشعار فيها:
أوّلُ الحُبّ مزَاحٌ وَوَلَعْ، ... ثمّ يَزْدَادُ إذا زَادَ الطّمعْ
كلُّ مَن يهوَى، وَإن غالَتْ بهِ ... رُتبَةُ المُلكِ، لمَنْ يَهوَى تَبَعْ
فَلِذا هَمٌّ وَغَدْرٌ وَنَوَى؛ ... وَلِذا شَوْقٌ وَوَجْدٌ وَجَزَعْ
''(2/167)''
الوليد بن يزيد والفتاة النصرانية
أخبرنا محمد بن الحسين الجازري، حدثنا المعافى بن زكريا، حدثنا محمد بن الحسن بن دريد، أخبرنا أبو حاتم، أخبرنا العتبي قال: نظر الوليد بن يزيد إلى جارية نصرانية من أهيإ النساء يقال لها سفرى، فجن بها، وجعل يراسلها، وهي تأبى، حتى بلغه أن عيداً للنصارى قد قرب، وأنها ستخرج فيه.
وكان في موضع العيد بستان حسن، وكانت النساء يدخلنه، فصانع الوليد صاحب البستان أن يدخله فينظر إليها، فتابعه، وحضر الوليد وقد تقشف وغير حليته، ودخلت سفرى البستان، فجعلت تمشي حتى انتهت إليه، فقالت لصاحب البستان: من هذا؟ فقال: رجل مصاب. فجعلت تمازحه وتضاحكه، حتى اشتفى من النظر إليها، ومن حديثها، فقيل لها: ويلك أتدرين من ذاك الرجل؟ قالت: لا! فقيل لها: الوليد بن يزيد وإنما تقشف حتى ينظر إليك، فجنت به بعد ذلك، وكانت عليه أحرص منه عليها. فقال الوليد في ذلك:
أضْحَى فُؤادُكَ، يا وَليدُ، عَميدَا ... صَبّاً كَلِيماً للحِسانِ صَيُودَا
من حبّ واضِحةِ العَوارِضِ طَفلةٍ ... بَرَزَتْ لَنا نحوَ الكَنيسةِ عِيدَا
مَا زِلتُ أرْمُقُهَا بعَيْنَيْ وَامِقٍ، ... حَتى بَصُرَتْ بها تُقبّلُ عُودَا
عودَ الصّليبِ، فَوَيحَ نفسِي من رَأى ... مِنكُمْ صَلِيباً مِثلَهُ مَعْبُودَا
فَسألتُ رَبي أنْ أكُونَ مَكَانَهُ، ... وَأكُونَ في لَهَبِ الجَحيمِ وَقودَا
قال القاضي أبو الفرج المعافى: لم يبلغ مدرك الشيباني هذا الحد من الخلاعة، إذ قال في عمرو النصراني:
يَا لَيتَني كُنتُ لَهُ صَلِيبَا، ... فَكُنتُ مِنْهُ أبَداً قَريبَا
''(2/168)''
أُبصِرُ حُسناً، وَأشُمّ طِيبا، ... لا وَاشِياً أخشَى وَلا رَقيبَا
فلما ظهر أمره وعلمه الناس قال:
ألا حبّذا سُفرَى، وَإنْ قِيلَ إنّني ... كُلِفتُ بنَصرَانِيّةٍ تَشرَبُ الخَمرَا
يَهُونُ عَلينا أنْ نظلّ نَهَارَنَا ... إلى اللّيلِ لا أُولى نُصَلّي وَلا عَصرَا
جور الهوى
ولي من جملة قصيدة عملتها بتنيس، وأنا أستغفر الله وأستقيله:
وَبتنّيسَ في كَنيسَةِ ديرِي ... نَ، لحَيني، أبصَرْتُ ظَبياً أغَنّا
وَاقِفاً يَلْثِمُ الصّلِيبَ، وَطَوْراً ... بِأنَاجِيلِهِ يُرَجّعُ لَحنَا
فَتَمَنّيتُ أنْ أكُونَ صَليباً، ... يَوْمَ قُرْبَانِهِ، فأقرَعَ سِنّا
وفي هذه القطعة:
وَأخي لَوْعَةٍ لَقيتُ، فَمَا زَا ... لَ بمَاءِ الجُفُونِ يُبكي الجَفْنَا
يَشتَكي وَجدَهُ إليّ، وَأشكُو ... مَا يُلاقي قَلبي الكَئيبُ المُعَنّى
ثمّ لمّا كَفّتْ دُمُوعُ مَآقِي ... هِ وَمَلّ المَكَانَ مِمّا وَقفنَا
قَالَ لي، وَالعذّالُ قَد يَئِسوا من ... هُ وَمني، وَحَنّ شَوْقاً وَأنّا:
قَدْ أفَاقَ العُشّاقُ من سكرَةِ الحُ ... بّ جَميعاً فَمَا لَنا مَا أفَقنَا؟
قُلتُ: جَارَ الهَوَى عَلَينا فَلَوْ أنّ ... اغَداةَ الفِرَاقِ مُتنا استَرَحنَا
''(2/169)''
مدرك الشيباني وعمرو النصراني
أخبرنا أبو القاسم علي بن المحسن التنوخي، رحمه الله تعالى، سنة ثلاث وأربعين وأربعمائة، حدثنا القاضي أبو الفرج المعافى بن زكريا الجريري قال: أنشدنا أبو القاسم مدرك بن محمد الشيباني لنفسه في عمرو النصراني. قال القاضي أبو الفرج: وقد رأيت عمراً، وبقي حتى ابيضّ رأسه:
مِن عَاشِقٍ ناءٍ هَوَاهُ دَانِ، ... نَاطِقِ دَمعٍ صَامِتِ اللّسَانِ
مُوثَقِ قَلبٍ مُطلَقِ الجُثمَانِ، ... مُعَذَّبٍ بالصَّدِّ وَالهِجْرَانِ
مِنْ غَيرِ ذَنبٍ كَسَبتْ يَدَاهُ، ... غَيرَ هَوىً نَمّتْ بِهِ عَينَاهُ
شَوْقاً إلى رُؤيَةِ مَنْ أشْقَاهُ، ... كَأنّما عَافَاهُ مَنْ أضناهُ
يا وَيْحَهُ مِنْ عَاشقٍ مَا يَلقَى ... مِنْ أدْمُعٍ مُنْهَلّةٍ مَا تَرْقَا
نَاطِقَةٍ وَمَا أحَارَتْ نُطْقَا، ... تُخبِرُ عَنْ حُبٍّ لَهُ استَرَقّا
لمْ يَبقَ مِنْهُ غَيرُ طَرْفٍ يَبكي، ... بِأدْمُعٍ مِثْلِ نِظَامِ السِّلْكِ
تُطفيهِ نِيرانُ الهَوَى وَتُذكي، ... كَأنّها قَطْرُ السّمَاءِ تَحكي
إلى غَزَالٍ مِنْ بَني النّصَارَى، ... عِذَارُ خَدّيهِ سَبَى العَذَارَى
وَغَادَرَ الأُسدَ بهِ حَيَارَى، ... في رِبْقَةِ الحُبِّ لَهُ أسَارَى
رئمٍ بدَارِ الرّومِ رَامَ قَتلي، ... بمُقلَةٍ كَحلاءَ لا عَنْ كُحْلِ
وَطَرّةٍ بهَا استَطَارَ عَقلي، ... وَحُسنِ وَجْهٍ وَقَبيحِ فِعلِ
رئمٍ بهَا أيّ هِزَبْرٍ لَمْ يُصَدْ، ... يَقتُلُ باللّحظِ وَلا يَخشَى القَوَدْ
متى يقُل: ها! قالتِ الألحاظُ: قد، ... كَأنّهُ نَاسُوتُهُ حِينَ اتّحَدْ
''(2/170)''
مَا أبصَرَ الناسُ جَميعاً بَدْرَا، ... وَلا رَأوْا شَمساً، وَغُصْناً نَضْرَا
أحسَنَ مِن عمروٍ، فدَيتُ عمر!! ... ظَبيٌ بعَيْنَيهِ سَقَاني الخَمْرَا
هَا أنَا ذَا بِقَدّهِ مَقدُودُ، ... وَالدّمعُ في خَدّي لَهُ أُخْدُودُ
مَا ضرّ مَن فَقدي بهِ مَوْجُودُ، ... لَوْ لَمْ يُقبّحْ فِعلَهُ الصّدُودُ
إنْ كانَ دِيني عِندَهُ الإسلامُ ... فَقَدْ سَعَتْ في نَقضِهِ الآثَامُ
وَاختَلّتِ الصّلاةُ وَالصّيَامُ، ... وَجَازَ في الدّينِ الحَرَامُ
يَا لَيْتَنِي كُنتُ لَهُ صَلِيبَا، ... أكُونُ مِنْهُ أبَداً قَرِيبا
أُبْصِرُ حُسْناً وَأشمّ طِيبا، ... لا وَاشِياً أخشَى، وَلا رَقيبَا
بَلْ لَيْتَني كُنتُ لَهُ قُرْبانَا ... ألْثِمُ مِنْهُ الثّغْرَ وَالبَنانَا
أوْ جَاثَليقاً كُنتُ أوْ مُطْرَانَا، ... كَيْمَا يَرَى الطّاعةَ لي إيمانَا
بَلْ لَيْتني كنتُ لعمروٍ مُصْحَفَا ... يَقرَأُ مِني كُلّ يَوْمٍ أحرُفا
أوْ قَلَماً يَكتُبُ بي مَا ألّفَا ... مِنْ أدَبٍ مُسْتَحسَنٍ قَد صُنّفَا
بَلْ لَيْتَني كنتُ لعمروٍ عُوذَهْ، ... أوْ حُلّةً يَلبَسُهَا مَقذُوذَهْ
أوْ بَرْكَةً بإسمِهِ مَأخُوذَهْ، ... أوْ بِيعَةً في دَارِهِ مَنْبُوذَهْ
بَلْ لَيْتَني كُنتُ لَهُ زُنّارَا ... يُدِيرُني في الخَصرِ كَيفَ دَارَا
حَتى إذا اللّيلُ طَوَى النّهَارَا، ... صِرْتُ لَهُ حينَئِذٍ إزَارَا
قَدْ، وَالّذي يُبقِيهِ لي، أفنَاني، ... وَابتَزّ عَقلي، وَالضَّنى كَسَاني
ظَبيٌ عَلى البُعَادِ وَالتّدَانِي، ... حَلّ مَحلّ الرّوحِ مِنْ جُثمَاني
''(2/171)''
وَاكَبِدي مِنْ خَدّهِ المُضَرَّجِ، ... أذْهَبُ للنّسكِ وَللتّحَرّجِ
إلَيكَ أشكُو يا غَزَالَ الإنسِ، ... مَا بي من الوَحشَةِ بَعد الأُنسِ
يَا مَنْ هِلالي وَجهُهُ وَشَمسِي، ... لا تُقَتَلُ النّفسُ، بِغَيرِ نَفسِ
جُدْ لي كمَا جُدتَ بحُسنِ الوُدّ، ... وَارْعَ كَمَا أرْعَى قَدِيمَ العَهدِ
وَاصْدُدْ كصَدّي عن طوِيلِ الصّدّ، ... فَلَيسَ وَجدٌ بكَ مِثلَ وَجدِي
هَا أنا في بَحرِ الهَوَى غَرِيقُ، ... سَكرَانُ مِنْ حُبّكَ لا أُفيقُ
مُحتَرِقٌ، مَا مَسّني حَرِيقُ، ... يَرْثي لي العَدُوُّ وَالصّديقُ
فَلَيتَ شعرِي فيكَ! هَل تَرْثي لي ... مِنْ سَقَمٍ بي وَضنًى طَوِيلِ
أمْ هَلْ إلى وَصْلِكَ من سَبيلِ ... لِعاشِقٍ ذِي جَسَدٍ نَحِيلِ!
في كلّ عُضْوٍ مِنهُ سُقْمٌ وَألَمْ، ... وَمُقْلَةٌ تَبكي بدَمعٍ وبِدَمْ
شَوْقاً إلى بَدْرِ وَشَمْسٍ وصَنَمْ، ... مِنهُ إلَيهِ المُشتكَى، إذا ظَلَمْ
أقُولُ إذ قَامَ بقَلبي وقَعَدْ: ... يا عمرو، يا عَامرَ قَلبي بالكَمَدْ
أُقسِمُ باللهِ يَمينَ المُجْتَهِدْ، ... إن امرأً أسعَدتَهُ لَقَدْ سَعِدْ
يا عمرو! نَاشَدتُكَ بالمَسيحِ، ... ألا استَمَعتَ القَوْلَ مِنْ فَصيحِ
يُخبرُ عَنْ قَلبٍ لَهُ جَريحِ، ... بَاحَ بِمَا يَلقَى مِنَ التبْرِيحِ
يا عمرو! بالحَقّ مِنَ اللاهُوتِ، ... وَالرّوحِ رُوحِ القُدسِ وَالنّاسوتِ
ذَاكَ الذِي في مَهدِهِ المَنحُوتِ، ... عُوّضَ بالنّطقِ مِنَ السّكُوتِ
بحَقّ نَاسُوتٍ بِبَطْنِ مَرْيَمِ، ... حَلّ مَحَلَّ الرّيقِ مِنهَا في الفَمِ
ثمّ استَحَالَ في قَنُومِ الأقدَمِ، ... فَكَلّمَ النّاسَ، وَلمّا يُفطَمِ
''(2/172)''
بحَقّ مَنْ بَعدَ المَمَاتِ قُمّصَا ... ثَوْباً عَلى مِقدَارِهِ مَا قُصّصَا
وكانَ للهِ تَقيّاً مُخْلِصاً، ... يَشفي وَيُبري أكْمَهاً وَأبْرَصَا
بحقّ مُحيي صُورَةِ الطّيُورِ، ... وَبَاعِثِ المَوْتَى مِنَ القُبُورِ
وَمَنْ إلَيهِ مَرْجِعُ الأمُورِ، ... يَعلَمُ مَا في البَرّ وَالبُحُورِ
بحَقّ مَا في شَامخِ الصّوَامِعِ، ... مِنْ سَاجِدٍ لرَبّهِ وَرَاكِعِ
يَبكي إذا ما نَامَ كُلُّ هَاجِعِ ... خَوْفاً إلى اللهِ بِدَمْعٍ هَامِعِ
بحَقّ قَوْمٍ حَلَقُوا الرّؤوسَا، ... وَعَالجُوا طُولَ الحيَاةِ بُوسَا
وَقَرَعُوا في البِيعَةِ النّاقُوسَا، ... مُشَمْعِلِينَ يَعبُدُونَ عِيسَى
بحَقّ مارت مَرْيَمٍ وَبُولُسِ، ... بحَقّ شِمعُونَ الصَّفَا وَبطرُسِ
بحَقّ دَانِيلَ بحَقّ يُونُسِ، ... بحَقّ حَزْقِيلَ وَبَيتِ المَقْدِسِ
وَنينَوَى، إذْ قَامَ يَدعُو رَبَّهُ، ... مُطَهِّراً مِنْ كُلّ سُوءٍ قَلْبَهُ
وَمُسْتَقيلاً، فَأقَالَ ذَنْبَهُ، ... وَنَالَ مِنْ أبِيهِ مَا أحَبّهُ
بحَقّ مَا في قُلّةِ المَيروُنِ ... مِنْ نَافِعِ الأدوَاءِ للمَجنُونِ
بحَقّ مَا يُؤثَرُ عَنْ شِمعُونِ، ... مِنْ بَرَكاتِ الخُوصِ وَالزّيتُونِ
بحَقّ أعيَادِ الصّليبِ الزُّهْرِ، ... وَعيدِ شِمعُونَ وَعيدِ الفِطْرِ
وَبالشّعَانِينِ العَظِيمِ القَدرِ، ... وَعيدِ مَرمَارِي الرّفِيعِ الذّكرِ
''(2/173)''
وَعيدِ أشعَبَا، وبالهَيَاكِلِ، ... وَالدُّخُنِ اللاّتي بكَفّ الحَامِلِ
يُشفَى بها من خيلِ كلّ خَابلِ ... وَمن دَخيلِ السُّقمِ في المَفاصِلِ
بحَقّ سَبعينَ مِنَ العِبادِ، ... قَامُوا بدينِ اللهِ في البِلادِ
وأَرْشَدُوا النّاسَ إلى الرّشادِ، ... حَتى اهتَدَى مَنْ لمْ يَكُنْ بهادِ
بحَقّ ثنتي عَشرَةٍ مِنَ الأمَمْ، ... سارُوا إلى الأقطارِ يَتلونَ الحِكَمْ
حتى إذا صُبحُ الدّجى جَلّى الظُّلَمْ ... صَارُوا إلى اللهِ وَفَازُوا بِالنِّعَمْ
بحَقّ مَا في مُحكَمِ الإنجِيلِ، ... مِنْ مُحكَمِ التحريمِ وَالتّحليلِ
وَخَبَرٍ ذِي نَبَإٍ جَلِيلِ، ... يَرْوِيهِ جِيلٌ قَد مَضَى عَن جيلِ
بحَقّ مُرْقُسَ الشّفِيقِ النّاصِحِ، ... بحَقّ لُوقَا ذِي الفَعَالِ الصّالِحِ
بحَقّ يُوحَنّا الحَلِيمِ الرّاجِحِ ... وَالشّهَدَاءِ بالفَلا الصّحَاصِحِ
بحَقّ مَعمُوِيّةِ الأرْواحِ، ... وَالمَذبَحِ المَشهُورِ في النّواحي
وَمَن بهِ من لابسِ الأمسَاحِ، ... وَعَابِدٍ بَاكٍ وَمِنْ نَوّاحِ
بحَقّ تَقْرِيبِكَ في الآحَادِ، ... وَشُرْبِكَ القَهوَةَ كالفِرْصَادِ
وَطُولٍ تَبييضِكَ للأكْبَادِ، ... بِمَا بِعَيْنَيكَ مِنَ السّوَادِ
بحَقّ مَا قُدّسَ شَعيَا فِيهِ، ... بِالحَمدِ للهِ وَبِالتّنزِيهِ
بحَقّ نَسطُورٍ وَمَا يَرْويهِ، ... عَنْ كُلّ نَامُوسٍ لَهُ فَقِيهِ
''(2/174)''
شَيخانِ كَانَا مِنْ شُيُوخِ العلمِ ... وَبَعضِ أرْكَانِ التّقَى وَالحِلمِ
لَم يَنطِقَا قَطّ بِغَيرِ فَهْمِ، ... مَوْتُهُمَا كَانَ حَيَاةَ الخَصمِ
بِحُرْمَةِ الأسقُفِ وَالمُطْرَانِ، ... وَالجَاثَلِيقِ العَالِمِ الرّبّاني
وَالقَسّ وَالشمّاسِ وَالدّيرَاني، ... وَالبطرَكِ الأكبَرِ وَالرّهبَانِ
بحُرْمَةِ المَحبُوسِ في أعلى الجَبَلْ، ... ومَار قُولا حِينَ صَلّى وَابتَهَلْ
وَبالكَنيسَاتِ القَديمَاتِ الأُوَلْ، ... وَبِالسّليمِ المُرْتَضَى بمَا فَعَلْ
بِحُرْمَةِ الأسقُوفيَا وَالبَيرَم، ... وَمَا حَوَى مِغفَرُ رَأسِ مَرْيَمِ
بِحُرْمَةِ الصّوْمِ الكبيرِ الأعظَمِ، ... وَحَقِّ كلّ بَرْكَةٍ وَمَحرَمِ
بِحَقّ يَوْمِ الذّبحِ ذِي الإشرَاقِ ... وَلَيلَةِ المِيلادِ وَالسُّلاّقِ
وَالذَّهَبِ المُذهِبِ للنِّفَاقِ، ... وَالفِصْحِ، يَا مُهَذَّبَ الأخلاقِ
بكُلّ قُدّاسِ عَلى قُدّاسِ، ... قَدّسَهُ القَسُّ مَعَ الشمّاسِ
وَقَرّبُوا يَوْمَ الخَميسِ الناسي، ... وَقَدّمُوا الكَاسَ لكُلّ حَاسِ
ألا رَغبتَ في رِضَا أدِيبِ ... بَاعَدَهُ الحُبُّ عَنِ الحَبيبِ
فَذابَ مِنْ شَوْقٍ إلى المُذيبِ ... أعلى مُنَاهُ أيسَرُ التّقريبِ
فَانظُرْ أمَيرِي في صَلاحِ أمرِي، ... مُحتَسِباً فيّ عَظيمِ الأجْرِ
مُكتَسِباً فيّ جَميلَ الشّكرِ، ... في نَثرِ ألفاظٍ، وَنَظمِ شِعرِ
''(2/175)''
قضاة لا يقبلون الرُّشى
قال ابن السراج: ولي من قطعة:
دَمعي بمَكتومِ غَرَامي وَشَى، ... وكَانَ مَطوِيّاً عَلَيهِ الحَشَا
يَنهَلّ دَمعي سَاجِماً كُلّمَا ... أبصَرْتُ رَبْعاً مِنهمُ مُوحِشاً
صَادَ فُؤادي في الهَوَى شَادِنٌ ... سَقَاهُ مِنْ رِيقَتِهِ فَانتَشَى
أبصَرْتُهُ يَوْمَ شَعَانِينِهِ ... يَجذبُهُ الرِّدْفُ إذا مَا مَشَى
أشَدُّ شَيءٍ في الهَوَى أنّهُ ... قُضَاتُهُ لا يَقبَلُونَ الرُّشَى
إبراهيم بن المهدي والجارية
أخبرنا أبو علي الجازري، حدثنا المعافى بن زكريا، حدثنا المظفر بن يحيى بن أخبرنا الشرابي، حدثنا أبو العباس المرثدي، حدثنا طلحة بن عبد الله الطلحي أنشدني يعقوب بن عباد الزبيري لإبراهيم بن المهدي، وقد أخدمته بعض العباسيات، في حال استخفائه عندها، جاريةً وقالت لها: أنت له، فإن مد يده إليك، فلا تمتنعي، ولم تعلم بهبتها له، وكانت مليحةً، فجمشها يوماً بأن قبل يدها وقال:
يا غَزَالاً لي إلَيْ ... هِ شَافعٌ مِنْ مُقلَتَيهِ
وَالّذي أجلَلْتُ خَدّيْ ... هِ، فَقَبّلتُ يَدَيْهِ
بأبي وَجهُكِ مَا أكْ ... ثَرَ حُسّادِي عَلَيهِ
أنَا ضيفٌ، وَجَزَاءُ الضّي ... فِ إحسَانٌ إلَيهِ
''(2/176)''
قال المعافى: ومما يضارع بعض ما تضمنته هذه الأبيات من جهة ما أنشدناه إبراهيم بن عرفة لنفسه:
يَا دَائمَ الهَجرِ وَالصّدُودِ، ... مَا فَوْقَ بَلوَايَ مِنْ مَزيدِ
أصْبَحتُ عَبداً، وَلستَ تَرْعَى ... وَصِيّةَ اللهِ في العَبيدِ
الطائفة في البيت الحرام
أخبرنا محمد بن الحسين الجازري، حدثنا المعافى بن زكريا، حدثنا محمد بن القاسم الأنباري، حدثني أبي، حدثنا عامر بن عمران أبو عكرمة الضبي عن سليمان بن أبي شيخ قال: بينا عبد الله بن الحسن بن علي بن أبي طالب، عليهم السلام، يطوف بالبيت إذ رأى امرأةً تطوف وتنشد:
لا يَقبلُ اللهُ مِنْ مَعشُوقَةٍ عَمَلاً، ... يَوْماً، وَعَاشِقُهَا غَضبَانُ مَهجورُ
قال القاضي: وفي غير هذه الرواية يليه بيت آخر وهو:
وَكَيفَ يَأجُرُها في قَتلِ عَاشِقِها، ... لكنّ عَاشِقَهَا في ذَاكَ مَأجُورُ
فقال عبد الله للمرأة: يا أمة الله! مثل هذا الكلام في مثل هذا الموقف؟ فقالت: يا فتى ألست ظريفاً؟ فقال: بلى! قالت: ألست راويةً للشعر؟ قال: بلى! قالت: أفلم تسمع الشاعر يقول:
بِيضٌ غَرَائرُ مَا هَمَمنَ برِيبَةٍ ... كَظِبَاءِ مَكّةَ، صَيدُهُنّ حَرَامٌ
يُحسَبنَ مِنْ لِينِ الحَديثِ زَوَانِياً، ... وَيَصُدّهُنّ عَنْ الخَنَا الإسلامُ
''(2/177)''
سباق العاشقين
ولي أبيات مفردة مما نظمته ببغداد:
وَحَقَّ تَبَسّمِ يَوْمِ التّلاقي ... لتَشتيتِ شَملِ لَيالي الفِرَاقِ
وَوَصْلِ حِبَالِ الهَوَى بَينَنَا، ... عَلى أُلفَةٍ حَسُنَتْ وَاتّفَاقِ
وَحُرْمَةِ مَوْقِفِنا نَجتَلي ... بُدُوراً مُنَزَّهَةً عَنْ مَحَاقِ
وَنَسحَبُ مِنْ صَوْنِنَا وَالعَفَا ... فِ أردِيَةً بَينَ تِلكَ الحِدَاقِ
لَقَدْ ضِقتُ ذرْعاً بِلَوْمِ العذول، ... فَيا لَيتَهُم نَفّسوا مِن خِناقِي
أحِنُّ لنَجدٍ مَتى أنجَدُوا، ... عَلى أنّ دارِي قُصُورُ العِرَاقِ
فَمَنْ مُخبرٌ عَنّي الظّاعِنِي ... نَ، بالأمسِ، أني على العَهدِ بَاقِ
وَأني، إذا استَبَقَ العَاشِقُونَ ... إلى غَايَةٍ، فزْتُ يَوْمَ السّباقِ
ندوب اللواحظ
ولي أيضاً في مفردة:
وَقَائِلَةٍ، وَقد نَظَرَتْ نُدُوباً، ... جَنَتهَا مِنْ لَوَاحِظِهَا سِهَامُ
وَأنفَاساً مُصَعَّدَةً، وَجَفناً ... يَفيضُ كأنّ فَائِضَهُ غَمَامُ:
أرَاكَ شرِبتَ كأسَ الحُبّ صِرْفاً، ... فَقَد رَوِيَتْ بهَا مِنكَ العِظامُ
أفَاقَ العَاشِقونَ بكُلّ أرْضٍ، ... وَنَامَ السّاهِرُونَ، وَمَا تَنَامُ
وَصَحّ مِنَ الهَوَى مَرْضَاهُ جَمعاً، ... فَمَا لكَ لَيسَ يَبرحُكَ السَّقَامُ
''(2/178)''
فقُلْتُ لهَا، ودَمعُ العَينِ هَامٍ، ... لَهُ مِنْ فَوْقِ خَدّيَّ انسِجَامُ:
أقِلّي اللّوْمَ عَنْ ظَمآنَ صَادٍ، ... يَحُومُ، وَقَد أضَرّ بِهِ الأُوَامُ
أصَمَّ عَنِ العَوَاذِلِ، لَيسَ يَجدِي ... عَليهِ في الهَوَى قَطُّ المَلامُ
الشيخ المتصابي
أخبرنا محمد بن الحسين، حدثنا المعافى بن زكريا، حدثنا محمد بن الحسن بن دريد، أخبرنا الرياشي عن محمد بن سلام عن أبيه، حدثني شيخ من بني ضبة قال: رأيت أعرابياً كبير السن كثير المزاح، بيده محجن، وهو يجر رجليه حتى وقف على مسعر بن كدام، وهو يصلي، فأطال الصلاة، والأعرابي واقف، فلما أعيا قعد. حتى إذا فرغ مسعر من صلاته سلم الأعرابي عليه، وقال له: خذ من الصلاة كفيلاً! فتبسم مسعر، وقال: عليك بما يجدي عليك نفعه، يا شيخ، كم تعد؟ فقال: مائةَ وبضع عشرة سنة. قال: في بعضها ما كفى واعظاً، فاعمل لنفسك، فقال:
أُحِبُّ اللّوَاتِي هُنّ مِنْ وَرَقِ الصِّبى، ... وَمِنهُنّ عَنْ أزْوَاجِهِنّ طِمَاحُ
مُسِرّاتُ بُغضٍ، مُظهِرَاتٌ عَدَاوَةً، ... تَرَاهُنّ كَالمَرْضَى، وَهُنّ صِحاحُ
فقال مسعر: أف لك! فقال: والله ما بأخيك حركة منذ أربعين سنة، ولكنه بحر يجيش ويرمي زبده، فضحك مسعر، وقال: إن الشعر كلام حسنه حسن، وقبيحه قبيح.
''(2/179)''
نور متجسم
قال: وحدثنا المعافى، حدثنا يزيد بن الحسن البزاز، حدثني خالد الكاتب قال: دخلت على أبي عباد أبي الرغل بن أبي عباد، وعنده أحمد بن يحيى وابن الأعرابي، فرفع مجلسي، فقال له ابن الأعرابي: من هذا الفتى الذي أراك ترفع من قدره؟ فقال: أو ما تعرفه؟ قال: اللهم لا! قال: هذا خالد الكاتب الذي يقول الشعر؟ قال: فأنشدني من قولك شيئاً، فأنشده:
لَوْ كَانَ مِنْ بَشَرٍ لمْ يَفتَنِ البَشَرَا، ولَمْ يَفقْ في الضّيَاءِ الشمسَ والقَمَرَا
نُورٌ تَجَسّمَ، مُنحَلّ وَمُنعَقِدٌ، ... لَوْ أدرَكَتهُ عُيُونُ النّاسِ لانكَدَرَا
فصاح ابن الأعرابي وقال: كفرت يا خالد! هذه صفة الخالق، ليست صفة المخلوق، فأنشدني ما قلت غير هذا، فأنشدته:
أَرَاكَ لمّا لجَجتَ في غَضَبِكَ، ... تَترُكُ رَدّ السّلامِ في كُتُبِك
حتى أتيت على قولي:
أقُولُ للسُّقمِ عُدْ إلى بَدَني، ... حبّاً لِشَيءٍ يكونُ مِنْ سَبَبِك
فصاح ابن الأعرابي وقال: إنك لفطن، وفوق ما وصفت به.
بيت شعر بثلاثمائة دينار
قال: وحدثنا المعافى، حدثنا أحمد بن جعفر بن موسى البرمكي قال: فال خالد الكاتب:
وقف علي رجل بعد العشاء متلفع برداء عدنيٍ أسود، ومعه غلام معه صرةٌ، فقال لي: أنت خالد؟ قلت: نعم! قال: أنت الذي تقول:
قَد بكَى العاذِلُ لي من رَحمَتي، ... فبُكائي لِبُكَاءِ العَاذِلِ
''(2/180)''
قلت: نعم! قال: يا غلام ادفع إليه الذي معك! فقلت: وما هذا؟ قال: ثلاثمائة دينار. قلت: والله لا أقبلها، أو أعرفك. قال: أنا إبراهيم بن المهدي.
صرعة المحب
قال: وحدثنا المعافى بن زكريا، حدثنا محمد بن القاسم الأنباري، حدثني محمد بن المرزبان، حدثنا زكريا بن موسى، حدثنا شعيب بن السكن عن يونس النحوي قال: لما اختلط عقل قيس المجنون وامتنع من الطعام والشراب مضت أمه إلى ليلى فقالت لها: يا هذه! قد لحق ابني بسببك ما قد علمت، فلو صرت معي إليه، رجوت أن يثوب إليه، ويرجع عقله إذا عاينك؟ فقالت: أما نهاراً فلا أقدر على ذلك لأني لا آمن الحي على نفسي، ولكن أمضي معك ليلاً.
فلما كان الليل صارت إليه فقالت له: يا قيس! إن أمك تزعم أن عقلك ذهب بسببي، وأن الذي لحقك أنا أصله. ففتح عينيه، فنظر إليها، وأنشأ يقول:
قالَت جُنِنتَ عَلى رَأسِي، فقُلتُ لها: ... ألحُبُّ أعظَمُ مِمّا بِالمَجَانِينِ
الحُبّ لَيسَ يُفيقُ الدّهرَ صَاحِبُهُ، ... وَإنّمَا يُصرَعُ المَجنُونُ في الحِينِ
جنون القلب
ولي ابتداء قصيدة مدحت بها عين الدولة ابن أبي عقيل بالشام أولها:
عَرِّجْ بِنَا عَنِ الحِمَى يَمِينَا، ... فَقَدْ تَوَلّى الحَيرةُ الغَادِينَا
لمْ أنسَ يَوْمَ ذِي الأَرَاكِ قَوْلَها، ... وَالبَينُ عَنْ قَوْسِ النّوَى يَرْمينَا
''(2/181)''
4
تَزَوَّدِ الوَدَاعَ، وَاعلَمْ أنّنَا، ... كمَا اشتَهَى البَينُ، مُفَارِقُونَا
وأَلمَسَتْني، وَالرّقِيبُ غَافِلٌ، ... كَفّاً تَكَادُ أنْ تَذُوبَ لِينَا
أجْلَلتُ فضاهَا اللّثْمَ إلاّ أنّني ... قَبّلتُ مِنهَا النّحرَ والجَبيِنا
تَمْنَعُنَا العِفّةُ كُلَّ رِيبَةٍ، ... وَالقَلبُ قَد جُنّ بهَا جُنُونَا
أنفاس تذيب الحديد
أخبرنا أبو محمد الحسن بن محمد بن الحسن الخلال، حدثنا محمد بن أحمد بن الصلت، حدثنا أبو بكر محمد بن القاسم، حدثني أبي أنشدني أبو عكرمة الضبي:
فلو أنّ ما بي بالحَصَا فَلَقَ الحَصَا، ... وَبالرّيحِ لمْ يُسْمَعْ لهنّ هُبُوبُ
وَلَوْ أنّني أستَغفِرُ اللهَ كُلّمَا ... ذكَرْتُكِ لمْ تُكتَبْ عليّ ذُنوبُ
وَلَوْ أنَ أنفَاسِي أصَابَتْ بحرّهَا ... حَديداً، إذاَ ظَلّ الحَديدُ يَذُوبُ
لو يدوم التلاقي
وبإسناده أخبرنا محمد بن القاسم الأنباري قال: أنشدني محمد بن المرزبان لابن أبي عمار المكي:
مَنْ لقَلبٍ يجولُ بينَ التّرَاقِي، ... مُستَهَامٍ، يَتُوقُ كُلَّ مَتَاقِ
حَذراً أنْ تَبينَ دَارُ سُلَيمَى، ... أوْ يَصيحَ الصَّدَى لهَا بِفِرَاقِ
''(2/182)''
أمَّ سَلاّمَ، مَا ذكَرتُكِ إلاّ ... شَرِقَتْ بالدّمُوعِ مِني المَآقِي
كَيفَ يَنسَى المُحِبُّ ذِكرَ حَبيبٍ، ... طَيّبِ الخِيمِ ظَاهِرِ الأشَواقِ
وَحَديثٍ يَشفي السَّقيمَ من السُّق ... مِ، دَوَاءِ السّلِيمِ كَالدِّرْيَاقِ
حَبّذَا أنتِ من جَلِيسٍ إلَينَا ... أُمَّ سَلاّمَ لَوْ يَدُومُ التّلاقي
حمام الشعب
أخبرنا أبو علي محمد بن الحسين الجازري، حدثنا المعافى بن زكريا، حدثني محمد بن القاسم أنشدني أبي لبعض الأعراب:
ألا يا حَمامَ الشِّعبِ شِعبِ مُؤنِّسٍ! ... سُقيتَ الغَوَادي من حمامٍ وَمن شِعبِ
سُقيتَ الغَوَادي، رُبّ خَوْدٍ خَرِيدَةٍ، ... أصَاختْ لخفضٍ من عَنائكَ أوْ نَصْبِ
فإنْ يَرْتَحِلْ صَحبي بجُثمانِ أعظُمي، ... يُقِمْ قَلبيَ المَحزُونُ في منزِلِ الرَّكبِ
في وجهه شافع
وأخبرنا أبو علي الجازري، حدثنا المعافى، حدثنا محمد بن يحيى الصولي، حدثنا علي بن يحيى قال:
كنت واقفاً بين يدي المعتضد، وهو مقطب، فأقبل بدر، فلما رآه من بعيد تبسم وأنشد:
وَفي وَجهِهِ شافعٌ يَمحُو إساءَتَهُ، ... من القُلوبِ، وَجيهٌ حَيثُ مَا شَفَعَا
''(2/183)''
ثم قال لي: لمن هذا؟ فقلت: يقوله الحكم بن كثير المازني البصري. قال: أنشدني باقي الشعر، فقلت:
لَهْفي عَلى مَن أطَارَ النّوْمَ، فَامتَنَعَا، ... وَزَادَ قَلبي عَلى أوْجِاعِهِ وَجَعَا
كَأنّمَا الشّمسُ مِن أعطافِهِ لَمَعتْ ... حُسناً، أوِ البَدرُ مِنْ أزْرَارِهِ طَلَعَا
مُستَقبَلٌ بالذي يَهوَى، وَإن عَظُمَتْ ... مِنهُ الإسَاءَةُ، مَعذُورٌ بمَا صَنَعَا
في وَجهِهِ شَافِعٌ يَمحُو إسَاءَتَهُ، ... من القُلُوبِ، وَجِيهٌ حَيثُ مَا شَفَعَا
قال الصولي: فأخذ هذا المعنى أحمد بن يحيى بن العراق الكوفي، فقال: بدا وكأنما قمر، وأنشد البيتين.
لم يفرق بين المحبين
أخبرنا علي بن أحمد علي المعدل، حدثني أبي قال: روى أبو روق الهراني عن الرياشي أن بعض أهل البصرة اشترى صبيةً، فأحسن تأديبها وتعليمها، وأحبها كل المحبة، وأنفق عليها حتى أملق، ومسه الضر الشديد، فقالت الجارية: إني لأرثي لك، يا مولاي، مما أرى بك من سوء الحال، فلو بعتني واتسعت بثمني، فلعل الله أن يصنع لك وأقع أنا بحيث يحسن حالي، فيكون ذلك أصلح لكل واحد منا.
قال: فحملها إلى السوق، فعرضت على عمر بن عبيد بن معمر التيمي، وهو أمير البصرة يومئذ، فأعجبته، فاشتراها بمائة ألف درهم، فلما قبض المولى الثمن، وأراد الإنصراف، استعبر كل واحد منهما لصاحبه باكياً، وأنِشأت الجارية تقول:
هَنِيئاً لكَ المَالُ الّذِي قَد حَوَيتَهُ، ... وَلم يبقَ في كَفّيّ غَيرُ التّذَكّرِ
''(2/184)''
أقولُ لنَفسِي، وَهْيَ في عَيشِ كُرْبةٍ: ... أقِلّي، فَقَد بانَ الحَبيبُ، أوِ اكثرِي
إذا لَمْ يَكُنْ للأمرِ عِندَكِ حِيلَةٌ، ... وَلم تَجدِي شَيئاً سوَى الصّبرِ، فاصْبرِي
واشتد بكاء المولى، ثم أنشأ يقول:
فَلَوْلا قُعُودُ الدّهرِ بي عَنكِ لم يكنْ ... يُفَرّقُنا شيءٌ سمَى المَوْتِ، فاصْبرِي
أرُوحُ بِهَمٍّ في الفُؤادِ مُبَرِّحٍ، ... أُناجي بهِ قَلباً طَويلَ التّفَكّرِ
عَلَيكِ سَلامٌ، لا زِيَارَةَ بَينَنَا، ... وَلا وَصْلَ إلاّ أنْ يَشَاءَ ابنُ مَعْمَرِ
فقال له ابن معمر: قد شئت، خذها، ولك المال، فانصرفا راشدين، فوالله لا كنت سبباً لفرقة محبين.
مالك يفتي في الحب
وأخبرنا محمد، حدثنا المعافى، حدثنا محمد بن أحمد الحكيمي، حدثنا أبو إبراهيم الزهري، حدثنا إبراهيم بن المنذر الحزامي، حدثني معن بن عيسى قال: دخل ابن سرحون السلمي على مالك بن أنس، وأنا عنده، فقال له: يا أبا عبد الله! إني قد قلت أبياتاً، وذكرتك فيها، قال: اجعلني في حل، قال: أحب أن تسمعها، قال: لا حاجة لي بذلك. فقال: بلى! قال: هات! فأنشد:
سَلُوا مَالكَ المُفتي عَنِ اللهوِ وَالغنى ... وَحبِّ الحِسَانِ المُعجِباتِ الفَوَارِكِ
يُنَبّئكُمُ أني مُصِيبٌ، وَإنّمَا ... أُسَلّي هُمُومَ النّفسِ عَني بذَلِكِ
فَهل في مُحبٍّ، يكتمُ الحُبّ وَالهَوَى، ... إثامٌ، وَهَلْ في ضَمّةِ المُتَهَالِكِ؟
فضحك مالك، وسري عنه، وقال: لا! إن شاء الله. وكان ظن أنه هجاه.
''(2/185)''
في النساء جمال وفي الفتيان عفة
أخبرنا محمد بن الحسين، حدثنا المعافى بن زكريا، حدثنا جعفر بن محمد بن نصير الخواص، حدثنا أبو العباس بن مسروق، حدثنا عبد الله بن شبيب، حدثنا محمد بن عبد الصمد البكري، حدثنا ابن عيينة قال: قال سعيد بن عقبة الهمداني لأعرابي: ممن أنت؟ قال: من قوم إذا عشقوا ماتوا. قال: عذري ورب الكعبة. قال فقلت: ومم ذاك؟ قال: في نسائنا صباحة، وفي فتياننا عفة.
ذو الرمة ومي
أخبرنا محمد بن الحسين إجازة إن لم يكن سماعاً، حدثنا المعافى بن زكريا، حدثنا إبراهيم بن عبد الله الأزدي ومحمد بن القاسم الأنباري قالا: حدثنا أحمد بن يحيى عن أبي زيد، حدثنا إسحق بن إبراهيم، حدثني أبو صالح الفزاري قال: ذكر ذو الرمة في مجلس فيه عدة من الأعراب، فقال عصمة بن مالك، شيخ منهم، قد أتى له مائة سنة، فقال: كان من أظرف الناس.
قال: كان آدم، خفيف العارضين، حسن المنظر، حلو المنطق، وكان إذا أنشد بربر وحبس صوته، وإذا واجهك لم تسأم حديثه وكلامه.
وكان له إخوة يقولون الشعر، منهم: مسعود وهمام وخرواش، فكانوا يقولون القصيدة، فيزيد فيها الأبيات؛ فيغلب عليها، فتذهب له. فأتى يوماً، فقال لي: يا عصمة! إن مية منقرية، وبنو منقر أخبث حي، وأبصره بأثر وأعلمه بطريق، فهل عندك من ناقة نزدار عليها مية؟ فقلت: نعم، عندي الجؤذر. قال: علي بها.
''(2/186)''
فركبناها جميعاً حتى أشرفنا على بيوت الحي، فإذا هم خلوف وإذا بيت مية خال، فملنا إليه فتقوض النساء نحونا، ونحو بيت مية، فطلعت علينا، فإذا هي جارية أملود، واردة الشعر، وإذا عليها سب أصفر، وقميص أخضر، فقلن: أنشدنا يا ذا الرمة! فقال: أنشدهن يا عصمة! فنظرت إليهن وأنشدتهن:
وَقَفتُ عَلى رَسمٍ لمَيّةَ نَاقَتي، ... فما زِلتُ أبكي عندَه وَأُخاطِبُه
وَأسقِيهِ حَتى كادَ مِمّا أبُثّهُ ... تُكَلّمُني أحجَارُهُ وَملاعبُه
حتى بلغت إلى قوله:
بكى وَامقٌ جاءَ الفرَاقُ وَلم يُجِلْ ... جَوَائِلَهَا أسرَارُهُ وَمَعَاتبُه
فقالت ظريفة ممن حضر: فليجل الآن! فنظرت إليها حتى أتيت على القصيدة إلى قوله:
إذا سَرَحتْ مِنْ حُبّ مَيٍّ سَوَارِحٌ ... عَلى القَلبِ آبَتهُ جَميعاً عَوَازِب
فقالت الظريفة منهن: قتلته قتلت. فقالت مي: ما أصحه وهنيئاً له! فتنفس ذو الرمة نفساً كاد من حره يطير شعر وجهه، ومضيت في الشعر حتى أتيت على قوله:
وَقد حَلَفتْ باللهِ مَيّةُ مَا الّذي ... أقُولُ لهَا إلاّ الّذي أنَا كَاذِبُه
إذاً فَرَمَاني اللهُ مِنْ حَيثُ لا أرَى، ... وَلا زَالَ في دَارِي عَدُوٌّ أُحَارِبُه
فقالت الظريفة: قتلته، قتلك الله. فقالت مي: خف عواقب الله يا غيلان!
''(2/187)''
ثم أتيت على الشعر حتى انتهيت إلى قولي:
إذَا رَاجَعتَكَ القَوْلَ مَيّةُ، أوْ بَدَالكَ الوَجهُ منها، أوْ نَضَا الدّرْعَ سالبُه
فَيَا لكَ مِنْ خَدٍّ أسِيلٍ وَمَنطِقٍ ... رَخِيمٍ، وَمِنْ خُلقٍ تَعَلّلَ جاذِبُه
فقالت تلك الظريفة: ها هذه، وهذا القول؛ قد راجعتك وقد واجهتها، فمن لك أن ينضو الدرع سالبه؟ فالتفتت إليها مية، فقالت: قاتلك الله ما أعظم ما تجيئين به! فتحدثنا ساعة ثم قالت الظريفة: إن لهذين شأناً، فقمن بنا! فقمن وقمت معهن، فجلست بحيث أراهما، فجعلت تقول له: كذبت، فلبث طويلاً ثم أتاني ومعه قارورة فيها دهن، فقال: هذا دهن طيب أتحفتنا به مية، وهذه قلادة للجؤذر، والله لا أخرجتها من يدي أبداً. فكان يختلف إليها، حتى إذا انقضى الربيع، ودعا الناس الصيف أتاني فقال: يا عصمة! قد رحلت مي، فلم يبق إلا الآثار، فاذهب بنا ننظر إلى آثارهم، فخرجنا حتى انتهينا، فوقف وقال:
ألا يا اسلمي يا دَارَ ميّ عَلى البِلى، ... وَلا زَالَ مُنهَلاًّ بِجَرْعَائِكِ القطرُ
فَإنْ لمْ تَكُوني غَيرَ شَامٍ بقَفرَةٍ، ... تَجُرّ بهَا الأذْيَالَ صَيْفِيّةٌ كُدرُ
فقلت له: ما بالك؟ فقال لي: يا عصمة! إني لجلد، وإن كان مني ما ترى. وكان آخر العهد به.
أجمل الحائيات الغزلية
والخبر على لفظ أبي عبد الله قال: وحدثت عن ابن أبي عدي قال: سمعت ذا الرمة يقول: بلغت نصف عمر الهرم أربعين سنة، وقال ذو الرمة:
على حينَ رَاهَقتُ الثّلاثينَ، وَارْعَوَتْ ... لِداتي، وكادَ الحِلمُ بالجَهلِ يَرْجَحُ
''(2/188)''
ذا خَطَرَتْ من ذِكرِ مَيّةَ خَطرَةٌ ... على القَلبِ كادَت في فؤادِكَ تَجرَحُ
تَصَرَّفُ أهوَاءُ القُلُوبِ، وَلا أرَى ... نَصِيبَكِ مِنْ قَلبي لِغَيرِكِ يُمنَحُ
فبعض الهَوَى بالهجرِ يُمحى، فينمحي، ... وَحبّكِ عندي يَستَجِدّ وَيَرْبَحُ
وَلَمّا شَكَوْتُ الحُبّ كَيما تُثيبَني ... بوَجديَ، قالَت: إنّمَا أنتَ تَمزَحُ
بعَاداً وَإدْلالاً عليّ، وَقَدْ رَأتْ ... ضَميرَ الهَوَى بالجسْمِ كَادَ يُبَرِّحُ
لَئِنْ كانتِ الدّنيَا عليّ كَمَا أرَى ... تَبَارِيحَ مِن ذِكرَاكِ، فالمَوْتُ أرْوَحُ
قال القاضي المعافى: وهذه من قصائد ذي الرمة الطوال المشهورة المستحسنة، وأولها:
أمَنزِلَتَيْ مَيٍّ سَلامٌ عَلَيكُمَا، ... عَلى النأي، وَالنّائي يَودّ وَيَنصَحُ
ومنها:
ذكَرْتُكِ أنْ مَرّتْ بشنَا أُمُّ شَادِنٍ ... أمَامَ المَطَايَا تَشرَئِبّ وَتَسنَحُ
مِنَ المُؤلِفاتِ الرّملِ أدْمَاءُ حُرّةٌ، ... شُعَاعُ الضّحَى في مَتنِها يَتَوَضّحُ
رَأتنَا كَأنّا عَامِدُونَ لِصَيدِهَا، ... ضُحىً، فَهيَ تَنبُو تَارَةً وَتَزَحزَحُ
هيَ الشبهُ أعطَافاً وَجِيداً وَمُقلَةً، ... وَمَيّةُ أبْهَى بَعدُ مِنهَا وَأملَحُ
فهذه من أحسن الحائيات على هذا الروي، ونظيرها كلمة ابن مقيل التي أولها:
هلِ القَلبُ من دُهماءَ سالٍ فمُسمِحُ، ... وَزَاجِرَة عَنهَا الخَيَالُ المُبَرّحُ
وقول جرير:
صحَا القَلبُ عن سَلمى، وقَد برّحت به، ... وَما كانَ يلقَى من تُمَاضِرَ أبرَحُ
''(2/189)''
ومثله:
لَقَد كانَ لي في ضَرّتينِ عدمتَني، ... وَمَا كُنتُ ألقَى مِنْ رَزِينَةَ أبرَحُ
وذكر في خبر ذي الرمة بهذا الإسناد، إخوة ذي الرمة، فقيل منهم: مسعود وهمام وخرواش، فأما مسعود فمن مشهوري إخوته، وإياه عنى ذو الرمة بقوله:
أقُولُ لمَسعودٍ بجَرْعَاءِ مَالِكٍ ... وَقَد همّ دَمعي أنْ يَسُحَّ أوَائلُه
ومنهم هشام، وهو الذي استشهد سيبويه في الإضمار في ليس بقوله، فقال: قال هشام بن عقبة أخو ذي الرمة:
هيَ الشّفَاءُ لِدائي لَوْ ظَفِرْتُ بهَا، ... وَلَيسَ مِنهَا شِفَاءُ الدّاءِ مَبذُولُ
ومنهم أوفى، وهو الذي عناه بعض إخوته في شعر رثى فيه ذا الرمة أخاهما:
تَعَزِيتُ عَن أوْفَى بغَيلانَ بعدَهُ، ... عَزَاءً، وَجفنُ العَينِ ملآنُ مُترَعُ
وَلم يُنسِني أوْفَى المَصَائبَ بعدَهُ، ... وَلكنّ نَكْءَ القَرْحِ بالقرْحِ أوْجعُ
وذكره ذو الرمة فقال:
أقُولُ لأوْفى حينَ أبصرَ باللِّوَى ... صَحيفَةَ وَجهي قد تَغَيَّرَ حَالُهَا
شعاف القلب وشغافه
أخبرنا أبو الحسين أحمد بن علي بن الحسين التوزي، أخبرنا أبو عبيد محمد بن عمران المرزباني: أنشدنا إبراهيم بن محمد بن عرفة النحوي لجرير بن الخطفى:
سمعتُ الحمامَ الوُرْقَ في رَوْنَقِ الضّحى ... على الأيكِ في وَادي المَراضَينِ يَهتِفُ
أتَزْعُمُ أنّ البَينَ لا يَشعَفُ الفَتى، ... بَلى مثلَ بَيني يوْمَ لبنانَ يَشعَفُ
''(2/190)''
فَطالَ حِذارِي غُرْبَةَ البَينِ وَالنّوَى ... وَأُحدُوثَةً مِنْ كَاشِحٍ يَتَقَوّفُ
قال أبو عبيد الله قوله: يشعف يقال: شعفه أي بلغ منه رأس قلبه، وشعاف كل شيء أعلاه، وأما قوله، عز وجل: قد شغفها حباً؛ فإن الشغاف دم القلب، أي بلغ الحب إلى ذلك المكان. قال النابغة الذبياني:
وَقد حالَ هَمٌّ دُونَ ذلكَ داخلٌ ... مَكانَ الشّغافِ تَبتَغيهِ الأصَابعُ
وقوله يتقوف: أي يتتبع، وهو القائف، ونمه قول: إنا نقوف الآثار.
دعاء الحبيب على حبيبه
حدثنا أحمد بن علي بن ثابت من لفظه بدمشق، أخبرني أحمد بن أبي جعفر القطيعي، حدثني إسحق بن إبراهيم بن أحمد الطبري، حدثنا أبو بكر محمد بن الحسن بن محمد، حدثنا أبو غالب ابن بنت معاوية بن عمرو، حدثني جدي معاوية بن عمرو، حدثنا زائدة عن ليث عن مجاهد عن ابن عمر قال: قال رسول الله: سألت الله، عز وجل، أن لا يستجيب دعاء حبيب على حبيبه.
المهدي وأنسب بيت
أخبرنا التنوخي، أخبرني أبو الفرج المعروف بالأصفهاني، أخبرني الجرمي ابن أبي العلاء، حدثنا الزبير بن بكار، حدثني خلف بن وضاح أن عبد الأعلى بن عبد الله بن صفوان الجمحي قال: حملت ديناً بعسكر المهدي، فركب المهدي يوماً بين أبي عبيد الله وعمر بن بزيع، وأنا وراءه، في موكبه على برذون قطوف، فقال: ما أنسب بيت قالته العرب؟ قال أبو عبيد الله: قول امرئ القيس:
وَمَا ذَرَفتْ عَيْنَاكِ إلاّ لتَضرِبي ... بسَهمَيكِ في أعشَارِ قَلبٍ مُقَتَّلِ
''(2/191)''
قال: هذا أعرابي قح. فقال عمر بن بزيع: قول كثير يا أمير المؤمنين:
أرِيدُ لأنسَى ذِكْرَهَا، فكأنّما ... تَمَثَّلُ لي بلَيلى بكلّ سَبيلِ
فقال: ما هذا بشيء، وما له يريد أن ينسى ذكرها، حتى تمثل له؟ فقلت: عندي حاجتك يا أمير المؤمنين! قال: الحق بي. قلت: لا لحاق لي، ليس ذلك في دابتي، قال: احملوه على دابة. قلت: هذا أول الفتح، فحملت على دابة، فلحقته، فقال: ما عندك؟ قلت: قول الأحوص:
إذا قُلتُ إني مُشتَفٍ بِلِقائِها، ... فحَمّ التّلاقي بَيننَا زَادَني سُقمَا
فقال: أحسنت! حاجتك؟ قلت: علي دين. فقال: اقضوا دينه، فقضي دينه.
أم البنين ووضاح اليمن
أخبرنا أبو علي محمد بن الحسين الجازري بقراءتي عليه، حدثنا المعافى بن زكريا، حدثني أبي، محمد أبو أحمد الختلي، حدثنا أبو حفص يعني النسائي، حدثنا محمد بن حيان بن صدقة عن محمد بن أبي السري عن هشام بن محمد بن السائب قال: كانت عند يزيد بن عبد الملك بن مروان أم البنين بنت فلان، وكان لها من قلبه موضع، فقدم عليه من ناحية مصر بجوهر له قدر وقيمة، فدعا خصياً له، فقال: اذهب بهذا إلى أم البنين وقل لها: أتيت به الساعة، فلبعثت به إليك. فأتاها الخادم، فوجد عندها وضاح اليمن، وكان من أجمل العرب، وأحسنه وجهاً، فعشقته أم البنين، فأدخلته عليها، فكان يكون عندها، فإذا أحست بدخول يزيد بن عبد الملك عليها أدخلته في صندوق من صناديقها، فلما رأت الغلام قد أقبل أدخلته الصندوق، فرآه الغلام، ورأى الصندوق الذي دخل فيه، فوضع الجوهر بين يديها، وأبلغها رسالة يزيد، ثم قال: يا سيدتي هبي لي
''(2/192)''
منه لؤلؤةً! قالت: لا ولا كرامة، فغضب وجاء إلى مولاه، فقال: يا أمير المؤمنين إني دخلت عليها وعندها رجل، فلما رأتني أدخلته صندوقاً، وهو في الصندوق الذي من صفته كذا وكذا، وهو الثالث أو الرابع، فقال له يزيد: كذبت، يا عدو الله! جئوا عنقه، فوجئ في عنقه، ونحّوه عنه.
قال: فأمهل قليلاً، ثم قام، فلبس نعله، ودخل على أم البنين، وهي تمتشط في خزانتها، فجاء حتى جلس على الصندوق الذي وصف له الخادم فقال لها: يا أم البنين! ما أحب إليك هذا البيت؟ قالت: يا أمير المؤمنين ادخله لحاجتي وفيه خزانتي فما أردت من شيء أخذته من قرب. قال: فما في هذه الصناديق التي أراها؟ قالت: حليي، وأثاثي. قال: فهبي لي منها صندوقاً. قالت: كلها لك يا أمير المؤمنين لك. قال: لا أريد إلا واحداً، ولك علي أن أعطيك زنته وزنة ما فيه ذهباً. قالت: فخذ ما شئت. قال: هذا الذي تحتي. قالت: يا أمير المؤمنين عد عن هذا، وخذ غيره، فإن لي فيه شيئاً يقع بمحبتي. قال: ما أريد غيره. قالت: هو لك.
قال: فأخذه ودعا الفراشين فحملوا الصندوق، فمضى به إلى مجلسه، فجلس، ولم يفتحه، ولم ينظر ما فيه، فلما جنه الليل دعا غلاماً له أعجمياً فقال له: استأجر أجراء غرباء ليسو من أهل المصر.
قال: فجاءه بهم وأمرهم، فحفروا له حفيرة في مجلسه، حتى بلغوا الماء، ثم قال: قدموا لي الصندوق. فألقي في الحفيرة. فألقي في الحفيرة، ثم وضع فمه على شفيره، فقال: يا هذا! قد بلغنا عنك خبر، فإن يك حقاً، فقد قطعنا أثره، وإن يك باطلاً، فإنما دفنا خشباً.
ثم أهالوا عليه التراب حتى استوى، قال: فلم ير وضاح اليمن حتى الساعة. قال: فلا، والله، ما بان لها في وجهه ولا في خلائقه شيء حتى فرق الموت بينهما.
''(2/193)''
وجه كالسيف الصقيل
أخبرنا أبو القاسم عبد العزيز بن الحسن بن إسماعيل بمصر قراءة عليه، حدثنا أبي، حدثنا محمد بن موسى القطان، حدثنا أبي، حدثنا العتبي، حدثنا أبو الغصن الأعرابي قال:
خرجت حاجاً، فلما مررت بقباء تداعى أهلها وقالوا: الصقيل الصقيل، فنظرت فإذا جارية كأن وجهها سيف صقيل، فلما رميناها بالحدق ألقت البرقع عن وجهها وتبسمت، فوالله ما رأيت شيئاً قط أحسن منها، ثم أنشأت تقول:
وكنتَ مَتى أرْسَلتَ طَرْفَكَ رَائداً ... لقَلبِكَ يَوْماً أتعَبَتكَ المَنَاظِرُ
رَأيتَ الذي لا كلَّهُ أنتَ قَادرٌ ... عَلَيهِ ولا عن بعضِهِ أنتَ صَابرُ
دل المطاع على المطيع
أخبرنا القاضي أبو القاسم التنوخي، قرأت على أبي عمر بن حيويه: أنشدنا أبو عبد الله إبراهيم بن محمد بن عرفة لنفسه:
تَوَاصُلُنا عَلى الأيّامِ بَاقٍ، ... وَلَكِنْ هَجرُنَا مَطَرُ الرّبيعِ
يَرُوعُكَ صَوْبَهُ، لَكِنْ تَرَاهُ ... عَلى عِلاّتِهِ دَاني النّزُوعِ
كذا العُشّاقُ هجرُهمُ دَلالٌ، ... وَيَرْجعُ وَصْلُهم حسنَ الرّجوعِ
مَعاذَ اللهِ أنْ نُلفَى غِضَاباً، ... سِوَى دَلِّ المطاعِ على المُطيعِ
''(2/194)''
شعر لمحمد بن أبي أمية
وأخبرنا ابن حيويه، أنبأنا أبو بكر محمد بن القاسم الأنباري أنشدنا إبراهيم بن عبد الله الوراق لمحمد بن أبي أمية:
مَلِّ الوِصَالَ، فَعاذَ بالهَجرِ، ... وَتَكَلّمَتْ عَينَاهُ بالغَدْرِ
وَظَلَتُ مَحزُوناً أُفَكّرُ في ... إعرَاضِهِ عَني، وَفي صَبرِي
مَا نِلتُ مِنهُ مَوَدّتِهِ، ... يَوْماً أُسَرّ بِهِ مَعَ الدّهرِ
في كُلّ مَوْضِعِ لَذّةٍ حُزُنٌ ... يَعتَالُهُ مِنْ حَيثُ لا أدرِي
وفتيان صدق
وأخبرنا التنوخي، أخبرنا ابن حيويه، أنبأنا عبيد الله بن أحمد بن أبي طاهر أنشدنا البحتري:
كَأنّ رَقيباً مِنكَ يَرْعَى خَوَاطِرِي، ... وَآخَرَ يَرْعَى نَاظِرِي وَلِسَاني
فَما أبصَرَتْ عَينايَ بَعدَكَ مَنظَراً ... يَسُوءُكَ إلاّ قُلتُ قَدْ رَمَقَانِي
وَلا بَدَرَتْ مِنْ فيّ بَعدَكَ مَزْحَةٌ ... لِغَيرِكَ إلاّ قُلتُ قَدْ سَمِعَانِي
إذَا ما تَسَلّى العاذِرُونَ عَنِ الهَوَى ... بِشُرْبِ مُدَامٍ أوْ سَمَاعٍ قِيَانِ
وَجَدْتُ الّذي يُسلي سِوَايَ يَشُوقُني ... إلى قُرْبِكُمْ حَتى أمَلَّ مَكَاني
وَفِتيَانِ صِدقٍ قد سَئِمتُ لقَاءَهُم، ... وَعَفّفتُ طَرْفي عنهُمُ وَلِسَاني
وَمَا الدّهرَ، أسلى عَنهُمُ، غيرَ أنّني ... أرَاكَ عَلى كُلّ الجِهاتِ تَرَاني
''(2/195)''
بنت تخون أباها
أخبرنا عبد العزيز بن الحسن بن إسماعيل الضراب بمصر، حدثنا أبي، رحمه الله تعالى، حدثنا أحمد بن مروان، حدثنا عبد الله بن مسلم بن قتيبة قال: قرأت في سير العجم أن أردشير لما استوثق له أمره وأقر له بالطاعة ملوك الطوائف، حاصر ملك السريانية، وكان متحصناً في مدينة يقال لها الحضر، بإزاء مسكن من برية الثرثار، وهي برية سنجار، والعرب تسمي ذلك الملك الشاطرون، فحاصره فلم يقدر على فتحها، حتى رقت بنت الملك على الحصن يوماً، فرأت أردشير، فهويته، فنزلت وأخذت نشابة، وكتبت عليها: إن أنت ضمنت لي أن تتزوجني، دللتك على موضع تفتح به المدينة بأيسر الحيلة وأخف المؤونة، ثم رمت بالنشابة نحو أردشير، فقرأها، وأخذ نشابةً، فكتب إليها: لك الوفاء بما سألتني، ثم ألقاها إليها، فدلته على الموضع، فأرسل إليها، فافتتحها، فدخل، وأهل المدينة غارّون لا يشعرون، فقتل الملك، وأكثر القتل فيها، وتزوجها.
فبينما هي، ذات ليلة، على فراشه أنكرت مكانها، حتى سهرت أكثر ليلها، فقال لها: ما لك؟ قالت: أنكرت فراشي، فنظروا تحت الفراش، فإذا تحت المجلس طاقة آس قد ثرت في جلدها، فتعجب من رقة بشرتها، فقال لها: ما كان أبوك يغذوك؟ قالت: كان أكثر غذائي عنده الشهد والمخ والزبد. فقال لها: ما أحد بالغ في الحباء والكرامة مبلغ أبيك، وإذا كان جزاءه عندك على جهد إحسانه مع لطف قرابته، وعظم حقه، إساءتك إليه، فما أنا بآمن مثل ذلك منك، ثم أمر بأن تعقد قرونها بذنب فرس شديد الجري، جموح، ثم يجرى. ففعل ذلك بها حتى سقطت عضواً عضواً، وهو الذي يقول فيه أبو داود الإيادي:
وأَرَى المَوْتَ قَدْ تَدَلّى مِنَ الحِص ... نِ عَلى رَبّ أهلِهِ الشّاطرُونِ
''(2/196)''
العاشق المظلوم
أخبرنا أبو القاسم علي بن المحسن التنوخي، حدثنا أبي، حدثنا أبو بكر محمد بن بكر البسطامي، حدثنا ابن دريد، حدثنا أحمد بن عيسى العكلي عن ابن أبي خالد عن الهيثم بن عدي قال: كان لعمرو بن دويرة السحمي أخ قد كلف بابنة عم له كلفاً شديداً، وكان أبوها يكره ذلك ويأباه، فشكا إلى خالد بن عبد الله القسري، وهو أمير العراق، أنه يسيء جواره، فحبسه، فسئل خالد في أمر الفتى، فأطلقه، فلبث الفتى مدةً كافاً عن ابنة عمه، ثم زاد ما في قلبه وغلب عليه الحب، فحمل نفسه على أن تسور الجدار إليها، وحصل معها الفتى، فأحس به أبوها، فقبض عليه، وأتى به خالد بن عبد الله القسري وادعى عليه السرق، وأتاه بجماعة يشهدون أنهم وجدوه في منزله ليلاً، وقد دخل دخول السراق، فسأل خالد الفتى، فاعترف بأنه دخل ليسرق، ليدفع بذلك الفضيحة عن ابنة عمه، مه أنه لم يسرق شيئاً، فأراد خالد أن يقطعه، فرفع عمرو أخوه إلى خالد رقعةً فيها:
أخالِدُ! قد وَاللهِ أُوطِئتَ عَشوَةً، ... وَمَا العَاشِقُ المَظلُومُ فِينا بسارِقِ
أقَرّ بِمَا لمْ يَأتِهِ المَرْءُ، إنّهُ ... رَأى القَطعَ خيراً من فَضيحَةِ عاتِقِ
وَلَوْلا الّذِي قد خفتُ من قَطعِ كفّهِ ... لأُلفِيتُ في أمرٍ لَهُم غيرَ نَاطِقِ
إذا مُدّتِ الغَايَاتُ في السَّبقِ للعُلى، ... فأنتَ ابنَ عَبدِ اللهِ أوّلُ سَابِقِ
وأرسل خالد مولىً له يسأل عن الخبر، ويتجسس عن جلية الأمر، فأتاه بتصحيح ما قال عمرو في شعره، فأحضر الجارية وأخذ بتزويجها من الفتى، فامتنع أبوها وقال: ليس هو بكفؤٍ لها. قال: بلى! والله إنه لكفؤٌ لها إذ بذل
''(2/197)''
يده عنها، ولئن لم تزوجها لأزوجنه إياها وأنت كاره. فزوجه، وساق خالد المهر عنه، من ماله، فكان يسمى العاشق إلى أن مات.
يطلق زوجتيه
أخبرنا القاضي أبو القاسم علي بن المحسن التنوخي، حدثنا أبو سعيد الحسن بن جعفر بن الوضاح السمسار، حدثنا أبو بكر محمد بن يحيى المروزي، حدثنا عاصم، حدثنا المسعودي عن الحسن بن سعد عن أبيه قال: كان تحت الحسن بن علي، عليهما السلام، امرأتان تميمية وجعفية، فطلقهما جميعاً، فبعثني إليهما، وقال: أخبرهما فلتعتدا، وأخبرني بما تقولان، ومتع كل واحد بعشرة آلاف وكذا وكذا من العسل والسمن. فأتيت الجعفية، فقلت: اعتدي، فتنفست الصعداء ثم قالت: متاع قليل من حبيب مفرق؛ وأما التميمية، فلم تدر ما معنى اعتدّي حتى قالت لها النساء، وأخبره بقول الجعفية، فنكت في الأرض ثم قال: لو كنت مراجعاً امرأة لراجعتها.
أموت وأحيا
أخبرنا علي بن المحسن، أنشدنا أبو الحسين محمد بن أحمد بن الأخباري، أنشدنا ابن دريد أنشدنا عبد الرحمن ابن أخي الأصمعي عن عمه لامرأة بدوية:
فَلَوْ أنّ مَا ألقَى وَما بي من الهَوَى ... بأوعر رُكْناهُ صفاً وَحَديدُ
تَفَطّرَ مِنْ وَجْدٍ وَذّابَ حَدِيدُهُ، ... وَأمسَى تَرَاهُ العَينُ، وَهوَ عَميدُ
ثَلاثونَ يَوْماً، كُلّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ ... أمُوتُ وَأحيَا، إنّ ذَا لَشَديدُ
مَسَافَةَ أرْضِ الشّامِ وَيحَكَ قَرّبِي ... إليّ ابنَ جَوّابٍ وَذَاكَ يَزِيدُ
فَلَيتَ ابنَ جَوّابٍ مِنَ النّاسِ حظُّنا، ... وكانَ لَنا في النّارِ بعدُ خُلُودُ
''(2/198)''
جميل والبنات العذريات
أخبرنا أبو علي بن الحسين الجازري بقراءتي عليه، حدثنا أبو الفرج المعافى بن زكريا الجريري، حدثنا محمد بن داود بن سليمان النيسابوري، حدثنا علي بن الصباح، حدثني أبو المنذر، حدثني شيخ من أهل وادي القرى قال: لما استعدى آل بثينة مروان بن الحكم على جميل وطلبه ربعي بن دجاجة العبدي، صاحب تيماء، هرب إلى أقاصي بلادهم، فأتى رجلاً من بني عذرة شريفاً، وله بنات سبع كأنهن البدور جمالاً، وقال: يا بناتي تحلين بجيد حليكن، والبسن جيد ثيابكن ثم تعرضن لجميل فإني أنفس على مثل هذا من قومي.
وكان جميل، إذا رآهن، أعرض بوجهه فلا ينظر إليهن، ففعلن ذلك مراراً، فلما علم ما أريد بهن، أنشأ يقول:
حَلَفتُ لِكَي تَعلَمنَ أني صاَدِقٌ ... وَلَلصّدقُ خيرٌ في الأمورِ وَأنجَحُ
لَتكليمُ يومٍ مِنْ بُثَيْنَةَ وَاحِدٍ، ... وَرُؤيَتُهَا عِندِي ألَذُّ وَأصْلَحُ
مِنَ الدّهرِ، لَوْ أخلو بكنّ، وَإنّما ... أُعَالِجُ قَلباً طَامحاً حين يَطمَحُ
قال: فقال بهن أبوهن: ارجعن، فوالله لا يفلح هذا أبداً.
المحبوس وابنة الوالي
أخبرنا عبد الواحد بن الحسين المقري إن لم يكن سماعاً فإجازة، حدثنا إسماعيل بن سعيد بن سويد، حدثنا أبو علي الكوكبي، حدثنا ابن أبي الدنيا، حدثنا محمد بن زيد العتبي، أخبرني جدي الحسن بن زيد قال: ولينا وال بديار مصر، فوجد على بعض عماله، فحبسه وقيده، فأشرفت عليه ابنة الوالي، فهويته، فكتبت إليه:
أيّهَا الزّاني بِعَيْنَيْ ... هِ، وَفي الطَّرْفِ الحُتُوفُ
''(2/199)''
إنْ تُرِدْ وَصْلاً، فقَدْ ... أمكَنَكَ الظّبيُ الأُلُوفُ
فأجابها الفتى:
إنْ تَرَيْني زَانيَ العَيْنَيْ ... نِ، فَالفَرْجُ عَفيفُ
لَيْسَ إلاّ النّظَرُ الفَا ... تِرُ، وَالشّعْرُ الظّرِيفُ
فكتبت إليه:
قَدْ أَرَدْناكَ بِأنْ تَع ... شَقَ إنْسَاناً ألُوفَا
فَتَأبّيْتَ، فَلا زِلْ ... تَ لِقَيْدَيْكَ حَلِيفا
فأجابها الفتى:
مَا تَأبّيْتُ لأنّي ... كُنتُ للظّبيِ عَيُوفَا
غَيرَ أنّي خِفْتُ رَبّاً، ... كَانَ بي بَرّاً لَطِيفا
فذاع الشعر، وبلغ الخبر الوالي، فدعا به فزوجه إياها، ودفعها إليه.
الدموع ألسنة القلوب
أخبرنا أبو الغنائم محمد بن علي بن علي الدجاجي إجازة، حدثنا إسماعيل بن سويد، حدثنا الحسين بن القاسم الكوكبي، حدثنا أحمد بن زهير، أخبرنا محمد بن سلام قال: قلت لصديق لي: إن كنت تحسن إنشاد الغزل فأنشدني أبياتاً تشوي القلب رقةً اكتب بها إلى رجل مستهتر بجارية له، فأنشأ يقول:
وَقَائِلَةٍ، وَدَمعُ العَينِ يجرِي ... على الخدّينِ كالمَاءِ السَّكُوبِ
قَميصُكَ وَالدّمُوعُ تَجول فيه، ... وَقلبُكَ لَيسَ بالقلبِ الكَئيبِ
نظيرُ قميص يوسُفَ حينَ جاؤوا ... عَلى لَبّاتِهِ بِدَمٍ كَذُوبِ
''(2/200)''
دُموعُ العَاشقِينَ، إذا تَوَالَتْ، ... بِظَهرِ الغَيبِ ألْسِنَةُ القُلوبِ
فخشيت أن أكتب بها إلى صديقي، فتوافق منه بعض ما أعرف، فيموت عشقاً قلبه.
الطيف المحتشم
ولي من أثناء قطعة:
ما بالُ طَيفكِ، زارَ مُحتَشِما، ... لَوْ لَمْ يَزُرْ مَا كَانَ مُتّهَما
وَافَى، وَقد نَامَ السّميرُ، وَمَا ... شَعَرَ الرّقيبُ بِهِ، وَلا عَلِمَا
وَاللّيلُ قَدْ مُدّتْ سَتَائِرُهُ، ... وَالصّبحُ لَمْ يَنشُرْ لَهُ عَلَمَا
فَوَدِدتُ أنّ اللّيلَ طَالَ، وَأَ ... نّ الصّبحَ لمْ يَفترَّ مُبتَسِمَا
يا طَيفَ علوَةَ قد وَصَلتَ عَلى ... رُغمِ الوُشاةِ من الهَوَى رَحِمَا
ما زِلتُ أخضَعُ، يَوْمَ فُرْقَتِهِ، ... وَالبَينُ قَد مَزَجَ الدّمُوعَ دَمَا
حتى رَثَى لي بَعدَ قَسوَتِهِ، وَأبَاحَني فمَهُ، وكانَ حمَى
فَلَثمتُ مِنهُ، عَلى تَمَنّعِهِ ... مِنْ لاثِمِيهِ، مَبسِماً شَبِمَا
وَنَظرْتُ في مِرآةِ وَاعِظَةِ عاذِلَتي ... في الصّالحَاتِ مُقَدِّماً خِدَمَا
''(2/201)''
شعر يزيد بن الطثرية
أنبأنا أبو محمد الحسن بن محمد الخلال، رحمه الله، أخبرنا أحمد بن محمد بن الصلت، حدثنا أبو بكر محمد بن القاسم الأنباري أنشدني أبي ليزيد بن الطثرية، والطثر عند العرب: الخصب وكثرة اللبن:
ما وَجْدُ عَلْوِيِّ الهَوَى حَنّ وَاجتَوَىبِوَادِي الشَّرَا وَالغَوْرِ ماءً وَمَرْتَعَا
تَشّوَقَ لمّا عَضّهُ القَيدُ وَاجتَوَى ... مَرَاتِعَهُ من بَينِ قُفٍّ وَأجْرَعَا
وَرَامَ بِعَينَيهِ جِبِالاً مُنيفَةً، ... وَمَا لا يَرَى فِيهِ أخو القَيدِ مَطمَعَا
إذا رَامَ مِنهَا مَطلَعاً رَدّ شَأوَهُ ... أمينُ القُوَى، عَضّ اليَدينِ فأوْجَعَا
بِأكْبَرَ مِنْ وَجْدٍ برَيّا، وَجَدتُهُ، ... غَداةَ دَعَا دَاعي الفِرَاقِ فَأسمَعَا
خَليليَ قِفْ، لا بُدّ مِنْ رَجعِ نَظرَةٍ ... مُصَعَّدَةٍ، شتّى بها القَوْمُ أوْ مَعَا
مغتَصَبٍ قَد عَزّهُ الشّوْقُ أمرَهُ، ... يُسِرّ، حَياءً، عَبرَةً إنْ تَطَلّعَا
تَهيجُ لَهُ الأحزَانُ وَالذّكرُ، كُلّمَا ... تَرَنّمَ، أوْ أوْفَى من الأرضِ مَيَفَعا
تَلَفّتُّ للإصغَاءِ، حَتّى وَجَدْتُني ... وَجِعتُ مِنَ الإصغَاءِ لِيتاً وَأخدَعَا
قِفا وَدِّعا نَجداً وَمَن حَلّ بالحِمَى، ... وَقَلّ لنَجدٍ عِندَنَا أنْ يُوَدَّعَا
''(2/202)''
حَنَنتَ إلى رَيّا، وَنَفسُكَ بَاعَدَتْ ... مَزَارَكَ مِنْ رَيّا وَشِعبَاكُمَا مَعَا
فَمَا حَسَنٌ أنْ تَأتيَ الأمْرَ طَائِعاً، ... وَتَجزَعَ إن داعي الصّبَابة أسمَعَا
وَلَيسَتْ عَشِيّاتُ الحِمَى بِرَوَاجِعٍ ... عَلَيكَ، وَلكِن خَلِّ عَينيكَ تَدمَعَا
بكَتْ عَينيَ اليُسرَى، فَلمّا زَجَرْتُها ... عَنِ الجَهلِ بَعدَ الحِلمِ أسبَلتَا مَعَا
وَأذكُرُ أيّامَ الحِمَى ثُمّ أنثَني ... عَلى كَبدِي من خَشيَةٍ أن تَصَدّعَا
أنفاس تذيب الحديد
وبإسناده حدثنا أبو بقكر بن الأنباري، حدثني أبي أنشدنا أبو علي بن الضبي:
فَلَوْ أنّ ما بي بالحَصَا فَلَقَ الحَصَا، ... وَبالرّيحِ لم يُوجَدْ لَهُنّ هُبُوبُ
وَلَوْ أنّني أستَغفِرُ اللهَ كُلّمَا ... ذكَرْتُكِ لمْ تُكتَبْ عليّ ذنُوبُ
وَلَوْ أنّ أنفَاسِي أصَابَتْ بحَرّهَا ... حَديداً، إذاً ظَلّ الحَديدُ يَذُوبُ
زعم الدموع
وبإسناده أخبرنا ابن الأنباري أنشدنا عبد الله بن لقيط:
ظَهَرَ الهَوَى مِنّي، وكُنتُ أُسِرّهُ، ... وَالحُبّ يَكتُمُهُ المُحِبّ، فَيظهَرُ
زَعَمتْ دُمُوعي أنّها لا تَنقَضِي ... حَتى تَبُوحَ بمَا أُسِرُّ وَأُضْمِرُ
''(2/203)''
حديث يشفي الملسوع
أخبرنا أبو محمد الحسن بن محمد الخلال فيما أذن لنا في روايته، أخبرنا أحمد بن محمد بن الصلت، حدثنا محمد بن القاسم أنشدني محمد بن المرزبان لابن الأعرابي المكي:
مَنْ لقَلبٍ يَجُولُ بَينَ التّرَاقي، ... مُستَهامٍ يَتُوقُ كُلَّ مَتَاقِ
حذراً أنْ تَبينَ دَارُ سُلَيمَى، ... أوْ يَصيحَ الصّدَى لهَا بِفِرَاقِ
أُمَّ سَلاّمَ! مَا ذَكّرْتُكِ إلاّ ... شَرِقَتْ بِالدّمُوعِ مِنّي المَآقي
كَيفَ يَنسَى المُحِبّ ذِكرَ حَبيبٍ، ... طَيّبِ الخِيمِ، طَاهِرِ الأخْلاقِ
حَسَنِ الصّوْتِ بالغِناءِ على المِزْ ... هَرِ، يُسلس الغَرِيبَ ذَا الأشوَاقِ
وَحَديثٍ يَشفي السّقيمَ من السّقْ ... مِ، دَوَاءِ السّلِيمِ كَالدِّرْيَاقِ
حَبّذا أنتِ من جَليسٍ إلَيْنَا، ... أُمَّ سَلاّمَ، لَوْ يَدُومُ التّلاقي
الشافعي وامرأته
أخبرنا أبو الحسين علي بن عبد الوهاب السكري قراءة عليه، رحمه الله تعالى، حدثنا أبو عمر محمد بن العباس الخزاز، حدثنا أبو طالب أحمد بن الحسين بن علي، حدثني أحمد بن أصرم المزني من ولد عبيد الله بن مغفل، حدثني محمد بن عبد الله الفارسي قال: قال الشافعي: كانت لي امرأةٌ، وكنت أحبها، فكنت إذا دخلت عليها أنشأت أقول:
أوَ لَيسَ بَرْحاً أنْ تُحِ ... بّ وَلا يُحبّكَ مَن تُحبُّهْ؟
''(2/204)''
قال فترد هي علي:
فيَصُدّ عَنكَ بوَجهِهِ، ... وَتَلَجّ أنتَ، فَلا تُغِبّهْ
هلال مكلل بشموس
حدثنا الخطيب، أخبرنا الرزاز، أخبرنا أبو الفرج الأصفهاني، حدثني عمي، حدثني أحمد بن المرزبان قال: كان عبد الله بن العباس بن الفضل بن الربيع قد هوي جاريةً نصرانية، رآها في دير مار جرجس في بعض أعياد النصاري، فكان لا يفارق البيع شغفاً بها، فخرج في عيد مار جرجس إلى بيعة تعرف بدير مار جرجس، فوجدها في بستان إلى جانب البيعة، وقد كان قبل ذلك يراسلها ويعلمها محبته لها، فلا تقدر على مواصلته، ولا لقائه، إلا على ظهر الطريق، فلما ظفر بها التوت عليه، وأبت بعض الإباء، ثم ظهرت له، وجلست معه مع نسوة كانت تأنس بهن، فأكلوا وشربوا، وأقام معها أسبوعاً، ثم انصرف في يوم خميس وقال في ذلك:
رُبّ صَهبَاءَ من شَرَابِ المَجُوسِ ... قَهوَةٍ بَابِلِيّةٍ خَندَرِيسِ
قَدْ تَجَلّيتُها بنَايٍ وَعُودٍ، ... قَبلَ ضَرْبِ الشمّاسِ بالنّاقُوسِ
وَغَزَالٍ مُكَحَّلٍ ذِي دَلالٍ، ... سَاحِرِ الطّرْفِ سَامرِيٍّ عَرُوسِ
قَدْ خَلَوْنَا بِطيبِهِ نَجتَنيهِ، ... يَوْمَ سَبتٍ إلى صَبَاحِ الخَميسِ
بَينَ وَرْدٍ وَبينَ آسٍ جَنيٍّ، ... وَسطَ بُستَانِ دَيرِ مارِ جرْجيسِ
''(2/205)''
تَتَثَنّى في حُسنِ جِيدٍ غَزَالٍ، ... في صَلِيبٍ مُفضّضٍٍ آبَنُوسِ
كم لَثَمتُ الصّليبَ في الجيدِ منها ... كَهِلالٍ مُكَلّلٍ بِشُمُوسِ
كما أكون يكون
أنبأنا القاضي الشريف أبو الحسين بن المهتدي، رحمه الله تعالى، حدثنا طالب بن عثمان الأزدي، حدثنا أبو بكر بن الأنباري قال: الحجون موضع بمكة أنشدني أبي فيه:
هَيّجَتني إلى الحُجُونِ شُجُونُ، ... لَيتَهُ قَد بَدَا لعَينيّ الحُجُونُ
حَلّ في القَلبِ سَاكِنُوهُ مَحَلاًّ ... مِن فُؤادي يَحِلُّ فيهِ المَكينُ
كُلُّ دَاءٍ لَهُ دَوَاءٌ، وَدَاءُ الحُ ... بّ، يا صَاحبيّ، دَاءٌ دَفينُ
لَيتَ شِعرِي عمّن أُحِبُّ أيُمسِي ... عِندَ ذِكرِي كمَا أكونُ يكُونُ؟
؟
قمر نام في قمر
أخبرنا أبو محمد الحسن بن علي الجوهري، حدثنا أبو عمر محمد بن العباس بن حيويه، حدثنا محمد بن خلف، حدثنا أبو عبد الله أحمد بن أبي محمد القرشي قال: كان بعض الظرفاء يتعشق جاريةً لبعض المغنيات، فدعاها يوماً، فأقامت عنده، وأتى الليل، فشغل ببعض أموره، فصعدت الجارية، فنامت فوق سطح له في القمر، فلما فرغ من أمره صعد، فرآها نائمة، فاستحسن وجهها، فجعل مرةً ينظر إليها، ومرةً ينظر إلى القمر، وأنشأ يقول:
قَمَرٌ نَامَ في قَمَرْ ... مِنْ نُعاسٍ وَمن سَكَرْ
لَيسَ يَدرِي مُحِبّهُ، ... وَهوَ ذُو فِطنَةٍ، خَبرْ
أبِهَذَا انجلَى الدّجَى، ... أمْ بِذَا أشرَقَ القَمَرْ
''(2/206)''
المعصفر بالدم
أخبرنا أبو محمد الحسن بن محمد الجوهري، حدثنا أبو عمر بن حيويه، أنبأنا الصولي أنشدنا ابن المعتز لنفسه:
يَا زائِري في مُعَصْفَرٍ بدَمٍ ... جَاهَرْتَ في قَتلِكَ المُحبّينَا
لا تَلبَسَنْ صِبغَةٌ تَدُلّ عَلى ... قَتلِكَ عُشّاقَكَ المَسَاكِينا
يغار منك عليك
أخبرنا أبو بكر أحمد بن علي، رحمه الله تعالى: حدثنا أبو منصور علي بن محمد الباخرزي الفقيه بنيسابور لبعضهم:
لا تُجَرّدْ عَليّ سَيفاً مِنَ الهَجْ ... رِ، كَفَتني السّيوفُ من نَاظِرَيكَا
سُقمُ جسمي أشدّ من سُقمِ عَينَي ... كَ، وَقلبي أرَقّ مِنْ وَجنَتَيكَا
يا بَديعاً تكامَلَ الحُسنُ فِيهِ! ... صِلْ مُحِبّاً يَغَارُ مِنكَ عَلَيكَا
الجارية الحنون
ذكر أبو منصور بائي بن جعفر بن بائي الجيلي قاضي ربع الوراقين ببغداد ولم أسمعه منه، أخبرنا أبو الحسن أحمد بن عمران الجندي، حدثنا جعفر الخالدي، حدثنا ابن مسروق، حدثنا عمر بن شبة، حدثنا سلم بن عمر قال: اعترض ابن أبي دؤاد جاريةً، فأعجبته، فقال:
ماذا تَقُولينَ في مَنْ شَفّهُ سَقَمٌ ... مِنْ طُولِ حُبّكِ حتى صَارَ حَيرَانا
فأجابته:
إذا رَأينَا مُحِبّاً قَد أضَرّ بِهِ ... جُهدُ الصّبَابَةِ أوْلَينَاهُ إحسَانَا
''(2/207)''
الرشيد والجارية المولعة بخلافه
أخبرنا أبو علي محمد بن الحسين الجازري، حدثنا المعافى بن زكريا، حدثنا أحمد بن علي المروزي الجوهري إملاء من حفظه، أخبرني أبو العباس أحمد النيسابوري: أن هارون الرشيد كتب هذه الأبيات إلى جارية له كان يحبها، وكانت تبغضه:
إنّ التي عَذّبَتْ نَفسِي بمَا قَدَرَتْ ... كلّ العَذابِ، فَما أبقَتْ وَلا تَرَكَتْ
مازَحتُها فَبَكَتْ، وَاستَعبَرَتْ جَزَعاً ... عَنّي، فَلَمّا رَأتْني باكِياً ضَحِكَتْ
فعُدتُ أضْحَكُ مَسرُوراً بضَحكَتها، ... حَتى إذا ما رَأتْني ضَاحِكاً، فَبَكَتْ
تَبغي خِلافي كَمَا خَبّتْ برَاكِبِها، ... يَوْماً، قَلُوصٌ، فَلَمّا حَثّها بَرَكَتْ
ووجدت له في هذه القطعة بيتاً أول وبيتاً أخيراً، فأما الأول فهو:
أَليسَ من عَجَبٍ بَل زَادَني عَجَباً ... مَملوكةٌ مَلَكَتْ من بعد ما مُلِكَتْ
وأما البيت الأخير فهو:
كَأنّها دُرّةٌ قَد كُنتُ أذخَرُهَا، ... لِيَوْمٍ عُسرٍ، فَلَمّا رُمتُها هَلَكتْ
عاشق زوجة أخيه
وأخبرنا محمد بن الحسين، حدثنا المعافى بن زكريا، حدثنا محمد بن مخلد بن حفص العطار، حدثنا إبراهيم بن راشد بن سليمان الآدمي، حدثنا عبد الله بن عثمان الثقفي، حدثنا المفضل بن فضالة مولى عمر بن الخطاب عن محمد بن سيرين عن عبيدة السلماني قال: كان في الجاهلية أخوان من حي يدعون بني كنّه، أحدهما متزوج، والآخر عزب، فقضي أن المتزوج خرج في بعض ما يخرج الناس فيه، وبقي الآخر مع امرأة أخيه، فخرجت، ذات يوم، حاسرةً، فرآها أحسن
''(2/208)''
الناس وجهاً وثغراً، فلما علمت أن قد رآها، ولولت وصاحت وغطت بمعصمها وجهها. قال القاضي: المعصم موضع السوار، فزاده ذلك فتنة، فحمل الشوق على بدنه، حتى لم يبق إلا رأسه وعيناه تدوران فيه.
وقدم الأخ، فقال: يا أخي! ما الذي أرى بك؟ فاعتل عليه، وقال: الشوصة، والشوصة تسميها العرب اللوى وذات الجنب. فقال له ابن عمر: لا تكذبنه، ابعث إلى الحارث بن كلدة، فإنه من أطب العرب، فجيء به، فلمس عروقه فإذا ساكنها ساكن، وضاربها ضارب، فقال: ما بأخيك إلا العشق. فقال: سبحان الله تقول: هذا الرجل ميت؟ فقال: هو كذلك، أعندكم شيء من شراب؟ فجيء به ثم دعا بمسعط، فصب فيه من الشراب، وحل صرةً من صرره فذر فيه، ثم سقاه الثانية، ثم الثالثة، فانتشى يغني:
يَهيجُ ما يَهيجُ وَيَذكُرُ ... أيّها القَلبُ الحزِينُ ما يكُنّه
ألِمّا بي عَلى الأبْيَات ... تِ مِنْ خَيفٍ أزُرْهُنّه
غَزَالاً مَا رَأيتُ اليَوْ ... مَ في دُورِ بَني كُنّه
غَزَالٌ أحْوَرُ العَينِ، ... وَفي مَنطِقِهِ غُنّه
قال القاضي: البيت الأول من هذه الأبيات مضطرب، وأرى بعض من رواه كسره وأخل ببنائه ونظمه لأنه لم يكن له علم بوزن الشعر وترتيبه.
فقال الرجل: هذه دور قومنا، فليت شعري من؟ فقال الحارث: ليس فيه مستمتع غير هذا اليوم، ولكن أغدو عليكم من الغد، ففعل به كفعله بالأمس، فانتشى يغني سكراً، واسم امرأة أخيه ريا، فقال:
أيّها الحَيّ فَاسْلَمُوا، ... كَيْ تُحَيَّوا وَتُكرَموا
''(2/209)''
خَرَجَتْ مُزنةٌ مِنَ ال ... بَحْرِ رَيّا تُحَمْحِمُ
لَمْ تَكُنْ كَنّتي ... وَتزْعُمُ أنّي لهَا حَمُو
فقال الرجل لمن حضره: أشهدكم أنها طالق ثلاثاً، ليرجع إلى أخي فؤاده، فإن المرأة توجد، والأخ لا يوجد. فجاء الناس يقولون له: هنيئاً لك أبا فلان، فإن فلاناً قد نزل لك عن فلانة. فقال لمن حضر: أشهدكم أنها علي مثل أمي إن تزوجتها.
قال عبد الله بن عثمان: قال المفضل: قال ابن سيرين: قال عبيدة السلماني: ما أدري أي الرجلين أكرم الأول أم الآخر.
؟
وقف على العلل
أنبأنا أبو الغنائم محمد بن علي بن علي الدجاجي، رحمه الله تعالى، حدثنا إسماعيل بن سعيد بن سويد، أخبرنا أبو علي الحسين بن القاسم بن جعفر، حدثنا أبو بكر أحمد بن زهير بن حرب، حدثنا الزبير بن أبي بكر، حدثني عمر بن أبي المؤملي عن عبد الله بن أبي عبيدة بن محمد بن عمار بن ياسر البسطامي أنشدني عبد الله المديني أبياتاً في الغزل، وكان مشغوفاً بجارية:
إذا تذكّرْتُ أيّاماً لَنَا سَلَفَتْ، ... كادَ التذكّرُ يُدنِيني من الأجلِ
فإنْ مُنيتْ بما قَد فاتَ مَرْجِعُه، ... حالَ التّباعُدُ بينَ القلبِ وَالأملِ
صَبٌّ لَهُ دَمعَةٌ في العَينِ جارِيةٌ؟ ... وَجِسمُهُ أبَداً وَقْفٌ عَلى العِلَلِ
''(2/210)''
أخذنا بأطراف الأحاديث
وبإسناده حدثنا الحسين بن القاسم، حدثنا أحمد بن زهير، حدثنا إبراهيم بن المنذر الحزامي، حدثنا خالي إبراهيم بن محمد السهمي قال: كان عبد الرحمن بن خارجة إذا ودع البيت ركب راحلته، ورفع عقيرته، وأنشأ يقول:
فَلمّا قَضَينا مِنْ مِنىً كلّ حاجَةٍ ... وَمَسّحَ بالأرْكَانِ مَنْ هُوَ مَاسِحُ
وَشُدّتْ على حُدبِ المَهارِي رِحالنُا، ... وَلا يَنظُرُ الغادِي الذي هوَ رَائِحُ
أخَذْنَا بأطرَافِ الأحَاديثِ بَيننَا، ... وَسَالبتْ بأعنَاقِ المَطيّ الأبَاطِحُ
الدموع الشاهدة
ولي من أثناء قصيدة:
وَمُتَرَّفٍ، كَالمَاءِ رِقّةُ جِسْمِهِ، ... وَالقَلبُ مِنهُ قَسَاوَةٌ كَالجَلْمَدِ
حَكّمتُهُ في حُبّهِ، وَمَدَامِعي ... يَشْهَدْنَ لي في حُبّهِ بتَفَرّدِي
نَمّ الوُشَاةُ إلَيهِ أنّي زَاهدٌ ... فِيهِ، وَغَرّهُمُ كَبيرُ تَجَلّدِي
فَجَعَلتُ أٌقسِمُ بِالنّبيّ وَآلِهِ ... وَالمَسجِدِ الأقصَى وَرَبّ المَسجِدِ
إنّي عَلى ما سَنّهُ شَرْعُ الهَوَى، ... في العاشِقِينَ، وسَلْ دُمُوعي تَشْهَدِ
فأبى قبُولَ مَعَاذِرِي، أفديهِ مِنْ ... صَرْفِ الحَوَادِثِ، فهوَ أكرَمُ من فُدي
''(2/211)''
ملاءة العفة
ولي أيضاً من أثناء قصيدة:
كَمْ غَادَةٍ غَازَلتُهَا، ومَفَارِقي ... سُودٌ، وَما خَطّ المَشيبِ ذُؤابَتي
حَوْرَاءَ من وَحشِ الصّرَاةِ، غَرِيرَةٍ ... تَصْبي الحَلِيمَ، دَعَوْتُهَا، فأجَابَتِ
بِتْنَا جَميعاً في مُلاءةِ عِفّةٍ، ... وَرَقِيبُنا نَاءٍ، وَإزْرِ صِيانَةِ
نَشكُو هَوَانَا، وَالتّصَوّنُ حَاجِزٌ ... مَا بَيْننَا، نَعنُو لَهُ بِالطّاعَةِ
حَتى إذا أبْدَى الصّبَاحُ جَبينَهُ، ... وَتَكَلّمَتْ وَرْقَاءُ فَوْقَ أرَاكَةِ
نَهَضَتْ مُوَدِّعَةً، وَأوْدَعَتِ الحشا ... مِنّي تَلَهّبَ جَمْرَةٍ لَذّاعَةِ
يَا لَيْلَةً مَا كَانَ أقْصَرَها، وَيَا ... لَهْفي عَلَيْها لَيْلَةً لَوْ طَالَتِ
المملوك المالك
أخبرنا القاضي أبو الحسين أحمد بن علي بن الحسين التوزي قراءة عليه، في سنة ست وثلاثين وأربع مائة، أخبرنا أبو عبد الله محمد بن عمران المرزباني، حدثنا محمد بن يحيى الصولي، حدثنا الحسين بن يحيى الكاتب، أخبرني عبد الله بن العباس بن الفضل بن الربيع قال: حلف الرشيد لا يدخل إلى جارية له أياماً، وكان لها مكان من قلبه، فمضت الأيام، ولم تسترضه، فأحضر جعفر بن يحيى، وعرفه الخبر، وأنشده شعراً عمله، وقال: أجزه لي، والشعر:
صَدّ عَنّي إذْ رَآني مُفتَتَنْ، ... وَأَطَالَ الصّدَّ لمّا أنْ فَطَنْ
''(2/212)''
كانَ مَملُوكي، فأضحَى مالكي، ... إنّ هذا مِنْ أعَاجِيبِ الزّمَنْ
فقال له جعفر بن يحيى: إن أبا العتاهية محبوس، بلا جرم، وهو أقدر الناس على أن يأتي بشيء مليح، قال: وجه البيتين إليه، وقل له أجزهما بما يشابههما، فلما قرأهما أبو العتاهية كتب تحتهما:
ضَعُفَ المِسكينُ عن تِلكَ المِحَنْ ... بهَلاكِ الرّوحِ مِنهُ وَالبَدنْ
وَلَقَدْ كُلّفَ شَيئاً عَجَباً ... زَادَ في النَكبةِ وَاستَوْفَى المِحَنْ
قِيلَ: فَرّحنَا، وَيَأبى فَرَحٌ ... أنْ يُؤاتِينيَ مِنْ بَيتِ الحَزَنْ
فلما قرأ الأبيات استحسنها الرشيد، وأمر بإطلاقه وصلته، وقال: صدق، والله، احضروه، فحضر، فقال: أجز بيتيّ! فقال: الآن طاب القول، وأطاع الفكر، وأنشد:
عِزّةُ الحُبّ أرَتْهُ ذِلّتي، ... في هَوَاهُ، وَلهُ وَجهٌ حَسَنْ
فَلِهَذا صِرْتُ مَملُوكاً لَهُ، ... وَلِهَذا شَاعَ أمرِي وَعَلَنْ
فقال الرشيد: جئت، والله، بما في نفسي، وأطلقه وزاد في صلته.
فتوى في الحب
حدثنا أحمد بن علي الحافظ بدمشق من لفظه، حدثنا أبو نعيم الحافظ بأصفهان، حدثنا سليمان بن أحمد الطبراني، أخبرني بعض أصحابنا قال: كتب بعض أهل الأدب إلى أبي بكر بن داود الأصبهاني الفقيه:
يا ابنَ داودَ، يا فَقيهَ العِرَاقِ! ... أفتِنَا في قَواتِلِ الأحداقِ!
هَلْ عَلَيها القِصَاصُ في القَتلِ يوْماً، ... أمْ حَلالٌ لَهَا دَمُ العُشّاقِ؟
فأجابه ابن داود:
عِندي جَوَابُ مَسائِلِ العُشّاقِ، ... إسمَعْهُ مِنْ قَلَقِ الحَشَا مُشتَاقِ
لمّا سَألتَ عنِ الهَوَى أهلَ الهَوَى، ... أجرَيتَ دَمعاً لَمْ يكُنْ بالرّاقي
أخطأتَ في نَفسِ السؤالِ، وَإن تُصِبْ ... تكُ في الهَوَى شَفَقَاً من الأشفاقِ
لَوْ أنّ مَعشُوقاً يُعّذِّبُ عَاشِقاً ... كانَ المُعَذَّبُ أنْعَمَ العُشّاقِ
''(2/213)''
ليلى الحارثية
أخبرنا أبو القاسم عبيد الله بن عمر بن أحمد المروروذي، حدثنا أبي، حدثنا الحسين بن أحمد بن صدقة، حدثنا أحمد بن أبي خيثمة، حدثنا أبو معمر قال: أمل علينا سفيان بن عيينة عن يحيى بن يحيى الغساني قال: سمعت عروة يحدث أن عبد الرحمن بن أبي بكر خرج في نفر من قريش إلى الشام يمتارون، فمروا بامرأة يقال لها ليلى، فراعه جمالها، وقد وقع منها في نفسه شيء، فرجع وهو يشبب ويقول:
تذكّرْتُ لَيلى، وَالسَّمَاوَةُ بَينَنَا، ... وَما لابنَةِ الجُوديّ لَيلى، وَمَا لِيَا
زاده مصعب بيتين ليس من حديث ابن عيينة:
وَأنّى تَعَاطَى ذِكرَهُ حارِثِيّةٌ، ... تُقيمُ ببصرَى أوْ تَحِلّ الجَوابِيَا
وَأنّى تَلاقِيها؟ بَلى، وَلَعَلّها ... إنِ الناسُ حَجّوا قابلاً أن تُوَافِيَا
ثم رجع إلى حديث سفيان قال: فلما كان زمن عمر بن الخطاب افتتح خالد بن الوليد الشام، فصارت إليه.
''(2/214)''
عبد الملك والغلام العاشق
أنبأنا القاضي أبو القاسم علي بن المحسن التنوخي، حدثنا أبو بكر محمد بن عبد الرحيم المازني، حدثنا الحسين بن القاسم الكوكبي، حدثنا الكديمي أبو العباس، حدثنا السليمي عن محمد بن نافع مولاهم عن أبي ريحانة أحد حجاب عبد الملك بن مروان قال: كان عبد الملك يجلس في كل أسبوع يومين جلوساً عاماً، فبينا هو جالس في مستشرف له، وقد أدخلت عليه القصص، إذ وقعت في يده قصةٌ غير مترجمة فيها: إن رأى أمير المؤمنين أن يأمر جاريته فلانة تغنيني ثلاثة أصوات، ثم ينفذ في ما شاء من حكمه، فعل.
فاستشاط من ذلك غضباً وقال: يا رباح! علي بصاحب هذه القصة، فخرج الناس جميعاً، وأدخل إليه غلام، كما عذر، كأهيإ الفتيان، وأحسنهم، فقال له عبد الملك: يا غلام! هذه قصتك؟ قال: نعم، يا أمير المؤمنين. قال: وما الذي غرك مني؟ والله لأمثلن بك، ولأردعن بك نظراءك من أهل الجسارة. علي بالجارية! فجيء بجارية كأنها فلقة قمر، وبيدها عود، فطرح لها كرسي، وجلست، فقال عبد الملك: مرها يا غلام! فقال: غنيني يا جارية بشعر قيس بن ذريح:
لقد كنتِ حسبَ النفسِ، لوْ دام ودُّنا، ... وَلَكِنّمَا الدّنْيَا مَتَاعُ غُرُورِ
وَكنّا جَميعاً قبلَ أن يَظهَرَ الهَوَى، ... بِأنعَمِ حَالَيْ غِبْطَةٍ وَسُرُورِ
فَما بَرِحَ الوَاشُونَ حَتى بَدَتْ لَنَا ... بُطُونُ الهَوَى مَقلُوبَةً لِظُهُورِ
فخرج الغلام من جميع ما كان عليه من الثياب تمزيقاً، ثم قال له عبد الملك: مرها تغنك الصوت الثاني! فقال: غنيني بشعر جميل:
''(2/215)''
ألا لَيتَ شِعرِي! هَل أبِيتَنّ ليلةً ... بِوَادِي القُرَى؟ إني إذاً لَسَعيدُ
إذا قلتُ: ما بي يا بُثَيْنَةُ قاتلي ... من الحُبّ، قَالَتْ: ثابتٌ وَيَزيدُ
وَإن قلتُ: رُدّي بعض عقلي أعش به ... مَعَ النّاسِ! قالت: ذاكَ منكَ بَعيدُ
فلا أنا مَرْدُودٌ بما جئتُ طالِباً؛ ... وَلا حُبّهَا فِيمَا يَبيدُ يَبيدُ
يمُوتُ الهَوَى مني، إذا ما لَقيتُها، ... ويَحيَا، إذا فارَقتُها، فَيَعُودُ
فغنته الجارية، فسقط مغشياً عليه ساعةً، ثم أفاق، فقال له عبد الملك: مرها فلتغنك الصوت الثالث! فقال يا جارية غنيني بشعر قيس بن الملوح المجنون:
وَفي الجيرَةِ الغادِينَ مِنْ بَطنِ وَجرَةٍ ... غَزَالٌ غَضِيضُ المُقلَتَينِ رَبيبُ
فَلا تَحسَبي أنّ الغَرِيبَ الذِي نَأَى، ... وَلَكِنّ مَنْ تَنأَينَ عَنهُ غَرِيبُ
فغنته، فطرح الغلام نفسه من المستشرف، فلم يصل إلى الأرض حتى تقطع، فقال عبد الملك: ويحه، لقد عجل على نفسه، ولقد كان تقديري فيه غير الذي فعل، وأمر فأخرجت الجارية عن قصره، ثم سأل عن الغلام فقالوا: غريب لا يعرف إلا أنه منذ ثلاث ينادي في الأسواق، ويده على أم رأسه:
غداً يَكثُرُ الباكُونَ مِنّا وَمنكُمُ ... وَتَزْدَادُ دارِي من دِياركمُ بُعدا
''(2/216)''
الطائفة في البيت الحرام
أخبرنا أبو القاسم الحسين بن محمد بن إبراهيم الحنائي بدمشق، حدثنا عبد الرحمن بن عثمان بن القاسم التميمي، أخبرنا عبد الرحمن بن عبد الله بن عمر بن راشد، حدثنا وزيره ابن محمد، حدثنا عمر بن شبة، حدثنا عيسى بن يزيد قال: بينا أنا أطوف بالبيت إذ نظرت إلى جارية حسناء تطوف بالبيت، وهي تقول:
لن يقبلَ اللهُ من مَعشوقَةٍ عَمَلاً ... يَوماً وَعَاشِقُها حَيرَانُ مَهجُورُ
لَيستْ بمأجورَةٍ في قَتلِ عاشِقِها، ... لكنّ عاشِقَها في ذاكَ مأجُورُ
قال: قلت: يا هذه تنشدين هذا حول بيت الله الحرام؟ فقالت: إليك عني يا شيخ، لا يرهقك الحب، فإنه يكمن في القلب ككمون النار في حجرها، إن قدحته أورى، وإن كتمته توارى. ثم ولت نحو زمزم، وهي تقول:
أُنُسٌ غَرَائِرُ ما هَمَمنَ بريبَةٍ، ... كَظِباءِ مكّةَ صَيدُهنّ حَرَامُ
يُحسَبنَ من لِينِ الحَديثِ زَوَانِيَا، ... وَيَصُدّهُنّ عَنِ الخَنَا الإسلامُ
العود الصليب
أنبأنا الرئيس أبو علي بن وشاح الكاتب، أخبرنا القاضي أبو الفرج المعافى بن زكريا، حدثنا علي بن سليمان الأخفش، حدثنا محمد بن مريد قال: حدثت عن بعض أصحاب ابن عباس فقال: إني وابن عباس بفناء الكعبة، وهو في جماعة، فإذا بفتيان يحملون بينهم فتىً حتى وضعوه بين يدي ابن عباس، فقالوا: استشف له! فكشفوا عنه،
''(2/217)''
فإذا وجه حلو، وعود صليب، وجسم ناحل، فقال له: ما يؤلمك؟ فقال:
بنَا من جَوَى الأحزَانِ وَالحبّ لَوْعَةٌ ... تَكادُ لهَا نَفسُ الشّفيقِ صَلِيبُ
وَلَكِنّما أبْقَى حُشَاشَةَ مَا تَرَى ... عَلى ما تَرَى عُودٌ هُناكَ صَلِيبُ
فقال ابن عباس: أرأيتم وجهاً أعتق أو عوداً أصلب أو منطقاً أفصح من هذا؟ قتيل الحب، لا عقل ولا قود! فما سمعنا ابن عباس دعا بشيء إلى أن أمسى إلا بالعافية مما أصاب الفتى.
نظرت إليها
وأنبأنا ابن وشاح، أخبرنا القاضي المعافى بن زكريا، حدثنا أبو طالب الكاتب علي بن محمد بن الجهم، حدثنا عمر يعني ابن شبة، حدثني أبو يحيى قال: أنشدت عبد الملك بن عبد العزيز:
وَلمّا رَأيتُ البَينَ مِنهَا فُجَاءَةً؛ ... وَأهَوَنُ للمَكرُوهِ أنْ يُتَوَقّعَا
وَلمْ يَبقَ إلَيْهَا نَظْرَةً، فرَأيتُهَا ... وقد أبرَزَتْ من جانبِ السجفِ إصبعا
قال أبو يحيى: فقلت له: قالها رجل من بني قشير. فقال: احسن والله، فقلت: أنا قلتها في طريقي إليك. قال: قد والله عرفت فيها الضعف حين أنشدتني.
''(2/218)''
؟
روح معذبة بالحياة
قال أبو الفرج الببغاء: وقد كان القاضي أبو القاسم التنوخي أنشدنا جميع شعره أو أكثره ولا أعلم هذه القطعة فيما أنشدنا أهي له أم لا، وهي:
يا سادَتي! هَذِهِ رُوحي تُوَدّعُكُم، ... إذْ كانَ الصّبرُ يُسليها وَلا الجَزَعُ
قد كُنتُ أطمَعُ في رُوحِ الحَيَاةِ لهَا، ... فالآنَ مُذْ غِبتُمُ لمْ يَبقَ لي طَمَعُ
لا عَذّبَ اللهُ رُوحي بِالحَيَاةِ، فَمَا ... أظُنّهَا بَعدَكُمْ بالعَيشِ تَنتَفِعُ
الأعرابي البصير
أخبرنا عبيد الله بن عمر بن أحمد بن شاهين الواعظ، حدثنا أبي، حدثنا عمر بن الحسن حدثنا ابن أبي الدنيا، حدثنا علي بن الجعد، سمعت أبا بكر بن عياش يقول: كنت في زمن الشباب، إذا أصابتني مصيبة، تجلدت، ودفعت البكى بالصبر، وكان ذلك يؤذيني ويؤلمني، حتى رأيت أعرابياً بالكناسة واقفاً على نجيب وهو ينشد:
خَليليّ عُوجا من صُدورِ الرّوَاجِلِ، ... بجُمهُورِ حَزْوَى، وَابكِيا في المَنازِلِ
لَعَلّ انحِدارَ الدّمعِ يُعقِبُ رَاحَةً، ... مِنَ الوَجدِ أوْ يَشفي نجيَّ البَلابِلِ
فأصابتني بعد ذلك مصائب فكنت أبكي، فأجد لذلك راحةً، فقلت: فاتل الله الأعرابي ما كان أبصره!
''(2/219)''
الصوفي المتواجد
أنبأنا أبو القاسم علي بن المحسن التنوخي، أخبرني أبي، حدثني أبو الطيب محمد بن أحمد بن عبد المؤمن أحد الصوفية من أهل سر من رأى قال: رأيت ببغداد صوفياً أعور، يعرف بأبي الفتح، في مجلس أبي عبد الله بن البهلول، فقرأ بألحان قراءة حسنة، وصبي يقرأ: أو لم نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر، فزعق الصوفي: بلى! بلى! دفعات وأغمي عليه طول المجلس، وتفرق الناس عن الموضع، وكان الاجتماع في صحن دار كنت أنزلها، فلم يكن الصوفي أفاق فتركته مكانه، فما أفاق إلى أن قرب العصر، ثم قام، فلما كان من بعد أيام سألت عنه، فعرفت أنه حضر عند جارية في الكرخ تقول بالقضيب، فسمعتها تقول الأبيات التي فيها:
وَجهُكَ المأمُولُ حُجّتُنا ... يَوْمَ يأتي النّاسُ بالحُجَجِ
فتواجد، وصاح، ودق صدره إلى أن أغمي عليه، فسقط، فلما انقضى المجلس حركوه فوجدوه ميتاً، فغسلوه، ودفنوه، واستفاض الخبر بهذا وشاع، وأخبرني به فئام من الناس والأبيات لعبد الصمد بن المعذل:
يا بَديعَ الدّلّ وَالغُنُجِ! ... لكَ سُلطانٌ عَلى المُهَجِ
إنّ بَيْتاً أنْتَ سَاكِنُهُ ... غَيرُ مُحتَاجِ إلى السُّرُجِ
وَجهُكَ المَعشوقُ حُجّتُنا ... يَوْمَ يأتي النّاسُ بالحُجَجِ
والصوفية إذا قالوا: وجهك المأمول، نقلوه إلى ما لهم في ذلك من المعاني، وكانت قصة هذا الرجل وموته في سنة خمسين وثلاثمائة، وأمره من مفردات الأخبار.
''(2/220)''
الأصمعي والجواري
أخبرنا الخطيب، أخبرنا أبو سعيد محمد بن موسى الصيرفي بنيسابور، حدثنا أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن أحمد الصفار الأصبهاني، حدثنا أبو عبد الله محمد بن أخبرنا النيسابوري ببغداد، حدثنا محمد بن حبيب، سمعت علي بن عثام يقول: سمعت الأصمعي يقول: مررت بالبادية على رأس بئر، وإذا على رأسه جوار، وإذا واحدة فيهن كأنها البدر، فوقع علي الرعدة، وقلت لها:
يَا أحسَنَ النّاسِ إنساناً، وَأملَحَهُمْ! ... هَل باشتكائي إليكِ، اليَوْمَ، من باسِ
فَبَيّنِي لي بقَوْلٍ غَيرِ ذي خُلُفٍ: ... أبالصّرِيمةِ يمضِي عَنكِ أمْ ياسِ
قال: فرفعت رأسها وقالت لي: اخسأ، فوقع في قلبي مثل جمر الغضا، فانصرفت عنها، وأنا حزين. قال: ثم رجعت إلى رأس البئر، وإذا هي هناك، فقالت:
هَلُمّ نَمحُ الّذِي آذَاكَ أوَلُهُ، ... وَنُحدِثِ الآنَ إقبالاً مِنَ الرّاسِ
حَتى يَكُونَ ثبيراً في مَوَدّتِنَا ... مَثلَ الّذِي يَحتَذِي نَعلاً بمِقياسِ
فانطلقت معها إلى أبيها، فتزوجتها، فابني علي منها.
''(2/221)''
الهوى دعوى من الناس
أخبرنا الخطيب، أنبأنا أحمد بن الحسين الواعظ، حدثنا أبو الفرج الورثاني الصوفي، أخبرني محمد بن عبد العزيز الصوفي، قال أحمد بن الحسين: وقد رأيته ولم أسمع منه: أنشدني أبو علي الروذباري:
أُنَزّهُ في رَوْضِ المَحَاسِنِ مُقلَتي، ... وَأمنَعُ نَفسي أنْ تَنَالَ المُحَرَّما
وَأحمِلَ مِنْ ثِقْلِ الهَوَى مَا لَو أنّه ... عَلى الجامِدِ الصُّلْبِ الأصَمّ تَهَدّمَا
وَيَظهَرُ سِرّي عَن مُترْجَمِ خاطرِي، ... فَلَوْلا اختِلاسُ الطّرْفِ عنهُ تَكَلّمَا
رَأيتُ الهَوَى دعوَى من الناسِ كلِّهم، ... فَما إن أرَى حبّاً صَحيحاً مُسَلَّمَا
آخر الرمق
أخبرني الخطيب أنبأني أبو طالب يحيى بن علي بن الطيب الدسكري بحلوان للروذباري:
وَلَوْ مَضَى الكُلّ مِنّي لمْ يكُنْ عجباً، ... وَإنّمَا عَجَبي للبَعضِ كَيفَ بَقي
أدرِكْ بقِيّةَ رُوحٍ فيكَ قد تَلِفَتْ، ... قَبلَ الفِرَاقِ، فهَذا آخِرُ الرَّمَقِ
القباح غوال وإن رخصن
أنبأنا أبو الغنائم محمد بن علي بن علي، حدثنا إسماعيل بن سويد، حدثنا الحسين بن القاسم الكوكبي، حدثنا أحمد بن زهير، حدثنا أحمد بن إسماعيل بن حذافة، أخبرنا الأصمعي، حدثني الحسن الوصيف حاجب المهدي قال: كنا بزيالة، وإذا أعرابي يقول: يا أمير المؤمنين، جعلني الله فداءك! إني عاشق. قال: وكان يحب ذكر العشاق والعشق، فدعا الأعرابي، فلما
''(2/222)''
دخل عليه قال: سلام عليك، يا أمير المؤمنين، ورحمة الله وبركاته، ثم قعد. فقال له: ما اسمك؟ فقال: أبو مياس. قال: يا أبا مياس! من عشيقتك؟ قال: ابنة عمي، وقد أبى أبوها أن يزوجنيها. قال: لعله أكثر منك مالاً؟ قال: لا! قال: فما القصة؟ قال: أدن مني رأسك؟ قال: فجعل المهدي يضحك وأصغى إليه رأسه، فقال: إني هجين، قال: ليس يضرك ذاك، إخوة أمير المؤمنين وولده أكثرهم هجن. يا غلام علي بعمه.
قال: فأتي به، فإذا أشبه خلق الله بأبي مياس كأنهما باقلاّة فلقت. فقال المهدي: ما لك لا تزوج أبا مياس وله هذا اللسان والأدب وقرابته منك؟ قال: إنه هجين. قال: فإخوة أمير المؤمنين وولده أكثرهم هجن، فليس هذا مما ينقصه، زوجها منه، فقد أصدقتها عنه عشرة آلاف درهم، قال: قد فعلت. فأمر له بعشرين ألف درهم، فخرج أبو مياس، وهو يقول:
ابتَعتُ أسوَاقَ القِبَاحِ لأهلِها؛ ... إنّ القِباحَ وَإنْ رَخُصْنَ غَوَالِ
معشوق ينفق على عاشق
حدثنا أبو بكر أحمد بن علي الحافظ من لفظه بالشام، أنبأنا أبو سعد الماليني، حدثنا الحسن بن إبراهيم الليثي، حدثني الحسين بن القاسم قال: كان محمد بن داود يميل إلى محمد بن جامع الصيدلاني، وبسببه عمل كتاب الزهرة، وقال في أوله: وما تنكر من تغير الزمان وأنت أحد مغيريه؛ ومن جفاء الإخوان وأنت المقدم فيه؛ ومن عجيب ما يأتي به الزمان ظالم يتظلم، وغابن يتندم، ومطاع يستظهر، وغالب يستنصر.
''(2/223)''
قال الحسين: وبلغنا أن محمد بن جامع دخل الحمام، وأصلح من وجهه، وأخذ المرآة فنظر إلى وجهه، فغطاه، وركب إلى محمد بن داود، فلما رآه مغطى الوجه. خاف أن يكون قد لحقته آفة، فقال: ما الخبر؟ فقال: رأيت وجهي الساعة في المرآة، فغطيته، وأحببت أن لا يراه أحد قبلك، فغشي على محمد بن داود.
قال الليثي: وحدثني محمد بن إبراهيم بن سكرة القاضي قال: كان محمد بن جامع ينفق على محمد بن داود، وما أعرف فيما مضى من الزمان معشوقاً ينفق على عاشق إلا هو.
صبر يوم
حدثنا أحمد بن علي الوراق بالشام، أخبرني أبو القاسم الأزهري، حدثني أبو العباس محمد بن جعفر بن عبد العزيز بن المتوكل الهاشمي: أنشدنا الصولي:
أيّهَا المُستَحِلّ ظُلمي وَهَجرِي! ... لكَ طُولُ البَقاءِ قد ماتَ صَبرِي
قال لي: لا أقلّ من صَبرِ يَوْمٍ، ... بالقَلِيلِ القَلِيلِ يَنفَدُ عُمرِي
قال الخطيب: قال لي الأزهري: رأيت هذا الشيخ في دكان أبي سعيد الوراق، وأنشدني من حفظه أبياتاً علقتها عنه، وذكر لي أنه رواها عنه عن الصولي وغيره.
''(2/224)''
من توفاك يحييك
أخبرنا أبو علي محمد بن الحسين الجازري، حدثنا المعافى بن زكريا الجريري قال: استشرف بعض المترفين إلى طريقة الصوفية والاختلاط بهم وملابستهم، فشاور في هذا بعض مشيختهم، فرده عما تشوف إليه من هذا، وحذره التعرض له، فأبت نفسه إلا ما جذبته الدعاوى إليه، وعطفته الخواطر عليه، فمال إلى فريق من هذه الطائفة، فعلق بهم، واتصل بجملتهم، ثم صحب جماعةً منهم متوجهةً إلى الحج فعجز في بعض الطريق عن مسايرتهم، وقصر عن اللحاق بهم، فمضوا وتخلف عنهم، واستند إلى بعض الأميال إرادة الاستراحة من الإعياء والكلال. فمر به الشيخ الذي كلمه في ما حصل فيه قبل أن يتسنمه، فنهاه عنه وحذره منه، فقال هذا الشيخ مخاطباً له:
إنّ الّذينَ بخَيرٍ كُنتَ تَذكُرُهُمْ ... قَضَوْا عَليكَ وَعَنهُم كنتُ أنهَاكَا
فقال له الفتى: ما أصنع الآن؟ فقال له:
لا تَطلُبَنّ حَياةً عِندَ غَيرِهِمُ، ... فَلَيسَ يُحييكَ إلاّ مَن تَوَفّاكَا
بشار يصف مجلس غناء
أخبرنا الجازري، حدثنا المعافى بن زكريا، حدثنا الحسين بن القاسم الكوكبي، حدثنا العباس بن الفضل الربعي، حدثنا إسحق بن إبراهيم الموصلي قال: كان بالبصرة لرجل من آل سليمان بن علي جارية، وكانت حسناء بارعة الظرف والجمال، وكان بشار بن برد صديقاً لمولاها ومداحاً له، فحضر مجلسه، والجارية تغنيهم، فشرب مولاها وسكر ونام، ونهض للانصراف من كان بالحضرة، فقالت الجارية لبشار: أحب أن تذكر مجلسنا هذا في قصيدة
''(2/225)''
وترسلها إلي على أن لا تذكر فيها اسمي ولا اسم سيدي، فقال بشار، وبعث بها مع رسوله إليها:
وَذاتِ دَلٍّ كَأنّ الشمسَ صُورَتُها، ... بَاتَتْ تُغَنّي عَميدَ القَلبِ سكرَانَا
إنّ العُيُونَ التي في طَرْفِها حَوَرٌ ... قَتَلْنَنَا ثمّ لا يُحيِينَ قَتلانَا
فقلتُ: أحسَنتِ يا سؤلي ويَا أمَلي، ... فَأسمِعِيني، جَزَاكِ اللهُ إحسَانَا
يا حَبّذا جَبَلُ الريّانِ من جَبَلٍ؛ ... وَحَبّذا سَاكِنُ الريّانِ مَن كانَا
قالت: فهلاّ، فدَتكِ النفسُ، أحسن من ... هذا لمَن كان صبّ القَلبِ حَيرَانَا
يا قَوْمُ أُذني لبَعضِ الحيّ عاشِقَةٌ ... وَالأذنُ تَعشَقُ قبلَ العَينِ أحيانَا
فقلتُ: أحسَنتِ! أنتِ الشمسُ طالعةً، ... أضرَمتِ في القَلبِ وَالأحشَاءِ نِيرَانَا
فَأسمِعينا غِنَاءً مُطْرِباً هَزَجاً، ... يزِيدُ صَبّاً مُحِبّاً فِيكِ أشجَانَا
يا لَيتني كُنتُ تُفّاحاً مُفَلَّجَةً، ... أو كُنتُ من قُضُبِ الرّيحانِِ رَيحَانَا
حَتى إذا وَجَدَتْ رِيحي فأعجَبَها، ... وَنحنُ في خَلوةٍ مُثّلتُ إنسَانَا
فحَرّكتْ عودَها، ثمّ انثَنَتْ طَرَباً، ... تَشدُو بهِ ثمّ لا تُخفِيهِ كِتمانَا
أصبَحتُ أطوَعَ خَلقِ اللهِ كُلّهِمِ ... لأكثرِ الخَلقِ لي في الحُبّ عِصْيَانَا
فقلتُ: أطرَبتَنا يا زَينَ مَجلِسِنَا، ... فَغَنِّنَا أنتِ بالإحسَانِ أوْلانَا
فَغَنّتِ الشَّرْبَ صَوْتاً مُونَقاً رَمَلاً ... يُذكي السّرُورَ وَيُبكي العَينَ ألوَانَا
لا يَقتُلُ اللهُ مَنْ دامَتْ مَوَدّتُهُ، ... وَاللهُ يَقتُلُ أهلَ الغَدرِ أحيَانَا
''(2/226)''
الفضل بن يحيى وخشف
أخبرنا محمد بن الحسين الجازري، حدثنا المعافى بن زكريا، حدثنا محمد بن يحيى الصولي، حدثنا عون بن محمد، حدثني إدريس بن بدر أخو الجهم بن بدر قال: كن أبي منقطعاً إلى الفضل بن يحيى، فكان معه يوماً في موكبه، فقال أبي: فرأيت من الفضل حيرة وجولة، ففطن أني قد استبنت ما كان منه، فقال: عرفني يا بدر كيف قال المجنون: وداع دعا، فأنشدته:
وَداعٍ دَعا، إذْ نحنُ بالخَيفِ من مِنىً، ... فَهَيّجَ أحزَانَ الفُؤادِ، وَما يَدرِي
دَعَا باسمِ لَيلى غَيرِهَا فَكَأنّما ... أطارَ بلَيلى طائراً كانَ في صَدرِي
قال: هذه، والله، قصتي، كنت أهوى جاريةً يقال لها خشف ثم ملكتها فقربت من قلبي، فسمعت الساعة صائحاً يصيح: يا خشف، فكان مني ما رأيت، ونالني مثل ما قال المجنون.
ابتنى معاوية بالأبطح مجلساً، فجلس عليه، ومعه ابنة قرظة، فإذا هو بجماعة على رحال لهم، وإذا بشاب منهم قد رفع عقيرته يتغنى:
مَنْ يُسَاجِلْني يُساجِلْ مَاجِداً ... أخضَرَ الجِلدَةِ في بَيتِ العَرَبْ
قال: من هذا؟ قالوا: عبد الله بن جعفر. قال: خلوا له الطريق، فليذهب؛ ثم إذا هو بجماعة فيهم غلام يغني:
بَينَمَا يَذكُرْنَني أبصَرْنَني ... دُونَ قِيدِ الميلِ يَعدو بي الأغَرّ
''(2/227)''
قِيلَ تَعرِفنَ الفَتى؟ قُلْنَ نَعَم! ... قد عَرَفناهُ، وهَل يخفَى القَمَرْ؟
قال: من هذا؟ قالوا: عمر بن أبي ربيعة. قال: خلوا له الطريق، فليذهب. قال: ثم إذا بجماعة، وإذا رجل منهم يسأل ويقول: رميتُ قبل أن أحلق، وحلقت قبل أن أرمى، لا شيء أشكلت من مسائل الحج. فقال: من هذا؟ قالوا: عبد الله بن عمر. فالتفت إلى بنت قرظة، فقال: هذا وأبيك الشرف لا ما نحن فيه.
شعر سارت بن الركبان
حدثنا أحمد بن علي الوراق بدمشق من لفظه، أخبرنا أبو عبد الرحمن إسماعيل بن أخبرنا الحيري بنيسابور، حدثنا أبو نصر بن أبي عبد الله الشيرازي، حدثني أبو الحسين محمد بن الحسين الطاهري البصري من حفظه قال: حدثني أبو الحسن محمد بن الحسين بن الصباح الداودي البغدادي الكاتب بالرملة، حدثنا القاضي أبو عمر محمد بن يوسف بن يعقوب الأزدي ببغداد قال: كنت أساير محمد بن داود بن علي ببغداد، فأذاكره بشيء من شعره، وهو:
أشكُو غَليلَ فُؤادٍ أنتَ مُتلِفُهُ، ... شَكوَى عَليلٍ إلى إلْفٍ يُعَلّلُهُ
سُقمي يَزيدُ مَعَ الأيامِ كَثرتُهُ، ... وَأنتَ في عُظْمِ ما ألقَى تُقَلّلُهُ
اللهُ حَرّمَ قَتلي في الهَوَى، سَفَهاً؛ ... وَأنتَ يا قاتِلي ظُلماً تُحَلّلُهُ
فقال محمد بن داود: كيف السبيل إلى استرجاع هذا؟ فقال القاضي أبو عمر: هيهات، سارت به الركبان.
''(2/228)''
من يهب ولده؟
أخبرنا أبو علي محمد بن الحسين الجازري، حدثنا القاضي المعافى بن زكريا، حدثنا أحمد بن جعفر البرمكي جحظة، حدثني خالد الكاتب قال: قال لي علي بن الجهم: هب لي بيتك، وهو:
لَيتَ مَا أصْبَحَ مِنْ ... رِقّةِ خدّيكَ بقَلبكَ
قال: فقلت له: أرأيت أحداً يهب ولده؟
المحبان الوفيان
أخبرنا القاضي أبو القاسم علي بن المحسن، حدثني أبي، حدثنا عبيد الله بن محمد الهروي، حدثني أبي، حدثني صديق لي ثقة: أنه كان ببغداد رجل من أولاد النعم، ورث مالاً جليلاً، وكان يعشق قينة، فأنفق عليها مالاً كثيراً ثم اشتراها، وكانت تحبه كما يحبها، فلم يزل ينفق ماله عليها إلى أن أفلس، فقالت له الجارية: يا هذا قد بقينا كما ترى، فلو طلبت معاشاً؟ قال: وكان الفتى لشدة حبه الجارية وإحضاره الأستاذات ليزيدوها في صنعتها قد تعلم الضرب والغناء فخرج صالح الضرب والحذق فيهما، فشاور بعض معارفه فقال: ما أعرف لك معاشاً أصلح من أن تغني للناس، وتحمل جاريتك إليهم، فتأخذ على هذا الكثير، ويطيب عيشك، فأنف من ذلك، وعاد إليها فأخبرها بما أشير به عليه، وأعلمها أن الموت أسهل عنده من هذا. فصبرت معه على الشدة مدة، ثم قالت له: قد رأيت لك رأياً. قال: قولي! قالت: تبيعني، فإنه يحصل لك من ثمني ما إن أردت أن تتجر به،
''(2/229)''
أو تنفقه في ضيعة عشت عيشاً صالحاً، وتخلصت من هذه الشدة وأحصل أنا في نعمة، فإن مثلي لا يشتريها إلا ذو نعمة، فإن رأيت هذا، فافعل.
فحملها إلى السوق، فكان أول من اعترضها فتىً هاشمي من أهل البصرة، ظريف، قد ورد بغداد للعب والتمتع، فاستامها، فاشتراها بألف وخمسمائة دينار عيناً. قال الرجل: فحين لفظت بالبيع، وأعطيت المال، ندمت واندفعت في بكاء عظيم، وحصلت الجارية في أقبح من صورتي، وجهدت في الإقالة فلم يكن إلى ذلك سبيل، فأخذت الدنانير في الكيس لا أدري أين أذهب لأن بيتي موحش منها، ووقع علي من اللطم والبكاء ما هوّسني.
فدخلت مسجداً، وجعلت أبكي وأفكر في ما أعمل، فغلبتني عيني، فتركت الكيس تحت رأسي، فانتبهت فزعاً، فإذا شاب قد أخذ الكيس، وهو يعدو، فقمت لأعدو وراءه، فإذا رجلي مشدودة بخيط قنب في وتد مضروب في أرض المسجد، فما تخلصت من ذلك حتى غاب الرجل عن عيني، فبكيت ولطمت ونالني أمر أشد من الأمر الأول، وقلت: فارقت من أحب لأستغني بثمنه عن الصدقة، فقد صرت الآن فقيراً ومفارقاً.
فجئت إلى دجلة، فلففت وجهي بإزار كان على رأسي، ولم أكن أحسن العوم، فرميت نفسي في الماء لأغرق، فظن الحاضرون أن ذلك لغلط وقع علي، فطرح قوم نفوسهم خلفي فأخرجوني، فسألوني عن أمري، فأخبرتهم، فمن بين راحم ومستجهل إلى أن خلا بي شيخ منهم، فأخذ يعظني، ويقول: ما هذا؟ ذهب مالك فكان ماذا حتى تتلف نفسك، أو ما علمت أن فاعل هذا في نار جهنم! ولست أول من افتقر بعد غنى، فلا تفعل، وثق بالله تعالى. أين منزلك؟ قم معي إليه.
فما فارقني حملني إلى منزلي وأدخلني إليه، وما زال يؤنسني ويعظني إلى أن رأى مني السكون، فشكرته، وانصرف، فكدت أقتل نفسي
''(2/230)''
لشدة وحشتي للجارية، وأظلم منزلي في وجهي، وذكرت النار والآخرة، فخرجت من بيتي هارباً إلى بعض أصدقائي القدماء، فأخبرته خبري، فبكى رقةً لي، وأعطاني خمسين درهماً، وقال: اقبل رأيي! اخرج الساعة من بغداد، واجعل هذا نفقة إلى حيث تجد قلبك مساعدك على قصده، وأنت من أولاد الكتاب، وخطك جيد وأدبك صالح، فاقصد بعض العمال واطرح نفسك عليه، فأقل ما في الأمر أن يصرفك في شغل أو يجعلك محرراً بين يديه وتعيش أنت معه، ولعل الله أن يصنع لك.
فعملت على هذا، وجئت إلى اللتبيين، وقد قوي في نفسي أن أقصد واسطاً، وكان لي بها أقارب فأجعلهم ذريعةً إلى التصرف مع عاملها، فحين جئت إلى اللتبيين، إذا بزلال مقدم، وإذا خزانة كبيرة وقماش فاخر كثير ينقل إلى الخزانة والزلال، فسألت عن ملاح يحملني إلى واسط، فقال لي أحد ملاحي الزلال: نحن نحملك في هذا إلى واسط بدرهمين. ولكن هذا الزلال لرجل هاشمي من أهل البصرة، ولا يمكننا حملك معه على هذه الصورة، ولكن تلبس من ثياب الملاحين، وتجلس معنا، كأنك واحد منا.
فحين رأيت الزلال، وسمعت أنه لرجل هاشمي من أهل البصرة، طمعت أن يكون مشتري جاريتي، فأتفرج بسماعهما إلى واسط، فدفعت الدرهمين إلى الملاح، وعدت فاشتريت جبةً من جباب الملاحين، وبعت تلك الثياب التي علي، وأضفت ثمنها إلى ما معي من النفقة، واشتريت خبزاً وأدماً وجلست في الزلال، فما كان إلا ساعة، حتى رأيت جاريتي بعينها، ومعها جاريتان تخدمانها، فسهل علي ما كان بي وما أنا فيه، وقلت: أراها وأسمع غناءها من هاهنا إلى البصرة، واعتقدت أن أجعل قصدي البصرة، وطمعت في أن أدخل مولاها، وأصير أحد ندمائه، وقلت: لا تخليني هي من المواد،
''(2/231)''
فإني واثق بها.
فلم يكن بأسرع من أن جاء الفتى الذي اشتراها راكباً ومعه عدة ركبان، فنزلوا في الزلال، وانحدرنا، فلما صرنا بكلواذى، أخرج الطعام، فأكل هو. وصعدت فجلست معه، فدبرت أمره وضبطت دخله، وخرجه، وكان غلمانه يسرقونه، فأديت إليه الأمانة.
فلما كان بعد شهر رأى الرجل دخله زائداً، وخرجه ناقصاً، فحمدني، وكنت معه إلى أن حال الحول، وقد بان له الصلاح في أمره فدعاني إلى أن أتزوج بابنته ويشاركني في الدكان، ففعلت، ودخلت بزوجتي، ولزمت الدكان والحال تقوى إلا أني في خلال ذلك منكسر النفس، ميت النشاط، ظاهر الحزن، وكان البقال ربما شرب فيجذبني إلى مساعدته، فأمتنع وأظهر أن سبب ذلك حزن على موتى لي.
واستمرت بي الحال على هذا سنين كثيرة، فلما أن كان ذات يوم، رأيت قوماً يجتازون بجون ونبيذ اجتيازاً متصلاً، فسألت عن ذلك، فقيل لي: اليوم يوم الشعانين ويخرج أهل الظرف واللعب بالنبيذ والطعام والقيان إلى الأبلّة فيرون النصارى، ويشربون ويتفرجون. فدعتني نفسي إلى التفرج، وقلت: لعلي أن أقف لأصحابي على خبر، فإن هذا من مظانهم، فقلت لحميي: أريد أن أنظر هذا المنظر، فقال: شأنك.
وأصلح لي طعاماً وشراباً، وسلم إلي غلاماً وسفينةً، فخرجت وأكلت في السفينة، وبدأت أشرب حتى وصلت إلى الأبلة، وأبصرت الناس، وابتدأوا ينصرفون، وانصرفت، فإذا أنا بالزلال بعينه في أوساط الناس سائراً في نهر الأبلّة، فتأملته، فإذا بأصحابي على سطحه، ومعهم عدة مغنيات، فحين رأيتهم لم أتمالك فرحاً، فصرت إليهم، فحين رأوني عرفوني وكبروا،
''(2/232)''
وأخذوني إليهم، وقالوا: ويحك أنت حي! وعانقوني، وفرحوا بي وسألوني عن قصتي، فأخبرتهم بها على أتم شرح، فقالوا: إنا لما فقدناك في الحال، وقع لنا أنك سكرت، ووقعت في الماء فغرقت، ولم نشك في هذا، فمزقت الجارية ثيابها، وكسرت عودها، وجزت شعرها وبكت، ولطمت، فما منعناها من شيء من هذا، ووردنا البصرة، فقلنا لها: ما تحبين أن نعمل لك؟ فقد كنا وعدنا مولاك بوعد تمنعنا المروءة من استخدامك معه في حال فقده أو سماع غنائك. فقالت: تمكنوني من القوت اليسير، ولبس الثياب السود، وأن أعمل قبراً في بيت من الدار، وأجلس عنده، وأتوب من الغناء، فمكناها من ذلك، فهي جالسة عنده إلى الآن.
وأخذوني معهم، فحين دخلت الدار ورأيتها بتلك الصورة، ورأتني شهقت شهقة عظيمة، ما شككت في تلفها، واعتنقنا، فما افترقنا، ساعةً طويلة، ثم قال لي مولاها: قد وهبتها لك. فقلت: بل تعتقها، وتزوجني منها، كما وعدتني، ففعل ذلك ودفع إلينا ثياباً كثيرة وفرشاً، وقماشاً، وحمل إلي خمسمائة دينار، وقال: هذا مقدار ما أردت أن أجريه عليك في كل شهر، منذ أول يوم دخولي البصرة، وقد اجتمع هذا لهذه المدة، فخذه، والجائزة لك مستأنفة في كل شهر، وشيء آخر لكسوتك وكسوة الجارية؛ والشرط في المنادمة وسماع الجارية من وراء ستارة باق عليك، وقد وهبت لك الدار الفلانية.
قال: فجئت إليها، فإذا بذلك الفرش والقماش الذي أعطانيه فيها، والجارية، فجئت إلى البقال فحدثته حديثي، وطلقت ابنته، ووفيتها صداقها، وأقمت على تلك الحال مع الهاشمي سنتين، فصلحت حالي، وصرت رب ضيعة ونعمة، وعادت حالي، وعدت إلى قريب مما كنت عليه، فأنا أعيش كذلك إلى الآن مع جاريتي.
''(2/233)''
الجارية الحميراء وابن جامع
أخبرنا أبو علي محمد بن الحسين إن لم يكن سماعاً فإجازة، حدثنا المعافى بن زكريا أبو النضر العقيلي، حدثنا يعقوب بن نعيم الكاتب، حدثني محمد بن ضو التيمي، سمعت إسماعيل بن جامع السهمي يقول: ضمني الدهر ضماً شديداً بمكة، فانتقلت منها بعيالي إلى المدينة، فأصبحت يوماً ولا أملك إلا ثلاثة دراهم، فخرجت، وهي في كمي. فإذا بجارية حميراء على رقبتها جرة تريد الركي، وتمشي بين يدي، وتترنم بصوت شجي، تقول فيه:
شَكَوْنَا إلى أحبَابِنَا طولَ لَيلِنا، ... فقالوا لَنا: ما أقصرَ اللّيلَ عِندنَا
وَذاكَ لأنّ النّوْمَ يَغشَى عُيُونَهُمْ ... سرَاعاً، وَلا يَغشَى لنَا النّوم أعيُنَا
ما دَنَا اللّيلُ المُضرّ بذِي الهَوَى، ... جَزِعنا، وَهُم يَستبشِرُونَ إذا دَنَا
فلَوْ أنّهُمْ كانُوا يُلاقُونَ مِثلَ مَا ... نُلاقي لَكَانُوا في المَضَاجِعِ مِثلَنا
فوالله ما دار لي منه حرف واحد. فقلت لها: يا جارية! ما أدري أوجهك أحسن أم صوتك أم جرمك، فلو شئت أعدته علي. فقالت: حباً وكرامةً، ثم أسندت ظهرها إلى جدار كان بالقرب منها، ورفعت إحدى رجليها فوضعتها على ركبتها، وحطت الجرة على ساقها، واندفعت تغني بأحسن صوت، فوالله ما دار لي منه حرف واحد، فقلت: لقد أحسنت وتفضلت، فلو شئت أعدته مرةً أخرى.
فقطبت وكلحت، وقالت: ما أعجب هذا! أحدكم يجيء إلى الجارية عليها ضريبة، فيقول لها: أعيدي مرةً بعد أخرى، فضربت يدي إلى ثلاثة دراهم، ودفعتها إليها، وقلت لها: أقيمي بهذا وجهك اليوم إلى أن نلتقي، فأخذتها كالمتكرهة، وقالت: الآن تريد أن تأخذ عني صوتاً أحسبك تأخذ عليه
''(2/234)''
ألف دينار، وألف دينار، وألف دينار، ثم اندفعت تغني، وأعملت فكري في غنائها، فدار لي الصوت، وفهمته، وانصرفت به مسروراً، وذكر باقي الخبر.
قال ابن السراج: وقد ذكرت هذا الخبر بتمامه في أثناء كتابي هذا، فلذلك ما استوعبته هاهنا.
مأساة بشر وهند
أخبرنا أبو بكر محمد بن عبد الملك بن بشران قراءة عليه، حدثنا أبو الحسن محمد بن أحمد بن رزيق في شهر ربيع الأول من سنة تسع وثلاثين وثلاثمائة، حدثنا أبو بكر محمد بن عبد الله بن إبراهيم الشافعي قراءة عليه، يوم الخميس لاثنتي عشرة من ربيع الآخر سنة ثلاث وخمسين وثلاثمائة، حدثنا أبو العباس أحمد بن محمد بن مسروق، حدثنا عمر بن عبد الحكم وجعفر بن عبد الله الوراق والقاسم بن الحسن عن أبي سعد عن أبيه قال: ذكر أنه كان في بدء الإسلام، وبعضهم يزيد على حديث بعض، شاب، وكان يقال له بشر، وكان يختلف إلى رسول الله صلى الله عليه وآله، وكان من بني أسيد بن عبد العزى، وكان طريقه، إذا غدا على رسول الله صلى الله عليه وآله، أن يأخذ على جهينة، وإذا فتاة من جهينة، فنظرت إليه، فعشقته، وكان لها من الحسن والجمال حظ عظيم، وكان لها زوج يقال له سعد بن سعيد، فكانت تقعد كل غداة لبشر، حتى يجتاز بها، لينظر إليها، فلما أخذها حبه كتبت إليه هذه الأبيات:
تَمّرّ بِبَابي لَيسَ تَعلَمُ مَا الّذي ... أُعَالِجُ من شَوْقٍ إلَيكَ ومن جُهدِ
تَمُرّ رَخيّ البَالِ مِنْ لَوْعَةِ الهَوَى، ... وَأنتَ خليُّ الذّرْعِ ممّا بدا عِندي
''(2/235)''
فَدَيْتُكَ، فَانظُرْ نَحوَ بَابي نَظرَةً، ... فإنّكَ أهوَى النّاسِ كلِّهمِ عِندي
فَوَاللهِ لَوْ قصّرْتَ عَنّا فَلضمْ تَكُنْ ... تَمُرّ بِنا أصْبَحتُ لا شكّ في لحدِ
فأجابها الفتى يقول:
عَلَيكِ بتقوَى اللهِ والصّبرِ، إنّهُ ... نَهَى عَنْ فُجُورٍ بِالنّساءِ مُوَحِّدُ
وَصبراً لأمْرِ اللهِ لا تَقرَبي الّذِي، ... نَهَى اللهُ عنهُ، وَالنّبيُّ مُحَمّدُ
فَوَاللهِ لا آتي حَلِيلَةَ مُسْلِمٍ ... إلى أنْ أُدَلّى في القُبُورِ، وَأُفقَدُ
أُحَاذِرُ أنْ أصْلى جَحيماً، وَأن أُرَى ... صَرِيعاً لِنَارٍ حَرُّهَا يَتَوَقَّدُ
فَلا تَطمَعي في أنْ أزُورَكِ طَائِعاً، ... وَأنتِ لِغَيرِي، بِالخنَاءِ مُعَوَّدُ
فأجابته الفتاة تقول:
أمَرْتَ بتَقوَى اللهِ، وَالصّبرِ وَالتّقَى، ... فكَيفَ؟ وَما لي من سَبيلٍ إلى الصّبرِ
وَهَلْ تَستطيعُ الصّبرَ حَرّى حَزِينَةٌ ... مُعَذَّبَةٌ بِالحُبِّ مُوقَرَةُ الظّهرِ؟
وَوَاللهِ مَا أدعُوكَ يا حُبُّ للّذِي ... تَظُنّ، وَلَكِنْ للحَديثِ وَللشّعرِ
وَكيْ نَتَدَاوَى مَا تَرَاكَدَ داؤُهُ ... من الشوْقِ وَالحبّ الذي لكَ في صَدرِي
وَلَيتُ، فدتكَ النّفسُ، أبغيك مَحرمَا، ... وَمَا ذاكَ من شأني وَلا ذاكَ من أمرِي
وَمَا حاجَتي إلاّ الحَديثُ وَمَجلِسٌ ... يُسكّنُ دَمعاً يَستَهِلّ على النّحرِ
قال فأجابها الفتى:
مَنَعَ الزّيَارَةَ أنْ أزُورَكِ طَائِعاً، ... أخشَى الفَسادَ، إذا فَعَلتُ، فَنعتَدِي
أخشَى دُنُواً مِنكِ غَيرَ مُحَلَّلٍ، ... فَأكُونُ قَد خالَفتُ دِينَ مُحَمّدِ
فأخافُ أنْ يَهوَاكِ قَلبي شَارِفاً، ... فيكونَ حَتفي بالّذي كَسَبتْ يَدِي
''(2/236)''
فَالصّبرُ خيرُ عَزِيمَةٍ، فاستَعصِمي، ... وَإلى إِلهكِ ذي المَعارِجِ فاقصِدِي
وَإذا أتَتكِ وَسَاوِسٌ وَتَفَكّرٌ، ... وَتَذَكّرٌ، فلِكُلّ ذلكَ فَاطرُدِي
وَعَليكِ يَاسين، فإنّ بدَرْسِها ... تُنفى الهُمُومُ، وَذاكَ نَفسكِ عوّدي
فأجابته الفتاة وهي تقول:
لَعَمرُكَ ما ياسينُ تُغني مِنَ الهَوَى، ... وَقُرْبُكَ مِنْ ياسينَ أشهى إلى قلبي
فَدَعْ ذِكرَ ياسينَ، فَلَيسَ بنافعي، ... فإنيَ في غَمرِ الحَيَاةِ، وَفي كَرْبِ
تَحَرّجتَ عَنْ إتيَانِنَا، وَحَدِيثِنَا، ... فقَتليَ، إنْ فكّرتَ، من أكبرِ الذّنبِ
وَإتيَانُنَا أدنى إلى اللهِ زُلفةً، ... وَأحسَنُ مِنْ قَتلِ المُحِبّ بلا عَتبِ
قال: فلما قرأ بشر هذه الأبيات غضب غضباً شديداً، وحلف لا يمر بباب هند ولا يقرأ لها كتاباً، فلما امتنع كتبت إليه تقول:
سألتُ رَبي، فقد أصَبحتَ لي شَجَناً، ... أن تُبتَلى بهَوَى مَنْ لا يُبَالِيكَا
حتى تّذوقَ الذي قد ذُقتُ من نَصَبٍ، ... وَتَطلُبَ الوَصلَ مِمّنْ لا يُؤاتيكَا
رَمَاكَ رَبّي بِحُمّاةٍ مُقَلقِلَةٍ، ... وَبامتِنَاعِ طَبيبٍ لا يُداوِيكَا
وَأنْ تَظَلّ بِصحرَاءٍ عَلى عَطَشٍ، ... وَتَطلُبَ المَاء َ مِمّن لَيسَ يَسقيكَا
فلما لج بشر وترك الممر ببابها، أرسلت إليه بوصيفة لها فأنشدته هذه الأبيات، فقال للوصيفة: لأمر ما لا أمر، فلما جاءت الوصيفة أخبرتها بقول بشر، فكتبت وهي تقول:
كَفّرْ يمينَكَ! إنّ الذّنبَ مَغفورُ، ... وَاعلَمْ بأنّكَ كَفّرْتَ مأجورُ
لا تَطرُدنّ رَسُولي وَارْثَيَنّ لَهُ، ... إنّ الرّسُولَ قَليلُ الذّنبِ مأمُورُ
وَاعلَمْ بأني أبيتُ اللّيلَ سَاهِرَةً، ... وَدَمعُ عَيني عَلى خَدّيّ مَحدُورُ
''(2/237)''
أدعوهُ باسمِكَ في كَرْبٍ وَفي تعبٍ، ... وَأنتَ لاهٍ قَرِيرُ العَينِ مَسرُورُ
فلم لج بشر وترك الممر ببابها، اشتد عليها ذلك، ومرضت مرضاً شديداً، فبعث زوجها إلى الأطباء، فقالت: لا تبعث إلي طبيباً، فإني عرفت دائي، قهرني جنّي في مغتسلي، فقال لي: تحولي عن هذه الدار، فليس لك في جوارنا خير.
فقال لها زوجها: فما أهون هذا. فقالت: إني رأيت في منامي أن أسكن بطحاء تراب. قال: اسكني بنا حيث شئت، فاتخذت داراً على طريق بشر، فجعلت تنظر إليه، كل غداة، إذا غدا إلى رسول الله {{ص}}، حتى برأت من مرضها، وعادت إلى حسنها، فقال لها زوجها: إني لأرجو أن يكون لك عند الله خير لما رأيت في منامك أن اسكني بطحاء تراب، فأكثري من الدعاء.
وكانت مع هند في الدار عجوز، فأفشت إليها أمرها، وشكت ما ابتليت به، وأخبرتها أنها خائفة إن علم بشر بمكانها أن يترك الممر في طريقه، ويأخذ طريقاً آخر، فقالت لها العجوز: لا تخافي، فإني أعلم لك أمر الفتى كله، وإن شئت أقعدتك معه، ولا يشعر بمكانك. قالت: ليت ذاك قد كان.
فقعدت العجوز على باب الدار، فلما أقبل بشر قالت له العجوز: يا فتى؟ هل لك أن تكتب لي كتاباً إلى ابن لي بالعراق؟ قال بشر: نعم! فقعد يكتب، والعجوز تملي عليه وهند تسمع كلامهما، فلما فرغ بشر قالت العجوز لبشر: يا فتى! إني لأظنك مسحوراً، قال بشر: وما أعلمك بذلك؟ قالت له: ما قلت لك حتى علمت، فما الذي تهم؟ قال لها: إني كنت أمر على جهينة، وإن قوماً منهم كانوا يرسلون إلي ويدعونني إلى أنفسهم، ولست آمنهم أن يكونوا قد أضمروا لي شراً. قالت له العجوز: انصرف عني اليوم حتى أنظر في أمرك.
فلما انصرف دخلت إلى هند فقالت: هل سمعت ما قال؟ قالت: نعم!
''(2/238)''
قالت: ابشري، فإني أراه فتىً حدثاً، لا عهد له بالنساء، ومتى ما أتى وزينتك هنيئةً وطيبتك، وأدخلتك عليه، غلبت شهوته وهواه دينه، فانظري يخرج زوجك إلى القرية، فأخبريني.
فسألت هند زوجها، فأخبرها أنه خارج يوم كذا وكذا، وأخبرت هند العجوز، وواعدت بشراً ميعاداً، لتنظر له في نجمه، فلما كان في ذلك الوقت جاء بشر إلى العجوز، فقالت: إني شاكية لست أقدر أن أجعل النشرة. ولكن بيتي أستر عليك، فدخل معها البيت، وجاءت هند خلفها، فدخلت البيت على بشر، فلما دخلت خرجت العجوز، فأغلقت الباب عليهما، وقدم زوج هند من الخروج في ذلك اليوم إلى الضيعة فجاء حتى دخل داره، فوجد مع امرأته رجلاً في البيت، فطلقها، ولبب بالفتى فذهب به إلى رسول الله صلى الله عليه وآله، فقال: يا نبي الله! سليمان هذا بأي حق دخل داري، وجامع زوجتي، فبكى بشر، وقال: والله يا رسول الله ما كذبتك منذ صدقتك، وما كفرت بالله منذ آمنت بك، ولا زنيت منذ شهدت أن لا إله إلا الله، فقص على النبي صلى الله عليه وآله، قصته.
فبعث النبي صلى الله عليه وآله وسلم، إلى العجوز وهند، فأحضرهما، فأقرتا بين يديه، فقال: الحمد لله الذي جعل من أمتي نظير يوسف الصديق. ثم قال لهند: استغفري لذنبك، وأدب العجوز، وقال لها: أنت رأس الخطيئة، فرجع بشر إلى منزله، وهند إلى منزلها، فهاج بشر حب هند، فسكت حتى إذا قضت عدتها بعث إليها يخطبها، فقالت: لا والله لا يتزوجني وهو قد فضحني عند رسول الله، صلى الله عليه وآله وسلم.
ثم مرض من حبها، وعاد إليها الرسول، فقال: إنه مريض، وإنك
''(2/239)''
إن لم تفعلي ليموتن، فقالت: أماته الله، فطال ما أمرضني.
قال: ومرض بشر فاشتد مرضه وبلغ أصحاب النبي، {{ص}}، فأقبلوا إليه يعودونه، فقال بعضهم: أنا أرجو أن يعذب الله هنداً، وأنشأ يقول:
إلهيَ إني قد بُليتُ مِنَ الهَوَى ... وَاصبحتُ يا ذا العرْشِ في أشغلِ الشغلِ
أُكابدُ نَفساً قَد تَوَلّى بها الهَوَى، ... وَقد مَلّ أخوَاني وَقَد مَلّني أهلي
وَقَدْ أيقَنَتْ نَفسِي بِأنّيَ هَالِكٌ ... بِهنْدٍ وَأنّي قَدْ وهَبتُ لهَا قَتلي
وَإنّي وَإنْ كانَتْ إليّ مُسِيئَةً، ... يَشُقّ عَليّ أنْ تُعَذَّبَ مِنْ أجلي
قال: فشهق شهقةً فمات، رحمه الله تعالى، وأقامت عليه أخته مأتماً، فقامت تندبه، فجاءت هند، وأخته تقول:
وَابِشرَاهُ من لَوْعَةِ الهَوى قد تولّى، ... وَابِشرَاهُ ذو الحاجاتِ لا تُقضَى
وَابِشرَاهُ شَبابُهُ مَا تَمَلّى، ... وَابِشرَاهُ صَحيحاً قَدْ تَوَلّى
وَابِشراهُ لِكتَابِهِ مَا أقْرأ، ... وَابِشرَاهُ بَينَ أصحَابِهِ لا يُرَى
وَابِشرَاهُ للضّيفِ مَا أقْرَى، ... وَابِشرَاهُ مُعَجِّلاً إلى الغُرَبَا
قال: فلما سمعت هند صرخت صرخةً، ووقعت ميتةً، رحمهما الله، وذهب بها فدفنت مع بشر، فلما مضت أيام جاءت العجوز إلى النبي، صلى الله عليه وآله وسلم، فقالت: يا رسول الله، أنا رأس الخطيئة، كما قلت، أنا التي كنت سبب الأمر، وقد خشيت أن لا تكون لي توبة، فقال النبي {{ص}}: استغفري لذنبك وتوبي، فإن الله تعالى يقبل التوبة النصوح.
آخر حديثهما.
''(2/240)''
الحبيب المتبدل
أخبرنا أبو محمد الحسن بن علي الجوهري، حدثنا محمد بن العباس بن حيويه، حدثنا محمد بن خلف قال: أنشدني أبو بكر العامري، أنشدني غيث الباهلي، أنشدتني قريبة أم البهلول لبيهس بن مكنف بن أعيا بن ظريف:
ألَمْ تَرَ ظَمياءَ الشِّباكِ تبدّلتْ ... بَديلاً وَحلّتْ حبلَها من حِبالِيَا؟
أرَى الإلفَ يَسلُو للتّنائي وَللغِنى، ... وَلليأسِ، إلاّ أنّني لَستُ سَالِيَا
بنَفسِي وَمَالي قَاسياً لَوْ وَجَدتُهُ ... عَلى النّحرِ فاستَسْقَيتُهُ ما سَقانيَا
وَمَن لَوْ رَأى الأعداءَ يَنتضِلونَني ... لَهُمْ غَرَضاً، يَرْمونَني لرَمانِيَا
وَمَن لوْ أرَاهُ عَانِياً لَكَفَيتُهُ، ... وَمَن لوْ رآني عانِياً مَا كَفَانِيَا
وَمن قد عصَيتُ الناسَ فيه جماعةً، ... وَصرّمتُ خُلاّناً لَهُ، وَجَفَانِيَا
غايات الوصال
وبإسناده أخبرنا محمد بن خلف قال: أنشدت للحكم بن قنبر:
وَقائِلَةٍ صِلْ غَيرَها قَد تَبَدّلَتْ، ... فإنّ ظِرَافَ الغَانِيَاتِ كَثيرُ
فقُلتُ لهَا قَلبي يَقولُ: وَهَلْ لهَا، ... وَإنْ صَرَمتني، في الظّرَافِ نَظِيرُ؟
فكُفّي، فإنّي في اطّلابي لِوَصْلِهَا، ... بأرْبَعِ غَايَاتِ الوِصَالِ نَضِيرُ
''(2/241)''
البين مضر للمشغوف
وبإسناده أخبرنا محمد بن خلف، حدثني أبو العباس محمد بن يعقوب، حدثني أبو عبد الرحمن الغلابي قال: قال إسحاق: جاء رجل من التجار بقينة يعرضها على الرشيد، وأمر بإدخالها مقصورةً لتهيأ فيها، فدخل الفضل بن الربيع ليعترضها، ويخبر أمير المؤمنين، فأخذت العود، وأصلحته، وجعلت تنظر في وجه مولاها، وعيناها تذرفان، وغنت:
قَدْ حَانَ منك، فلا تَبعُدْ بِكَ الدّارُ، ... بَينٌ، وَفي البَينِ للمَشْغُوفِ أضرَارُ
فأخبر الفضل بن الربيع الرشيد الخبر، فأمر بردها على مولاها، وأمر له بعشرة آلاف درهم.
ما أعف وأمجد
أخبرنا أحمد بن علي السواق، حدثنا محمد بن أحمد بن فارس، حدثنا عبد الله بن إبراهيم، حدثنا محمد بن خلف قال: أنشدت لجميل بن عبد الله بن معمر:
أقُولُ، وَلمّا تَجزِ بالودّ طائلاً، ... جَزَى اللهُ خَيراً، ما أعَفّ وَأمجَدا
فقالتْ: بِغَيري كُنتَ تَهتِفُ دائِباً، ... وَكُنتَ صَبُوراً للغَواني مُصَيَّدا
فقُلتُ: فمَنْ ذا يَتّمَ القَلبَ غيركُم ... وَعَوّدَهُ غَيرَ الّذي كانَ عَوّدا
فقالت لتِربَيها، لتَصديقِ قَوْلِهَا، ... هلُمّا اسمَعَا مِنهُ المَقَالَةَ وَاشهدَا
فقالت: وَهَل في ذاكَ بأسٌ، وَإنّمَا ... أُرِيدُ لِكَيمَا تُسعدِاني، وَتُحمدَا
''(2/242)''
موهوب للمنايا
وبإسناده قال أنشدت لأعرابي:
لَقَدْ وَهَبَتني للمَنَايَا غَرِيرَةٌ، ... قَرِيبَةُ عَهدٍ بِالصِّبَى وَالتّمَائِمِ
أأجعَلُها كالرّثمِ، حَاشَى لحُسنِهَا ... وَللرَّخصِ مِنْ أطرَافِهَا وَالمَعَاصِمِ
بَلى! إنّ طَرْفَ الرّثمِ يُشبِهُ طَرْفَها، ... وَمِنهَا استَعارَ الجيدَ ظَبيُ الصّرَائِمِ
خَلَوْتُ بهَا لَيلاً، وَثَالِثُنَا التّقَى، ... وَلَستُ عَلى ذاكَ العَفافِ بنادِمِ
الفتول الخثعمية وحلف الفضول
ذكر أبو القاسم منصور بن جعفر الصيرفي في كتابه كتاب المجالسات، حدثني أحمد بن كامل القاضي، حدثنا محمد بن موسى عن الزبير، حدثني غير واحد منهم عن عبد العزيز بن عمر القيسي عن مفتي بن عبد الله بن عنبسة: أن رجلاً من خثعم قدم مكة تاجراً، ومعه بنت له يقال لها الفتول، فعلقها نبيه بن الحجاج بن عامر بن حذيفة، فلم يبرح حتى نقلها إليه وغلب أباها عليها، فقيل لأبيها: عليك بحلف الفضول. فأتاهم، فشكا ذلك إليهم، فأتوا نبيه بن الحجاج، فقالوا له: أخرج ابنة هذا الرجل، وهو يومئذ متبد بناحية مكة، وهي معه. فقال: يا قوم متعوني منها الليلة. قالوا له: لا والله، ولا ساعةً، فأخرجها، فأعطوها أباها، وركبوا وركب معهم الخثعمي، فلذلك
''(2/243)''
يقول نبيه بن الحجاج:
رَاحَ صَحبي وَلمْ أُحَيّ الفَتُولا، ... لَمْ أُوَدّعْهُمُ وَداعاً جَمِيلا
إذ أجَدّ الفُضُولُ أنْ يَمنَعُوهَا ... قَدْ أُرَاني، وَلا أخَافُ الفُضُولا
عفة ووجه صبيح
أخبرنا أحمد بن علي السواق، حدثنا محمد بن أحمد بن فارس، حدثنا عبد الله بن إبراهيم البصري، حدثنا محمد بن خلف أنشدت لبعض الأعراب:
يا خَليليّ هَجِّرَا كَيْ تَرُوحَا، ... هِجتُما للسّقَامِ قَلباً قَرِيحَا
إنْ تُرِيحَا كَيْ تَعلَما سِرّ سُعدى ... تَجِدانِي بِسرّ سُعدَى شَحِيحا
كَلّمَتني، وَذّاكَ ما نِلتُ مِنَها؛ ... إنّ سُعدى تَرَى الوِصَالَ قَبِيحَا
إنّ سُعدَى لَمُنيَةُ المُتَمَنّي، ... جَمَعَتْ عِفّةً وَوَجهاً صَبِيحَا
صدق الواشون
وبالإسناد قال أنشدت لقيس بن الملوح:
فماذا عَسَى الوَاشُونَ أن يَتَحدّثُوا ... سِوَى أنْ يَقُولُوا إنّني لكِ عَاشِقُ
نَعَم! صَدَقَ الوَاشُونَ! أنتِ كَرِيمةٌ ... عليّ، وَأهوَى منكِ حُسنَ الخلائِقِ
كذا ذكر والصواب:
نَعَم! صَدَقَ الوَاشُونَ! أنتِ حَبيبَةٌ ... إليّ، وَإنْ لم تَصفُ مِنكِ الخلائِقُ
''(2/244)''
سواء في الهوى
في المجالسات حدث أبو القاسم منصور بن جعفر الصيرفي، حدثني أحمد بن عبد العزيز بن عبد الله المحرر، أخبرني بعض أصحابنا، أخبرني صديق لي من أهل المدينة قال: كان لنا عبد أسود يستقي الماء، فهوي جارية لبعض المدنيين سوداء، وكان يواصلها سراً منا، فلم يزالا كذلك حتى اشتهر أمرهما، وظهر، فشكا مولى الجارية الغلام إلى أبي، فضربه وحبسه وقيده، فمكث أياماً على هذه الحال ثم دخلت إليه فقلت له: ويلك! قد فضحتنا وشهرتنا بحبك لهذه السوداء، وتعرضت فيها للمكروه، فهل تجد بك مثل وجدك بها؟ فبكى، وأنشأ يقول:
كِلانا سَوَاءٌ في الهَوَى غيرَ أنّها ... تَجَلّدُ أحياناً، وَما بي تَجَلّدُ
تَخافُ وَعِيدَ الكَاشِحِينَ، وَإنّمَا ... جنوني عَلَيها حينَ أُنهَى وَأُوعَدُ
قال: فخبرت بذلك أبي، فحلف أنه لا يبيت أو يجمع بينهما، فاشتراها له أبي باثي عشر ديناراً وزوجها منه.
قتيل لا قود له ولا دية
أنبأنا القاضي أبو الطيب طاهر بن عبد الله بن طاهر الطبري، حدثنا عبد الرحمن بن محمد بن حامد بن متويه البلخي، حدثنا أحمد بن إسماعيل الكرابيسي، حدثنا معبد بن فرقد البلخي، حدثنا سليمان بن أبي عبد الرحمن عن مجالد بن عبد الرحمن الأندلسي عن عطاء أن عكرمة قال: كنا عند ابن عباس في آخر أيام العشر في المسجد الحرام، إذ أقبل فتيان يحملون فتىً، حتى وضعوه بين يدي ابن عباس فقالوا: استشف الله له تؤجر.
''(2/245)''
فقال لهم: ما به؟ فأنشأ الفتى يقول:
وَبي من جَوَى الأسقامِ وَالحبّ لَوْعَةٌ، ... تكادُ لها نَفسُ الشّفيقِ تَذُوبُ
وَلَكِنّمَا أبقى حُشَاشَةَ مَا تَرَى ... عَلى مَا بِهِ عُودٌ هُنَاكَ صَلِيبُ
قال ابن عباس: والله ما رأيت وجهاً أعتق، ولا لساناً أذلق، ولا عوداً أصلب من هذا، هذا والله قتيل الحب والهوى، لا قود له ولا دية.
الدمع المبتذل
وأنبأنا القاضي أبو الطيب، سمعت أبا جعفر الموسائي العلوي يقول: حدثني محمد بن أحمد بن الرصافي قال: قال لي عبد الملك بن محمد: إني خرجت من البصرة أريد الحج، فإذا أنا بفتىً نضوٍ قد نهكه السقام، يقف على محمل محمل، وهودج هودج، ويطلع فيه، فتعجبت منه ومن فعله، فقال:
أحُجّاجَ بَيتِ اللهِ في أيّ هَوْدَجٍ، ... وَفي أيّ خِدْرٍ مِنْ خُدورِكُمُ قلبي؟
أأبقَى أسِيرَ الحُبّ في دارِ غُرْبَةٍ، ... وَحَادِيكُمُ يَحدُو بقَلبيَ في الركبِ؟
فلم أزل أقف عليه، حتى جاء إلى المنزل، فاستند إلى جدار ثم قال:
خَلّ فَيضَ الدّمعِ يَنهَملُ، ... بَانَ مَن تَهوَاهُ فارْتَحلوا
كُلُّ دَمعٍ صَانَهُ كَلِفٌ ... فَهوَ يَوْمَ البَينِ مُبتَذَلُ
قال: ثم تنفس الصعداء، وشهق شهقةً، فحركته، فإذا هو ميت.
''(2/246)''
يقتل من يحبه
أنبأنا القاضي أبو الطيب، سمعت أبا القاسم بن متويه يقول: رشق الجماني العلوي غلاماً له وكان يحبه، فقتله، وقال فيه:
فإنْ تَكُ قد قُتِلتَ بسَهمٍ رَامٍ، ... وَكانَتْ قَوْسُهُ سَبَباً لحَتفِك
فَكَمْ يَوْمٍ أدَمتَ القَتلَ فِيهِ، ... بقَوْسَيْ حاجبَيك وَسَهمٍ طَرْفكِ
هذا مليح
أخبرنا أبو بكر أحمد بن ثابت الخطيب بالشام، أنبأنا أبو الفرج التميمي أنشدنا أبو الحسن السلامي لنفسه:
ظَبيٌ إذا لاحَ في عَشِيرَتِهِ ... يَطرُقُ بالهَمّ قَلبَ مَن طَرَقَهْ
سِهَامُ ألحَاظِهِ مُفَوَّقَةٌ، ... فكلّ مَنْ رَامَ وَصلَهُ رَشقَهْ
بَدائِعُ الحُسنِ فِيهِ مُفتَرِقَهْ، ... وَأنفُسُ العَاشِقينَ مُتّفِقَهْ
قد كتبَ الحُسنُ فَوْقَ عارِضِهِ: ... هَذا مَليحٌ وَحَقِّ مَنْ خَلَفَهْ
''(2/247)''
الشاهد الغائب
أنبأنا أبو القاسم عبد العزيز بن علي الأزجي، حدثنا أبو أحمد عبيد الله بن محمد بن أبي مسلم، حدثنا أبو بكر الصولي قال: كنا يوماً عند تغلب، فأقبل محمد بن داود الأصفهاني، فسلم عليه أبو العباس، ثم قال له: أهاهنا شيء من صيودك؟ فأنشده:
سَقَى اللهُ أيّاماً لَنَا وَلَيَالِيَا، ... لَهُنّ بأكنَافِ الشّبَابِ مَلاعِبُ
إذِ العَيشُ غَضٌّ، وَالزّمانُ مطاوِعٌ، ... وَشاهِدُ آفاتِ المُحبّينَ غَائِبُ
السقم المسروق
قال: وأنشدني أبو بكر الصولي:
أحبَبتُ مِنْ أجلِهِ من كانَ يُشبُهُ، ... وَكُلُّ شَيءٍ مِنَ المَعشُوقِ مَعشوقُ
حتى حَكيتُ بِجسمي مَا بمُقلَتِهِ، ... كَأنّ سُقمي مِن جَفنَيهِ مَسرُوقُ
حياة الكلام وموت النظر
أخبرنا أبو طاهر أحمد بن علي السواق، حدثنا محمد بن أحمد بن فارس، حدثنا عبد الله بن إبراهيم الزبيبي، حدثنا محمد بن خلف، حدثني أحمد بن طيفور، حدثنا عبد الله بن أحمد، أخبرني أبو أحمد الغساني عن أعرابي من عذرة يكنى أبا المعرج قال: نزل أعرابي من بني أسد بأعرابية من طي في يوم صائف، فأتته بقرىً حاضر وماء بارد، فنظر إليها، ففتنته بنظرها من وراء البرقع، فراودها عن
''(2/248)''
نفسها، فقالت: يا هذا! أما يقذعك الإسلام والكرم؟ كل وقل، وإن أردت غير ذلك فارتحل، فأنشأ الأسدي يقول:
تَقولُ لي عمرَةُ قوْلَ المُبتَعِلْ: ... للضّيفِ حَقّ يا فتَى فكُلْ وَقِلْ
فعِندنَا ما شِئتَ من بَرْدٍ وَظِلٍّ، ... أمّا الذي تَطلبُهُ، فَلا يَحِلْ
يَمنَعُ مِنهُ الدِّينُ وَالعِرْقُ الأصُلْ
قال: وعلقها، فقال: فزوجيني نفسك. فقالت: شأنك وأوليائي؟ فأتاهم، فخاف أن لا يزوجوه للعداوة التي بينهم، فانتسب عذرياً، فزوجوه، فأقام معها زماناً ثم علم به أهلها، فقالوا: يا هذا والله إنك لكفؤ كريم، ولكنا نكره أن تنكح منا وأنت حربنا، فخل عن صاحبتنا، وقد كان تزايد وجده بها لما رأى من موافقتها وحسنها، وكانت تهالكه عند الجماع، فطلقها وقال:
أحِبّكِ يا عمَرَ حُبّ المُسِرّ، ... لِطُولِ الحَياةِ وَأمنِ الغِيَرْ
وَيُعجِبُني مِنكِ عِندَ الجِما ... عِ حياةُ الكلامِ وَموْتُ النّظرْ
وَهَجرُكِ يَرْمِينَ بالمُنكرَاتِ ... أغالِيظَ ذو السَّكَرِ المُبتَهِرْ
وَذو أشَرٍ بَارِدٍ طَعمُهُ، ... وَرَابي المَجَسّةِ سُخنِ القَعَرْ
''(2/249)''
الأخوات الثلاث وكتابهن
أخبرنا أبو الغنائم محمد بن علي بن علي في ما أجاز لنا، حدثنا إسماعيل بن سعيد بن سويد، حدثنا الحسين بن القاسم، حدثنا أحمد بن زهير، حدثنا الزبير بن بكار، حدثني عم لي قال: ذكر لي رجل من أهل المدينة أن رجلاً خرج حاجاً، فبينا هو قد نزل تحت سرحة في بعض الطريق، بين مكة والمدينة، إذا هو بكتاب معلق في السرحة مكتوب فيه: بسم الله الرحمن الرحيم. أيها الحاج القاصد بيت الله إن ثلاث أخوات فتيات خلون يوماً، فبحن بهواهن، وذكرن أشجانهن، فقالت الكبرى منهن:
عَجِبتُ له أن زَارَ في النّوْمِ مَضْجعي، ... وَلَوْ زَارَني مُستَيقظاً كانَ أعجَبَا
وقالت الوسطى:
ما زَارَني في النّوْمِ إلاّ خَيالُهُ، ... فقُلتُ لَهُ: أهلاً وَسَهلاً وَمَرْحَبَا
وقالت الصغرى:
بنَفسِي وَأهلي مَن أرَى كُلَّ لَيلَةٍ ... ضَجيعي، وَرَيّاهُ من المِسكِ أطيَبَا
وفي أسفل الكتاب: رحم الله من نظر في كتابنا هذا وقضى بيننا بالحق ولم يجر في القضية. قال: فأخذ الكتاب فتى وكتب في أسفله:
أُحَدّثُ عَنْ حُورٍ تَحَدّثنَ مَرّةً، ... حديثَ امرِئٍ سَاسَ الأمورَ وَجرّبَا
ثَلاثٍ كَبَكرَاتِ الهِجَانِ عَطابلٍ، ... نَوَاعِمَ يَقتُلنَ اللّئيمَ المُسَبّبَا
خَلَوْنَ، وَقد غابتْ عُيُونٌ كَثيرَةٌ، ... مِنَ اللاءِ قَد يَهوَينَ أنْ يَتَغَيّبَا
فَبُحنَ بما يُخفِينَ من لاعِجِ الهَوَى، ... مَعاً، وَاتّخَذنَ الشّعرَ مَلهىً ومَلعَبَا
''(2/250)''
عَجبتُ له أن زَارَ في النّومِ مَضجَعي، ... وَلَوْ زَارَني مُستَيقِظاً كانَ أعَجَبَا
وَإذ أخبرَتْ ما أخبرَتْ وَتَضاحَكَتْ، ... تَنَفّسَتِ الأخرَى، وَقالت تطرُّبَا:
وَما زَارَني في النّوْمِ إلاّ خَيَالُهُ، ... فقُلتُ لهُ: أهلاً وسَهلاً وَمَرْحَبَا
وَشُوّقَتِ الأخرَى وَقالَتْ مُجيبَةً ... لَهُنّ بقَوْلٍ كانَ أشهَى وَأعذَبَا:
بنَفسِي وَأهلي مَن أرَى كلّ لَيلَةٍ ... ضَجيعي، وَرَيّاهُ مِنَ المِسكِ أطيَبَا
فلَمّا تَبَيّنتُ الذي قُلنَ وَانبَرَى ... ليَ الحُكمُ لم أترُكْ لدى القَوْلِ مَعتَبَا
قَضَيتُ لصُغرَاهُنّ بالظّرْفِ، إنّني ... رَأيتُ الذي قالتْ إلى القَلبِ أطرَبَا
غريبان وجارية
أخبرنا أبو الفتح عبد الواحد بن الحسين بن شيطا وأبو الحسين أحمد بن علي بن الحسين قالا: حدثنا أبو القاسم بن سويد العدل، حدثنا الحسين بن القاسم الكوكبي، حدثنا ابن علي الكاتب، أخبرني بعض أصحابنا من الكتاب قال: دخلت البصرة أنا وصديق لي، فرأيت جارية قد خرجت من بعض الدور كأنها فلقة قمر، فقلت لصاحبي: لو ملت بنا إليها فاستسقيناها ماء؟ ففعل، فقلنا له: جعلنا الله فداءك، اسقينا ماء، فقالت: نعم، وكرامة! فدخلت وأخرجت كوز ماء، وهي تقول:
ألا حَيِّ شَخْصَيْ قاصِدَينِ أرَاهُمَا ... أقَامَا فَما أن يَعرِفَا مُبتَغَاهُمَا
هُمَا استَسقَيَا مَاءً عَلى غَيرِ ظَمأةٍ ... لِيَستَمتِعَا باللّحظِ مِمّنْ سَقَاهُمَا
فقلت لها: جعلني الله فداءك، فهل لك في الخلوة؟ فولت، وهي تقول: شه! أجمل أنا فيركبني اثنان؟
''(2/251)''
المضل إبله والجارية الموجعة القلب
أخبرنا أبو محمد الحسن بن علي، حدثنا إبراهيم بن محمد الطائفي، حدثني صقر بن محمد مولى قريش، حدثنا الأصمعي قال: سمعت رجلاً من بني تميم يقول: أضللت إبلاً لي، فخرجت في طلبهن، فمررت بجارية أعشى نورها بصري، فوقفت بها، فقالت: ما حاجتك؟ قلت: إبل لي أضللتها، فهل عندك شيء من علمها؟ قالت: أفلا أدلك على من عنده علمهن؟ قلت: بلى! قالت: الذي أعطاكهن هو الذي أخذهن، فاطلبهن من طريق التيقن لا من طريق الاختيار. ثم تبسمت، وتنفست الصعداء، ثم بكت وأطالت البكاء، وأنشأت تقول:
إني وَإنْ عَرَضَتْ أشياءُ تُضحِكُني، ... لمُوجَعُ القَلبِ مطوِيّ عَلى الحَزَنِ
إذا دَجا اللّيلُ أحيا لي تَذَكّرَهُ، ... وَالصّبحُ يَبعَثُ أشجاناً عَلى شَجَنِ
وَكيفَ تَرْقُدُ عَينٌ صَارَ مُؤنِسُهَا ... بَينَ التّرَابِ، وَبَينَ القَبرِ وَالكَفَنِ
أبلَى الثّرَى وَتُرَابُ الأرْضِ جِدّتَهُ، ... كأنّ صُورَتهُ الحَسناءَ لَمْ تَكُنِ
أبكي عَلَيهِ حَنيناً حِينَ أذكُرُهُ، ... حَنينَ وَالِهَةٍ حَنّتْ إلى وَطَنِ
أبكي على مَن حَنَتْ ظهرِي مُصِيبَتُهُ، ... وَطَيّرَ النّوْمَ عَن عَيني وَأرّقَني
وَاللهِ لا أنسَ حبّي الدهرَ ما سَجَعتْ ... حَمَامَةٌ، أوْ بَكَى طَيرٌ عَلى فَنَنِ
فقلت، عندما رأيت من جمالها وحسن وجهها وفصاحتها وشدة جزعها: هل لك من بعل لا تذم خلائقه وتؤمن بوائقه؟ فأطرقت ملياً ثم أنشأت تقول:
كُنّا كَغُصنَينِ في أصلٍ غِذاؤُهُما ... ماءُ الجَدَاوِلِ في رَوْضَاتِ جَنّاتِ
فَاجتَثّ خيرَهُمَا من جَنبِ صَاحِبِهِ، ... دَهرٌ يَكُرّ بفَرْحَاتٍ وَتَرْحَاتِ
''(2/252)''
وَكانَ عَاهَدَني، إنْ خانَني زَمَنٌ، ... أنْ لا يُضَاجعَ أُنثى بَعدَ مَثوَاتي
وَكُنتُ عَاهدتُهُ أيضاً، فعَاجَلَهُ ... رَيبُ المَنُونِ مُذْ سُنَيّاتِ
فاصرِفْ عِنانَكَ عَمّن لَيسَ يَرْدعُه ... عَنِ الوَفَاءِ خِلابٌ في التحيّاتِ
دعه ليوم البعث
أخبرنا أبو طاهر أحمد بن علي السواق بقراءتي عليه، حدثنا أبو الفتح محمد بن أحمد بن فارس، حدثنا عبد الله بن إبراهيم بن بيان الزبيبي، حدثنا محمد بن خلف المحولي، حدثنا عبد الله بن محمد، حدثنا محمد بن الحسين، حدثني محمد بن سلام الجمحي قال: سمعت خارجة بن زياد، وهو من بني سليم، يذكر قال: هويت امرأة من الحي، فكنت أتبعها إذا خرجت إلى المسجد، فعرفت مني ذلك فقالت لي ذات ليلة: ألك حاجة؟ قلت: نعم! قالت: وما هي؟ قلت: مودتك. قالت: دع ذلك ليوم التغابن. قال: فأبكتني، والله فما عدت إليها بعد ذلك.
لحام بني إسرائيل والجارية
أخبرنا أحمد، حدثنا محمد، حدثنا عبد الله، حدثنا محمد بن خلف، حدثنا أحمد بن حرب، حدثنا الوليد بن مسلم، حدثنا مرحوم بن عبد العزيز، حدثنا أبو عمران الجوني قال: كان لحام بني إسرائيل لا يتورع من شيء، فجهد أهل بيت من بني إسرائيل، فأرسلوا إليه جارية منهم تسأله، فمضت إليه، وقالت: يا لحام بني إسرائيل، أعطنا لحماً! فقال: لا! أو تمكنيني من نفسك. فرجعت،
''(2/253)''
فجهدوا جهداً شديداً، فرجعت إليه، فقالت: يا لحام بني إسرائيل، أعطنا! فقال: لا! أو تمكنيني من نفسك. فرجعت، فجهدوا جهداً شديداً، فأرسلوها إليه، فقالت: يا لحام بني إسرائيل، أعطنا، فقال: لا؟! أو تمكنيني من نفسك. قالت: دونك.
فلما خلا بها جعلت تنتفض كما تنتفض السعفة إذا خرجت من الماء، فقال لها: ما لك؟ قالت: أخاف الله! هذا شيء لم أصنعه قط. قال: فأنت تخافين الله ولم تصنعيه، وأفعله أنا. أعاهد الله أني لا أرجع إلى شيء مما كنت فيه.
قال: فأوحى الله، عز وجل، إلى نبي بني إسرائيل: أن كتاب لحام بني إسرائيل أصبح في كتاب أهل الجنة، فأتاه النبي، عليه السلام، فقال: يا لحام! أما علمت بأن كتابك أصبح في كتاب أهل الجنة؟
راهبة لا تشارك في المعصية
أخبرنا أحمد بن علي، حدثنا محمد بن أحمد بن فارس، حدثنا عبد الله بن إبراهيم الزبيبي، حدثنا محمد بن خلف القاضي، حدثنا أبو بكر القرشي، حدثني أحمد بن العباس النمري، حدثني أبو عثمان التميمي قال: مر رجل براهبة من أجمل النساء فافتتن بها، فتلطف في الصعود إليها، فأرادها على نفسها، فأبت عليه، وقالت: لا تغتر بما ترى، فليس وراءه شيء، فأبى حتى غلبها على نفسها، وكان إلى جانبها مجمرة لبان، فوضعت يدها فيها، حتى احترقت، فقال لها بعد أن قضى حاجته منها: ما دعاك إلى ما صنعت؟ قالت: إنك لما قهرتني على نفسي خفت أن أشركك في اللذة، فأشاركك في المعصية، ففعلت ذاك لذلك، فقال الرجل: والله لا أعصي الله أبداً، وتاب مما كان عليه.
''(2/254)''
يقلع عينه
وبإسناده حدثنا محمد بن خلف، حدثنا أبو بكر القرشي، حدثني محمد بن الحسين، حدثني الصلت بن حكيم، حدثني موسى بن صالح أبو هارون قال: نظر رجل من عباد بني إسرائيل إلى امرأة جميلة نظرة شهوة، فعمد إلى عينه فقلعها.
اللهو البرئ
أخبرنا أحمد بن علي، حدثنا محمد بن أحمد، حدثنا عبد الله بن إبراهيم، حدثنا محمد بن خلف قال: وأنشدني عبد الله بن شبيب لبعض المدنيين:
وَبالعَرْصَةِ البَيضَاءِ إن زُرْتُ أهلَها، ... مَهاً مُهمَلاتٌ ما عَلَيهِنّ سائسُ
خَرجنَ لحبّ اللهوِ مِنْ غَيرِ ريبَةٍ، ... عَفائِفُ باغي اللهوِ مِنهنّ آيِسُ
شادن من بني الرهبان
ولي من أثناء قصيدة:
وَشَادِنٍ مِنْ بَني الرّهبَانِ تاركني ... حبّي، وَقد شَاعَ بَينَ النّاسِ وَاشتَهَرَا
وَقال: لَوْ كنتَ صَبّاً لافتدَيتَ بمَنْ ... تَهوَاهُ في لُبسِهِ الزُّنّارَ وَالشَّعَرَا
فقُلتُ: لَستُ بذَنبي طالِباً بَدَلاً، ... وَلَوْ أذابَ غَرَامي أعظُمي وَبَرَى
وَكانَ ذلِكَ مِنهُ أصلَ سَلوَتِهِ، ... وَالعَزْمُ في الأمرِ ممّا يُعقِبُ الظّفَرَا
''(2/255)''
اليد المسموطة
أنبأنا أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت إن لم يكن حدثنا، حدثنا القاضي أبو القاسم هبة الله بن الحسين الرحبي، حدثنا علي بن أحمد المهلبي، أخبرنا أبو العباس بن عطاء قال:
كان يحضر حلقتي شاب حسن الوجه يخبئ يده. قال: فوقع لي أن الرجل قد قطعت يده على حال من الأحوال، قال: فجاءني يوم جمعة، وقد جاءت السماء بالبركات، ولم يجئني في ذلك اليوم أحد، فطالبتني نفسي بمخاطبته، فدفعتها مراراً كثيرة إلى أن غلب علي كلامه، فكلمته فقلت له: يا فتى ما بال يدك تخبئها، لم لا تخرجها، فإن كان بها علة دعوت الله تعالى لك بالعافية، فما سببها؟ فأخرجها، فرأيت فيها شبيهاً بالشلل، فقلت: يا فتى ما أصاب يدك؟ قال: حديثي طويل. قلت: ما سألتك إلا وأحب أن أسمعه.
فقال لي الغلام: أنا فلان بن فلان، خلف لي أبي ثلاثين ألف دينار، فعلقت نفسي بجارية من القيان، فأنفقت عليها جملة، ثم أشاروا علي بشرائها، فاشتريتها بستة آلاف دينار، فلما حصلت عندي وملكتها قالت: لم اشتريتني، وما في الأرض أبغض إلي منك، وإني لأرى نظري إليك عقوبةً، فاسترد مالك، فلا متعة لك بي، مع بغضي لك. قال: فبذلت لها كل ما يبذله الناس، فما ازدادت إلا عتواً، فهممت بردها، فقالت لي داية لي: دعها تموت ولا تموت أنت.
قال: فاعتزلت في بيت، ولم تأكل ولم تشرب، وإنما كانت تبكي وتتضرع حتى ضعف الصوت، وأحسسنا منها بالموت، وما مضى يوم إلا وأنا أجيء إليها وأبذل لها الرغائب، وما ينفع ذلك ولا تزداد إلا بغضاً لي.
فلما كان اليوم الرابع أقبلت عليها وسألتها عما تشتهيه، فاشتهت حريرةً
''(2/256)''
فحلفت لا يعملها أحد سواي، وأوقدت النار ونصبت القدر، وبقيت أمرس ما جعل فيها، والنار تعمل، وقد أقبلت علي تشكو ما مر بها من الآلام في هذه الأيام، فأقبلت دايتي، فقالت: يا سيدي سليمان يدك؛ قد ذهبت، فرفعتها وقد انسمطت على ما تراها.
قال أبو العباس: فصعقت صعقةً، وقلت: يا بأبي هذا في طلب المعشوق أقبل عليك، فنالك هذا كله.
التفاح بدل الجمار
أخبرنا أحمد بن علي التوزي، حدثنا إسماعيل بن سويد، حدثنا أبو علي الكوكبي، أخبرني ابن الأصقع قال: قال لي بعضهم: رأيت ببغداد في وقت الحج فتىً ومعه تفاح مغلف، فانتهى إلى سور فوقف تحته، فاطلع عليه جوار كأنهن المها، فأقبل يرميهن بذاك التفاح، فقلن له: أم تكن معتزماً على الحج؟ فقال:
وَلمّا رَأيتُ الحَجّ قَد آنَ وقتُهُ، ... وَأبصرْتُ تلك العيسَ بالرّكبِ تعسِفُ
رَحَلتُ مَعَ العُشّاقِ في طَلَبِ الهَوَى، ... وَعَرَفتُ مِنْ حَيثُ المُحبّينَ عرّفوا
وَقَد زَعَمُوا أنّ الجِمارَ فَرِيضَةٌ، ... وَتِارِكَ مَفرُوضِ الجِمَارِ يُعَنَّفُ
عَمَدتُ لتُفّاحٍ ثَلاثٍ وَأرْبَعٍ، ... فزُعفِرَ لي بَعضٌ وَبَعضٌ مُغَلَّفُ
وَقُمتُ حِيَالَ القَصرِ، ثمّ رَمَيتُهُ، ... فَظلّتْ لهَا أيدِي المِلاحِ تَلَقّفُ
وَإنّي لأرْجُو أنْ تُقَبَّلَ حِجّتي، ... ومَا ضَمّني للحَجّ سَعيٌ وَمَوْقِفُ
''(2/257)''
مدرك الشيباني وعمرو النصراني
أخبرنا القاضي أبو عبد الله القضاعي إجازة، أخبرنا أبو يعقوب يوسف بن يعقوب بن خرزاد النحيرمي بقراءتي عليه، أخبرنا جعفر بن شاذان القمي أبو القاسم قال: كان عمرو بن يوحنا النصراني يسكن في دار الروم ببغداد، في الجانب الشرقي، وكان من أحسن الناس صورةً وأجملهم خلقاً، وكان مدرك بن علي الشيباني يهواه، وكان من أفاضل أهل الأدب، وكان له مجلس يجتمع إليه الأحداث لا غير، فإن حضره شيخ أو كهل قال له: إنه ليقبح بمثلك أن يختلط بالأحداث والصبيان فقم في حفظ الله.
وكان عمرو بن يوحنا ممن يحضر مجلسه، فعشقه مدرك، وهام به، فجاء عمرو يوماً إلى المجلس، فكتب مدرك رقعةً وطرحها في حجره، فقرأها، فإذا فيها:
بمَجالِسِ العِلمِ التي ... بكَ تمّ جَمعُ جموعِها
ألاّ رَثَيتَ لُمقلَةٍ، ... غَرِقَتْ بمَاءِ دُموعِها
بَيني وبَينَكَ حُرْمَةٌ، ... اللهَ في تَضيِيعِهَا
فقرأ الأبيات، ووقف عليها من كان في المجلس، وقرأوها واستحيا عمرو من ذلك، فانقطع عن الحضور، وغلب الأمر على مدرك، فترك مجلسه، ولزم دار الروم، وجعل يتبع عمراً حيث سلك، وقال فيه قصيدة مزدوجة عجيبة، وله أيضاً في عمرو أشعار كثيرة، ثم اعترى مدركاً الوسواس وسل جسمه، وذهب عقله، وانقطع عن إخوانه، ولزم الفراش، فحضره جماعة فقال لهم: ألست صديقكم القديم العشرة لكم، فما فيكم أحد يسعدني بالنظر
''(2/258)''
إلى وجه عمرو؟ فمضوا بأجمعهم إليه، وقالوا له: إن كان قتل هذا الفتى ديناً، فإن إحياؤه لمروءة. قال: وما فعل؟ قالوا: قد صار إلى حال ما نحسبك تلحقه، فلبس ثيابه، ونهض معهم، فلما دخلوا عليه سلم عليه عمرو، وأخذ بيده، وقال: كيف تجدك يا سيدي؟ فنظر إليه وأغمي عليه ساعة، ثم أفاق وفتح عينيه، وهو يقول:
أنَا في عَافِيَة إ ... لاّ مِنَ الشّوْقِ إلَيكَا
أيّهَا العَائِدُ مَا بي ... مِنكَ لا يَخفَى عَلَيكَا
لا تَعُدْ جِسْماً وَعُدْ ... قَلباً رَهيناً في يَدَيكَا
كَيفَ لا يَهلِكُ مَرْ ... شوقٌ بسَهمَيْ مُقلَتَيكَا
ثم شهق شهقةً فارق الدنيا بها حتى دفنوه.
كلانا أسير الهوى
ولي من أثناء قصيدة كتبت بها إلى بعض أهل العلم:
وَذي شَجَنٍ مثلي شكَوْتُ صَبابَتي ... إلَيهِ، وَدَمعيَ مَا يُفتِّر قَطرُه
فقالَ، وَلَمْ يَملِكْ سَوَابِقَ عَبرَةٍ ... تُتَرْجِمُ عمّا قد تَضَمّنَ صَدرُه:
كِلانا أسيرٌ في الهَوَى مُتَهَدَّدٌ ... بقَتلٍ، فمَا يَنفَكّ مَا عَاشَ أسرُه
لَقَد ضَاقَ ضَرْعي بالنّوَى، وَأمَلّني ... نَعيبُ غُرَابِ البَينِ لا شِيدَ وَكرُه
وَأقلَقَني حادِي الرّكائِبِ بالضّحَى، ... وَسَائِقُهَا لمّا تَتَابَعَ زَجرُه
وَتَقويضُ خَيمِ الحيّ وَالبَينُ ضَاحِكٌ ... لفُرْقَتِنَا، حَتى بَدَا مِنهُ ثَغرُه
وَفي الجيرَةِ الغادينَ أحوىً، عذارُهُ ... يَقُومُ بهِ للعاشِقِ الصّبّ عُذرُه
غَدائِرُهُ لي شَاهِداتٌ بأنّهُ ... وَفَيتُ لَهُ من بَعدِ ما بَانَ غَدرُه
''(2/259)''
أي قول أحسن؟
أخبرنا أحمد بن علي الوراق بدمشق، حدثنا الحسين بن محمد أخو الخلال، حدثنا إبراهيم بن عبد الله بن إبراهيم الشطي بجرجان، حدثنا أبو علي أحمد بن الحسين بن شعبة، حدثنا أحمد بن جعفر الهاشمي، حدثنا محمد بن عبد الله الكاتب قال: كنت يوماً عند محمد بن يزيد المبرد، فأنشد:
جِسمي معي غَيرَ أنّ الرّوحَ عندَكمُ، ... فالجسمُ في غُرْبَةٍ وَالرّوحُ في وَطَنِ
فَليَعجَبِ النّاسُ منّي أنّ لي بَدَناً ... لا رُوحَ فيهِ، وَلي رُوحٌ بلا بَدَنِ
ثم قال: ما أظن الشعراء قالت أحسن من هذا. قلت: ولا قول الآخر؟ قال: هيه! قلت: الذي يقول:
فارَقتُكمُ وَحَيِيتُ بَعدَكُمُ، ... ما هكذا كانَ الذي يَجِبُ
فالآنَ ألقَى النّاسَ مُعتَذِراً، ... من أنْ أعِيشَ وأنتمُ غَيَبُ
قال: ولا هذا. قلت: ولا خالد الكاتب:
رُوحانِ لي، رُوحٌ تَضَمَنّهَا ... بَلَدٌ، وَأُخرَى حَازَها بَلَدُ
وَأظُنّ غَائِبَتي كَشَاهِدَتي ... بمَكانِها تَجِدُ الذي أجِدُ
قال: ولا هذا. قلت: أنت إذا هويت الشيء ملت إليه، ولم تعدل إلى غيره. قال: لا! ولكنه الحق، فأتيت ثعلباً، فأخبرته، فقال ثعلب ألا أنشدته:
غابُوا، فَصَارَ الجِسْمُ من بَعدِهم، ... مَا تَنظُرُ العَينُ لَهُ فَيّا
بِأيّ وَجهٍ أتَلَقّاهُمُ، ... إذا رَأوْني بَعدَهُمْ حَيّا
يا خجلَتي مِنهُ، وَمِنْ قَوْلِهِ: ... مَا ضرّكَ الفَقدُ لَنَا شَيّا
''(2/260)''
قال: فأتيت إبراهيم بن إسحق الحربي، قأخبرته، فقال: ألا أنشدته:
يا حيَائي مِمّنْ أُحِبّ، إذا مَا ... قالَ بَعد الفِراق: إني حَييتُ
لَوْ صَدقتَ الهَوَى حَبيباً، عَلى الصّ ... حّةِ لمَا نَأى، لكُنتَ تموتُ
قال: فرجعت إلى المبرد، فقال: أستغفر الله إلا هذين البيتين، يعني بيتي إبراهيم.
شهود ثقات
وأخبرنا أحمد بن علي، أخبرنا أبو منصور محمد بن عيسى بن عبد العزيز البزاز بهمذان، حدثنا محبوب بن محمد النرديجي قاضي شروان، أنبأنا أبو سعيد الحسن بن زكريا العدوي ببغداد: أنشدني إبراهيم الحربي:
أنكَرْتَ ذُلّي، فَأيّ شَيءٍ ... أحسَنُ مِنْ ذِلّةِ المُحِبِّ؟
ألَيسَ شَوْقي وَفَيضُ دَمعي ... وَضُعفُ جسمي شهودَ حُبّي؟
قال إبراهيم: هؤلاء شهود ثقات.
ود ووفاء حتى الموت
أخبرنا أبو محمد الحسن بن علي الجوهري، حدثنا محمد بن العباس بن حيويه، حدثنا محمد بن خلف، أخبرني أبو بكر، حدثنا الزبير بن بكار عن مولى لعلي بن أبي طالب، عليه السلام، قال، وكان راوية: إن فتىً من قريش من أهل المدينة هوي جارية منهم، فاشتد وجد كل واحد منهما بصاحبه، ثم بلغه عنها أنها تبدلت، فشكا ذلك إلى أخ له، فكان يستريح إليه، وكانت الجارية قد خرجت مع صواحب لها تتبدى، فقال له
''(2/261)''
صاحبه: الرأي أن تتلقاها فتعلمها ذلك، فإن كانت قد فعلت كان اعتزالك عنها، وإن كانت لم تفعل لم تعجل عليها بقطيعة.
قال: فخرجنا حتى أتينا القصر الذي هي فيه، وأرسل إليها: إني أريد أن أكلمك، فأرسلت إليه: إني لا أقدر نهاراً، ولكن موعدك الليلة من وراء القصر. فلقيها لموعدها، فشكا إليها وذكر شدة وجده بها وما هو فيه. فقالت: قد أكثرت علي، وما أدري بما أجيبك، إلا أن مثلي ومثلك ما قال جميل:
فما سِرتُ من ميلٍ وَلا سِرتُ لَيلَةً ... مِنَ الدّهرِ إلاّ اعتادَني مِنكِ طائِفُ
وَلا مَرّ يَوْمٌ مُذْ تَرَامَتْ بكِ النّوَى ... وَلا لَيلَةٌ إلاّ هَوىً مِنكِ رَادِفُ
أهُمُّ سُلُوّاً عَنكِ ثمّ تَرُدّني ... إلَيكِ وَتَثنيني عَلَيكِ العَوَاطِفُ
فلا تَحسبِنّ النأيَ أسلَى مَوَدّتي، ... وَلا أنّ عَيني رَدّهَا عَنكِ عاطِفُ
وَكم من بَديلٍ قد وَجَدنا وَطِرْفَةٍ، ... فتأبى عليّ النّفسَ تِلكَ الطّرَائِفُ
ثم افترقا وقد خرج ما كان في قلوبهما فلم يزالا على الوفاء والود حتى ماتا.
؟
الهموم الغالبة
أخبرنا القاضي أبو القاسم علي بن المحسن التنوخي، أخبرنا أبو عمر بن حيويه، أنبأنا أبو بكر بن الأنباري أنشدنا إبراهيم بن عبد الله الوراق لمحمد بن أمية:
شَغَلَتني بها، وَلمْ تَرْعَ عَهدي، ... ثمّ مَنّتْ وَعَهدُها لا يَدُومُ
وَرَأتني أبكي إليهَا، فقالت: ... يَتَبَاكَى كَأنّهُ مَظلومُ
''(2/262)''
عَلِمَ اللهُ أنّني مَظلُومُ، ... وَحَبِيبي بِمَا أقُولُ عَلِيمُ
لَيسَ لي في الفؤادِ حظّ فأشكو، ... غَلَبَتني على الفؤادِ الهُمومُ
العاصمان الحياء والكرم
حدثنا أبو طاهر أحمد بن علي السواق، أنبأنا محمد بن أحمد بن فارس، أخبرنا عبد الله بن إبراهيم الزبيبي، حدثنا محمد بن خلف أنشدت لبعضهم:
مَا إنْ دَعَاني الهَوَى لفاحِشةٍ ... إلاّ عَصَاهُ الحَيَاءُ وَالكَرَمُ
فَلا إلى مَحرَمٍ مَدَدتُ يدي، ... وَلا سَعَتْ بي لرِيبَةٍ قَدَمُ
وفاء أعرابية لزوجها
أخبرنا أبو محمد الحسن بن علي المقنعي، حدثنا أبو عمر محمد بن العباس بن حيويه، حدثنا محمد بن خلف، حدثني محمد بن العباس المكتب، حدثني عبد الرحمن ابن أخي الأصمعي عن عمه قال: رأيت أعرابية ذات جمال فائق بمنى، وهي تتصدق، فقلت لها: يا أمة الله تتصدقين، ولك هذا الجمال؟ فقالت: قدر الله فما أصنع؟ قلت: فمن أين معاشكم؟ قالت: هذا الحاج نتقممهم، ونغسل ثيابهم. قلت: فإذا ذهب الحاج، فمن أين؟ فنظرت إلي، وقالت لي: يا صلت الجبين! لو كنا إنما نعيش من حيث تعلم لما عشنا.
فوقعت بقلبي. فقلت لها: هل لك زوج يعفك ويغنيك الله بسعيه وكده؟ قالت: هيهات، ما أنا إذاً من العرب، ولم أف له! فعلمت أن زوجها توفي وآلت أن لا تتزوج بعده، فتركتها.
''(2/263)''
لا خير في ناقض العهد
أخبرنا الحسن بن علي، حدثنا محمد بن العباس، أخبرنا محمد بن خلف أنشدني رجل من قريش لبعضهم:
وَاللهِ لا خنتُ مَنْ هَوِيتُ، وَلا ... تَسكُنُ عَنهُ صَبَابَتي أبَدَا
لا خَيرَ في مُغرَمٍ أخي كُلَفٍ ... يَنقُضُ عَهداً لَهُ إذا عُهِدَا
حَتى يَرَى صَاحِباً لِصَاحِبِهِ ... في قُرْبِهِ، إنْ دَنَا وَإنْ بَعُدَا
أم الضحاك وأرق الهمّ
وبإسناده حدثنا محمد بن خلف، حدثني قاسم بن الحسن، أخبرني العمري، أخبرني الهيثم بن عدي قال: كانت أمّ الضحاك المحاربية تحت رجل من بني ضبة يقال له زيد، وكان لها محباً، فسلا عنها، وتزوج عليها، وكانت على غاية المحبة له فحجت، فبينا هي تطوف بالكعبة إذ رأت زيداً، فلم تملك نفسها أن قبضت على ثوبه، وقالت: أنت هو؟ قال: نعم! حياك الله، فمه! فأنشأت تقول:
أتَهجُرُ مَن تُحِبّ بِغَيرِ جُرْمٍ، ... أسأتَ إذاً وَأنتَ لَهُ ظَلُومُ
تُؤرّقُني الهُمُومُ، وَأنتَ خِلوٌ، ... لَعَمرُكَ ما تُؤرّقُكَ الهُمُومُ
فَلا وَاللهِ آمَنُ بَعدَ زَيْدٍ ... خَليلاً مَا تَغَوّرَتِ النّجُومُ
''(2/264)''
حب على غير ريبة
قال محمد بن خلف: وأنشدني بعض أهل الأدب لأعرابي:
أُحِبّ التي أهوَى على غَيرِ رِيبَةٍ، ... وَأحفَظُها في ما أُسِرّ وَمَا أُبدِي
وَلَستُ بمُفشِ سِرَّهَا وَحَدِيثَهَا، ... وَلا ناقِضٍ يَوْماً لهَا مُوثَقَ العَهدِ
وَلا مُبتَغٍ أُخرَى سِوَاهَا، مكانَها، ... وَلَوْ أنّها حَوْرَاءُ من جَنّةِ الخُلدِ
عاشق ومعشوق
قال: وأنشدت أيضاً لغيره:
لا خَيرَ في مَن هَوَاهُ مَمذُوقُ، ... لَيسَ لَهُ في هَوَاهُ تَصدِيقُ
هَوَايَ، ما عِشتُ، وَاحدٌ أبداً، ... لأنّني عَاشِقٌ وَمَعشُوقُ
وكلُّ مَن كان صَادِقَاً أبَدَاً ... قَامَتْ لَهُ في فُؤادِهِ سُوقُ
مراودة الرسول
زَعَمَ الرّسُولُ بأنّني رَاوَدتُهُ، ... كذبَ الرّسولُ، وَمُنزِلِ الفُرقانِ
ما كنتُ أجمَعُ خَلّتَينِ: خِيانَةً ... لَكُمُ، وَبَيَعَ كَرَامَةٍ بهَوَانِ
''(2/265)''
ساء ظن المحب
وقال عباس:
إنّ جُهدَ البَلاءِ حُبُّكَ إنسَا ... ناً هَوَاهُ بآخَرٍ مَشغُولُ
مَا عَلِمنا إلاّ الجَميلَ، وَمَا يُش ... بهكم، يا ظَلومُ، إلا الجميلُ
ما عَهِدنا ما تَكرَهونَ، وَلكن ... سَاءَ ظَنّ المُحبّ في ما يَقولُ
عاشق عفيف
أخبرنا أحمد بن علي السواق، حدثنا محمد بن أحمد بن فارس، حدثنا عبد الله إبراهيم البصري، حدثنا محمد بن خلف أنشدت لأبي عبد الرحمن العلوي:
إنْ أكُنْ عَاشِقاً، فإني عَفيفُ اللّ ... فظِ والفَرْجِ عَن رُكُوبِ الحَرَامِ
مَا حَمَاني الإسلامُ حُبَّ ذَوَاتِ الأ ... عينِ النُّجلِ وَالوُجُوهِ الوِسَامِ
؟
عمر ونصر بن حجاج
وأخبرنا أحمد بن علي، حدثنا محمد، حدثنا عبد الله، حدثنا محمد بن خلف، حدثنا عبد الله بن عبيد، أخبرني محمد بن عبد الله، حدثني أبو محمد عبد الله بن أبي عبد الله، حدثني محمد بن سعيد القرشي، أخبرنا محمد بن جهم بن عثمان بن أبي جهمة، وكان جهمة على ساقة غنائم خيبر يوم افتتحها النبي، {{ص}}، قال: أخبرني أبي عن جده قال: بينما عمر بن الخطاب يطوف ذات ليلة في سكة من سكك المدينة، إذ سمع
''(2/266)''
امرأة وهي تهتف من خدرها وتقول:
هَلْ من سَبِيلٍ إلى خَمرٍ فأشرَبَها، ... أمْ هَلْ سَبيلٌ إلى نَصرِ بنِ حجّاجِ
إلى فتىً مَاجِدِ الأعرَاقِ مُقتَبِلٍ، ... سَهلِ المُحَيّا، كرِيمٍ، غَيرِ مِلجاجِ
قال: فقال عمر، رحمة الله عليه: ألا أرى معي في المصر رجلاً تهتف به العواتق في خدورهن؟ علي بنصر بن حجاج! فأتي به، فإذا هو أحسن الناس وجهاً وشعراً، فقال: علي بالحجام، فجز شعره، فخرجت له وجنتان كأنهما شقتا قمر، فقال: اعتم، فاعتم، ففتن الناس. فقال عمر: والله لا تساكنني ببلد أنا فيه. قال: ولم ذاك يا أمير المؤمنين! قال: هو ما قلت لك. فسيره إلى البصرة، وخشيت المرأة التي سمع منها عمر ما سمع أن يبدر إليها عمر بشيء، فدست إليه أبياتاً تقول فيها:
قُلْ للإمامِ الذي تُخشَى بَوَادِرُهُ: ... ما لي وَللخَمرِ أوْ نصرِ بنِ حجّاجِ
إني عنيتُ أبَا حَفصٍ بغَيرِهِما، ... شرْبَ الحَليبِ وَطَرْفٍ غيره ساجي
إنّ الهَوَى ذٍِمّةُ التّقوَى، فقَيّدَهُ ... حَتى أقَرّ بإلجَامٍ وَإسرَاجِ
لا تَجعَلِ الظنّ حَقّاً، أوْ تُبَيّنَهُ، ... إنّ السّبيلَ سَبيلُ الخائِفِ الرّاجي
قال: فبعث إليها عمر: قد بلغني عنك خبر، وإني لم أخرجه من أجلك، ولكن بلغني أنه يدخل على النساء، ولست آمنهن.
قال: وبكى عمر، وقال: الحمد لله الذي قيد الهوى حتى أقر بإلجام وإسراج. ثم إن عمر كتب إلى عامله بالبصرة كتباً، فمكث الرسول عنده أياماً، ثم نادى مناديه: الا إن بريد المسلمين يريد أن يخرج، فمن كانت له حاجة فليكتب! فكتب نصر بن حجاج كتاباً، ودسه في الكتب، ونصه: بسم الله الرحمن الرحيم، لعبد الله عمر أمير المؤمنين سلام عليك! أما
''(2/267)''
بعد فلعمري، يا أمير المؤمنين، لئن سيرتني أو حرمتني وما نلت مني عليك بحرام، وكتب بهذه الأبيات:
أَإنْ غَنّتِ الذّلفَاءُ يَوْماً بمُنيَةٍ، ... وَبَعضُ أمَانيِّ النّسَاءِ غَرَامُ
ظَنَنتَ بيَ الظّنَّ الذِي لَيسَ بَعدَهُ ... بَقَاءٌ، فَمَا لي في النّديّ كَلامُ
وَيَمنَعُني مِمّا تَظُنّ تَكَرُّمي، ... وَآبَاءُ صِدْقٍ سَالِفُونَ كِرَامُ
وَيَمنَعُها مِمّا تَظُنّ صَلاتُهَا، ... وَحَالٌ لهَا في قَوْمِهَا وَصِيَامُ
فهَذانِ حَالانَا! فَهَلْ أنتَ رَاجعي، ... فَقَدْ جُبّ مَني كَاهِلٌ وَسَنامُ
فقال عمر، لما قرأ الكتاب: أما ولي سلطان فلا، فما رجع إلى المدينة إلا بعد وفاة عمر، وله خبر طويل ليس هذا موضعه، ويقال إن هذه المتمنية أم الحجاج.
الله شاهد
وبإسناده، حدثنا محمد بن خلف، أخبرني بعض أهل الأدب عن عثمان بن عمر، حدثني عبد الله بن صالح، حدثني بلال بن مرة قال: بلغني أن أعرابياً خلا بجارية من قومه، فراودها عن نفسها، فقالت: ويحك! والله إن كان ما تدعوني إليه حلالاً، لقد كان قبيحاً. قال: وكيف ذاك؟ قالت: والشاهد الله. قال: فلم يعاودها.
رداء من الصون والعفاف
ولي من نسيب قصيدة من أولها:
يا لَيلَةً لا أزَالُ أذكُرُها، ... مَا نُسِيَتْ لَيلَةٌ، وَأشكُرُها
''(2/268)''
وَفَتْ سُلَيمَى فِيهَا بمَوْعِدِها، ... إذْ طَرَقَتْ، وَالظّلامُ يُضْمِرُهَا
وَغَابَ عَنّا رَقِيبُنَا، فَصَفَتْ، ... وكانَ يُخشَى مِنهُ تَكَدُّرُهَا
بِتنَا ضَجيعَينِ في مَلاحِفَ يَط ... وِيهَا الهَوَى تَارَةً وَيَنشُرُهَا
أنهَلُ مِنْ رِيقِهَا عَلى ظَمَإٍ، ... صَهبَاءَ، فوها الشّهيُّ مِعصَرُهَا
نَقلي عَلى شُرْبِ رِيقِها قُبَلٌ ... تُشعِلُ نَارَ الهَوَى وَتُسعِرُهَا
إنْ مُلّ لَفظٌ مُكَرَّرٌ، فَمُنى ... نَفسِيَ في لَفظَةٍ تُكَرّرُهَا
جَارِيَةٌ ذاتُ مَنظرٍ حَسَنٍ، ... أحسَنَ تَصويرَها مُصَوّرُهَا
كالغًصنِ قَدّاً، وَالبَدرِ إن سَفَرَتْ، ... شَبِيهُهَا في الظّبَاءِ أحوَرُها
فَمِنْ كَثيبٍ وَارَاهُ مِئْزَرُهَا، ... وَبَدرِ تِمٍّ غَطّاهُ مِعجَرُهَا
طَيّبَةُ الأصلِ لَستُ أنسِبُهَا ... مَخافَةً أنْ يَغَارَ مَعشَرُها
وَخافَتِ الصّبحَ أنْ يَنِمّ عَلى ... مَكَانِهَا ضَوْءُهُ فَيَشهَرُهَا
فَوَدّعَتني عَجلَى، وَأدمُعُهَا ... يَبُلُّ أرْدانَهَا تَحَدّرُهَا
وَانصَرَفَتْ في رِداءِ مَكرُمَةٍ، ... وَحُلّتَيْ عِفّةٍ تُجَرِّرُهَا
رِداؤُهَا الصّوْنُ وَالعَفَافُ، فَمَا ... تَكَادُ عَينُ الأنَامِ تَنظُرُهَا
وهي طويلة اقتصرت على ما ذكرته.
''(2/269)''
نصيب وزينب
أخبرنا أبو طاهر أحمد بن علي السواق، حدثنا محمد بن أحمد بن فارس، حدثنا عبد الله بن إبراهيم، حدثنا محمد بن خلف المحولي، حدثنا عبد الله بن عمرو وأحمد بن حرب، حدثنا بنان هو ابن أبي بكر، حدثني محمد بن المؤمل بن طالوت الوادي، حدثني أبي عن الضحاك بن عثمان الحزامي قال: خرجت في آخر الحج، فنزلت بخيمة بالأبواء على امرأة، فأعجبني ما رأيت من حسنها، فتمثلت بقول نصيب:
بزَينبَ ألمِمْ قبلَ أن يَرْحلَ الرَّكْبُ ... وَقُلْ إنْ تَمَلّينَا فَمَا مَلّكِ القَلبُ
وَقُلْ في تَجَنّيها لكَ الذّنبَ: إنّمَا ... عِتَابُكَ مَن عَاتَبتَ فيما لهُ عَتْبُ
خَلِيليّ مِن كَعبٍ ألِمّا، هُدِيتُمَا، ... بزينَبَ، لا يَفقدكُما أبداً كَعبُ
وَقُولا لها: ما في البُعادِ لِذي الهَوَى ... بُعادٌ، ومَا فيه لصَدعِ النّوَى شَعْبُ
فَمَن شَاءَ رَامَ الوَصْلَ، أوْ قالَ ظالماً ... لِصَاحِبِهِ ذَنْبُ، وَلَيسَ لهُ ذنبُ
قال: فلما سمعني أتمثل بالأبيات قالت: يا فتى! أتعرف قائل هذا الشعر؟ قلت: نعم! ذاك نصيب. قالت: نعم، هو ذاك، أفتعرف زينب؟ قلت: لا! قالت: أنا والله زينب. قلت: فحياك الله. قالت: أما إن اليوم موعده من عند أمير المؤمنين. خرج إليه عام أول، وعدني هذا اليوم. ولعلك لا تبرح حتى تراه.
قال: فما برحت من مجلسي، وإذا أنا براكب يزول مع السراب. فقالت: ترى خبب ذاك الراكب؟ إني أحسبه إياه.
ثم أقبل الراكب حتى أناخ قريباً من الخيمة، فإذا هو نصيب، ثم ثنى رجله
''(2/270)''
عن راحلته، فنزل ثم أقبل، فسلم علي، وجلس ناحيةً، وسلم عليها، وساءلها وساءلته فأحفيا، ثم ساءلته أن ينشدها ما أحدث من الشعر بعدها، فجعل ينشدها، فقلت في نفسي: عاشقان أطالا التنائي، فلا بد أن يكون لأحدهما إلى صاحبه حاجة.
فقمت إلى راحلتي أشد عليها، فقال لي: على رسلك! أنا معك. فجلست حتى نهض، ونهضت معه، فتسايرنا ساعة، ثم التفت إلي فقال: قلت في نفسك محبان التقيا بعد طول تناء، فلا بد أن يكون لأحدهما إلى صاحبه حاجة. قلت: نعم! قد كان ذاك. قال: فلا ورب هذه البنية التي إليها نعمد ما جلست منها مجلساً قط أقرب من مجلسي الذي رأيت، ولا كان بيننا مكروه قط.
العاشق المتكتم
وأخبرنا أحمد بن علي، حدثنا محمد بن أحمد بن فارس، حدثنا عبد الله بن إبراهيم البصري، حدثنا محمد بن خلف، حدثني أبو موسى عيسى بن جعفر الكاتب، حدثني محمد بن سعيد، حدثني إسحق بن جعفر الفارسي: سمعت عمر بن عبد الرحمن يحكي عن بعض العمريين قال: بينا أنا يوماً في منزلي إذ دخل علي خادم لي، فقال لي: رجل بالباب معه كتاب. فقلت له: ادخله، أو خذ كتابه. قال: فأخذت الكتاب منه، فإذا فيه هذه الأبيات:
تَجَنّبَكَ البَلا، وَلَقيتَ خَيراً، ... وَسَلّمكَ المَليكُ من الغُمومِ
شَكَوْنَ بَناتُ أحشائي إليكمُ ... هَوَايَ حِينَ ألفَتْني كَتُوم
وَحَاوَلْنَ الكِتابَ إلَيكَ في مَا ... يُخامِرُها، فدَتكَ من الهُمُومِ
''(2/271)''
وَهنّ يَقُلنَ يَا ابنَ الجودِ: إنّا ... بَرِمنا مِنْ مُرَاعاةِ النّجومِ
وَعندكَ، لوْ مَننتَ، شفاءُ سُقمي ... لأعضَاءٍ ضَنِينَ مِنَ الكُلُومِ
فلما قرأت الأبيات قلت: عاشق. فقلت للخادم: ادخله، فخرج إليه الخادم بالخبر فلم يجده، فقلت أخطأت، فما الحيلة؟ فارتبت في أمره، وجعل الفكر يتردد في قلبي، فدعوت جواري كلهن ممن يخرج منهن ومن لا يخرج فجمعتهن ثم قلت: أخبرنني الآن قصة هذا الكتاب.
قال: فجعلن يحلفن، وقلن: يا سيدنا ما نعرف لهذا الكتاب سبباً وإنه لباطل. ثم قلن: من جاء بهذا الكتاب؟ فقلت: قد فاتني، وما أردت بهذا القول لأني ضننت عليه بمن يهوى منكن، فمن عرفت منكن أمر هذا الرجل، فهي له فلتذهب إليه متى شاءت، وتأخذ كتابي إليه.
قال: فكتبت إليه كتاباً أشكره على فعله وأسأله عن حاله، وعما يقصده، ووضعت الكتاب في موضع من الدار، وقلت: من عرف شيئاً فليأخذه، فمكث الكتاب في موضعه حيناً لا يأخذه أحد ولا أرى للرجل أثراً، فاغتممت غماً شديداً ثم قلت: لعله من بعض فتياننا، ثم قلت: إن هذا الفتى قد أخبر عن نفسه بالورع، وقد قنع ممن يحبه بالنظر، فدبرت عليه، فحجبت جواري من الخروج.
قال: فما كان إلا يوم وبعض آخر، حتى دخل الخادم ومعه كتاب، فقلت له: ما هذا؟ قال: أرسل به إليك فلان، وذكر بعض أصدقائي، فأخذا الكتاب ففضضته، فإذا فيه هذه الأبيات:
ماذا أرَدتَ إلى رُوحِ مُعَلَّقَةٍ ... عند الترَاقي، وَحادي المَوْتِ يحدوهَا
حَثثتَ حَادِيهَا ظُلماً، فَجَدّ بهَا ... في السّيرِ، حتى تَوَلّتْ عن تَرَاقيهَا
حَجبتَ من كان يحيي عند رُؤيتهِ ... رُوحي، وَمن كانَ يَشفيني تلاقِيها
فالنّفسُ ترْتاحُ نحوَ الظّلمِ جاهِلةً، ... وَالقَلبُ مني سَليمٌ ما يُؤاتِيها
''(2/272)''
وَاللهِ لوْ قِيلَ لي تأتي بفَاحِشَةٍ، ... وَإنّ عُقباك دُنيانا وَمَا فِيها
لقُلتُ: لا وَالذي أخشَى عُقوبتَه ... وَلا بأضعَافِهَا مَا كُنتُ آتِيها
لَوْلا الحَياءُ لبُحنا بالذي كَتَمَتْ ... بنتُ الفُؤادِ، وَأبدَينَا تَمَنّيهَا
قال: قلت لا أدري ما أحتال في أمر هذا الرجل، وقلت للخادم: لا يأتيك أحد بكتاب إلا قبضت عليه حتى تدخله إلي، ولم أعرف له بعد ذلك خبراً.
قال: فبينا أنا أطوف بالكعبة، إذا أنا بفتى قد أقبل نحوي، وجعل يطوف إلى جنبي ويلاحظني، وقد صار مثل العود. قال: فلما قضيت طوافي خرجت واتبعني، فقال: يا هذا! أتعرفني؟ قلت: ما أنكرك لسوء، قال: أنا صاحب الكتابين.
قال: فما تمالكت أن قبلت رأسه وبين عينيه وقلت: بأبي أنت وأمي، والله لقد شغلت علي قلبي، وأطلت غمي لشدة كتمانك لأمرك، فهل لك فيما سألت وطلبت؟ قال: بارك الله لك وأقر عينك إنما أتيتك مستحلاً من نظر كنت أنظره على غير حكم الكتاب والسنة، والهوى داع إلى كل بلاء، وأستغفر الله. فقلت: يا حبيبي أحب أن تصير معي إلى المنزل، فآنس بك وتجري الحرمة بيني وبينك. قال: ليس إلى ذلك سبيل، فاعذر وأجب إلى ما سألتك. فقلت: يا حبيبي! غفر الله لك ذنبك، وقد وهبتها لك ومعها مائة دينار تعيش بها، ولك في كل سنة كذا وكذا.
قال: بارك الله لك فيها فلولا عهود عاهدت الله تعالى بها وأشياء وكدتها على نفسي لم يكن شيء في الدنيا أحب إلي من هذا الذي تعرضه علي، ولكن ليس إليه سبيل، والدنيا فانية منقطعة.
حدثني قلت له: فأما إذ أبيت أن تصير إلى ما دعوتك إليه، فأخبرني
''(2/273)''
من هي من جواري حتى أكرمها لك ما بقيت. فقال: ما كنت لأسميها لأحد أبداً، ثم سلم علي، ومضى فما رأيته بعد ذلك.
كتمان ما في القلب
وبه قال: أخبرني محمد بن خلف: أنشدني علي بن صالح المعري:
عَفِيفٌ، حَلِيمٌ، ناسِكٌ، ذو مخافَةٍ ... إذا مَسّهُ شَجوٌ مِنَ الحُبّ بسّرَا
سَلِيمٌ مِنَ الآفَاتِ، ذو وَرَعٍ، لَهُ ... جَوَارِحُ ما تَصبُو إلى حُسنِ ما يَرَى
فَتىً لم يَزَلْ يُخفي الذي في ضَميرِهِ، ... وَيَكتُمُ ما في القَلبِ مِنهُ عَنِ الوَرَى
لا خير في ناقض العهد
أخبرنا أبو محمد الحسن بن علي الجوهري، حدثنا أبو عمر بن حيويه، حدثنا محمد بن خلف أنشدني رجل من قريش لبعضهم:
وَاللهِ لا خُنتُ مَنْ هَوِيتُ، وَلا ... تَسكُنُ عَنهُ صَبَابَتي أبَدَا
لا خَيرَ في مُغرَمٍ أخي كُلَفٍ، ... يَنقُضُ عَهداً لَهُ إذا عَهِدَا
حَتى يُرَى حَافِظاً لِصَاحِبِهِ، ... في قُرْبِهِ، إنْ دَنَا، وَإنْ بَعُدَا
قال: وأنشدت لغيره لا خير في من هواه ممذوق، وهي ثلاثة أبيات
''(2/274)''
قد ذكرتها سابقاً، وكتبت بعدها ها هنا قال ابن المرزبان: وأنشدت للعباس بن الأحنف:
أيَسُرّكُم أنّي هَجَرْتُكُم، ... وَمَنَحتُ قَوْماً غيرَكم وُدّي
لَسنا نَلُومُ عَلى قَطِيعتِنَا ... مَنْ لا يَدُومُ لَنا عَلى عَهدِ
وللعباس أيضاً زعم الرسول بأنني راودته وهما بيتان ذكرا من قبل، وبعدهما: وله أيضاً إن جهد البلاء وهي ثلاثة أبيات هنالك، فتركت إعادة هذا كله.
طريد العشق
حدث أبو عمر بن حيويه، ونقلته من خطه، حدثنا محمد بن خلف، حدثنا أبو بكر العامري قال: قال علي بن صالح عن ابن دأب قال: كان من حديث جاركرز الربابي، والرباب بنو عبد مناة، أن أباه كان رجلاً من طابخة، يقال له حباب، وكان شجاعاً فاتكاً، وأنه قتل رجلاً من بني حباب بن هبل بن كلب بن وبرة، فرهنهم بالدية امرأته وابنه حية، وهو صغير، وخرج حباب في جمع الدية، فهلك، وبقيت امرأته وابنة في يدي كلب، وشب ابنه حية، فشب أحسن فتىً في العرب وأوضأهم، فعلق جاريةً من جواري الحي، وعلقته، وفسدت به فساداً شديداً، حتى جلس نسوة من كلب، ذات ليلة، يلعبن، ويتذاكران الشراب، ففطن به، وسمعت بذلك كلب، وكان قد علق فتاةً منهم، فطلبته كلب، فخرج هارباً، فأدركه أخوها، فرماه حية، فقتله، وانطلق، فلحق بقوم من بلقين، فاستجار بهم، فأجاروه، فعاث في نسائهم، وعلقته امرأة منهم، فطلبته بلقين، فأعجزهم، وهرب حتى أتى أمه ليلاً، فقالت: ويلك! إن القوم
''(2/275)''
قاتلوك. فقال: والله ما أجد مذهباً.
قال: وأخفته وذكرت ذلك لظئر لها، هو أخو ابن لها أرضعته، فقالت: أرسليه، فأرسلته إليها، فأخذته فخيطت عليه عباءة، فجعلته كهيئة الكرز، ثم طرحته بفناء بيتها، حتى مر بها عدي بن أوس الكلبي، فقالت: يا عدي! إني قد أردت أن أظعن، وإني أريد أن تجير لي كرزي هذا، وما فيه، قال: قد أجرته، وأمر به، فحمل إلى بيته، فلما نظر إلى الكرز أنكره، ففتشه، فإذا فيه حية، فقال: لا أنعم الله بك عيناً، ولكن أجاره وبرز، فقالت له أمه: ويلك مهلاً عن نساء الحي! فلم يلتفت إليها، ورأته ابنة عدي، فعلقته، وعلقها، فمكثت بذلك مدة، وعدي لا يعلم، فقال:
ما زِلتُ أطوِي الحَيَّ أسمَعُ حِسَّهُم، ... حتى وَقَعتُ على رَبيبَةِ هَوْدَجِ
فَوَضَعتُ كفّي عِندَ مَقطعِ خصرِها، ... فَتَنَفّسَتْ بُهْراً، وَلمّا تَنْهَجِ
وَتَنَاوَلَتْ رَأسِي لِتَعرِفَ مَسّهُ، ... بمُخَضَّبِ الأطرَافِ غَيرِ مُشَنَّجِ
قالَت: وَعَيشِ أبي وَنَعمةِ وَالدي، ... فَعلِمتُ أنّ يَمينَها لَمْ تُحرَجِ
قال: فلما بلغ عدي بن أوس الخبر، وأنشد الشعر، أمر به فربط، ثم أخرج إلى خارج البيوت فقتل.
''(2/276)''
أعوذ بالله من الحرام
أخبرنا أبو طاهر أحمد بن علي السواق، حدثنا محمد بن أحمد بن فارس، حدثنا أبو الحسين عبد الله بن إبراهيم، حدثنا محمد بن خلف، حدثنا حسين بن الضحاك اليشكري، حدثني محمد بن عبد الله الخراساني، حدثني إبراهيم بن العباس، حدثني إسحق بن عبد الله بن شرحبيل، حدثني سلم بن عبد الرحمن قال: كان عندنا بالمدينة فتىً من أهل الأدب والدين، وكان له جمال، فعلقته امرأة من أهل المدينة، من قريش، فأرادت كلامه، فاستحيت منه، فكتبت إليه:
ألا مَن عَذيِري مِن هَوَايَ وَمن قلبي، ... فَقد بَرّحَا بي، فاشتَكَيتُ إلى رَبي
هُمُومي وَأحَزانيَ وَطُولُ بلِيّتي ... بمَن غابَ عَن عَيني، فَطَالَ بهِ نحبي
فدَيتُكَ لَوْلا خِيفَةُ اللهِ في الّذِي ... تُكاتِمُهُ نَفسي لأظهَرْتُ ما خُبّي
قال: فلما أتاه الكتاب أظهر تعجباً، وكان في غفلة عن ذلك، فكتب إليها: وصل إلي كتابك، وفهمت ما سألت، فعلى أي وجه يكون وصالنا، وأصل فراق أم وصل اتفاق؟ فإن كان وصل فراق، فلا حاجة لنا فيه، وإن كان وصل اتفاق، فذاك الذي نريد.
قال: فأرسلت إليه: معاذ الله من وصل فرقة يدعو إلى حسرة، وما سألتك إلا الحق، وإني أعوذ بالله من فعل الحرام.
قال: ففكر في نفسه. فقال: هذه امرأة لها شرف وقدر، ومه هذا يسار، وليس يخطئني ما أحذره من قول الناس.
قال: فأرسل إليها: يا هذه قد فكرت في هذا الأمر، وتدبرته، فلم أر الذي أخاف من عاقبته يخطئني، وإني أكره أن أتعرض لقالة الناس وكلامهم، وكتب إليها:
صُدّي الفُؤادَ عَنِ الطّرِيقِ الأبعَدِ ... ثمّ اسلُكي قَصدَ السّبيلِ الأقصَدِ
''(2/277)''
وَدَعي التّشاغُلِ بالذي أصبَحتُمُ ... فيه، فإني قد أخالُكِ تُرْشَدِي
قال: فأمسكت عنه فلم تعاوده.
الفتى المتعبد والمفتونة به
وأخبرنا أحمد بن علي، حدثنا محمد بن أحمد بن فارس، حدثنا عبد الله بن إبراهيم، حدثنا محمد بن خلف، حدثني أبو محمد جعفر بن الفضل بن محمد بن المعافى عن عبد الواحد بن زياد الافريقي، حدثني أبي قال: سمعت شيخاً من أهل العلم يقول: كان عندنا فتىً متعبد، حسن السيرة، فأحبته جارية من قومه، وجعلت تكاتم أمرها مخافة العيب، فمكثت بذلك حيناً، فلما بلغ الحب منها أرسلت إليه بكتاب وضمنته هذه الأبيات:
تَطَاولَ كِتماني الهَوَى، فأبادَني، ... فأصبَحتُ أشُكو ما ألاقي من الوَجدِ
فأصبحتُ أشكو غُصّةً من جَوى الهوَى، ... أقامَت، فما يَعدو إلى أحدٍ بَعدي
فهَا أنا ذا حَرّى من الوَجدِ صَبَّةٌ، ... كثيرَةُ دَمعِ العَينِ، يجرِي على خَدّي
قال: فأقبلت به امرأة فقال: ما هذا؟ قالت: كتاب أرسلني به إليك إنسان. قال: سميه! قالت: إذا قرأته سميت لك صاحبه، فرمى به إليها، وأنكره إنكاراً شديداً، فقالت له: ما يمنعك من قراءته؟ قال: هذا كتاب قد أنكره قلبي، فلم تزل به حتى قرأه، فرفع رأسه إليها، فقال: هذا الذي كنت أحذر وأخاف، ثم دفعه إليها. فقالت: أما له جواب؟ قال: بلى! قالت: وما هو؟ قال: تقولين لها: إنه يعلم السر وأخفى الله، لا إله إلا هو، له الأسماء الحسنى. قالت: لا غير؟ قال: في هذا كفاية.
فمضت إليها، فأخبرتها بما جرى بينهما، فكتبت إليه:
يا فارغَ القَلبِ من همّي وَمن فِكَرِي، ... ماذا الجَفاءُ، فدتكَ النفسُ يا وَطَرِي؟
''(2/278)''
إنْ كُنتَ مُعتَصِماً باللهِ تَخدمُهُ، ... فإنّ تَحلِيلَنَا في مُحكَمِ السُّوَرِ
فلما وصل إليه الكتاب قال: ما هذا؟ قالت: تقرأه، فأبى، فلم تزل تلطف به حتى فتحه، فقرأه، ثم رمى به إليها. فقالت: ما له جواب؟ قال: بلى! قالت: ما هو؟ قال: قولي لها: وهو الذي يتوفاكم بالليل، ويعلم ما جرحتم بالنهار.
فصارت إليها، فأخبرتها بما جرى بينهما، فكتبت إليه:
فَرّجْ عن القلبِ بعضَ الهَمّ وَالكُرَبِ، ... وَجْدُ بوَصلِكَ، وَالهِجرانَ فاجتَنِبِ
إنّا سَألنَاكَ أمراً مَا نُريدُ بِهِ ... إلاّ الصّلاحَ، وَأن نَلقاكَ عن قُرُبِ
فإنْ أجَبتَ إلى ما قَد سألتُ، فَقَدْ ... نِلتُ المُنى، وَالهَوَى، يا منتهَى أرَبي
وَإنْ كَرِهتَ وِصالي قلتُ: أكرَهُهُ، ... وَإنّني رَاجعٌ عن ذاكَ من كَثَبِ
قال: فجاءت بالكتاب إليه، فأخذه، وقال لها: اجلسي، ففتحه، وقرأه عن آخره، وكتب إليها كتاباً كان هذا الشعر آخره:
إنّي جَعَلتُ هُمُومي ثمّ أنفاسِي ... في الصّدرِ مِنّي وَلم يُظهِرْهُ قرْطاسِي
وَلم أكُنْ شاكياً ما بي إلى أحدٍ ... إنّي إذاً لَقَليلُ العِلمِ بالنّاسِ
فاستَعصمِي اللهَ، مِمّا قَد بُلِيتِ بِهِ، ... وَاستَشعِرِي الصّبرَ، عمّا قلتُ، بالياسِ
إني عَنِ الحُبّ في شُغلٍ يُؤرّقُني ... تَذكَارُ ظُلمَةِ قَبرٍ فِيهِ أرْمَاسِي
فَفيهِ لي شُغُلٌ لا زِلتُ أذكرُهُ، ... منَ السّؤالِ وَمِنْ تَفرِيقِ أحلاسِي
وَلَيسَ يَنفَعُني فِيهِ سِوَى عَمَلي، ... هُوَ المُؤانسُ لي مِنْ بَينِ أنّاسِي
''(2/279)''
فاستكثرِي من تُقى الرّحمنِ وَاعتصِمي، ... وَلا تَعودي، فبي شُغلٌ عن النّاسِ
فلما قرأت الكتاب أمسكت وقالت: إنه لقبيح بالحرة المسلمة العارفة مواضع الفتنة كثرة التعرض للفتن، ولم تعاوده.
لا صبر على الفراق
ذكر أبو عمر بن حيويه ونقلته من خطه، حدثنا محمد بن خلف بن المرزبان، أخبرني أبو بكر العامري، حدثنا دعبل بن علي الخزاعي قال:
كان بالكوفة رجل من بني أسد عشق جارية لبعض أهل الكوفة، فتعاظم أمره وأمرها، فكان يقول فيها الشعر، وذكر بعض أهل الكوفة أنه مات من حبها، وصنعوا له كتاباً في ذلك مثل كتاب جميل وبثينة، وعفراء وعروة، وكثير وعزة، فباعها مولاها لرجل من أهل بغداد، من الهاشميين، فيروى أنه مات حين أخرجت من الكوفة، وأنها لما بلغها موته ماتت أسفاً عليه، فمن شعره فيها عند فراقها:
جَدّ الرّحِيلُ، وَحَثّني صَحبي، ... قالوا: الرّحيلُ، فطَيّرُوا لُبّي
وَاشتَقتُ شَوْقاً كَادَ يَقتَلَني، ... فالنّفسُ مُشرِفَةٌ عَلى نَحبِ
لمْ يَلقَ، يَوْمَ البَينِ، ذو كُلَفٍ ... يَوْماً كمَا لاقَيتُ مِنْ كَرْبي
لا صَبرَ لي عِندَ الفِرَاقِ عَلى ... فَقدِ الحَبيبِ وَلَوْعَةِ الحُبّ
العاشق البكّاء
قال: وحدثني حاتم بن محمد، أخبرني عبد الرحمن بن صالح قال: قيل للنضر بن زياد المهلبي: هل كان عندكم بالبصرة أحد شهر بالعشق، كما شهر من نسمع به من سائر الأمصار؟ قال: نعم! كان عندنا فتىً من
''(2/280)''
النساك، له فضل وعلم وأدب، فجعل يذوب ويتغير ويصفر، لا يعرف له خبر، فعاتبه أهله وإخوانه في أمره، وقالوا: لو تداويت وشربت الدواء، فإن العلاج مبارك، وما أنزل الله تعالى داءً إلا وله دواء، فلما أكثروا عليه قال:
وَقالَ أُناسٌ لوْ تعالجتَ بالدّوَا، ... فقلتُ: الذي يَخشَى عليّ رَقيبُ
تُعالَجُ أدوَاءٌ وَللحبّ لَوْعَةٌ، ... تكادُ لها نَفسُ اللّبيبِ تَذُوبُ
وَلَوْ كانَ شُرْبي للهَلِيلَجِ نافِعاً ... من الحُبّ لم تُعكَفْ عليّ كُروبُ
بلى! في عِلاجِ الحُبّ أنّ ذنوبَهُ ... حِسانٌ وَإحساني عَليّ ذُنُوبُ
وَإن رُمتُ صَبراً أوْ تَسلّيتُ ساعةً ... فَصَبرِي لمَنْ أهوَى عليّ رَقيبُ
قال: ثم سكت، فعوتب، فلم يجب بشيء، وكان، بعدما بدا هذا القول منه، لا يكلمه أحد ممن يعرفه في شيء من الأشياء إلا بكى، ولا يستفيق من البكى، فلم يزل على ذلك حتى مات كمداً.
قال: فأنا أدركت بعض من كان ينسب إليه من ولده أو ولد ولده ينسبون إلى البكّاء.
العاقلة الصابئة لدينها
أخبرنا أحمد بن علي السواق، حدثنا محمد بن أحمد بن فارس عن عبد الله بن إبراهيم الزبيبي، حدثنا محمد بن خلف القاضي، حدثنا إسحق بن منصور، حدثني أبي، حدثني أبو العباس التيمي المؤدب، حدثني أبو جعفر محمد بن عبد الله بن يزيد، حدثتني أمي، وكانت من عذرة، عن أبيها أنها سمعته يحدث إخواناً له قال: أحببت جاريةً من العرب، وكانت ذات عقل وأدب، فما زلت أحتال
''(2/281)''
في أمرها حتى اجتمعت معها في ليلة مظلمة شديدة السواد، في موضع خال، فحادثتها ساعةً. ثم دعتني نفسي إليها، فقلت: يا هذه! قد طال شوقي إليك، فقالت: وأنا كذلك، فقلت لها: وقد عسر اللقاء. قالت: نحن كذلك. قلت: هذا الليل قد ذهب، والصبح قد قرب. قالت: وهكذا تفنى الشهوات وتنقطع اللذات. قلت لها: لو أدنيتني منك؟ فقالت: هيهات هيهات إني أخاف العقوبة من الله تعالى. قلت لها: فما الذي دعاك إلى الحضور معي في هذا المكان؟ قالت: شقوتي وبلائي، قلت: فمتى أراك؟ قالت: ما أراني أنساك، وأما الاجتماع معك فما أراه يكون.
قال: ثم تولت من بين يدي، فاستحييت مما سمعت منها، فرجعت، وقد خرج من قلبي ما كنت أجد من حبها، ثم أنشات أقول:
تَوَقّتْ عَذاباً لا يُطاقُ انتَقامُهُ، ... وَلم تَأتِ ما تَخشَى بهِ أن تُعَذَّبَا
وَقالت مقالاً كِدتُ من شدّةِ الحيا ... أهِيمُ على وَجهي حَياً وَتَعَجّبَا
ألا أُفِّ للحُبّ الذي يُورِثُ العَمى ... وَيُورِدُ ناراً لا تَمَلّ التّوَثّبَا
فأقبَلُ عَوْدي فَوْقَ بَدءٍ مُفكّراً، ... وَقد زَالَ عن قَلبي العَمى فتسرّبَا
قال: فلم أر امرأةً كانت أصوَن منها لدينها ولا أعقل.
حب يدعو إلى التقى
أخبرنا أحمد بن علي، حدثنا محمد بن أحمد، حدثنا عبد الله بن إبراهيم، حدثنا محمد بن خلف
أنشدني صالح بن يعقوب المديني، وأخبرني أن أباه أخبره بهذا الشعر، وذكر أنه أنشده لامرأة من أهل الأبلة كانت متقشفة، وكان لها حبر من رجل من النساك من أهل الأبلّة، ولم يحفظ الخبر كله صالح، إلا أنه أخبرني بهذا
''(2/282)''
الكلام، وأنشدني هذا الشعر:
بِنَفسِيَ من يَدعوهُ حبّي إلى التّقى ... وَخَوْفِ عذابِ اللهِ في ساعةِ الحَشْرِ
وَيَترُكُ مَا يَهَوى لَهُ وَيَخافُهُ، ... وَيَقنَعُ بالتّذكارِ وَالنّظَرِ الشَّزْرِ
وَلَمْ يَزِدِ التّذكارُ إلاّ تَهَيّجاً ... لزَفرَتِهِ بَينَ الجَوانِحِ وَالصّدرِ
لَئن قَنعتْ نفسُ المحبّ من الهَوَى ... بهاجِسةِ التذكار أوْ دَمعةٍ تَجرِي
وَلمْ تَتَهَيّجْ للمَحَارِمِ، إنّهُ ... لَذو خِيفةٍ للهِ في السرّ والجَهرِ
سيد العشاق
ومما وجدته بخط أبي عمر محمد بن العباس بن حيويه، حدثنا محمد بن خلف بن المرزبان، حدثنا أبو بكر العامري، حدثني أبو عبد الله القرشي، حدثنا الدمشقي عن الزبير، حدثني مصعب بن عبد الله الزبيري قال: عشق رجل من ولد سعيد بن العاص جاريةً مغنية بالمدينة، فهام بها دهراً وهو لا يعلمها بذلك، ثم إنه ضجر، فقال: والله لأبوحن لها، فأتاها عشيةً، فلما خرجت إليه، قال لها: بأبي أنت أتغنيني؟:
أتَجزُونَ بالوُدّ المُضَاعَفِ مِثلَهُ، ... فأنّ الكَرِيمَ من جزَى الوُدَّ بالوُدّ
قالت: نعم! وأغني أحسن منه، ثم غنت:
للّذي وَدَّنَا المَوَدّةُ بالضِّع ... فِ، وَفَضلُ البادي به لا يُجازَى
لَوْ بَدا مَا بِنَا لَكُمْ مَلأ الأرْ ... ضَ، وَأقطَارَ شَامِها وَالحِجازَا
فاتصل ما بينهما بعمر بن عبد العزيز، وهو أمير المدينة، فابتاعها له، وأهداها إليه، فمكثت عنده سنة، ثم ماتت، فبقي مولاها شهراً، أو أقل،
''(2/283)''
ثم مات كمداً عليها، فقال أبو السائب المخزومي: حمزة سيد الشهداء وهذا سيد العشاق، فامضوا حتى ننحر على قبره سبعين نحرة، كما كبر النبي، صلى الله عليه وآله، على عمه حمزة سبعين تكبيرة.
قال: وبلغ أبا حازم الخبر، فقال: أما من محب في الله يبلغ هذا؛ هذا وليٌّ.
موت الأحوص وجاريته بشرة
حدث أبو عمر بن حيويه، حدثنا أبو بكر بن المرزبان، حدثني العباس بن الفضل الأسدي، حدثني محمد بن زياد الأعرابي قال: خرج الأحوص بن محمد إلى دمشق، ومعه جارية له يقال لها بشرة، وكان شديد الإعجاب بها، لا يكاد أن يصبر عنها، وكانت هي أيضاً له من المحبة على أكثر من ذلك، فاشتكى الأحوص، واشتدت علته وحضرته الوفاة، فأخذت رأسه فوضعته في حجرها وجعلت تبكي، فقطر من دموعها على خده، فرفع رأسه إليها، فقال:
ما لجديدِ المَوْتِ يا بِشر لذّةٌ، ... وَكُلُّ جَديدٍ تُستَلَذّ طَرَائِفُهْ
فَلا ضَيرَ، إنّ اللهَ يَا بِشرَ سَاقني ... إلى بَلَدٍ جَاوَرْتُ فِيهِ خَلائِفه
فَلَستُ، وَإنْ عَيشٌ تَوَلّى، بِجازِعٍ ... وَلا أنا مِمّا حَمّمَ الموْتَ خائِفُه
ثم مات من يومه، فجزعت عليه بشرة جزعاً شديداً ولم تزل تبكي وتندبه إلى أن شهقت شهقةً فماتت، فدفنت إلى جانب قبره.
''(2/284)''
أجر الشهادة
أخبرنا أبو حفص عمر بن محمد بن عطية المكي، حدثنا أبو الفتح يوسف بن عمر بن مسرور القواس الزاهد، حدثنا الحنبلي أبو بكر، حدثني مسبح بن حاتم العكلي، حدثني ابن عائشة قال: كنا على باب عبد الواحد بن زياد، ومعنا أبو نواس، فخرج الشيخ، فقال: سلوا يا فتيان! فسألنا، حتى بقي أبو نواس، فقال: سليمان يا فتى، فقال:
وَلَقَدْ كُنَا رَوَينَا ... عَن سَعيدٍ عن قتادَه
عن سَعيدِ بن المسيب ... أنّ سَعدَ بنَ عُبادَه
قال: مَن ماتَ مُحبَاً ... فَلَهُ أجرُ الشَّهَادَهْ
فقال: يا خبيث! والله لا حدثتك حديثاً، وأنا أعرفك.
ليلى ومجنونها
أخبرنا أبو القاسم علي بن المحسن التنوخي بقراءتي عليه قلت له: أخبركم أبو عمر محمد بن العباس، حدثنا محمد بن خلف بن المرزبان، أخبرني أبو محمد البلخي، أخبرني عبد العزيز بن صالح عن أبيه عن ابن دأب، حدثني رجل من بني عامر يقال له رياح بن حبيب قال:
كان في بني عامر من بني الحريش جارية من أجمل النساء وأحسنهن، لها عقل وأدب، يقال لها ليلى ابنة مهدي بن ربيعة بن الحريش، فبلغ المجنون خبرها، وما هي عليه من الجمال والعقل، وكان صباً بمحادثة النساء، فعمد إلى احسن ثيابه، فلبسها وتهيأ بأحسن هيئة، وركب ناقةً له كريمةً، وأتاها، فلما جلس إليها، وتحدث بين يديها أعجبته، ووقعت بقلبه، فظل يومه يحدثها وتحدثه، حتى أمسى وانصرف إلى أهله، فبات بأطول
''(2/285)''
ليلة، حتى إذا أصبح مضى إليها فلم يزل عندها حتى أمسى، ثم انصرف، فبات بأطول ليلة من ليلته الأولى، وجهد أن يغمض، فلم يقدر على ذلك، وأنشأ يقول:
نَهارِي نهَارُ النّاسِ، حتى إذا بَدا ... ليَ اللّيلُ هزّتني إلَيكِ المَضَاجِعُ
أُقَضّي نهَارِي بالحَديثِ وَبِالمُنى، ... وَيَجمَعُني وَالهَمَّ باللّيلِ جامِعُ
وأدام زيارتها، وترك إتيان كل من كان يأتيه فيتحدث إليه بغيرها، وكان يأتيها كل يوم، فلا يزال عندها نهاره أجمع، حتى إذا أمسى انصرف، وإنه خرج ذات يوم، يريد زيارتها، فلما قرب من منزلها لقيته جارية حاسرة عسراء، فتطير من لقائها، فأنشأ يقول:
وَكيفَ ترَجّي وَصلَ ليلى، وَقد جَرَى ... بجَدّ القُوى في النّاسِ أعسَرُ حاسِرُ
صرِيعُ العَصَا جَذبُ الزّمامِ إذا انتَحى ... لوَصلِ امرِئٍ لم تُقضَ منه الأوَاصرُ
ثم صار إليها في غد، فلم يزل عندها، فلما رأت ليلى ذلك منه، وقع في قلبها مثل الذي وقع لها في قلبه، فجاءها يوماً كما كان يجيء، فأقبل يحدثها وجعلت هي تعرض عنه بوجهها، وتقبل على غيره تريد أن تمتحنه، وتعلم ما لها في قلبه، فلما رأى ذلك منها اشتد عليه وجزع، حتى عرف ذلك فيه، فلما خافت عليه أقبلت عليه كالمشيرة إليه فقالت:
كِلانَا مُظهِرٌ للنّاسِ بُغضاً، ... وَكُلٌّ عِندَ صَاحبِهِ مَكِينُ
فسري عنه، وعلم ما في قلبها، وقالت له: إنما أردت أن أمتحنك، والذي لك عندي أكثر من الذي لي عندك، وأنا معطية الله عهداً إن أنا جالست بعد يومي هذا رجلاً سواك حتى أذوق الموت، إلا أن أكره على ذلك.
قال: فانصرف في عشيته وهو أسر الناس بما سمع منها، فأنشأ يقول:
أظُنّ هَوَاهَا تَارِكي بمَضَلّةٍ ... من الأرْضِ لا مالٌ لديّ ولا أهلُ
''(2/286)''
وَلا أحَدٌ أقضِي إلَيهِ وَصيّتي، ... وَلا وَارِثٌ إلاّ المَطيّةُ وَالرّحلُ
محَا حُبُّها حبَّ الأولى كنّ قَبلهَا، ... وَحلّتْ مكاناً لم يكن حُلّ من قبلُ
إهدار دم المجنون وزواج ليلى
وأخبرنا أبو القاسم علي بن المحسن التنوخي أيضاً بقراءتي عليه، حدثنا أبو عمر محمد بن العباس بن حيويه، حدثنا محمد بن خلف قال: قال أبو عبد الله محمد بن زياد الأعرابي إن قيس بن الملوح، وهو مجنون، لما نسب بليلى، وشهر بحبها، اجتمع إليه أهلها، فمنعوه من محادثتها وزيارتها، وتهددوه بالقتل، وكان يأتي امرأة من بني هلال ناكحاً في بني الحريش، وكان زوجها قد مات، وخلف عليها صبية صغاراً، فكان المجنون إذا أراد زيارة ليلى جاء إلى هذه المرأة فأقام عندها وبعث بها إلى ليلى، فعرفت له خبرها وعرفتها خبره، فعلم أهل ليلى بذلك فنهوها أن يدخل قيس إليها، فجاء قيس كعادته، فأخبرته المرأة الخبر وقالت: يا قيس! أنا امرأة غريبة من القوم ومعي صبية، وقد نهوني أن أؤويك، وأنا خائفة أن ألقى منهم مكروهاً، فأحب أن لا تجيء إلي هاهنا، فأنشأ يقول:
أجارَتَنا إنّا غَرِيبَانِ هَا هُنَا، ... وَكُلّ غَرِيبٍ للغريبِ نَسيبُ
فَلا تَزْجرِيني عنكِ خِيفةَ جاهِلٍ ... إذا قالَ شرّاً أوْ أُخيفَ لَبيبُ
قال: وترك الجلوس إلى الهلالية، وكان يترقب غفلات الحي في الليل، فلما كثر ذلك منه خرج أبو ليلى، ومعه نفر من قومه، إلى مروان بن الحكم، فشكوا إليه ما نالهم من قيس، وما قد شهرهم به، وسألوه الكتاب إلى عامله عليهم بمنعه من كلام ليلى، وبخطبه إليهم، فكتب لهم مروان كتاباً إلى عامله
''(2/287)''
يأمره فيه أن يحضر قيساً ويتقدم إليه في ترك زيارة ليلى، فإن أصابه أهلها عندهم، فقد أهدر دمه.
فلما ورد الكتاب على عامله بعث إلى قيس وأبيه، وأهل بيته، فجمعهم، وقرأ عليهم كتاب مروان، وقال لقيس: اتق الله في نفسك، لا يذهب دمك هدراً، فانصرف قيس وهو يقول:
ألا حُجِبتْ لَيلى، وَآلى أمِيرُهَا ... عَليّ يَميناً جاهِداً لا أزُورُهَا
وَأوْعَدَني فِيهِمْ رِجَالٌ، أبُوهُمُ ... أبي وَأبوها، خُشّنتْ لي صُدورُها
عَلى غَيرِ شيءٍ غَيرَ أني أُحِبّهَا، ... وَأنّ فؤادِي عِندَ لَيلى أسِيرُهَا
فلما أيس منها، وعلم أن لا سبيل إليها، صار شبيهاً بالتائه العقل، وأحب الخلوة، وحديث النفس، وتزايد الأمر به، حتى ذهب عقله، ولعب بالحصا والتراب، ولم يكن يعرف شيئاً إلا ذكرها وقول الشعر فيها، وبلغها هي ما صار إليه قيس، فجزعت أيضاً لفراقه وضنيت ضناً شديداً.
وإن أهل ليلى خرجوا حجاباً، وهي معهم، حتى إذا كانوا بالطواف رآها رجل من ثقيف وكان غنياً كثير المال، فأعجب بها، على تغيرها وسقمها، فسأل عنها، فأخبر من هي، فأتى أباها، فخطبها إليه وأرغبه في المهر، فزوجه إياها، وبلغ الخبر قيساً، فأنشأ يقول:
ألا تِلكَ لَيلى العَامِرِيّةُ أصبَحَتْ ... تَقَطّعُ إلا مِنْ ثَقيفٍ وِصَالُها
هُمُ حَبَسوها محبِسَ البُدْنِِ وَابتَغى ... بهَا المَالَ أقوَامٌ تَساحَفَ مَالُها
إذا التَفَتَتْ وَالعيسُ صُعْرٌ من البُرَى ... بنَخلةَ خَلّى عبرَةَ العَينِ حَالُهَا
''(2/288)''
مات أبوها فتزوجها
أخبرنا أبو محمد الحسن بن علي الجوهري قراءة عليه، حدثنا محمد بن العباس بن حيويه، حدثنا محمد بن خلف بن المرزبان، أخبرني أبو محمد المروزي، حدثني العمري عن لقيط بن بكير المحاربي قال: كان رجل من كلب عاشقاً لابنة عم له، وكانت هي له كذلك، وكان الفتى مقلاً، فخطبها إلى عمه، فأبى وسأله مالاً كثيراً، فلما رأت الجارية شدة أبيها على ابن عمها، أرسلت إليه أن اخرج فاطلب الرزق، ولك علي أن أصبر عامين على أن تحلف لي وتوثق لي أنك إن أصبت مالاً، لا تتزوج إلا أن يبلغك موتي. فحلف لها، وحلفت له، فخرج الفتى، فرزقه الله مالاً، فبلغ الجارية أنه قد تزوج، فكتبت إليه:
ألا ليتَ شِعرِي هَل تَغَيّرْتَ بَعدَنَا ... أمَ انتَ على العَهدِ الذي كنتُ أعهَدُ
فكتب إليها:
عَليكِ بحُسنِ الظنّ يا هِندُ، وَاعلَمي ... بِأنّ وِصَالي، مَا حَيِيتُ، مُجَدَّدُ
فكتبت إليه:
إنّ الرّجَالَ أُولو غَدْرٍ، وَإن حلَفوا ... وَقَوْلُهُمْ غَرَرٌ، وَالوُدّ مَمذُوقُ
فكتب إليها:
أمِنتِ مِنْ غَدرِنا ما دُمتِ سالمَةً، ... وَما أضَاءَ لَنا، يا حَمدَةُ، الأفُقُ
فكتبت إليه:
لَوْ كانَ غَيرُكَ مَا صَدّقتُهُ أبَداً، ... وَأنتَ عِندِي امرُؤ بالصّدقِ مَعرُوفُ
فكتب إليها:
إنْ كُنتُ عِندَكِ ذا صِدقٍ وَذا ثِقَةٍ، ... فإنّ قَلبي بكُمْ، يا حَمدَ، مَشغُوفُ
''(2/289)''
فكتبت إليه:
أقبِلْ إلينا وَعَجّلْ ما استَطَعتَ وَلا ... تَمكُثُ، فإنّ أبي قد قارَبَ الأجَلا
فكتب إليها:
إني إلَيكِ سرِيعٌ، فاعلميه، إذا ... هَلّ الهِلالُ، فَلا تَبغي ليَ العِلَلا
فقدم، وقد مات أبوها، فتزوجها.
الصابر والشاكر في الجنة
وأخبرنا الحسن بن علي المقنعي، حدثنا محمد بن العباس الخزاز، حدثنا محمد بن خلف المحولي، حدثنا محمد بن عمر، حدثنا محمد بن صالح النطاح عن محمد بن أبي رجاء، أخبرني رجل من أهل الكوفة قال: تزوج عمران بن حطان امرأة من الخوارج، وكانت من أجمل النساء، وأحسنهن عقلاً، وكان عمران بن حطان من أسمج الناس وأقبحهم وجهاً، فقالت له يوماً: غني نظرت في أمري وأمرك، فإذا أنا وأنت في الجنة. قال: وكيف؟ قالت: إني أعطيت مثلك فصبرت، وأعطيت مثلي فشكرت، فالصابر والشاكر في الجنة.
قال: فمات عنها عمران، فخطبها سويد بن منحوف، فأبت أن تتزوجه، وكان في وجهها خال كان عمران يستحسنه ويقبله، فشدت عليه، فقطعته، وقالت: والله لا ينظر إليه أحد بعد عمران، وما تزوجت حتى ماتت.
''(2/290)''
البطة العاشقة
ذكر أبو القاسم منصور بن جعفر الصيرفي، حدثني المظفر بن يحيى، حدثنا محمد بن هارون، حدثني أبي قال: اشتريت زوج بط، فقلت: اعلفوه، ثم أخذت يوماً الذكر فذبحته، فجعلت الأنثى تضطرب تحت المكبة، حتى كادت أن تقتل نفسها. فقلت: ارفعوا عنها المكبة، فرفعت، فجاءت فلم تزل تضطرب في داء الذكر حتى ماتت.
حلم أبي العتاهية
أنبأنا أبو حنيفة الملحمي، وحدثني الخطيب عنه، حدثنا المعافى بن زكريا، حدثنا الحسين بن القاسم الكوكبي، حدثنا عسل بن ذكوان، حدثنا ذماد عن حماد بن شفيق قال: قال أبو سلمة الغنوي: قلت لأبي العتاهية، ما الذي صرفك عن الغزل إلى قول الزهد؟ قال: إذاً والله أخبرك أني قلت:
اللهُ بَيني وَبَينَ مَولاتي ... أهدَتْ ليَ الصّدَّ وَالمَلالاتِ
مَنَحتُهَا مَهجَتي وَخالِصَتي، ... فَكَانَ هِجرَانُهَا مُكافَاتي
هَيّمَني حُبُّهَا، وَصَيّرَني ... أُحدُوثَةً في جَميعِ جَارَاتي
فرأيت في المنام، تلك الليلة، كأن آتياً أتاني فقال: ما أصبت أحداً تدخله بينك وبين عتبة يحكم لك عليها بالمعصية إلا الله، عز وجل؟ فانتبهت مذعوراً، وتبت إلى الله تعالى من ساعتي من قول الغزل.
''(2/291)''
الصوفي وحيلته للتقبيل
أنبأنا التنوخي علي بن المحسن، أخبرنا أبو بكر بن شاذان، حدثني نفطويه، حدثني إدريس بن إدريس قال: حضرت بمصر قوماً من الصوفية، وعندهم غلام أمرد يغنيهم، فغلب على رجل منهم أمره، فلم يدر ما يصنع، فقال: يا هذا! قل لا إله إلا الله! فقال: لا إله إلا الله. فقال: أقبل الفم الذي قال لا إله إلا الله.
الرشيد والأعرابي
أخبرنا أبو علي محمد بن الحسين الجازري، حدثنا المعافى بن زكريا، حدثنا أبو النضر العقيلي، حدثنا حماد بن إسحق عن أبيه إسحق بن إبراهيم الموصلي قال: بينا أنا جالس مع الرشيد على المائدة، إذ دخل الحاجب، فأعلمه أن بالباب أعرابياً عنده نصيحة، فأمر بإحضاره، فلما دخل أمره بالجلوس على المائدة، ففعل، وكان له فصاحة وصباحة، فلما تم الغداء ورفعت المائدة وجيء بالطست، غسل يده، ثم أمر بالشراب، فأحضر، فقال: يا أمير المؤمنين ما حالتي في اللباس؟ فاستملح هارون ذلك من فعله، فأمر بثياب حسنة، فطرحت عليه. وقال له: يا أعرابي من أين جئت؟ قال: من الكوفة. قال: أعربي أم مولى؟ قال: عربي. قال: فما الذي قصد بك إلينا وما نصيحتك؟ قال: قصد بي إليك قلة المال وكثرة العيال؛ وأما نصيحتي، فإني علمت أني لا أصل إليك إلا بها. قال: فأخذ إسحق العود، فغنى صوتاً يشتهيه الرشيد ويطرب عليه، وهو:
لَيسَ لي شَافِعٌ إلَي ... كَ سِوَى الدّمعِ يَنفَعُ
''(2/292)''
عِشتَ بَعدِي وَمُتُّ قب ... لَكَ، هَلْ فِيكَ مَطمَعُ
قِسَمُ الحُبّ خَمسَةٌ، ... صَارَ لي مِنهُ أرْبَعُ
فَإلى اللهِ أشتَكي ... كَبِداً لي تَقَطَّعُ
فقال الرشيد كالمازح: كيف ترى هذا يا أعرابي؟ قال: بئس، والله، ما غنّى. فغضب من ذلك هارون وصعب عليه. قال إسحق: وسقط في يدي، فقال هارون: ويلك يا أعرابي! هل يكون شيء أحسن من هذا؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين! قولي حين أقول:
لا وَحُبّيكَ لا أُصَا ... فِحُ بِالدّمعِ مَدْمَعَا
مَن بكَى شَجوَهُ استرَا ... حَ وَإنْ كانَ مُوجَعَا
كَبِدِي في هَوَاك أس ... قمُ مِنْ أنْ تُقَطَّعَا
لمْ تَدَعْ سَوْرَةَ الهَوَى ... للبِلى فيّ مَطمَعَا
قال: فاستملح هارون ذلك منه، وأمر إسحق أن يغنيه به شهراً لا يقطعه عنه، وأمر للأعرابي بعشرة آلاف درهم.
الفضل بن يحيى يودع أصحابه
حدثنا المعافى، حدثنا الصولي محمد بن يحيى، حدثنا أحمد بن يحيى قال: لما خرج الفضل بن يحيى إلى خراسان ودع أصحابه ثم قال:
لمّا دنَا البَينُ بَينَ الحَيّ وَاقتَسَمُوا ... حَبلَ الهَوَى، وَهوَ في أيديهم قِطَعُ
جادَتْ بأدمُعِها سَلمَى، وَأعجَلَني ... وَشْكُ الفِرَاقِ، فمَا أبكي وَما أدَعُ
يا قَلبِ وَيحكَ! لا سَلمى بذي سَلَمٍ، ... وَلا الزّمَانُ الذي قد مَرّ مُرْتَجَعُ
''(2/293)''
أكُلَّمَا مَرّ رَكْبٌ لا يُلائِمُهُمْ، ... وَلا يُبَالُونَ أن يَشتاقَ من فَجعُوا
عَلّقتْني بهَوىً مِنهُمْ، فقدْ جُعِلَتْ ... مِنَ الفِرَاقِ حَصَاةُ القَلبِ تَنصَدعُ
صخر العقيلي وزوجته وابنة عمه ليلى
أخبرنا أبو محمد الحسن بن علي الجوهري، حدثنا أبو عمر محمد بن العباس، حدثنا محمد بن خلف المحولي، حدثنا أبو محمد التميمي عن المدائني عن أبي زكريا العجلاني أن رجلاً من بني عقيل كان يسمى صخراً، وكانت له ابنة عم تدعى ليلى، وكان بينهما ود شديد، وحب مبرح، ولم يكن واحد منهما يفتر عن صاحبه ساعة، ولا يوماً، وكان لهما مكان يلتقيان فيه، ولليلى جارية تبلغ صخراً رسائلها، وتبلغها عنه، وتسعى بينهما، حتى طال ذلك منهما، وكانا يتحدثان في كل ليلة، ثم ينصرفان إلى منازلهما.
ثم إن أبا صخر زوج صخراً امرأةً من الأزد وصخر لذلك كاره مخافة أن تصرمه ليلى، فلما بلغ ليلى خبره، قطعته وتركت إتيان المكان الذي كانا يلتقيان فيه، فمرض صخر مرضاً شديداً، وكان قد أفشى سره إلى ابن عم له، وكانوا يقولون: قد سحرته ليلى، لما كان يصنع بنفسه. فكان ابن عمه يحمله إلى ذلك المكان الذي كانا يلتقيان فيه، فلا يزال يبكي على آثارها وعهدها حتى يصبح، وابن عمه يسعفه ثم يرده.
وكانت ليلى أشد وجداً به، وحباً له منه لها، فأرسلت جاريتها إليه، وقالت: اذهبي إلى مكاننا، فانظري هل ترين صخراً هنالك، فإذا رأيته فقولي له:
تَعْساً لمَنْ لِغَيرِ ذَنبٍ يَصرِمُ، ... قَد كُنتَ يا صَخر زَمَاناً تَزْعُمُ:
أنّكَ مَشغُوفٌ بِنَا مُتَيَّمُ، ... فَالحَمدُ للهِ عَلى مَا يُنعِمُ
''(2/294)''
لمّا بَدا مِنكَ لَنَا المُجَمجَمُ، ... وَاللهُ رَبّي شَاهدٌ قَد يَعلَمُ
أنْ رُبّ خِطبٍ شَأنُهُ يُعَظَّمُ، ... رَدَدتُهُ، وَالأنفُ مِنهُ يُرْغَمُ
قال: فانطلقت الجارية، فإذا هي بصخر، فأبلغته قولها، فوجدته كالشن البالي قد هلك حزناً ووجداً. فقال لها: يا حسن أحسني بي فعلاً، وأبيني لي عذراً، وسلي لي غفراً وصلحاً، فوالله ما ملكت أمري، وقولي لها:
فهمتُ الذي عيّرْتِ يا خِيرَ مَن مَشَى، ... وَما كانَ عن رَأيي وَما كان عن أمرِي
دُعيتُ فلم أفعل، وَزُوّجتُ كارِهاً، ... وَما ليَ ذنبٌ، فاقبلي وَاضِحَ العُذرِ
فإنْ كنتُ قَد سُمّيتُ صَخراً، فإنّني ... لأضعفُ عن حَملِ القليلِ من الصّخرِ
وَلَستُ، وَرَبِّ البّيتِ، أبغي مُحَدَّثاً ... سِوَاكِ، وَلَوْ عِشنا إلى مُلتَقى الحَشرِ
فقالت له حسن: يا صخر! إن كنت تزعم أنك كاره تزويج أبيك إياك فاجعل أمر امرأتك بيدي لأعلم ليلى أنك لها محب ولغيرها قال، وأنك كنت مكرهاً. فقال: لا! ولكن قد جعلت ذلك في يد ابنة عمي.
فانصرفت إليها فأخبرتها بما دار بينهما، وقالت: قد جعل الأمر إليك، وما عليه عتب فطلقيها منه. قالت ليلى: هذا قبيح، ولكن عديه الليلة إلى موضع متحدثنا، ثم أطلّق إن جعل أمرها إليك، فإنه لم يكن ليردك بحضرتي.
فمضت الجارية، فأخذت موعده، فاجتمعا وتشاكيا، وتعاتبا، ثم قالت له الجارية: اجعل أمر أهلك إلي، فوالله إن ليلى لأفضل بني عقيل نسباً وأكرمهم أباً وحسباً، وإنها لأشد لك حباً، فقال صخر: فأمرها في يدك. قالت: فهي طالق منك ثلاثاً، فأظهرت ليلى من ذلك جزعاً، وأن الذي فعلت جاريتها شق عليها. فتراجعا إلى ما كانا عليه من اللقاء ولم يظهر صخر طلاق
''(2/295)''
امرأته حتى قال له أبوه: يا صخر ألا تبني بأهلك؟ قال له: وكيف أبني بها، وقد بانت مني عصمتها في يمين حلفت بها؟ فأعلم أبوه أهل المرأة، وقالت المرأة تهجو ليلى وقومها:
ألا أبلِغَا عَنّي عُقَيلاً رِسَالَةً، ... وَمَا لعُقَيلٍ من حَيَاءٍ وَلا فَضلِ
نساؤهُمْ شرُّ النّساءِ، وَأنتُمُ ... كذلك، إنّ الفرْعَ يجرِي على الأصلِ
أمَا فِيكُمُ حُرٌّ يَغارُ عَلى اختِهِ؛ ... وَما خَيرُ حيّ لا يَغارُ على الأهلِ
قال: وهجتها ليلى، وتقاولتا حتى شاع خبرهما، فأجمعوا على تزويج ليلى من صخر، لما انكشف لهم من وجد كل واحد منهما بصاحبه، فزوجوها من صخر، فعاشا على أنعم حال وأحسن مودة.
تفي لزوجها بعد موته
وأخبرنا الحسن بن علي، حدثنا محمد بن العباس، حدثنا محمد بن خلف، أخبرني أبو صالح الأزدي عن إبراهيم بن عبد الواحد الزيدي، أخبرني البهلول بن عامر، حدثني سعيد بن عبد العزيز التنوخي قال: كان الحسن بن سابور رجلاً له عقل ودين، فأعجب بفتاة من الحي ذات عقل ودين، قال: فأرسل إليها بهذه الأبيات:
فَدَيتُكِ هَل إلى وَصلٍ سَبيلٌ، ... وَهَلْ لكِ في شِفَا بَدَنٍ عَليلِ
فعِندَكِ مُنيَتي وَشِفَاءُ سُقمي، ... فداويني، فدَيتُكِ، مِنْ غَليلي
فلما وصل الرسول إليها عذلته، وقالت: ما هذا؟ أو يكتب إلى النساء بمثل هذا؟ وكبتت إليه كتاباً تضعف من رأيه وتوبخه وتأمره بالكف عن ذلك، وفيه:
ألا يا أيّها النِّضوُ المُعَنّى! ... رُوَيدَكَ في الهَوَى رِفقاً قَليلا
''(2/296)''
لَنَا رَبٌّ يُعَذّبُ مَنْ عَصَاهُ ... وَيُسكِنُ ذا التّقى ظِلاَّ ظليلا
وكان موسراً، فضمكن لها أنه يدفع إليها ماله. فقالت للرسول: لا حاجة لي في ذلك ولا إليه سبيل. قال: وكيف ذاك؟ قالت: ويحك إني كنت عاهدت ابن عمي إن مات أن لا أتزوج بعده، وذلك أنه نظر إلي يوماً نظرة أنكرتها ودمعت عيناه، وأنشأ يقول:
كَأني بالتّرَابِ يُهَالُ طُرّاً ... عَلى بَدَني، وَتَندُبُني نِسَايَا
وَأُصبحُ رَهنَ مُوحِشَةٍ دَفِيناً، ... وَبِنتُ، وَقُطّعَتْ مِنكُم عُرَايَا
وَيَنسَاني الحَبيبُ لفَقدِ وَجهي، ... وَيُحدِثُ مُؤنِساً أيضاً سِوَايَا
قالت: فقلت له: كأنك تعرض بي؟ فقال: ومن في العالم أخشى عليه هذا غيرك؟ قالت: فأجبته، فقلت:
ألا طِبْ أيّهَا المَحزُونُ نَفساً، ... فَإنّي لا أخونُكَ في وَدَادِ
وَلا أبغي سِوَاكَ مَعي أنِيساً، ... وَلا يَنحاشُ بَعدَكَ لي فُؤادِي
قالت: فقال لي: أوَتَفينَ بهذا لي؟ قالت: فقلت: اي والله لا أخونك أبداً، وحاشاك من قولك! فأنشأ يقول:
وَإنّي لا أخُونُكَ بَعدَ هَذا، ... وَلم أنقضْ على حَدَثٍ عُهُودي
وَلا أبغي سِوَاكِ، الدّهرَ، إنّي ... عَليّ بِذاكَ شَاهِدَةٌ شُهُودي
قالت: فرضيت بذلك منه ورضي به مني، فعاجلته أقدار الله تعالى، فصار إليه، وما كنت لأنقض عهده أبداً، فقل لصاحبك أن يقبل على شأنه ويدع ذكر ما لا يتم ولا يكون. قال: فرجعت إليه، فأخبرته ما قالت، وحدثته بالقصة فأمسك عنها.
''(2/297)''
أفِقْ أو لا تُفِق
ولي من ابتداء قصيدة:
أفِقْ من غَرَامِكَ، أوْ لا تُفِقْ، ... فَإنّ الخَليطَ غَداً مُنطَلِقْ
وَاطفئْ بدَمعكَ نَارَ الحَشَا، ... إنِ اسَطعتَ، أوْ خَلِّهَا تَحترِقْ
وَخُذْ عَن أَخيكَ حَديثَ الهَوَى، ... فَقد ذاقَ مِنهُ الذِي لم تَذُقْ
وَإنْ كُنتَ تُنكِرُ فِعْلَ الغَرَا ... مِ بالعاشِقينَ، فَسَلْ مَن عَشِقْ
وَقَائِلَةٍ، وَغُرَابُ النّوَى ... بفُرْقَةِ مَا بَينَنَا قَدْ نَعَقْ:
تَزَوّدْ، وَلَوْ قُبلَةً، قَبلَ أنْ ... يَنُمّ بِنَا دَمعُكَ المُنهرِقْ
وَخُذ أهبَةَ البَينِ قَبلَ الفِرَاقِ، ... فرَهنُكَ في حَيّنا قَد غَلِقْ
وَسَارُوا، وَقَد حَصَرُوا بَاخِلِي ... نَ عَلى الجَفنِ بَعدَهُمْ يَنطَبِقْ
فَمَا ضَرّ حَادِيَهُمْ، لا سَقَاهُ ... عَلى ظَمَإٍ عارِضٌ، لَوْ رَفِقْ
وَقَدْ كنتُ أقنَعُ مِن وَصلِهِمْ، ... بطَيفِ الخَيَالِ، إذا مَا طَرَقْ
وَإنْ كانَ في ضَحِكِ العَارِضَي ... نِ بالشّيبِ لي زَاجِرٌ لا يَعُقْ
لو صدق الهوى
ولي أيضاً من أثناء قصيدة أولها:
وَلمّا لمْ أجِدْ ظَهراً مُطِيقاً، ... أحَمّلُهُ اشتِيَاقِي وَالغَرَامَا
سَألتُ البَارِقَ النّجديّ يُهدِي ... إلى دارٍ تَحِلّ بهَا السّلامَا
''(2/298)''
ومنها:
وَلَستُ، وَإنْ تَطاوَلَتِِ اللّيالي، ... بناسٍ قول هند يا أمام
أهَذا المُدّعي زُوراً وَإفكاً ... هواناً، ثم ضيّفت اللثاما
فَلوْ صَدقَ الهَوى لم يَحيَ يَوْماً ... بإثر البين عنه ولا أقاما
''(2/299)''
1t6my0w2gyuyy2tc6wryuynkgucfd5o
وحدة:Excerpt
828
147003
627499
608694
2026-10-05T11:43:32Z
Sophivorus
51117
Update from [[d:Special:GoToLinkedPage/enwiki/Q52428273|master]] using [[mw:Synchronizer| #Synchronizer]]
627499
Scribunto
text/plain
-- Module:Excerpt implements the Excerpt template
-- Documentation and master version: https://en.wikipedia.org/wiki/Module:Excerpt
-- Authors: User:Sophivorus, User:Certes, User:Aidan9382 & others
-- License: CC-BY-SA-3.0
local parser = require( 'Module:WikitextParser' )
local yesno = require( 'Module:Yesno' )
local ok, config = pcall( require, 'Module:Excerpt/config' )
if not ok then config = {} end
local Excerpt = {}
-- Main entry point for templates
function Excerpt.main( frame )
-- Make sure the requested page exists and get the wikitext
local page = Excerpt.getArg( 1 )
if not page or page == '{{{1}}}' then return Excerpt.getError( 'no-page' ) end
local title = mw.title.new( page )
if not title then return Excerpt.getError( 'invalid-title', page ) end
local fragment = title.fragment -- save for later
if title.isRedirect then
title = title.redirectTarget
if fragment == "" then
fragment = title.fragment -- page merge potential
end
end
if not title.exists then return Excerpt.getError( 'page-not-found', page ) end
page = title.prefixedText
local wikitext = title:getContent()
-- Get the template params and process them
local params = {
hat = yesno( Excerpt.getArg( 'hat', true ) ),
this = Excerpt.getArg( 'this' ),
only = Excerpt.getArg( 'only' ),
files = Excerpt.getArg( 'files', Excerpt.getArg( 'file' ) ),
lists = Excerpt.getArg( 'lists', Excerpt.getArg( 'list' ) ),
tables = Excerpt.getArg( 'tables', Excerpt.getArg( 'table' ) ),
templates = Excerpt.getArg( 'templates', Excerpt.getArg( 'template' ) ),
galleries = Excerpt.getArg( 'galleries', Excerpt.getArg( 'gallery' ) ),
paragraphs = Excerpt.getArg( 'paragraphs', Excerpt.getArg( 'paragraph' ) ),
references = yesno( Excerpt.getArg( 'references', true ) ),
subsections = yesno( Excerpt.getArg( 'subsections', false ) ),
links = yesno( Excerpt.getArg( 'links', true ) ),
bold = yesno( Excerpt.getArg( 'bold', false ) ),
briefDates = yesno( Excerpt.getArg( 'briefdates', false ) ),
inline = yesno( Excerpt.getArg( 'inline' ) ),
quote = yesno( Excerpt.getArg( 'quote' ) ),
more = yesno( Excerpt.getArg( 'more' ) ),
class = Excerpt.getArg( 'class' ),
track = yesno( Excerpt.getArg( 'track', true ) ),
displayTitle = Excerpt.getArg( 'displaytitle', page ),
}
-- Make sure the requested section exists and get the excerpt
local excerpt
local section = Excerpt.getArg( 2, fragment )
section = mw.text.trim( section )
if section == '' then section = nil end
if section then
excerpt = parser.getSectionTag( wikitext, section )
if not excerpt then
if params.subsections then
excerpt = parser.getSection( wikitext, section )
else
local sections = parser.getSections( wikitext )
excerpt = sections[ section ]
end
end
if not excerpt then return Excerpt.getError( 'section-not-found', section ) end
if excerpt == '' then return Excerpt.getError( 'section-empty', section ) end
else
excerpt = parser.getLead( wikitext )
if excerpt == '' then return Excerpt.getError( 'lead-empty' ) end
end
-- Remove noinclude bits
excerpt = excerpt:gsub( '<[Nn][Oo][Ii][Nn][Cc][Ll][Uu][Dd][Ee]>.-</[Nn][Oo][Ii][Nn][Cc][Ll][Uu][Dd][Ee]>', '' )
-- Filter various elements from the excerpt
excerpt = Excerpt.filterFiles( excerpt, params.files )
excerpt = Excerpt.filterLists( excerpt, params.lists )
excerpt = Excerpt.filterTables( excerpt, params.tables )
excerpt = Excerpt.filterGalleries( excerpt, params.galleries )
excerpt = Excerpt.filterParagraphs( excerpt, params.paragraphs )
-- If no file is found, try to get one from the infobox
if ( params.only == 'file' or params.only == 'files' or params.only == 'filename' or not params.only and ( not params.files or params.files ~= '0' ) ) -- caller asked for files
and not section -- and we're in the lead section
and config.captions -- and we have the config option required to try finding files in infoboxes
and #parser.getFiles( excerpt ) == 0 -- and there're no files in the excerpt
then
excerpt = Excerpt.addInfoboxFile( excerpt )
end
-- Filter the templates by appending the templates blacklist to the templates filter
if config.blacklist then
local blacklist = table.concat( config.blacklist, ',' )
if params.templates then
if string.sub( params.templates, 1, 1 ) == '-' then
params.templates = params.templates .. ',' .. blacklist
end
else
params.templates = '-' .. blacklist
end
end
excerpt = Excerpt.filterTemplates( excerpt, params.templates )
-- Leave only the requested elements
if params.only == 'file' or params.only == 'files' then
local files = parser.getFiles( excerpt )
excerpt = params.only == 'file' and files[1] or table.concat( files, '\n\n' )
end
if params.only == 'list' or params.only == 'lists' then
local lists = parser.getLists( excerpt )
excerpt = params.only == 'list' and lists[1] or table.concat( lists, '\n\n' )
end
if params.only == 'table' or params.only == 'tables' then
local tables = parser.getTables( excerpt )
excerpt = params.only == 'table' and tables[1] or table.concat( tables, '\n\n' )
end
if params.only == 'gallery' or params.only == 'galleries' then
local galleries = parser.getGalleries( excerpt )
excerpt = params.only == 'gallery' and galleries[1] or table.concat( galleries, '\n\n' )
end
if params.only == 'paragraph' or params.only == 'paragraphs' then
local paragraphs = parser.getParagraphs( excerpt )
excerpt = params.only == 'paragraph' and paragraphs[1] or table.concat( paragraphs, '\n\n' )
end
if params.only == 'template' or params.only == 'templates' then
local templates = parser.getTemplates( excerpt )
excerpt = params.only == 'template' and templates[1] or table.concat( templates, '\n\n' )
end
if params.only == 'filename' then
local files = parser.getFiles( excerpt )
local file = files[1]
excerpt = file and parser.getFileName( file ) or 'Noimage.png'
params.inline = true
end
-- @todo Make more robust and move downwards
if params.briefDates then
excerpt = Excerpt.fixDates( excerpt )
end
-- Remove unwanted elements
excerpt = Excerpt.removeComments( excerpt )
excerpt = Excerpt.removeSelfLinks( excerpt )
excerpt = Excerpt.removeNonFreeFiles( excerpt )
excerpt = Excerpt.removeBehaviorSwitches( excerpt )
-- Fix or remove the references
if params.references then
excerpt = Excerpt.fixReferences( excerpt, page, wikitext )
else
excerpt = Excerpt.removeReferences( excerpt )
end
-- Remove wikilinks
if not params.links then
excerpt = Excerpt.removeLinks( excerpt )
end
-- Link the bold text near the start of most leads and then remove it
if not section then
excerpt = Excerpt.linkBold( excerpt, page )
end
if not params.bold then
excerpt = Excerpt.removeBold( excerpt )
end
-- Remove extra line breaks but leave one before and after so the parser interprets lists, tables, etc. correctly
excerpt = excerpt:gsub( '\n\n\n+', '\n\n' )
excerpt = mw.text.trim( excerpt )
excerpt = '\n' .. excerpt .. '\n'
-- Remove nested categories
excerpt = frame:preprocess( excerpt )
excerpt = Excerpt.removeCategories( excerpt )
-- Add tracking categories
if params.track and config.categories then
excerpt = Excerpt.addTrackingCategories( excerpt )
end
-- Build the final output
if params.inline then
return mw.text.trim( excerpt )
end
local tag = params.quote and 'blockquote' or 'div'
local block = mw.html.create( tag ):addClass( 'excerpt-block' ):addClass( params.class )
if config.styles then
local styles = frame:extensionTag( 'templatestyles', '', { src = config.styles } )
block:node( styles )
end
if params.hat then
local hat = Excerpt.getHat( page, section, params )
block:node( hat )
end
excerpt = mw.html.create( 'div' ):addClass( 'excerpt' ):wikitext( excerpt )
block:node( excerpt )
if params.more then
local more = Excerpt.getReadMore( page, section )
block:node( more )
end
return block
end
-- Filter the files in the given wikitext against the given filter
function Excerpt.filterFiles( wikitext, filter )
if not filter then return wikitext end
local filters, isBlacklist = Excerpt.parseFilter( filter )
local files = parser.getFiles( wikitext )
for index, file in pairs( files ) do
local name = parser.getFileName( file )
if isBlacklist and ( Excerpt.matchFilter( index, filters ) or Excerpt.matchFilter( name, filters ) )
or not isBlacklist and ( not Excerpt.matchFilter( index, filters ) and not Excerpt.matchFilter( name, filters ) ) then
wikitext = Excerpt.removeString( wikitext, file )
end
end
return wikitext
end
-- Filter the lists in the given wikitext against the given filter
function Excerpt.filterLists( wikitext, filter )
if not filter then return wikitext end
local filters, isBlacklist = Excerpt.parseFilter( filter )
local lists = parser.getLists( wikitext )
for index, list in pairs( lists ) do
if isBlacklist and Excerpt.matchFilter( index, filters )
or not isBlacklist and not Excerpt.matchFilter( index, filters ) then
wikitext = Excerpt.removeString( wikitext, list )
end
end
return wikitext
end
-- Filter the tables in the given wikitext against the given filter
function Excerpt.filterTables( wikitext, filter )
if not filter then return wikitext end
local filters, isBlacklist = Excerpt.parseFilter( filter )
local tables = parser.getTables( wikitext )
for index, tableWikitext in pairs( tables ) do
local id = parser.getTableAttribute( tableWikitext, 'id' )
if isBlacklist and ( Excerpt.matchFilter( index, filters ) or Excerpt.matchFilter( id, filters ) )
or not isBlacklist and ( not Excerpt.matchFilter( index, filters ) and not Excerpt.matchFilter( id, filters ) ) then
wikitext = Excerpt.removeString( wikitext, tableWikitext )
end
end
return wikitext
end
-- Filter the galleries in the given wikitext against the given filter
function Excerpt.filterGalleries( wikitext, filter )
if not filter then return wikitext end
local filters, isBlacklist = Excerpt.parseFilter( filter )
local galleries = parser.getGalleries( wikitext )
for index, gallery in pairs( galleries ) do
if isBlacklist and Excerpt.matchFilter( index, filters )
or not isBlacklist and not Excerpt.matchFilter( index, filters ) then
wikitext = Excerpt.removeString( wikitext, gallery )
end
end
return wikitext
end
-- Filter the paragraphs in the given wikitext against the given filter
function Excerpt.filterParagraphs( wikitext, filter )
if not filter then return wikitext end
local filters, isBlacklist = Excerpt.parseFilter( filter )
local paragraphs = parser.getParagraphs( wikitext )
for index, paragraph in pairs( paragraphs ) do
if isBlacklist and Excerpt.matchFilter( index, filters )
or not isBlacklist and not Excerpt.matchFilter( index, filters ) then
wikitext = Excerpt.removeString( wikitext, paragraph )
end
end
return wikitext
end
-- Filter the templates in the given wikitext against the given filter
function Excerpt.filterTemplates( wikitext, filter )
if not filter then return wikitext end
local filters, isBlacklist = Excerpt.parseFilter( filter )
local templates = parser.getTemplates( wikitext )
for index, template in pairs( templates ) do
local name = parser.getTemplateName( template )
if isBlacklist and ( Excerpt.matchFilter( index, filters ) or Excerpt.matchFilter( name, filters ) )
or not isBlacklist and ( not Excerpt.matchFilter( index, filters ) and not Excerpt.matchFilter( name, filters ) ) then
wikitext = Excerpt.removeString( wikitext, template )
end
end
return wikitext
end
function Excerpt.addInfoboxFile( excerpt )
-- We cannot distinguish the infobox from the other templates, so we search them all
local templates = parser.getTemplates( excerpt )
for _, template in pairs( templates ) do
local parameters = parser.getTemplateParameters( template )
local file, captions, caption, cssClasses, cssClass
for _, pair in pairs( config.captions ) do
file = pair[1]
file = parameters[file]
if file and Excerpt.matchAny( file, '^.*%.', { '[Jj][Pp][Ee]?[Gg]', '[Pp][Nn][Gg]', '[Gg][Ii][Ff]', '[Ss][Vv][Gg]' }, '.*' ) then
file = string.match( file, '%[?%[?.-:([^{|]+)%]?%]?' ) or file -- [[File:Example.jpg{{!}}upright=1.5]] to Example.jpg
captions = pair[2]
for _, p in pairs( captions ) do
if parameters[ p ] then caption = parameters[ p ] break end
end
-- Check for CSS classes
-- We opt to use skin-invert-image instead of skin-invert
-- in all other cases, the CSS provided in the infobox is used
if pair[3] then
cssClasses = pair[3]
for _, p in pairs( cssClasses ) do
if parameters[ p ] then
cssClass = ( parameters[ p ] == 'skin-invert' ) and 'skin-invert-image' or parameters[ p ]
break
end
end
end
local class = cssClass and ( '|class=' .. cssClass ) or ''
return '[[File:' .. file .. class .. '|thumb|' .. ( caption or '' ) .. ']]\n' .. excerpt
end
end
end
return excerpt
end
function Excerpt.removeNonFreeFiles( wikitext )
local files = parser.getFiles( wikitext )
for _, file in pairs( files ) do
local fileName = 'File:' .. parser.getFileName( file )
local fileTitle = mw.title.new( fileName )
if fileTitle then
local fileDescription = fileTitle:getContent()
if not fileDescription or fileDescription == '' then
local frame = mw.getCurrentFrame()
fileDescription = frame:preprocess( '{{' .. fileName .. '}}' ) -- try Commons
end
if fileDescription and string.match( fileDescription, '[Nn]on%-free' ) then
wikitext = Excerpt.removeString( wikitext, file )
end
end
end
return wikitext
end
function Excerpt.getHat( page, section, params )
local hat
-- Build the text
if params.this then
hat = params.this
elseif params.quote then
hat = Excerpt.getMessage( 'this' )
elseif params.only then
hat = Excerpt.getMessage( params.only )
else
hat = Excerpt.getMessage( 'section' )
end
hat = hat .. ' ' .. Excerpt.getMessage( 'excerpt' )
-- Build the link
if section then
hat = hat .. ' [[:' .. page .. '#' .. mw.uri.anchorEncode( section ) .. '|' .. params.displayTitle
.. ' § ' .. section:gsub( '%[%[([^]|]+)|?[^]]*%]%]', '%1' ) .. ']].' -- remove nested links
else
hat = hat .. ' [[:' .. page .. '|' .. params.displayTitle .. ']].'
end
-- Build the edit link
local title = mw.title.new( page )
local editUrl = title:fullUrl( 'action=edit' )
hat = hat .. '<span class="mw-editsection-like plainlinks"><span class="mw-editsection-bracket">[</span>['
hat = hat .. editUrl .. ' ' .. mw.message.new( 'editsection' ):plain()
hat = hat .. ']<span class="mw-editsection-bracket">]</span></span>'
if config.hat then
local frame = mw.getCurrentFrame()
hat = config.hat .. hat .. '}}'
hat = frame:preprocess( hat )
else
hat = mw.html.create( 'div' ):addClass( 'dablink excerpt-hat' ):wikitext( hat )
end
return hat
end
function Excerpt.getReadMore( page, section )
local link = "'''[[" .. page
if section then
link = link .. '#' .. section
end
local text = Excerpt.getMessage( 'more' )
link = link .. '|' .. text .. "]]'''"
link = mw.html.create( 'div' ):addClass( 'noprint excerpt-more' ):wikitext( link )
return link
end
-- Fix birth and death dates, but only in the first paragraph
-- @todo Use parser.getParagraphs() to get the first paragraph
function Excerpt.fixDates( excerpt )
local start
local s
local e = 0
repeat
start = e + 1
s, e = mw.ustring.find( excerpt, '%s*%b{}%s*', start )
until not s or s > start
s, e = mw.ustring.find( excerpt, '%b()', start ) -- get (...), which may be (year–year)
if s and s < start + 100 then -- look only near the start
local excerptStart = mw.ustring.sub( excerpt, s, e )
local year1, conjunction, year2 = string.match( excerptStart, '(%d%d%d+)(.-)(%d%d%d+)' )
if year1 and year2 and ( string.match( conjunction, '[%-–—]' ) or string.match( conjunction, '{{%s*[sS]nd%s*}}' ) ) then
local y1 = tonumber( year1 )
local y2 = tonumber( year2 )
if y2 > y1 and y2 < y1 + 125 and y1 <= tonumber( os.date( '%Y' ) ) then
excerpt = mw.ustring.sub( excerpt, 1, s ) .. year1 .. '–' .. year2 .. mw.ustring.sub( excerpt, e )
end
end
end
return excerpt
end
-- Replace the first call to each reference defined outside of the excerpt for the full reference, to prevent undefined references
-- Then prefix the page title to the reference names to prevent conflicts
-- that is, replace <ref name="Foo"> for <ref name="Title of the article Foo">
-- and also <ref name="Foo" /> for <ref name="Title of the article Foo" />
-- also remove reference groups: <ref name="Foo" group="Bar"> for <ref name="Title of the article Foo">
-- and <ref group="Bar"> for <ref>
-- @todo The current regex may fail in cases with both kinds of quotes, like <ref name="Darwin's book">
function Excerpt.fixReferences( excerpt, page, wikitext )
local references = parser.getReferences( excerpt )
local fixed = {}
for _, reference in pairs( references ) do
local name = parser.getTagAttribute( reference, 'name' )
if not fixed[ name ] then -- fix each reference only once
local content = parser.getTagContent( reference )
if not content then -- reference is self-closing
local full = parser.getReference( excerpt, name )
if not full then -- the reference is not defined in the excerpt
full = parser.getReference( wikitext, name )
if full then
excerpt = excerpt:gsub( Excerpt.escapeString( reference ), Excerpt.escapeString( full ), 1 )
end
table.insert( fixed, name )
end
end
end
end
-- Prepend the page title to the reference names to prevent conflicts with other references in the transcluding page
excerpt = excerpt:gsub( '< *[Rr][Ee][Ff][^>]*name *= *["\']?([^"\'>/]+)["\']?[^>/]*(/?) *>', '<ref name="' .. page:gsub( '"', '' ) .. ' %1"%2>' )
-- Remove reference groups because they don't apply to the transcluding page
excerpt = excerpt:gsub( '< *[Rr][Ee][Ff] *group *= *["\']?[^"\'>/]+["\'] *>', '<ref>' )
return excerpt
end
function Excerpt.removeReferences( excerpt )
local references = parser.getReferences( excerpt )
for _, reference in pairs( references ) do
excerpt = Excerpt.removeString( excerpt, reference )
end
return excerpt
end
function Excerpt.removeCategories( excerpt )
local categories = parser.getCategories( excerpt )
for _, category in pairs( categories ) do
excerpt = Excerpt.removeString( excerpt, category )
end
return excerpt
end
function Excerpt.removeBehaviorSwitches( excerpt )
return excerpt:gsub( '__[A-Z]+__', '' )
end
function Excerpt.removeComments( excerpt )
return excerpt:gsub( '<!%-%-.-%-%->', '' )
end
function Excerpt.removeBold( excerpt )
return excerpt:gsub( "'''", '' )
end
function Excerpt.removeLinks( excerpt )
local links = parser.getLinks( excerpt )
for _, link in pairs( links ) do
excerpt = Excerpt.removeString( excerpt, link )
end
return excerpt
end
-- @todo Use parser.getLinks
function Excerpt.removeSelfLinks( excerpt )
local lang = mw.language.getContentLanguage()
local page = Excerpt.escapeString( mw.title.getCurrentTitle().prefixedText )
local ucpage = lang:ucfirst( page )
local lcpage = lang:lcfirst( page )
excerpt = excerpt
:gsub( '%[%[(' .. ucpage .. ')%]%]', '%1' )
:gsub( '%[%[(' .. lcpage .. ')%]%]', '%1' )
:gsub( '%[%[' .. ucpage .. '|([^]]+)%]%]', '%1' )
:gsub( '%[%[' .. lcpage .. '|([^]]+)%]%]', '%1' )
return excerpt
end
-- Replace the bold title or synonym near the start of the page by a link to the page
function Excerpt.linkBold( excerpt, page )
local lang = mw.language.getContentLanguage()
local position = mw.ustring.find( excerpt, "'''" .. lang:ucfirst( page ) .. "'''", 1, true ) -- look for "'''Foo''' is..." (uc) or "A '''foo''' is..." (lc)
or mw.ustring.find( excerpt, "'''" .. lang:lcfirst( page ) .. "'''", 1, true ) -- plain search: special characters in page represent themselves
if position then
local length = mw.ustring.len( page )
excerpt = mw.ustring.sub( excerpt, 1, position + 2 ) .. '[[' .. mw.ustring.sub( excerpt, position + 3, position + length + 2 ) .. ']]' .. mw.ustring.sub( excerpt, position + length + 3, -1 ) -- link it
else -- look for anything unlinked in bold, assumed to be a synonym of the title (e.g. a person's birth name)
excerpt = mw.ustring.gsub( excerpt, "'''(.-'*)'''", function ( text )
if not string.find( text, '%[' ) and not string.find( text, '%{' ) then -- if not wikilinked or some weird template
return "'''[[" .. page .. '|' .. text .. "]]'''" -- replace '''Foo''' by '''[[page|Foo]]'''
else
return nil -- instruct gsub to make no change
end
end, 1 ) -- terminates the anonymous replacement function passed to gsub
end
return excerpt
end
function Excerpt.addTrackingCategories( excerpt )
local currentTitle = mw.title.getCurrentTitle()
local addedCategories = false
local contentCategory = config.categories.content
if contentCategory and currentTitle.isContentPage then
addedCategories = true
excerpt = excerpt .. '[[Category:' .. contentCategory .. ']]'
end
local namespaceCategory = config.categories[ currentTitle.namespace ]
if namespaceCategory then
addedCategories = true
excerpt = excerpt .. '[[Category:' .. namespaceCategory .. ']]'
end
if addedCategories then
excerpt = excerpt .. '\n'
end
return excerpt
end
-- Helper method to match from a list of regular expressions
-- Like so: match pre..list[1]..post or pre..list[2]..post or ...
function Excerpt.matchAny( text, pre, list, post, init )
for i = 1, #list do
local match = { mw.ustring.match( text, pre .. list[ i ] .. post, init ) }
if match[1] then return unpack( match ) end
end
return nil
end
-- Helper function to get arguments
-- args from Lua calls have priority over parent args from template
function Excerpt.getArg( key, default )
local frame = mw.getCurrentFrame()
for k, value in pairs( frame:getParent().args ) do
if k == key and mw.text.trim( value ) ~= '' then
return value
end
end
for k, value in pairs( frame.args ) do
if k == key and mw.text.trim( value ) ~= '' then
return value
end
end
return default
end
-- Helper method to get an error message
-- This method also categorizes the current page in one of the configured error categories
function Excerpt.getError( key, value )
local message = Excerpt.getMessage( 'error-' .. key, value )
local markup = mw.html.create( 'div' ):addClass( 'error' ):wikitext( message )
if config.categories and config.categories.errors and mw.title.getCurrentTitle().isContentPage then
markup:node( '[[Category:' .. config.categories.errors .. ']]' )
end
return markup
end
-- Helper method to get a localized message
-- This method uses Module:TNT to get localized messages from https://commons.wikimedia.org/wiki/Data:I18n/Module:Excerpt.tab
-- If Module:TNT is not available or the localized message does not exist, the key is returned instead
function Excerpt.getMessage( key, value )
local ok2, TNT = pcall( require, 'Module:TNT' )
if not ok2 then return key end
local ok3, message = pcall( TNT.format, 'I18n/Module:Excerpt.tab', key, value )
if not ok3 then return key end
return message
end
-- Helper method to escape a string for use in regexes
function Excerpt.escapeString( str )
return str:gsub( '[%^%$%(%)%.%[%]%*%+%-%?%%]', '%%%0' )
end
-- Helper method to remove a string from a text
-- @param text Text from where to remove the string
-- @param str String to remove
-- @return The given text with the string removed
function Excerpt.removeString( text, str )
local pattern = Excerpt.escapeString( str )
if #pattern > 9999 then -- strings longer than 10000 bytes can't be put into regexes
pattern = Excerpt.escapeString( mw.ustring.sub( str, 1, 999 ) ) .. '.-' .. Excerpt.escapeString( mw.ustring.sub( str, -999 ) )
end
return text:gsub( pattern, '' )
end
-- Helper method to convert a comma-separated list of numbers or min-max ranges into a list of booleans
-- @param filter Required. Comma-separated list of numbers or min-max ranges, for example '1,3-5'
-- @return Map from integers to booleans, for example {1=true,2=false,3=true,4=true,5=true}
-- @return Boolean indicating whether the filters should be treated as a blacklist or not
-- @note Merging this into matchFilter is possible, but way too inefficient
function Excerpt.parseFilter( filter )
local filters = {}
local isBlacklist = false
if string.sub( filter, 1, 1 ) == '-' then
isBlacklist = true
filter = string.sub( filter, 2 )
end
local values = mw.text.split( filter, ',' ) -- split values: '1,3-5' to {'1','3-5'}
for _, value in pairs( values ) do
value = mw.text.trim( value )
local min, max = mw.ustring.match( value, '^(%d+)%s*[-–—]%s*(%d+)$' ) -- '3-5' to min=3 max=5
if not max then min, max = string.match( value, '^((%d+))$' ) end -- '1' to min=1 max=1
if max then
for i = min, max do filters[ i ] = true end
else
filters[ value ] = true -- if we reach this point, the string had the form 'a,b,c' rather than '1,2,3'
end
end
filter = { cache = {}, terms = filters }
return filter, isBlacklist
end
-- Helper function to see if a value matches any of the given filters
function Excerpt.matchFilter( value, filter )
if value == nil then
return false
elseif type(value) == "number" then
return filter.terms[value]
else
local cached = filter.cache[value]
if cached ~= nil then
return cached
end
local lang = mw.language.getContentLanguage()
local lcvalue = lang:lcfirst(value)
local ucvalue = lang:ucfirst(value)
for term in pairs( filter.terms ) do
if value == tostring(term)
or type(term) == "string" and (
lcvalue == term
or ucvalue == term
or mw.ustring.match( value, term )
) then
filter.cache[value] = true
return true
end
end
filter.cache[value] = false
end
end
return Excerpt
ti7siuqx917e9fizdf8nk9scneu1psk
تصنيف:أعمال 1969
14
157586
627033
268622
2026-10-04T16:30:05Z
Meno25
3370
rm iw
627033
wikitext
text/x-wiki
{{أعمال حسب السنة
|قرن =19
|عقد =6
|سنة =9
}}
gik6f18h90z328vv49z5xt197ynzpmb
ميدياويكي:Proofreadpage index data config.json
8
236203
627485
586165
2026-10-04T19:07:06Z
حبيشان
52457
إضافة نوع الأرقام
627485
json
application/json
{
"النوع": {
"type": "string",
"size": 1,
"default": "",
"label": "النوع",
"header": true,
"values": {
"book": "كتاب",
"journal": "مجلة",
"collection": "مجموعة",
"phdthesis": "أطروحة",
"dictionary": "معجم"
},
"help": "نوع الكتاب",
"data": "type"
},
"العنوان": {
"type": "page",
"size": 1,
"default": "",
"label": "العنوان",
"header": true,
"data": "title",
"help": "عنوان الكتاب،يرتبط بصفحة جذرية في المساحة الأساسية"
},
"Language": {
"type": "langcode",
"size": 1,
"default": "ar",
"label": "اللغة",
"header": true,
"data": "language",
"help": "اللغة الأصلية للعمل، استعمل رموز ISO 639 للغات على سبيل المثال en, fr, de, it, la."
},
"الجزء": {
"type": "string",
"size": 1,
"default": "",
"label": "الجزء",
"header": true,
"help": "جزء العمل في حالة كان العمل من عدة أجزاء. ينبغي أن يرتبط بالجزء في النطاق الأساسي."
},
"المؤلف": {
"type": "page",
"size": 1,
"default": "",
"label": "المؤلف",
"header": true,
"data": "author",
"delimiter": ";",
"help": ""
},
"المترجم": {
"type": "page",
"size": 1,
"default": "",
"label": "المترجم",
"header": true,
"data": "translator",
"delimiter": ";",
"help": ""
},
"المحقق": {
"type": "page",
"size": 1,
"default": "",
"label": "المحقق",
"header": true,
"data": "annotator",
"delimiter": ";",
"help": ""
},
"المحرر": {
"type": "string",
"size": 1,
"default": "",
"label": "المحرر",
"header": true,
"data": "editor",
"delimiter": ";",
"help": ""
},
"الرسام": {
"type": "page",
"size": 1,
"default": "",
"label": "الرسام",
"header": false,
"data": "illustrator",
"delimiter": ";",
"help": ""
},
"المدرسة": {
"type": "string",
"size": 1,
"default": "",
"label": "المدرسة",
"header": false,
"data": "school",
"help": ""
},
"الناشر": {
"type": "string",
"size": 1,
"default": "",
"label": "الناشر",
"header": true,
"data": "publisher",
"help": "ناشر الكتاب",
"delimiter": [
";",
"asn"
]
},
"المكان": {
"type": "string",
"size": 1,
"default": "",
"label": "مكان النشر",
"header": true,
"data": "place",
"delimiter": ";",
"help": "مكان الناشر، غالباً اسم مدينة."
},
"السنة": {
"type": "string",
"size": 1,
"default": "",
"label": "سنة النشر",
"header": true,
"data": "year",
"help": "سنة النشر لهذه الطبعة"
},
"Key": {
"type": "string",
"size": 1,
"default": "",
"label": "حرف الترتيب",
"header": false,
"help": ""
},
"ISBN": {
"type": "isbn",
"size": 1,
"default": "",
"label": "رقم دولي معياري للكتاب (ردمك)",
"header": false,
"data": "identifier",
"help": ""
},
"OCLC": {
"type": "oclc",
"size": 1,
"default": "",
"label": "OCLC",
"header": false,
"data": "identifier",
"help": ""
},
"LCCN": {
"type": "lccn",
"size": 1,
"default": "",
"label": "LCCN",
"header": false,
"data": "identifier",
"help": ""
},
"BNF_ARK": {
"type": "ark",
"size": 1,
"default": "",
"label": "ARK from BNF",
"header": false,
"data": "identifier",
"naan": 12148,
"help": ""
},
"ARC": {
"type": "arc",
"size": 1,
"default": "",
"label": "National Archives identifier",
"header": false,
"data": "identifier",
"help": ""
},
"DOI": {
"type": "doi",
"size": 1,
"default": "",
"label": "DOI",
"header": false,
"data": "identifier",
"help": "Digital Object Identifier"
},
"المصدر": {
"type": "string",
"size": 1,
"default": "",
"label": "المصدر",
"header": false,
"help": "",
"values": {
"_empty_": "other",
"djvu": "djvu",
"pdf": "pdf",
"jpg": "jpg",
"png": "png",
"gif": "gif",
"tif": "tif",
"ogg": "ogg",
"ogv": "ogv",
"webm": "webm"
}
},
"الصورة": {
"type": "string",
"size": 1,
"default": "1",
"label": "صورة الغلاف",
"header": false,
"help": "رقم الصفحة (في الترتيب الأصلي) الذي سيستعمل غلافًا للكتاب"
},
"الحالة": {
"type": "string",
"size": 1,
"default": "X",
"label": "الحالة",
"header": false,
"values": {
"T": "تم (مدقق بالكامل)",
"V": "يحتاج إلى تدقيق",
"C": "يحتاج إلى تصحيح",
"MS": "جاهز للمطابقة والفصل",
"OCR": "الملف المصدر يحتاج إلى طبقة معرف ضوئي",
"L": "خلل في الملف المصدر (صفحات ناقصة، خلل في الترتيب ... إلخ)",
"X": "يحتاج إلى قائمة صفحات (لفحص الملف ليكون جاهزا لاستخلاص النص)"
},
"data": "progress",
"help": "حالة التدقيق للكتاب (تشير إلى حالة تدقيق الصفحات)",
"js": true
},
"Transclusion": {
"type": "string",
"size": 1,
"default": "no",
"label": "حالة التضمين",
"header": false,
"values": {
"no": "لم يضمن بعدُ",
"check": "يحتاج إلى فحص وإصلاح",
"yes": "مضمن بالكامل",
"notadv": "لم تُضمن الإعلانات",
"notimg": "لم تضمن الصور كاملًا",
"held": "التضمين معلق - أوضح السبب في النقاش"
},
"js": true
},
"Validation_date": {
"type": "string",
"size": 1,
"label": "تاريخ التدقيق",
"header": false,
"help": "تاريخ انتهاء تدقيق الملف"
},
"الصفحات": {
"type": "string/line",
"size": 15,
"default": "\u003Cpagelist /\u003E",
"label": "الصفحات",
"header": false,
"help": "",
"data": "pagelist"
},
"الأجزاء": {
"type": "string/line",
"size": 5,
"default": "",
"label": "",
"header": false,
"help": ""
},
"الملاحظات": {
"type": "string/line",
"size": 15,
"default": "",
"label": "جدول المحتويات",
"header": true,
"help": ""
},
"Width": {
"type": "number",
"size": 1,
"default": "",
"label": "دقة المسح الضوئي في حالة التدقيق",
"header": false,
"help": ""
},
"Header": {
"type": "string/line",
"size": 3,
"default": "",
"label": "رأس الصفحات",
"header": true,
"help": "النص الافتراضي لرءوس الصفحات، ضع {{{pagenum}}} في المكان الذي تود إدراج رقم الصفحة فيه آليا",
"js": true
},
"Footer": {
"type": "string/line",
"size": 3,
"default": "\n",
"label": "تذييل الصفحات",
"header": true,
"help": "النص الافتراضي لتذييل الصفحات، ضع {{{pagenum}}} في المكان الذي تود إدراج رقم الصفحة فيه آليا",
"js": true
},
"Notes": {
"type": "string/line",
"hidden": true,
"header": true
},
"wikidata": {
"type": "wikibase-itemid",
"size": 1,
"default": "",
"label": "Wikidata ID",
"help": "معرف الطبعة في ويكي بيانات الذي يطابق الملف",
"header": true,
"data": "wikibase-itemid"
},
"wikipedia": {
"type": "string",
"hidden": true,
"header": true
},
"commons": {
"type": "string",
"hidden": true,
"header": true
},
"commonscat": {
"type": "string",
"hidden": true,
"header": true
},
"wikiquote": {
"type": "string",
"hidden": true,
"header": true
},
"wikinews": {
"type": "string",
"hidden": true,
"header": true
},
"wiktionary": {
"type": "string",
"hidden": true,
"header": true
},
"wikibooks": {
"type": "string",
"hidden": true,
"header": true
},
"wikiversity": {
"type": "string",
"hidden": true,
"header": true
},
"wikispecies": {
"type": "string",
"hidden": true,
"header": true
},
"meta": {
"type": "string",
"hidden": true,
"header": true
},
"portal": {
"type": "string",
"hidden": true,
"header": true
},
"فصل": {
"type": "string",
"hidden": true,
"header": true
},
"NumberFormat": {
"type": "string",
"size": 1,
"default": "arab",
"label": "نوع الأرقام",
"header": false,
"values": {
"arab": "عربية مشرقية",
"latin": "عربية مغربية"
},
"js": true
}
}
cjwyj2z74h645fxl6bjaovja1oz10bo
وحدة:Toc
828
289359
626714
626702
2026-10-04T13:04:45Z
حبيشان
52457
626714
Scribunto
text/plain
local aliases = {
numformat = {'تنسيق الرقم'},
offset = {'معامل'},
dot = {'رمز'},
afterdots = {'نهاية النقط'},
entriestxt = {1,'المدخلات'},
seprator = {'فاصل'},
bookroot = {'الكتاب'},
cols = {'أعمدة', 'الأعمدة'},
tocstyle = 'نمط الجدول',
toctitle = 'عنوان',
pagelabel = {'عنوان صفحة', 'تسمية صفحة'},
entrylabel = {'تسمية مدخل', 'عنوان مدخل'},
col3label = {'تسمية عمود3', 'عنوان عمود3'},
index = 'فهرس'
}
local string = mw.ustring
local artprefs = mw.loadData('module:Art pref/data')
local actual_to_pdf = require('Module:Index page conv').actual_to_pdf
local function toc(frame)
local getArgs = require('Module:Arguments with aliases').getArgs
local A = getArgs(frame, {aliases = aliases})
local numberconv = require('Module:Number conv')
local numformat = A.numformat or (artprefs['عام'] and artprefs['عام']['تنسيق أرقام الصفحات']) or nil
local offset = tonumber(A.offset)
local dot = A.dot or (artprefs['جدول محتويات'] and artprefs['جدول محتويات']['رمز']) or '.'
local dots = string.rep(dot .. ' ', 300)
local seprator = A.seprator or (artprefs['جدول محتويات'] and artprefs['جدول محتويات']['فاصل']) or '***'
local bookroot = A.bookroot or ''
local index = A.index and mw.ustring.gsub(mw.ustring.gsub(A.index, "فهرس:", ''), "index:", '') or nil
local cols = A.cols or 0
local ns = mw.title.getCurrentTitle().namespace
local pagens = (ns > 103 and ns <108)
local basetitle = index or (pagens and mw.title.getCurrentTitle().baseText) or ''
mw.logObject(basetitle, 'basetitle')
local tocstyle = A.tocstyle or (artprefs['جدول محتويات'] and artprefs['جدول محتويات']['نمط الجدول']) or 'مدخل...صفحة'
local toctitle = (A.toctitle and (A.toctitle ~= '-' and ("'''" .. A.toctitle .. "'''") or '')) or "'''جدول المحتويات'''"
local labels = {}
local function pdfPage(pagenum)
if offset then
return pagenum + offset
else
mw.logObject(pagenum)
return actual_to_pdf(pagenum)
end
end
labels.page = (A.pagelabel and A.pagelabel ~= '-' and A.pagelabel) or 'صفحة'
labels.entry = A.entrylabel or ''
labels.col3 = A.col3label or ''
local entry_patterns = { ['مدخل...صفحة'] = {
header = [[
{| class="ws-summary wst-toc wst-dtpl"
|+ %s
|-
! %s !! %s
]],
pattern = [[
|-
|<div class="wst-dtpl-1-wrapper"><div class="wst-dtpl-entry-wrapper"><div class="wst-dtpl-entry-text wst-dtpl-background">%s</div></div><div class="ws-noexport wst-dtpl-background wst-dtpl-empty"></div><div class="ws-noexport wst-dtpl-dots"><div>]]
.. dots .. [[</div></div></div>
| class="wst-dtpl-page-cell" | %s
]],
parts = {'entry','page'}
},
['صفحة مدخل'] = {
header = [[
{| class="ws-summary wst-toc wst-toc-page-entry"
|+ %s
|-
! %s !! %s
]],
pattern = [[
|-
| class="wst-toc-page" | %s
| class="wst-toc-entry" | %s
]],
parts = {'page','entry'}
},
['صفحة مدخل عمود3'] = {
header = [[
{| class="ws-summary wst-toc wst-toc-page-entry"
|+ %s
|-
! %s !! %s !! %s
]],
pattern = [[
|-
| class="wst-toc-page" | %s
| class="wst-toc-entry" | %s
| class="wst-toc-col3" | %s
]],
parts = {'page','entry', 'col3'}
}
}
local entry_pattern = entry_patterns[tocstyle]
if entry_pattern == nil then
return error("نمط جدول غير معروف")
end
local ret = string.format(entry_pattern.header, toctitle, labels[entry_pattern.parts[1]], labels[entry_pattern.parts[2]] or '', entry_pattern.parts[3] and labels[entry_pattern.parts[3]] or '')
local entries = mw.text.split(mw.text.trim(A.entriestxt), '\n')
for i,entry in ipairs(entries) do
entry = mw.text.trim(entry)
if entry ~= '' then
local entry_parts = mw.text.split(entry, seprator, true)
if cols == 0 and i == 1 then
cols = #entry_parts
end
for j, entryp in ipairs(entry_parts) do
entry_parts[j] = mw.text.trim(entryp)
if entry_pattern.parts[j] == 'entry' then
if string.sub(entry_parts[j],1,2) ~= '[[' and bookroot ~= '' then
entry_parts[j] = '[[' .. bookroot .. '/' .. entry_parts[j] .. (not string.find(entry_parts[j], '|',1,true) and ('|' .. entry_parts[j] ) or '' ).. ']]'
end
elseif entry_pattern.parts[j] == 'page' then
if entry_parts[j] then
if string.sub(entry_parts[j],1,2) ~= '[[' then
local pagenum = tonumber(entry_parts[j]) or (numformat and numberconv._tonumber(entry_parts[j], numformat)) or numberconv._tonumber(entry_parts[j])
if pagenum then
if numformat then
entry_parts[j] = numberconv._numConv(pagenum, numformat) or entry_parts[j]
end
if pagens then
entry_parts[j] = string.format('[[%s|%s]]', string.format('صفحة:%s/%s', basetitle, pdfPage(pagenum)), entry_parts[j])
end
end
end
end
end
end
ret = ret .. entry_pattern.pattern:format(entry_parts[1], entry_parts[2] or '', entry_pattern.parts[3] and entry_parts[3] or '')
end
end
return frame:extensionTag{name = 'templatestyles', args = { src = 'Module:toc/styles.css' } } .. frame:preprocess("\n" .. ret .. "\n|}")
end
return {toc=toc,
['جدول محتويات'] = toc,
[''] = toc
}
2bcgdd9honlhb2wv2z22n8d0exap19u
وحدة:WikitextParser
828
302012
627498
604129
2026-10-05T11:36:53Z
Sophivorus
51117
Update from [[d:Special:GoToLinkedPage/enwiki/Q137784397|master]] using [[mw:Synchronizer| #Synchronizer]]
627498
Scribunto
text/plain
-- Module:WikitextParser is a general-purpose wikitext parser
-- Documentation and master version: https://en.wikipedia.org/wiki/Module:WikitextParser
-- License: GPL-3.0 (https://www.gnu.org/licenses/gpl-3.0.html)
-- Authors: User:Sophivorus, User:Certes, User:Aidan9382, et al.
local str_find, str_sub, str_match = string.find, string.sub, string.match
local str_gsub, str_gmatch, str_rep = string.gsub, string.gmatch, string.rep
local str_lower = string.lower
local table_insert, table_concat = table.insert, table.concat
-- Private helper method to escape a string for use in regexes
local function escapeString( str )
return str_gsub( str, '[%^%$%(%)%.%[%]%*%+%-%?%%]', '%%%0' )
end
-- Fast gsplit (a la mw.text.gsplit) for fixed ASCII separators
local function str_gsplit( str, sep )
if sep == '' or str_find( sep, '[\128-\255]' ) then
error( 'Separator must be ASCII and cannot be empty' )
end
local i, str1 = 1, str .. sep
return function()
local s, e = str_find( str1, sep, i, true )
if not s then
return s
end
local t = i
i = e + 1
return str_sub( str1, t, s - 1 )
end
end
-- Fast dedicated two-way split (a la mw.text.split) for fixed ASCII separators
local function str_split2( str, sep )
if sep == '' or str_find( sep, '[\128-\255]' ) then
error( 'Separator must be ASCII and cannot be empty' )
end
local s, e = str_find( str, sep, 1, true )
if not s then
return str
end
return str_sub( str, 1, s - 1 ), str_sub( str, e + 1 )
end
-- Fast whitespace trim (a la mw.text.trim)
local function str_trim( str )
return str_match( str, '^%s*(.-)%s*$' )
end
local parser = {}
-- Get the lead section from the given wikitext
-- The lead section is any content before the first section title.
-- @param wikitext Required. Wikitext to parse.
-- @return Wikitext of the lead section. May be empty if the lead section is empty.
function parser.getLead( wikitext )
wikitext = '\n' .. wikitext
wikitext = str_gsub( wikitext, '\n==.*', '' )
wikitext = str_trim( wikitext )
return wikitext
end
-- Get the sections from the given wikitext
-- This method doesn't get the lead section, use getLead for that
-- @param wikitext Required. Wikitext to parse.
-- @return Map from section title to section content
function parser.getSections( wikitext )
local sections = {}
wikitext = '\n' .. wikitext .. '\n=='
for title in str_gmatch( wikitext, '\n==+ *([^=]-) *==+' ) do
local section = str_match( wikitext, '\n==+ *' .. escapeString( title ) .. ' *==+(.-)\n==' )
section = str_trim( section )
sections[ title ] = section
end
return sections
end
-- Get a section from the given wikitext (including any subsections)
-- If the given section title appears more than once, only the section of the first instance will be returned
-- @param wikitext Required. Wikitext to parse.
-- @param title Required. Title of the section
-- @return Wikitext of the section, or nil if it isn't found. May be empty if the section is empty or contains only subsections.
function parser.getSection( wikitext, title )
title = str_trim( title )
title = escapeString( title )
wikitext = '\n' .. wikitext .. '\n'
local level
level, wikitext = str_match( wikitext, '\n(==+) *' .. title .. ' *==.-\n(.*)' )
if wikitext then
local nextSection = '\n==' .. str_rep( '=?', #level - 2 ) .. '[^=].*'
wikitext = str_gsub( wikitext, nextSection, '' ) -- remove later sections at this level or higher
wikitext = str_trim( wikitext )
return wikitext
end
end
-- Get the content of a <section> tag from the given wikitext.
-- We can't use getTags because unlike all other tags, both opening and closing <section> tags are self-closing.
-- @param wikitext Required. Wikitext to parse.
-- @param name Required. Name of the <section> tag
-- @return Content of the <section> tag, or nil if it isn't found. May be empty if the section tag is empty.
function parser.getSectionTag( wikitext, name )
name = str_trim( name )
name = escapeString( name )
local sections = {}
for section in str_gmatch( wikitext, '< *section +begin *= *["\']? *' .. name .. ' *["\']? */>(.-)< *section +end= *["\']? *'.. name ..' *["\']? */>' ) do
table_insert( sections, section )
end
if #sections > 0 then
return table_concat( sections )
end
end
-- Get the lists from the given wikitext.
-- @param wikitext Required. Wikitext to parse.
-- @return Sequence of lists.
function parser.getLists( wikitext )
local lists = {}
wikitext = '\n' .. wikitext .. '\n\n'
for list in str_gmatch( wikitext, '\n([*#].-)\n[^*#]' ) do
table_insert( lists, list )
end
return lists
end
-- Get the paragraphs from the given wikitext.
-- @param wikitext Required. Wikitext to parse.
-- @return Sequence of paragraphs.
function parser.getParagraphs( wikitext )
local paragraphs = {}
-- Remove non-paragraphs
wikitext = '\n' .. wikitext .. '\n' -- add newlines to simplfy patterns
wikitext = str_gsub( wikitext, '%f[^\n]<!%-%-.-%-%-> *%f[\n]', '' ) -- remove comments
wikitext = str_gsub( wikitext, '%f[^\n]%[%b[]%] *%f[\n]', '' ) -- remove files and categories
wikitext = str_gsub( wikitext, '<gallery.-</gallery>', '\n\n' ) -- remove galleries
wikitext = str_gsub( wikitext, '%f[^\n]%b{} *%f[\n]', '' ) -- remove tables and block templates
wikitext = str_gsub( wikitext, '%f[^\n]%b{} *%b{} *%f[\n]', '' ) -- remove neighboring tables and block templates
wikitext = str_gsub( wikitext, '%f[^\n]%b{} *<!%-%-.-%-%-> *%b{} *%f[\n]', '' ) -- remove neighboring tables and block templates with a comment among them
wikitext = str_gsub( wikitext, '%f[^\n][*#].-%f[\n]', '' ) -- remove lists
wikitext = str_gsub( wikitext, '%f[^\n]==+[^=]+==+ *%f[\n]', '' ) -- remove section titles
wikitext = str_trim( wikitext )
for paragraph in str_gsplit( wikitext, "\n\n" ) do
paragraph = str_trim( paragraph )
if paragraph ~= "" then -- Filter out 3+ consecutive newlines
table_insert( paragraphs, paragraph )
end
end
return paragraphs
end
-- Get the templates from the given wikitext.
-- @param wikitext Required. Wikitext to parse.
-- @return Sequence of templates.
function parser.getTemplates( wikitext )
local templates = {}
for template in str_gmatch( wikitext, '{%b{}}' ) do
if str_sub( template, 1, 3 ) ~= '{{#' then -- skip parser functions like #if
table_insert( templates, template )
end
end
return templates
end
-- Get the requested template from the given wikitext.
-- If the template appears more than once, only the first instance will be returned
-- @param wikitext Required. Wikitext to parse.
-- @param name Name of the template to get
-- @return Wikitext of the template, or nil if it wasn't found
function parser.getTemplate( wikitext, name )
local templates = parser.getTemplates( wikitext )
local lang = mw.language.getContentLanguage()
for _, template in ipairs( templates ) do
local templateName = parser.getTemplateName( template )
if lang:ucfirst( templateName ) == lang:ucfirst( name ) then
return template
end
end
end
-- Get name of the template from the given template wikitext.
-- @param templateWikitext Required. Wikitext of the template to parse.
-- @return Name of the template
-- @todo Strip "Template:" namespace?
function parser.getTemplateName( templateWikitext )
return str_match( templateWikitext, '^{{ *([^}|\n]+)' )
end
-- Get the parameters from the given template wikitext.
-- @param templateWikitext Required. Wikitext of the template to parse.
-- @return Map from parameter names to parameter values, NOT IN THE ORIGINAL ORDER.
-- @return Order in which the parameters were parsed.
function parser.getTemplateParameters( templateWikitext )
local parameters = {}
local paramOrder = {}
local params = str_match( templateWikitext, '{{[^|}]-|(.*)}}' )
if params then
-- Temporarily replace pipes in subtemplates and links to avoid chaos
for subtemplate in str_gmatch( params, '{%b{}}' ) do
params = str_gsub( params, escapeString( subtemplate ), str_gsub( subtemplate, '.', { ['%']='%%', ['|']="@@:@@", ['=']='@@_@@' } ), 1 )
end
for link in str_gmatch( params, '%[%b[]%]' ) do
params = str_gsub( params, escapeString( link ), str_gsub( link, '.', { ['%']='%%', ['|']='@@:@@', ['=']='@@_@@' } ), 1 )
end
local count = 0
local name, value
for param in str_gsplit( params, '|' ) do
name, value = str_split2( param, '=' )
if value then
local number = tonumber( name )
if number then --XXX: What about keys like: 01, .1, 2e0, etc.
name = number
end
value = str_trim( value )
else
value = name
count = count + 1
name = count
end
value = str_gsub( value, '@@_@@', '=' )
value = str_gsub( value, '@@:@@', '|' )
parameters[ name ] = value
table_insert( paramOrder, name )
end
end
return parameters, paramOrder
end
-- Get the tags from the given wikitext.
-- @param wikitext Required. Wikitext to parse.
-- @return Sequence of tags.
function parser.getTags( wikitext )
local tags = {}
local tag, tagName, tagEnd
-- Don't match closing tags like </div>, comments like <!--foo-->, comparisons like 1<2 or things like <3
for tagStart, tagOpen in str_gmatch( wikitext, '()(<[^/!%d].->)' ) do
tagName = parser.getTagName( tagOpen )
-- If we're in a self-closing tag, like <ref name="foo" />, <references/>, <br/>, <br>, <hr>, etc.
if str_match( tagOpen, '<.-/>' ) or tagName == 'br' or tagName == 'hr' then
tag = tagOpen
-- If we're in a tag that may contain others like it, like <div> or <span>
elseif tagName == 'div' or tagName == 'span' then
local position = tagStart + #tagOpen - 1
local depth = 1
while depth > 0 do
tagEnd = str_match( wikitext, '</ ?' .. tagName .. ' ?>()', position )
if tagEnd then
tagEnd = tagEnd - 1
else
break -- unclosed tag
end
position = str_match( wikitext, '()< ?' .. tagName .. '[ >]', position + 1 )
if not position then
position = tagEnd + 1
end
if position > tagEnd then
depth = depth - 1
else
depth = depth + 1
end
end
tag = str_sub( wikitext, tagStart, tagEnd )
-- Else we're probably in tag that shouldn't contain others like it, like <math> or <strong>
else
tagEnd = str_match( wikitext, '</ ?' .. tagName .. ' ?>()', tagStart )
if tagEnd then
tag = str_sub( wikitext, tagStart, tagEnd - 1 )
-- If no end tag is found, assume we matched something that wasn't a tag, like <no. 1>
else
tag = nil
end
end
table_insert( tags, tag )
end
return tags
end
-- Get the name of the tag in the given wikitext
-- @param tag Required. Tag to parse.
-- @return Name of the tag or nil if not found
function parser.getTagName( tagWikitext )
local tagName = str_match( tagWikitext, '^< *(.-)[ />]' )
if tagName then tagName = str_lower( tagName ) end
return tagName
end
-- Get the value of an attribute in the given tag.
-- @param tagWikitext Required. Wikitext of the tag to parse.
-- @param attribute Required. Name of the attribute.
-- @return Value of the attribute or nil if not found
function parser.getTagAttribute( tagWikitext, attribute )
local _, value = str_match( tagWikitext, '^<[^/>]*' .. attribute .. ' *= *(["\']?)([^/>]-)%1[ />]' )
return value
end
-- Get the content of the given tag.
-- @param tagWikitext Required. Wikitext of the tag to parse.
-- @return Content of the tag. May be empty if the tag is empty. Will be nil if the tag is self-closing.
-- @todo May fail with nested tags
function parser.getTagContent( tagWikitext )
return str_match( tagWikitext, '^<.->.-</.->' )
end
-- Get the <gallery> tags from the given wikitext.
-- @param wikitext Required. Wikitext to parse.
-- @return Sequence of gallery tags.
function parser.getGalleries( wikitext )
local galleries = {}
local tags = parser.getTags( wikitext )
for _, tag in ipairs( tags ) do
local tagName = parser.getTagName( tag )
if tagName == 'gallery' then
table_insert( galleries, tag )
end
end
return galleries
end
-- Get the <ref> tags from the given wikitext.
-- @param wikitext Required. Wikitext to parse.
-- @return Sequence of ref tags.
function parser.getReferences( wikitext )
local references = {}
local tags = parser.getTags( wikitext )
for _, tag in ipairs( tags ) do
local tagName = parser.getTagName( tag )
if tagName == 'ref' then
table_insert( references, tag )
end
end
return references
end
-- Get the reference with the given name from the given wikitext.
-- @param wikitext Required. Wikitext to parse.
-- @param referenceName Required. Name of the reference.
-- @return Wikitext of the reference
function parser.getReference( wikitext, referenceName )
local references = parser.getReferences( wikitext )
for _, reference in ipairs( references ) do
local content = parser.getTagContent( reference )
local name = parser.getTagAttribute( reference, 'name' )
if content and name == referenceName then
return reference
end
end
end
-- Get the tables from the given wikitext.
-- @param wikitext Required. Wikitext to parse.
-- @return Sequence of tables.
function parser.getTables( wikitext )
local tables = {}
wikitext = '\n' .. wikitext
for t in str_gmatch( wikitext, '\n%b{}' ) do
if str_sub( t, 1, 3 ) == '\n{|' then
t = str_trim( t ) -- exclude the leading newline
table_insert( tables, t )
end
end
return tables
end
-- Get the id from the given table wikitext
-- @param tableWikitext Required. Wikitext of the table to parse.
-- @param attribute Required. Name of the attribute.
-- @return Value of the attribute or nil if not found
function parser.getTableAttribute( tableWikitext, attribute )
local _, value = str_match( tableWikitext, '^{|[^\n]*' .. attribute .. ' *= *(["\']?)([^\n]-)%1[^\n]*\n' )
if not value or value == '' then
value = str_match( tableWikitext, '^{|[^\n]*' .. attribute .. ' *= *([^\n ]+)[^\n]*\n' )
end
return value
end
-- Get a table by id from the given wikitext
-- @param wikitext Required. Wikitext to parse.
-- @param id Required. Id of the table
-- @return Wikitext of the table or nil if not found
function parser.getTable( wikitext, id )
local tables = parser.getTables( wikitext )
for _, t in ipairs( tables ) do
if id == parser.getTableAttribute( t, 'id' ) then
return t
end
end
end
-- Get the data from the given table wikitext
-- @param tableWikitext Required. Wikitext of the table to parse.
-- @return Table data
-- @todo Test and make more robust
function parser.getTableData( tableWikitext )
local tableData = {}
tableWikitext = str_trim( tableWikitext );
tableWikitext = str_gsub( tableWikitext, '^{|.-\n', '' ) -- remove the header
tableWikitext = str_gsub( tableWikitext, '\n|}$', '' ) -- remove the footer
tableWikitext = str_gsub( tableWikitext, '^|%+.-\n', '' ) -- remove any caption
tableWikitext = str_gsub( tableWikitext, '|%-.-\n', '|-\n' ) -- remove any row attributes
tableWikitext = str_gsub( tableWikitext, '^|%-\n', '' ) -- remove any leading empty row
tableWikitext = str_gsub( tableWikitext, '\n|%-$', '' ) -- remove any trailing empty row
for rowWikitext in str_gsplit( tableWikitext, '|-' ) do
local rowData = {}
rowWikitext = str_gsub( rowWikitext, '||', '\n|' )
rowWikitext = str_gsub( rowWikitext, '!!', '\n|' )
rowWikitext = str_gsub( rowWikitext, '\n!', '\n|' )
rowWikitext = str_gsub( rowWikitext, '^!', '\n|' )
rowWikitext = str_gsub( rowWikitext, '^\n|', '' )
for cellWikitext in str_gsplit( rowWikitext, '\n|' ) do
cellWikitext = str_trim( cellWikitext )
table_insert( rowData, cellWikitext )
end
table_insert( tableData, rowData )
end
return tableData
end
-- Get the internal links from the given wikitext (includes category and file links).
-- @param wikitext Required. Wikitext to parse.
-- @return Sequence of internal links.
function parser.getLinks( wikitext )
local links = {}
for link in str_gmatch( wikitext, '%[%b[]%]' ) do
table_insert( links, link )
end
return links
end
-- Get the file links from the given wikitext.
-- @param wikitext Required. Wikitext to parse.
-- @return Sequence of file links.
function parser.getFiles( wikitext )
local files = {}
local links = parser.getLinks( wikitext )
for _, link in ipairs( links ) do
local namespace = str_match( link, '^%[%[ *(.-) *:' )
if namespace and mw.site.namespaces[ namespace ] and mw.site.namespaces[ namespace ].canonicalName == 'File' then
table_insert( files, link )
end
end
return files
end
-- Get name of the file from the given file wikitext.
-- @param fileWikitext Required. Wikitext of the file to parse.
-- @return Name of the file
function parser.getFileName( fileWikitext )
return str_match( fileWikitext, '^%[%[ *.- *: *(.-) *[]|]' )
end
-- Get the category links from the given wikitext.
-- @param wikitext Required. Wikitext to parse.
-- @return Sequence of category links.
function parser.getCategories( wikitext )
local categories = {}
local links = parser.getLinks( wikitext )
for _, link in ipairs( links ) do
local namespace = str_match( link, '^%[%[ -(.-) -:' )
if namespace and mw.site.namespaces[ namespace ] and mw.site.namespaces[ namespace ].canonicalName == 'Category' then
table_insert( categories, link )
end
end
return categories
end
-- Get the external links from the given wikitext.
-- @param wikitext Required. Wikitext to parse.
-- @return Sequence of external links.
function parser.getExternalLinks( wikitext )
local links = {}
for link in str_gmatch( wikitext, '%b[]' ) do
if str_match( link, '^%[//' ) or str_match( link, '^%[https?://' ) then
table_insert( links, link )
end
end
return links
end
return parser
3r3fpf7d7jt2ttpx3ny4bt85muaz5lj
غذوتك مولودا وعلتك يافعا
0
307662
627480
619204
2026-10-04T18:06:35Z
يزن البلوي
69953
ازالة حركات
627480
wikitext
text/x-wiki
{{ترويسة |عنوان = غذوتك مولودا وعلتك يافعا |مؤلف = أمية بن أبي الصلت |مترجم = |باب = |سابق = |مصدر = |تالي = |ملاحظات = |ويكيبيديا = أمية بن أبي الصلت }}
'''غذوتك مولودا وعلتك يافعا'''
غذوتك مولودا وعلتك يافعا
تعل بما أحني عليك وتنهل
إذا ليلة نابتك بالشكوى لم أبت
لشكواك إلا ساهرا أتململ
كأني أنا المطروق دونك بالذي
[[تصنيف:قصائد أمية بن أبي الصلت]]
[[تصنيف:أمية بن أبي الصلت]]
6lbbnnlcj9d43b4wm2s9pa17poxrw0c
627481
627480
2026-10-04T18:12:06Z
يزن البلوي
69953
ازالة نص زائد
627481
wikitext
text/x-wiki
{{ترويسة |عنوان = غذوتك مولودا وعلتك يافعا |مؤلف = أمية بن أبي الصلت |مترجم = |باب = |سابق = |مصدر = |تالي = |ملاحظات = |ويكيبيديا = أمية بن أبي الصلت }}
غذوتك مولودا وعلتك يافعا
تعل بما أحني عليك وتنهل
إذا ليلة نابتك بالشكوى لم أبت
لشكواك إلا ساهرا أتململ
كأني أنا المطروق دونك بالذي
[[تصنيف:قصائد أمية بن أبي الصلت]]
[[تصنيف:أمية بن أبي الصلت]]
gpa0j6r3uzh2eakp2lphuafvlfnrmx1
627482
627481
2026-10-04T18:14:22Z
يزن البلوي
69953
اضافة تشكيل يدوي
627482
wikitext
text/x-wiki
{{ترويسة |عنوان = غذوتك مولودا وعلتك يافعا |مؤلف = أمية بن أبي الصلت |مترجم = |باب = |سابق = |مصدر = |تالي = |ملاحظات = |ويكيبيديا = أمية بن أبي الصلت }}
غَذَوْتُكَ مَوْلُودًا وَعُلْتُكَ يَافِعًا
تعل بما أحني عليك وتنهل
إذا ليلة نابتك بالشكوى لم أبت
لشكواك إلا ساهرا أتململ
كأني أنا المطروق دونك بالذي
[[تصنيف:قصائد أمية بن أبي الصلت]]
[[تصنيف:أمية بن أبي الصلت]]
hsy7rpbw2phxwwpd17lylyw2zlou70k
مستخدم:يزن البلوي
2
307885
627500
619263
2026-10-05T11:57:25Z
يزن البلوي
69953
تعديل
627500
wikitext
text/x-wiki
<div style="text-align:center; font-size:90%;">
{{قرآن|96|3}} {{قرآن|96|4}} {{قرآن|96|5}}
</div>
hnt1nu2uw4tlbcgf5rwj3iz60v4ngkg
صفحة:عشائر العراق 1.pdf/115
104
307995
627489
619447
2026-10-04T20:34:32Z
حبيشان
52457
627489
proofread-page
text/x-wiki
<noinclude><pagequality level="1" user="حبيشان" />{{وسط|— ٩٣ —}}</noinclude>وكان عمر ( رض ) استنفر الناس الى العراق فقوا في الخروج ... وكان
ممن قدم عليه انس بن هلال في جمع من النمر بن قاسط . {{حا|ص ١١٤ الاخبار الطوال .}}
قال في تاج العروس :
والنمر بن قاسط بن هنب بن أفصى بن دعمي بن جديلة بن اسد بن ربيعة
ككتف ابو قبيلة .. ) اه
ولعل النمور الموجودين الآن منهم وسيذكرون بين المحاذ قبيلة ( زوبع من
قبائل شمر ) ...
١٠ - منهج :
و تلفظ كمجلس . ومنهم من يضم الميم وهي من قبائل اليمن وتضم قبائل
عديدة . وانما سميت ( مذحجاً ) لان اباها مالك بن أدد ولد على اكمة تعرف
بهذا الاسم ، او ان أمه لما هلك بعلها لم تتزوج بعده وان اللفظ يؤدي هذا المعنى
وقيل غير ذلك في وجه تسميتها ومالك هو اخو طبي. أصل القبيلة المذكورة سابقاً
ومن النسابة من يقول انها تمت الى كملان رأساً ، ومالك بن زيد بن كهلان .
و من اشهر القبائل المتفرعة عنها :
١- سعد العشيرة . وهؤلاء يطلون ....
٢ - زيد ) بصيغة التصغير ) وهو منبه بن صعب بن سعد العشيرة .
وهذا هو زبيد الاكبر واليه ترجع قبائل زيد و من ولده منبه بن ربيعة بن سلمة ابن
مازن بن ربيعة بن منبه المذكور اعلاه وهو ( زبيد الاصفر ) . قال ابن الكلبي<noinclude>
{{حواشي}}</noinclude>
jtvwq3c6ivh4jet9vxtmse1jua0vvev
فهرس:عشائر العراق 2.pdf
106
308406
627486
626698
2026-10-04T19:16:22Z
حبيشان
52457
627486
proofread-index
text/x-wiki
{{:MediaWiki:Proofreadpage_index_template
|النوع=book
|العنوان=عشائر العراق
|Language=ar
|الجزء=2
|المؤلف=[[مؤلف:عباس العزاوي|عباس العزاوي]]
|المترجم=
|المحقق=
|المحرر=
|الرسام=
|المدرسة=
|الناشر=مطبعة المعارف
|المكان=بغداد
|السنة=1366هـ - 1947م
|Key=
|ISBN=
|OCLC=4770329568
|LCCN=
|BNF_ARK=
|ARC=
|DOI=
|المصدر=pdf
|الصورة=1
|الحالة=MS
|Transclusion=no
|Validation_date=
|الصفحات=<pagelist 1="غلاف" 5="غلاف" 2to4="-" 6to282="arab" 6="2" 282="غلاف" 277="خريطة" 276="غلاف" 278to281="-" />
|الأجزاء=<div>{{وصلة إنجاز فهرس|فهرس:عشائر العراق 1.pdf|1}}
• {{وصلة إنجاز فهرس|فهرس:عشائر العراق 2.pdf|2}}
• {{وصلة إنجاز فهرس|فهرس:عشائر العراق 3.pdf|3}}
• {{وصلة إنجاز فهرس|فهرس:عشائر العراق 4.pdf|4}}
</div>
|الملاحظات={{جدول محتويات|عنوان=-|عنوان صفحة=ص|
٤**المقدمة
٥**الموضوع
١١**الاسرة
١٢**القبيلة أو العشيرة
١٥**الرؤساء والأمراء
١٧**أصل الكرد
٢٤**قبائل الكرد القديمة
٢٧**القبائل الحاضرة
٢٨**لواء السليمانية
28**الجاف وامارتها
77**الهماوند
81**الكلالية
٨٤**كشكي
٨٥**هاورامان
٩١**ایل غواره
٩٠**پیشدر
٩٨**امارة بابان
١٠٩**لواء اربل
١٠١**بلباس
١٢٣**گردي
١٢٨**آکو
١٢٩**خوشناو
١٣٤**هركي
١٣٧**سورجي
١٣٨**هروني
١٣٩**بالك
١٤١**بالكي
١٤٣**کرد
١٤٣**خيلانية
١٤٤**دیزوبی
١٥٣**زراري
155**امارة صوران او ميران بكي
158**لواء كركوك
158**صالحي أو ساله يي
161**شيخ بزيني
163**شوان
١٦٤**جباري
١٦٥**داووده
١٧١**دلو
١٧٣**زند
١٧٥**زنكنة
١٧٧**کیج
١٧٨**بالاني
١٧٩**طاطران
١٨٠**كاكائية
١٨٢**لواء ديالى
182**قره أولوس
١٨٣**باجلان
١٨٦**الفيلية
١٨٧**لواء الديوانية
187**الكرد
١٨٩**لواء الموصل
١٨٩**قبائل الكرد الشمالية
190**إمارة العادية
١٩٣**قبائل زاخو
١٩٤**» عقرة
195**» زیبار
196** » بارزان
١٩٧**قبائل دهوك
٢٠٠**میران
200**اليزيدية وامارتهم
٢٠٦**قبائل الحدود
٢٠٧**کلهر
٢١٥**لك
٢١٧**رززا
٢١٩**کیله شين - اثر تاريخي
٢٢١**شقاقي
٢٢٢**قبائل أخرى
٢٢٣**الأوضاع الاجتماعية
223**العقائد
٢٢٤**الطرائق
٢٢٥**القادرية
230**النقشبندية
233**» في الشمال
٢٣٤**تكايا أخرى
٢٣٦**الحياة المعايشية
٢٤٠**عرف القبائل .
٢٤٣**الأدب الكردي
٢٤٥**خاتمة القول}}
|Width=
|Header={{وسط|{{{pagenum}}}}}
|Footer=
|wikidata=Q120096555
|NumberFormat=arab
}}
[[تصنيف:أنساب]]
[[تصنيف:العراق]]
86l2p0euyuhnhvh0589ihu3scdtp9ki
627487
627486
2026-10-04T19:21:56Z
حبيشان
52457
627487
proofread-index
text/x-wiki
{{:MediaWiki:Proofreadpage_index_template
|النوع=book
|العنوان=عشائر العراق
|Language=ar
|الجزء=2
|المؤلف=[[مؤلف:عباس العزاوي|عباس العزاوي]]
|المترجم=
|المحقق=
|المحرر=
|الرسام=
|المدرسة=
|الناشر=مطبعة المعارف
|المكان=بغداد
|السنة=1366هـ - 1947م
|Key=
|ISBN=
|OCLC=4770329568
|LCCN=
|BNF_ARK=
|ARC=
|DOI=
|المصدر=pdf
|الصورة=1
|الحالة=MS
|Transclusion=no
|Validation_date=
|الصفحات=<pagelist 1="غلاف" 5="غلاف" 2to4="-" 6to282="arab" 6="2" 282="غلاف" 277="خريطة" 276="غلاف" 278to281="-" />
|الأجزاء=<div>{{وصلة إنجاز فهرس|فهرس:عشائر العراق 1.pdf|1}}
• {{وصلة إنجاز فهرس|فهرس:عشائر العراق 2.pdf|2}}
• {{وصلة إنجاز فهرس|فهرس:عشائر العراق 3.pdf|3}}
• {{وصلة إنجاز فهرس|فهرس:عشائر العراق 4.pdf|4}}
</div>
|الملاحظات={{جدول محتويات|عنوان=-|عنوان صفحة=ص|
٤**المقدمة
٥**الموضوع
١١**الاسرة
١٢**القبيلة أو العشيرة
١٥**الرؤساء والأمراء
١٧**أصل الكرد
٢٤**قبائل الكرد القديمة
٢٧**القبائل الحاضرة
٢٨**لواء السليمانية
28**الجاف وامارتها
77**الهماوند
81**الكلالية
٨٤**كشكي
٨٥**هاورامان
٩١**ایل غواره
٩٠**پیشدر
٩٨**امارة بابان
١٠٩**لواء اربل
١٠١**بلباس
١٢٣**گردي
١٢٨**آکو
١٢٩**خوشناو
١٣٤**هركي
١٣٧**سورجي
١٣٨**هروني
١٣٩**بالك
١٤١**بالكي
١٤٣**کرد
١٤٣**خيلانية
١٤٤**دیزوبی
١٥٣**زراري
155**امارة صوران او ميران بكي
158**لواء كركوك
158**صالحي أو ساله يي
161**شيخ بزيني
163**شوان
١٦٤**جباري
١٦٥**داووده
١٧١**دلو
١٧٣**زند
١٧٥**زنكنة
١٧٧**کیج
١٧٨**بالاني
١٧٩**طاطران
١٨٠**كاكائية
١٨٢**لواء ديالى
182**قره أولوس
١٨٣**باجلان
١٨٦**الفيلية
١٨٧**لواء الديوانية
187**الكرد
١٨٩**لواء الموصل
١٨٩**قبائل الكرد الشمالية
190**إمارة العادية
١٩٣**قبائل زاخو
١٩٤**» عقرة
195**» زیبار
196** » بارزان
١٩٧**قبائل دهوك
٢٠٠**میران
200**اليزيدية وامارتهم
٢٠٦**قبائل الحدود
٢٠٧**کلهر
٢١٥**لك
٢١٧**رززا
٢١٩**کیله شين - اثر تاريخي
٢٢١**شقاقي
٢٢٢**قبائل أخرى
٢٢٣**الأوضاع الاجتماعية
223**العقائد
٢٢٤**الطرائق
٢٢٥**القادرية
230**النقشبندية
233**» في الشمال
٢٣٤**تكايا أخرى
٢٣٦**الحياة المعايشية
٢٤٠**عرف القبائل .
٢٤٣**الأدب الكردي
٢٤٥**خاتمة القول}}
|Width=
|Header={{وسط|{{{pagenum}}}}}
|Footer=
|wikidata=Q120096555
|NumberFormat=latin
}}
[[تصنيف:أنساب]]
[[تصنيف:العراق]]
6ntc28qecrx9hbyutyk0p0t0stdzv3r
627493
627487
2026-10-04T20:54:07Z
حبيشان
52457
تنسيق ويكي
627493
proofread-index
text/x-wiki
{{:MediaWiki:Proofreadpage_index_template
|النوع=book
|العنوان=عشائر العراق
|Language=ar
|الجزء=2
|المؤلف=[[مؤلف:عباس العزاوي|عباس العزاوي]]
|المترجم=
|المحقق=
|المحرر=
|الرسام=
|المدرسة=
|الناشر=مطبعة المعارف
|المكان=بغداد
|السنة=1366هـ - 1947م
|Key=
|ISBN=
|OCLC=4770329568
|LCCN=
|BNF_ARK=
|ARC=
|DOI=
|المصدر=pdf
|الصورة=1
|الحالة=MS
|Transclusion=no
|Validation_date=
|الصفحات=<pagelist 1="غلاف" 5="غلاف" 2to4="-" 6to282="arab" 6="2" 282="غلاف" 277="خريطة" 276="غلاف" 278to281="-" />
|الأجزاء=<div>{{وصلة إنجاز فهرس|فهرس:عشائر العراق 1.pdf|1}}
• {{وصلة إنجاز فهرس|فهرس:عشائر العراق 2.pdf|2}}
• {{وصلة إنجاز فهرس|فهرس:عشائر العراق 3.pdf|3}}
• {{وصلة إنجاز فهرس|فهرس:عشائر العراق 4.pdf|4}}
</div>
|الملاحظات={{جدول محتويات|عنوان=-|عنوان صفحة=ص|
٤**المقدمة
٥**الموضوع
١١**الاسرة
١٢**القبيلة أو العشيرة
١٥**الرؤساء والأمراء
١٧**أصل الكرد
٢٤**قبائل الكرد القديمة
٢٧**القبائل الحاضرة
٢٨**لواء السليمانية
28**الجاف وامارتها
77**الهماوند
81**الكلالية
٨٤**كشكي
٨٥**هاورامان
٩١**ایل غواره
٩٠**پیشدر
٩٨**امارة بابان
١٠٩**لواء اربل
١٠١**بلباس
١٢٣**گردي
١٢٨**آکو
١٢٩**خوشناو
١٣٤**هركي
١٣٧**سورجي
١٣٨**هروني
١٣٩**بالك
١٤١**بالكي
١٤٣**کرد
١٤٣**خيلانية
١٤٤**دیزوبی
١٥٣**زراري
155**امارة صوران او ميران بكي
158**لواء كركوك
158**صالحي أو ساله يي
161**شيخ بزيني
163**شوان
١٦٤**جباري
١٦٥**داووده
١٧١**دلو
١٧٣**زند
١٧٥**زنكنة
١٧٧**کیج
١٧٨**بالاني
١٧٩**طاطران
١٨٠**كاكائية
١٨٢**لواء ديالى
182**قره أولوس
١٨٣**باجلان
١٨٦**الفيلية
١٨٧**لواء الديوانية
187**الكرد
١٨٩**لواء الموصل
١٨٩**قبائل الكرد الشمالية
190**إمارة العادية
١٩٣**قبائل زاخو
١٩٤**» عقرة
195**» زیبار
196** » بارزان
١٩٧**قبائل دهوك
٢٠٠**میران
200**اليزيدية وامارتهم
٢٠٦**قبائل الحدود
٢٠٧**کلهر
٢١٥**لك
٢١٧**رززا
٢١٩**کیله شين - اثر تاريخي
٢٢١**شقاقي
٢٢٢**قبائل أخرى
٢٢٣**الأوضاع الاجتماعية
223**العقائد
٢٢٤**الطرائق
٢٢٥**القادرية
230**النقشبندية
233**» في الشمال
٢٣٤**تكايا أخرى
٢٣٦**الحياة المعايشية
٢٤٠**عرف القبائل .
٢٤٣**الأدب الكردي
٢٤٥**خاتمة القول}}
|Width=
|Header={{وسط|{{{pagenum}}}}}
|Footer=
|wikidata=Q120096555
|NumberFormat=arab
}}
[[تصنيف:أنساب]]
[[تصنيف:العراق]]
86l2p0euyuhnhvh0589ihu3scdtp9ki
صفحة:عشائر العراق 2.pdf/68
104
308468
627496
619941
2026-10-05T07:53:34Z
حبيشان
52457
تدقيق لغوي وإملائي
627496
proofread-page
text/x-wiki
<noinclude><pagequality level="1" user="حبيشان" />{{وسط|٦٤}}</noinclude>يمدون من الجاف بل ليسوا من الجاف. في ناحية قلخانو التابعة قضاء ليلان
من لواء كركوك .
٢٢ - شیخ اسماعیلی :
هذه مذكورة في تحديد الحدود . ومنهم من يعدها من طوائف ( ايل غواره)
وهذا لا يمنع ان يكونوا من الجاف . رئيسهم في ايران أمين خان ابن مراد خان
بن شامراد خان يقيمون صيفاً في ( ميهم ) و ( يهج ) ، وفي الشتاء گيلان .
وهم في ايران والعراق .
وفرة هم :
1) بنه جود. رئيسهم أحمد بن حسن .
شاندري . رئيسهم طالب بن صالح .
و فراهم :
١- شاندري .
٢- کچلي .
٣- ماو .
٤- قره يتاغ .
٥- توت آغاج .
اوج قبه .
نادر پیچه .
تيله کووه .
٩- گره زه
١٠ - بنه جود .
١١ - موان .<noinclude></noinclude>
st1emjmfdhx8wmulald6lfspohjnwya
صفحة:عشائر العراق 2.pdf/89
104
308489
626715
619962
2026-10-04T13:32:33Z
حبيشان
52457
تنسيق ويكي
626715
proofread-page
text/x-wiki
<noinclude><pagequality level="1" user="حبيشان" />{{وسط|٨٥}}</noinclude>{{ع3|قبائل هاورامان|٥}}
ان جبال ها و رامان آورامان) بين العراق و ایران، وان الانحاء المطلة منها على
صحراء شهر زور ، و ناظرة الى قلعة ( زلم ) كانت بموجب المعاهدة الايرانية - التركية أيام
السلطان مراد تعود الى العراق فما كان بسفح جبلها من الجانب الغربي في العراق
والقسم الشرقي من الجبال المذكورة المطل على ايران يعود لها . وفي هذا القسم
بلدة هاورامان . والقرى هناك لايران، وان الحدود الفاصلة منتصف ذروات
الجبال
والقرى في الجانب الغربي بمقتضى تلك المعاهدة تعود إلى العراق الا أزايران
قد تصرفت بقسم من هذه الفرى ، والقسم الآخر يعود للعراق . ويسكن هناك
قبائل يقال لها قبائل (هاورامان ) ، منها ١٧ قرية تحت سلطة ايران ، والقرى
المتباقية تحت تصرف العراق .
وأهمية هذه المواطن في قبائلها . أما الحدود وتفصيل القول فيها ، والجبال
وأوضاعها الجغرافية ، ونهر سيروان وسيره ، وقلعة زلم والبحث في موضوعها ....
كل هذه مما بسطنا القول فيها في ( تاريخ العراق ) ، وفي ( تاريخ شهرزور أو
السليمانية ) اللواء والمدينة. فلا طريق للبحث في ذلك الآن، ولافيا يتجدد من
آمال ، أو ظهر منها في مختلف العصور والملحوظ أن توزيع هاورامان بالنظر
للسلطة والادارة أمر سياسي لاغير .
راجعنا مراجع كثيرة لمعرفة هذه القبائل وماضيها التاريخي فكانت النصوص
قليلة ، كما اننا رأينا المحفوظات مرتبكة ، والوقائع أساطيرية ، أو متداخلة تتعلق
بامارتهم أو رياستهم القبائلية . ومن المشاهد أن هؤلاء يسكنون قرى عديدة في
صافقي الجبل من شرقيه وغربيه، ومنتشرون هنا وهناك ويتولى أمرهم او<noinclude></noinclude>
bvfw04v6mc5d1d227qwlum7rbv4ieuy
صفحة:عشائر العراق 2.pdf/95
104
308495
626716
619968
2026-10-04T13:33:24Z
حبيشان
52457
تنسيق ويكي
626716
proofread-page
text/x-wiki
<noinclude><pagequality level="1" user="حبيشان" />{{وسط|٩١}}</noinclude>{{ع3|قبائل ایل غواره|٦}}
هذه القبائل تشبه العشائر العربية في طباعها وكثير من أعمالها لما فيهم من
نخوة ... الا أن الفقراء منهم ينالهم الحيف من الأقوياء . ولا توجد مشادة بينهم
وبين أهل القرى، ولامع بعضهم ، وأما علاقاتهم باران فهي حسنة جداً ، ولهم
الفة مع الوجوه والأعيان هناك ... وايل غوارة سميت القبائل التي تحله باسمه .
يتعاطون الزراعة الا أن هذه أقل مما يكفيهم ، ويتعيشون في الأكثر من
تربية المواشي ، وما يتحصل منها من لبن وجين وسمن وصوف وجلود يتاجرون
بها وبمنتوجاتها ، ويتعهدون الخيول الا أنها لم تنل الرواج او القيمة الشهودة في
الخيول العربية . وينسجون انواع البسط والسجاد فيبيعونها في الاطراف ،
ويصنعون من الشعر بيوتاً لاستعمالهم .
وعلى كل لا يختلفون عن سائر القبائل الكردية هناك ... وتعد كافة القبائل
التي تقيم فيه بهذا الاسم ، واللفظة مغولية ، وشاعت هناك الفاظ مغولية كثيرة،
فقد كان طريقهم إلى هذه الانحاء ، ولذا نرى اكثر المواطن معروفة باسمها المغولي .
وتخفف فيقال ( قبائل غواره . ...
يتجولون في سورداش ، وسرچنار صيفاً ، وفي بازيان شتاء . وبجمعها عدة
قبائل ينها ما هو من قبائل الجاف أو مستقل عنها ، أو ماهر معدوم منها .
وهؤلاء في انحاء لواء السليمانية ، ويميلون في الربيع الى ايران الى صوغوق بولاق
) ساوجبلاق ) .
و بين هذه ما يعد من القبائل الأخرى ، وليس لها جامعة قرابة تجمعها ، ولا
ارتباطا تتصل به سوى المكان . ومر ذكر بعضها فلا نرى محلاً لاعادة القول<noinclude></noinclude>
9h0uiv8bn1tvnk8ymfkmwptb1jycu5d
صفحة:عشائر العراق 2.pdf/99
104
308499
626717
619972
2026-10-04T13:34:20Z
حبيشان
52457
تنسيق ويكي
626717
proofread-page
text/x-wiki
<noinclude><pagequality level="1" user="حبيشان" />{{وسط|٩٥}}</noinclude>{{ع3|قبائل پیشدر
أو
پیردر|٧}}
في معجم البلدان ) بشتير ) قربة ينسب اليها الشيخ عبد القادر الكيلاني،
وهذه القبيلة لا تعرف صلتها بتلك القرية، والمعروف أنها تعني ماوراء المطبق
( الجبل ) مما يلي العراق في المواطن التي تقيم بها ، وتسمى باسم ذلك المكان ويلفظ
) بودر ) . وهذه القبيلة حديثة العهد في تكونها ، فلم يعرف لها ذكر في كتب
التاريخ بهذا الاسم وتعد اليوم من أقوى عشائر الكرد . ورئيسها عباس آغا ابن
محمود آغا ، وقد نبغ منها علماء كثيرون منهم حسين أفندي اليزدري المتوفي في
شوال سنة ١٣٢٢ هـ ـ ١٩٠٥م من مدرسي مدرسة الامام الاعظم ببغداد .
واعتقد أنهم يتفقون وبلباس في أصل واحد ، اتصلوا بالموقع المعروف
باسمهم ، فتسموا بيشدر وغلب عليهم. ، وهكذا بابان من عين الأصل ، والكل
بقال لهم ( خالدى ) وينتسبون الى بني خالد ، او خالد بن الوليد او خالد آخر
و مهما كان فالآن يعرفون باسم المكان . ومنهم أمراء بانه ( البكزاده ) وكذا
( فيض الله بكي ) بين ساقزو صوغوق بولاق . يقال انهم كلهم أبناء جدواحد .
و تسكن پيشدر في المكان المعروف في أيام العثمانيين ( بمعمورة الحميدية )
و تمتد الى سردشت . وكان مركز قضائها قلعة ( دره ) ولم يكن لهؤلاء مدن
وانما هم أهل قرى ، ورحل ، وفي أيام الترك كان القضاء ( مركه ) ثم صار المركز
قلعة دزه والمنطقة ( بيشدر ) صارت تطلق على السكان .<noinclude></noinclude>
eo1v6lsay3z2pu5jrtf77bxm5g0ah1z
صفحة:عشائر العراق 2.pdf/102
104
308502
626718
619975
2026-10-04T13:34:56Z
حبيشان
52457
تنسيق ويكي
626718
proofread-page
text/x-wiki
<noinclude><pagequality level="1" user="حبيشان" />{{وسط|٩٨}}</noinclude>وهؤلاء تبع بيشدر وليسوا منهم وانتما هم جاف كما هو معلوم من نفس
القبائل ومن التسمية .
{{ع4|أمارة آل بابان}}
من أمد بعيد حكمت شهرزور والانحاء المجاورة لها . عد صاحب الشرفنامة
من رجالها ) بير بوداق بن مير أبدال ) وهو أول من عرف منهم ، وتوسع نطاق
حكمه الى مكري وبانه ، وتقدم نحو سهران ، وبعد وفاته خلفه ابن أخيه ( بوداق
ابن رستم) ، فلم يطل حكمه ، فانقرضت هذه الامارة ، امارة بابان ولم يبق
الا اسمها
ثم انتقلت هذه الامارة الى أعوان الأمير بوداق ولكنها حافظت على اسمها
السابق ، ومن هؤلاء نظر بن بيرام قد تغلب على هذه الأمارة ، وامتدت سطوته
الى كفري . وكان حسن التصرف وبوفاته صارت هذه الإمارة الى اثنين من
أمراء ( بير بوداق ) ، نوزعوها ، واقتسموا حكمها وها ابراهيم و سليمان، تم
استأثر سليمان بالحكم ، وقتل نده ابراهيم ، واستقل بامارة بابان ...
وبعد وفاته طال النزاع بين أولاد الأمير ابراهيم ، وأولاد الأمير سليمان ،
فلم يستقر حكم الواحد . ثم آلت الى الدولة العثمانية ، ولم يبق من يحكم البلاد ، وانما
كان يتولى كل صفع رجاله المميزون من رؤساء القبائل وأعيان القرى ، وبقيت
كذلك من أيام السلطان مراد الثالث حتى سنة ١٠٠٥ه وينتهي بها .اقصه
صاحب الشرفنامة {{حا|الشرفنامة مي ٣٧٢ ٠ ) به دنیا}} .
و من تواريخ عديدة يفهم أنه ظهر رجل يدعي ( فقيه أحمد) ، أو ( فقي احمد)<noinclude>
{{حواشي}}</noinclude>
hxn9nd9tugv3pmye4pnxfofeesohak4
صفحة:عشائر العراق 2.pdf/105
104
308505
626719
619978
2026-10-04T13:56:55Z
حبيشان
52457
تنسيق ويكي
626719
proofread-page
text/x-wiki
<noinclude><pagequality level="1" user="حبيشان" />{{وسط|١٠١}}</noinclude>{{ع2|لواء اربل}}
{{ع2|قبائل بلباس|١}}
من القبائل الكبيرة في العراق في لواء السليمانية، وفي لواء اربل ، وفي ايران ،
تقع على الحدود، وقد تفرعت كثيراً حتى صار يعد كل فرع من فروعها قبيلة
مستقلة عن غيرها ، وهي في الأصل قبيلة واحدة ، مال قسم منها الى ايران ،
إلى أنحاء لاهيجان وكانوا في لوائي شهرزور واربل الا ان الحوادث دفعت
فريقاً منهم الى هناك، لما وقع بينها وبين البابان من حوادث ، ومن ثم أزاحت
طائفة ( مير باسكان ) ، أو مير باساك التي كانت في تلك الأنحاء ، وهذه الطائفة
فرع من قبيلة ( مكري ) ، أقطعت لها اراضيها باحسان سلطاني فدفعتها قبائل
بلباس
و تاريخ هذه القبيلة حافل بالوقائع ، وكل ما نعلمه عنها أنها عظمت ونالت
مكانتها ، فصار بخشتى بطشها المجاورون وهم امراء بابان فاستعانوا بقوة الحكومة
وكانت الدولة العثمانية ترغب في التدخل من . هذه الطريق ، فنكات بها ... بأمل
أن تقوي سلطتها ، فلم تر بداً من التحول الى ايران ، فمضى قسم كبير منها إلى
هناك . ولا يزال القسم الآخر في العراق .
ويرجع عهدهم في العراق الى أمد بعيد ، كانوا من قبائل العراق ، فرأوا
شدة وتضييقاً كبيراً من جانب العثمانيين والبابانيين معا والامارات اذا كانت
متعادلة ، أو بعضها مرجوح ، ولم يستطع الضعيف ان يسيطر . ركن الى
الاستعانة بقوة الحكومة .<noinclude></noinclude>
juhtkaeq15sh1deu4xeiyspzjdfqdxz
626720
626719
2026-10-04T13:57:12Z
حبيشان
52457
626720
proofread-page
text/x-wiki
<noinclude><pagequality level="1" user="حبيشان" />{{وسط|١٠١}}</noinclude>{{ع2|لواء اربل}}
{{ع3|قبائل بلباس|١}}
من القبائل الكبيرة في العراق في لواء السليمانية، وفي لواء اربل ، وفي ايران ،
تقع على الحدود، وقد تفرعت كثيراً حتى صار يعد كل فرع من فروعها قبيلة
مستقلة عن غيرها ، وهي في الأصل قبيلة واحدة ، مال قسم منها الى ايران ،
إلى أنحاء لاهيجان وكانوا في لوائي شهرزور واربل الا ان الحوادث دفعت
فريقاً منهم الى هناك، لما وقع بينها وبين البابان من حوادث ، ومن ثم أزاحت
طائفة ( مير باسكان ) ، أو مير باساك التي كانت في تلك الأنحاء ، وهذه الطائفة
فرع من قبيلة ( مكري ) ، أقطعت لها اراضيها باحسان سلطاني فدفعتها قبائل
بلباس
و تاريخ هذه القبيلة حافل بالوقائع ، وكل ما نعلمه عنها أنها عظمت ونالت
مكانتها ، فصار بخشتى بطشها المجاورون وهم امراء بابان فاستعانوا بقوة الحكومة
وكانت الدولة العثمانية ترغب في التدخل من . هذه الطريق ، فنكات بها ... بأمل
أن تقوي سلطتها ، فلم تر بداً من التحول الى ايران ، فمضى قسم كبير منها إلى
هناك . ولا يزال القسم الآخر في العراق .
ويرجع عهدهم في العراق الى أمد بعيد ، كانوا من قبائل العراق ، فرأوا
شدة وتضييقاً كبيراً من جانب العثمانيين والبابانيين معا والامارات اذا كانت
متعادلة ، أو بعضها مرجوح ، ولم يستطع الضعيف ان يسيطر . ركن الى
الاستعانة بقوة الحكومة .<noinclude></noinclude>
cv0zrql6wiupgmvy2rb052r5dncvgb6
صفحة:عشائر العراق 2.pdf/127
104
308527
626721
620000
2026-10-04T13:58:08Z
حبيشان
52457
تنسيق ويكي
626721
proofread-page
text/x-wiki
<noinclude><pagequality level="1" user="حبيشان" />{{وسط|١٢٣}}</noinclude>{{ع3|قبيلة كردي|٣}}
هذه قبيلة كبيرة جداً ، وعلى ما حكى لي رئيسها جميل انا انها قبيلة مستقلة
بل المعروف انها من بلباس ، أو تعد منها ... قال في عنوان المجد للحيدري :
عشيرة الكردية بفتح الكاف ، وهم كثيرون ، وأهل اقدام وشجاعة ،
ونشأ فيهم عاما، أعلام ) . اه {{حا|عنوان المجد الحيدري ص ١٦٤}}
وكلهم سكان قرى ، وليس فيهم متجولون ، ولا من يرحل من مكان الى
مكان ... ولعل بعد الاتصال ساق الى هذا القول بأنها تتصل ونور الديني في جد
واحد، فهم و پيشدر أخوة. قال رئيسهم واصلها خالدي ، ولم يزد على ذلك الا انه من
المعلوم تاريخياً ان بلباس من ،خالدي، وكذا بابان ، ونور الديني على ما نقله كثيرون
ولعله يقصد ان هذه القبيلة لا تتدخل بها بلباس وهذا صحيح لا ريب فيه . وقراهم
تبلغ نحو ٨٠ قرية ، والرؤساء في قرية بحركه من لواء اربل ، تابعون ناحية
المركز ومنها نحو ١٥ قرية تابعة قضاء راوندوز ، و ١٥ أخرى في كويسنجق ،
ورئيس المكل جميل انا ابن كاكل انا ابن شيخ محمد انا ابن عباس انا ابن حسن انا
ابن مولود انا ابن عباس انا ابن ميرزين الدين . وهذا الاخير ابن اخي ميراودل
البيشدري ، فهم يتصلون بـ ( نور الديني ) ، وكلهم اولاد نور الدين الذي
ينتسبون اليه
وفروعهم:
١- زيد بكي .<noinclude>
{{حواشي}}</noinclude>
1k8dqaztl60w6xtbivqt5bnmgau4s95
626722
626721
2026-10-04T13:58:22Z
حبيشان
52457
626722
proofread-page
text/x-wiki
<noinclude><pagequality level="1" user="حبيشان" />{{وسط|١٢٣}}</noinclude>{{ع3|قبيلة كردي|٢}}
هذه قبيلة كبيرة جداً ، وعلى ما حكى لي رئيسها جميل انا انها قبيلة مستقلة
بل المعروف انها من بلباس ، أو تعد منها ... قال في عنوان المجد للحيدري :
عشيرة الكردية بفتح الكاف ، وهم كثيرون ، وأهل اقدام وشجاعة ،
ونشأ فيهم عاما، أعلام ) . اه {{حا|عنوان المجد الحيدري ص ١٦٤}}
وكلهم سكان قرى ، وليس فيهم متجولون ، ولا من يرحل من مكان الى
مكان ... ولعل بعد الاتصال ساق الى هذا القول بأنها تتصل ونور الديني في جد
واحد، فهم و پيشدر أخوة. قال رئيسهم واصلها خالدي ، ولم يزد على ذلك الا انه من
المعلوم تاريخياً ان بلباس من ،خالدي، وكذا بابان ، ونور الديني على ما نقله كثيرون
ولعله يقصد ان هذه القبيلة لا تتدخل بها بلباس وهذا صحيح لا ريب فيه . وقراهم
تبلغ نحو ٨٠ قرية ، والرؤساء في قرية بحركه من لواء اربل ، تابعون ناحية
المركز ومنها نحو ١٥ قرية تابعة قضاء راوندوز ، و ١٥ أخرى في كويسنجق ،
ورئيس المكل جميل انا ابن كاكل انا ابن شيخ محمد انا ابن عباس انا ابن حسن انا
ابن مولود انا ابن عباس انا ابن ميرزين الدين . وهذا الاخير ابن اخي ميراودل
البيشدري ، فهم يتصلون بـ ( نور الديني ) ، وكلهم اولاد نور الدين الذي
ينتسبون اليه
وفروعهم:
١- زيد بكي .<noinclude>
{{حواشي}}</noinclude>
7jydabriq56xkow6iqmvfb67ehztx8s
صفحة:عشائر العراق 2.pdf/132
104
308532
626726
620005
2026-10-04T14:16:26Z
حبيشان
52457
تنسيق ويكي
626726
proofread-page
text/x-wiki
<noinclude><pagequality level="1" user="حبيشان" />{{وسط|١٢٨}}</noinclude>٢- خوشناو
١٢٨
ديزه بي في أربل وكويستحق وراوندوز
سورچی
{{ع3|قبيلة آكو|٣}}
المنقول أن هذه القبيلة أصلها من ( بلباس ) ، انفصلت منها من أمد بعيد
بعضهم بعدها قبيلة قائمة برأسها ، وهو الصواب ، فقد جاء ذكرها في
الشرفنامة على أنها قبيلة منفردة عن غيرها {{حا|الشرفنامة ص ٣٨٢.}} وذكر صاحب سیاحتنامه، حدود
انها تحتوي على ٤٣ قرية ، وبين ان تقوسها تبلغ ستة الآف من الذكور {{حا|سیاحتنامه، حدود ص ٢٧٢ .}} .
وهؤلاء في قضاء رانية من لواء أربل ومنهم من يقيم في ( ناردشت ) قرب
يشدر ورئيسها غفور خان ابن عم الاستاذ صديق مظهر ، ومواطنهم بالقرب من
جبل قنديل، ويعرفون بهذا الاسم ) ناودشت ) .
ومن فرقهم :
١ - منده مرا . رئيسهم كابني انا ابن بالو اغا يقيم في ناودشت وقراهم
هناك نحو ٣ قرية والرئيس يقيم في قرية دكوما ، ويجاور هم نور الديني ،
و منگور .
باش أغاني . رئيسهم ما منداغا . وهذا توفي سنة ، ١٩٣ م والآن
ابنه ابراهيم اغا هو الرئيس وبينهم وبين رؤساء مامش و بيران صهرية ، ومن<noinclude>
{{حواشي}}</noinclude>
8vsdqm86dlpiiq3qgpmamjz9vw0xr1l
صفحة:عشائر العراق 2.pdf/133
104
308533
626727
620006
2026-10-04T14:17:11Z
حبيشان
52457
تنسيق ويكي
626727
proofread-page
text/x-wiki
<noinclude><pagequality level="1" user="حبيشان" />{{وسط|١٢٩}}</noinclude>رؤسائهم بهلول اغا في شمال بتوين وهم قرب رانية في قرية كرم كندال ، وقراهم
كثيرة . ويجاور هم بيران . وهم على حدود ایران .
ومنهم من يعد الموطن اسما لمن يقطنه وهو ( ناودشت) وليس بصواب .
ومن فروعهم :
- رزي كري تقطن في عقرة في ناحية العشائر السبعة .
٢ چرك ومحك .
بردر .
ولا مجال لذكر جميع فروعهم وتعداد قراهم لكثرتها ، وفي الشرقيامة ان أمراء
آكو من الكورانيين . قال وأصح الروايات انهم من الحسنوية {{حا|الشرفنامة من ٣٨٢ .}} .
{{ع3|خوشناو|٤}}
قبيلة كبيرة جداً ، تسكن قسماً في قضاء رانية ، وقسماً في كويسنجق ،
ومنهم من يقطن في انحاء شقلاوة . والرؤساء جاؤوا من سنندج ، وحلوا في هذه
المواطن ، والباقون متوطنون قديماً وبعدون رعايا ويقال لهم كرمانج وهو اسمهم
القديم المعروفون به ... والمشايخ منسوبون الى جدهم الأكبر الشيخ سليمان .
واما الرؤوساء فيقولون انهم من ذرية خالد بن الوليد ، وأنهم توزعوا قبيلة
خوشنا و فصار كل منها يسمى باسم الرئيس الذي تولى زعامته . ويقولون ان
جدهم انبيز ، ومنه تفرعوا ... ويجاورهم بلباس ، وآكو ، وسورجي . وجاه
عنهم في عنوان المجد :<noinclude>
{{حواشي}}</noinclude>
mqytt8auidudg636ipx4tpqe0x8pcch
صفحة:عشائر العراق 2.pdf/138
104
308538
626728
620011
2026-10-04T14:23:51Z
حبيشان
52457
تنسيق ويكي
626728
proofread-page
text/x-wiki
<noinclude><pagequality level="1" user="حبيشان" />{{وسط|١٣٤}}</noinclude>{{ع3|قبيلة هركي|٥}}
هذه القبيلة من القبائل الكردية المعروفة في اربل ، وفي ايران ، ولكن
كثرتها في غير العراق ، واشتهرت بالشجاعة ، ولاشك ان ذلك ناشيء من تجولاتها
وتنقلها وللاتصال أثره وتأثيره ، فهي من القبائل الرحل . وفي العراق تسكن
ميراخور ، ودربندسيد في رواندوز ، وفي ايران يقيمون في مقاطعة ( دشته
بيل ) ، وتتكون من قرى تبلغ عشرين قرية ....
وهذه فرقهم :
ماندان . رئيسهم سيده خان ابن حاجي اغا.
سیدان ، محمد امین بن درويش انا .
مراتى . وينطق بها (سرعانى) . رئيسهم فتاح انا ابن صادق اغا.
بنه جي . يسكنون في قرية بستون في العراق ، ومنهم في تركية .
وهذه أشهر قراهم :
١) كاينسي .
٢) قرية ملا عيدى
(٣) شبوه بیرون .
٤ ) ترسا بلاغ .
ه) سه کانیان .
(٦) گرده گود.
سنگره
(٨) سیاوان -<noinclude></noinclude>
5l4825nona2h7k5f6cnnsqmu9ve8tay
صفحة:عشائر العراق 2.pdf/141
104
308541
626729
620014
2026-10-04T14:24:39Z
حبيشان
52457
تنسيق ويكي
626729
proofread-page
text/x-wiki
<noinclude><pagequality level="1" user="حبيشان" />{{وسط|١٣٧}}</noinclude>{{ع3|عشيرة سورجي|٦}}
هذه القبيلة من القبائل المهمة جداً ، قسم كبير منها في ايران ، والآخر في
العراق في رواندوز . والرؤساء يدعون أنهم من ذرية الصديق (رض) . ويجاورهم
في رواندوز عشيرة هركى . وقسم كبير منهم في عقرة ، وهؤلاء من قبائل سوران
الا أنها استقلت بتسميتها ( سورجي ) ....
قال في عنوان المجد :
ل عشيرة السورجية كثيرة جداً ، ونشأ منها علماء أعلام . ) اهـ {{حا|عنوان المجد من ١٦٣ .}}
وعد في تقرير درويش باشا من فرقهم ( باوس ) أو ( باب عمر ) {{حا|تقرير درويش باشا ص ٩٣ وهناك بيان تنقلات القبيلة.}} . ومنهم
في عقرة ، وعد من فرقهم هناك (مام گردان ) ، و ( مام ساكبان) ، و ( مام سيد)
وان التقرير المذكور عد سورجي سوران في لواء اربل ، وسورجي بادينان
من عقرة تبعاً للاماكن التي يسكنونها ، ولم تكن لتعرف بالأصل .<noinclude>
{{حواشي}}</noinclude>
gd60meumj0p08a1002n2k3ttrj2rcdy
صفحة:عشائر العراق 2.pdf/142
104
308542
626730
620015
2026-10-04T14:25:16Z
حبيشان
52457
تنسيق ويكي
626730
proofread-page
text/x-wiki
<noinclude><pagequality level="1" user="حبيشان" />{{وسط|١٣٨}}</noinclude>{{ع3|قبيلة هروتى|٧}}
وهذه القبيلة تسكن في رواندوز ، وورد ذكرها بين قبائل القضاء في
باحتنامه، حدود {{حا|شیاختنامه، حدود می ٢٧٧}} الا انه لم يتوسع في البيان عنها
ومن قراها :
١ - اشکفته ، اشتهر بالانتساب اليها العالم المعروف بـ ( الاشكفتي ) .
٢- سارد كا . ومنها العالم ملا ابو بكر الساردوكي . وهو معروف بمؤلفاته.
هروته كو .
شار سينا .
ه بيناوي .
هذا . ولم يتبين لنا أصلها من رجالها العارفين ، فنكتني بهذا ، ولعل الأيام
تكشف عنها أكثر ....<noinclude>
{{حواشي}}</noinclude>
m2lp57zjoscosihsskzgm8v079ja2rb
صفحة:عشائر العراق 2.pdf/143
104
308543
626731
620016
2026-10-04T14:26:00Z
حبيشان
52457
تنسيق ويكي
626731
proofread-page
text/x-wiki
<noinclude><pagequality level="1" user="حبيشان" />{{وسط|١٣٩}}</noinclude>{{ع3|عشيرة بالك|٨}}
وهذه التسمية جاءت من المنطقة التي يسكنونها ، فعرفوا بها ، وهي ممتدة من
رواندوز الى ناحية رايت، وهم نحو ٤٠ قرية في حدود العجم ، ويعدون نايمين
ناحية كلالة . والآن بالك ناحية .
وقد ورد ذكرهم في مسالك الأبصار ، وهو من أقدم المراجع في تعيين انهم
ينسبون في الأصل الى قرية ( بالسكان ) ، وكانوا في قلة وقد انضموا إلى قبيلة
زراري المقيمة في تلك الانحاء ..
وفرقهم :
ا ملا شرفي . هي فرقة الرؤساء ، وملا شر في تنسب إلى ملا شرف و كان
خليفة الشيخ محمد بالك صاحب الطريقة السهرورية. وكانت منتشرة في تلك
الأنحاء فتغلبت عليها الطريقة النقشبندية . ومن قراهم :
١) وولاش . رئيسهم الشيخ محمد اغا وولاش صار نائباً سنة ١٩٣٨ م وهي
محل اقامته
**
(٢) میركه أصل موطن ملا شرفي .
(٣) گروني .
٤ ) ماكوسه .
ه قسری .
(٦) و آراي .
(٧) ناوکردان .
چومسك
٩) ماونا .<noinclude></noinclude>
nn3a6tlo1ny1ujqd4ip5ogzkih9a4vj
صفحة:عشائر العراق 2.pdf/145
104
308545
626732
620018
2026-10-04T14:26:39Z
حبيشان
52457
تنسيق ويكي
626732
proofread-page
text/x-wiki
<noinclude><pagequality level="1" user="حبيشان" />{{وسط|١٤١}}</noinclude>من قرى عشيرة سكر أو سكري، وهم جميعهم من قبيلة بالك . {{حا|تقرير درويش باشا ص ٨١ .}}
وهذه القبيلة قديمة وفي سياحتنامه حدود ذكر فراها ٤٤ قرية ، وبين ان
بعضهم يذهب للمراعي الصيفية .
{{ع3|عشيرة بالكى|٩}}
يقال ان هذه المشيرة كانت مع عشيرة بالك أولاد عم ولم يتعين انا وجه
الاتصال وان كانت القربي أكيدة وان عشيرة بالكي عشيرة كبيرة ، وموطنها
الأصلي كان يقرب ملاطية ممتدة الى لواء بونان في الجمهورية التركية ، وبناء على
وقوع نزاع ارتحل قسم منهم وجاء الى أنحاء رواندوز وسكن في أطراف ( كلى
علي بك ) أي مضيق علي بك هناك . يرحل أصحاب المواشي منهم صيفاً إلى
المراعي العائدة لهم في الجبال الإيرانية . واذا كان أصل بالك قديم كما مر فلاشك
ان هؤلاء مثلهم في القدم ، وفي سكنى العراق ، والنجار ، والصلة متعينة .
ومن قراهم :
١- سركلي .
هوديان . موطن الرئيس ملا يوسف وهو رئيس الكل .
بادلیان -
- سريشمه رئيسهم كوخه عباس وفي هذه القرية اربع أسرات مالاموس،<noinclude>
{{حواشي}}</noinclude>
p47243qsi1t0itb7z401oyrs0s9v40w
صفحة:عشائر العراق 2.pdf/147
104
308547
626733
620020
2026-10-04T14:27:52Z
حبيشان
52457
تنسيق ويكي
626733
proofread-page
text/x-wiki
<noinclude><pagequality level="1" user="حبيشان" />{{وسط|١٤٣}}</noinclude>{{ع3|عشيرة كرد|١٠}}
أصل هذه العشيرة من ( اسماعيل عزيري ) ، سكنت أطراف كويسنجق
وعرفوا بهذا الاسم ، وصاروا كأنهم عشيرة مستقلة . وأصلهم في ( لواء
السليمانية ) . وقد أوضحنا عن اسماعيل عزيري القول عند ذكر ( قبائل ايل
غواره ) ....
١١
{{ع3|عشيرة الخيلانية|١١}}
يدعون أنهم سادة . ويقيمون في لواء اربل في بأناس . رئيسهم أسمداغا
وقد ورد ذكرهم في سياحتنامه حدود . وهم رحل . وبينهم من هو منتشر
في ألوية أخرى ولكن بقلة ..<noinclude></noinclude>
ogvnsvr5cbxpkq9rfskquo6z3l3m9sc
626734
626733
2026-10-04T14:28:07Z
حبيشان
52457
تدقيق لغوي وإملائي
626734
proofread-page
text/x-wiki
<noinclude><pagequality level="1" user="حبيشان" />{{وسط|١٤٣}}</noinclude>{{ع3|عشيرة كرد|١٠}}
أصل هذه العشيرة من ( اسماعيل عزيري ) ، سكنت أطراف كويسنجق
وعرفوا بهذا الاسم ، وصاروا كأنهم عشيرة مستقلة . وأصلهم في ( لواء
السليمانية ) . وقد أوضحنا عن اسماعيل عزيري القول عند ذكر ( قبائل ايل
غواره ) ....
{{ع3|عشيرة الخيلانية|١١}}
يدعون أنهم سادة . ويقيمون في لواء اربل في بأناس . رئيسهم أسمداغا
وقد ورد ذكرهم في سياحتنامه حدود . وهم رحل . وبينهم من هو منتشر
في ألوية أخرى ولكن بقلة ..<noinclude></noinclude>
lpawruqcnw6tiuh7olhckfgeuorwgo2
صفحة:عشائر العراق 2.pdf/148
104
308548
626735
620021
2026-10-04T15:09:33Z
حبيشان
52457
تنسيق ويكي
626735
proofread-page
text/x-wiki
<noinclude><pagequality level="1" user="حبيشان" />{{وسط|١٤٤}}</noinclude>{{ع3|دیزه یی
وقبائلها|١٢}}
وهذه في الحقيقة امارة وتلفظ ( ديزه يى ) ، وعرفت في التاريخ بـ ( دزدي)
ويقال اصلها دزدطي فتحرفت منها ، وليس بصواب ، وانما هو نيز لا يعلق عليه
كبير أهمية ، وهي من الامارات المهمة في لواء اربل ، وأصلها من قرية ( دزه )
أو أراض معروفة بهذا الاسم في ايران كما هو محفوظ القبيلة ، وكانت تسكن
الخيام ، وفي أيام تقي الدين باشا صارت لهم المكانة ، وحصل رئيسهم على لقب
( باشا ) ، سكنوا أولاً ) كرد ملا ) القرية التابعة ناحية ( قوش تپه ) ثم توسعوا
الى قوش تپه نفسها ، واقاموا فيها ، وكانوا قد جاؤوا من كستان ، ورؤساؤهم
من قبيلة ( قرني اغا ) .
ومنهم تكونت امارة لها مكانتها المعلومة بين امارات اربل ، وقبائلها الكثيرة
تشتغل بالزراعة وتربية المواشي . وبين لغتهم ولغة السليمانية بعض الفروق وان
لغتهم لغة سوران. وقد اكتسبت هذه القبيلة سمة كبيرة وتسكن بين الزابين .
و تفرعت امارتهم الى الفروع التالية :
١- حسن اغابي . منهم في قضاء مخمور .
١) احمد باشا من آل محسين انا . رئيسهم خضر بك .
٢) بايز انا ( بايس ) . رئيسهم حسين مله .<noinclude></noinclude>
3pjrclmk6ionslhudgv18qkr6ru9tgw
صفحة:عشائر العراق 2.pdf/154
104
308554
626736
620027
2026-10-04T15:11:46Z
حبيشان
52457
تنسيق ويكي
626736
proofread-page
text/x-wiki
<noinclude><pagequality level="1" user="حبيشان" />{{وسط|١٥٠}}</noinclude>{{ع4|قبائل دیزه یی}}
هذه القبائل تجمعها الرياسة العامة ، أو الامارة لرؤساء ديزه بي . وهذه أشهر
القبائل المعروفة :
سیان :
وهذه القبيلة تسكن كرده سور أصلها من قبائل پشتکوه . رئيسهم علي انا
ابن اسماعيل اغا. وفروعها كثيرة كما أن قراها عديدة ... بل داخلتها بعض
العشائر ، فتكونت من اختلاط الطوائف. ولا يكاد يفرق بين هذه القبائل أو
الفروع ، وارجاعها الى أصولها ، وبعضها لانزال تسميته تنطق بأصله . وهذه
منتشرة في قوش تپه ، وفي ديبهجه التابعة لمحمود .
وهذه أشهر فروعها :
١) وتك . وفرقهم :
أ - رسول أغابى .
ب حاجي تاج ديني .
ج - بري روته .
د . سالم ي .
ه - كرباريك .
و . أسدي كري . ( تقيل السمع ) .
(٢) تخزيني. وأصلها في عقرة ، ويأتي الكلام عليها في حينها . ومن فروعها :
أ . سوره مو .
ب كاجي .<noinclude></noinclude>
2c5z6bvo0b901f5hzhtl5kfq53zvfce
صفحة:عشائر العراق 2.pdf/157
104
308557
626737
620030
2026-10-04T15:13:24Z
حبيشان
52457
تنسيق ويكي
626737
proofread-page
text/x-wiki
<noinclude><pagequality level="1" user="حبيشان" />{{وسط|١٥٣}}</noinclude>{{ع3|قبيلة زراري|١٣}}
يدعون أنهم في الأصل من العرب من بني ضرار الصحابي المعروف بأخي
خولة ... وهم كرد تابعون لناحية بأناس على طريق رواندوز ، رئيسهم أسمد انا
ان شیخ حسن انا وقد توفي ، وعلاء الدين بن احمد بك ومن رؤسائهم فرحان
انا ابن كريم بك .
وفرقهم :
رشانه ( رش انا ) . رئيسهم علاء الدين بن أحمد بك .
٢- پیربال - رئيسهم میرزا .
باس - رئيسهم أسعد انا ابن الشيخ حسين بن حسن انا .
ويجاورهم عشيرة كردي ، وسورجي ، وميران يكي ، وخوشناو .
و من قراهم :
١) خالوان
(٢) بستورا .
(٣) رشوان .
٤) مام خالان
ه) قپاکیان .
(٩) منداوه .
) أسومليان .
(٨) گردماوان .<noinclude></noinclude>
qcf4b5ih4l4jgos4bovw9penuub241l
صفحة:عشائر العراق 2.pdf/159
104
308559
626738
620032
2026-10-04T15:35:48Z
حبيشان
52457
626738
proofread-page
text/x-wiki
<noinclude><pagequality level="1" user="حبيشان" />{{وسط|١٥٥}}</noinclude>{{ع3|امارة صوران
او
عشيرة ميران بكي|١٤}}
ان صوران في الأصل بقمة خاصة في لواء اربل ، فتوسمت ، وأطلقت على
ما بين الزابين ولفظها محيد من ( سرخ ) بمعنى أحمر الحمرة في صخورها . فينطق
به في لهجة الكرد بـ ( صبر ) أو ( سهر ) او ( صور ) . وجاء ذكرها في نصوص
تاريخية قديمة أقدم بكثير مما بينه صاحب الشرفنامة ، فقد ورد في الكتب العربية
( سحر ) ، والقوم السحرة كما في المسعودي ....
وأقدم نص عزنا عليه قد توسع في ذكرها ماجاء في مسالك الابصار قال :
ويلي يسار وأعمالها وتل حنتون وبلادها ( بلاد السهرية ( المشهورين
باللصوصية وهي من بلاد شقلاباد {{حا|هذه البلدة معروفة قبل أن يخلف شاء قلي الذي يزعم أنه بانيها ، وان المقاربة
اللفظية توقع بالخلاط امثال هذه كثيرة}} والدربند الكبير . وهم قوم لا يبلغ عددهم
الفا، وجبالهم عاصية ، ودر بندهم بين جبلين شاهقين يشقها الزاب الكبير ... وعم
أهل غدر وخديمة ، وقبائح شنيمة ، ولا يستطيع المسافر مدافعتهم فيه ... أميرهم
الحسام ابن عم قميان . ويجاورهم الزرارية ... اه (٣)
ومن هنا فعلم أن امارتهم هذه لم يتعرض لها صاحب الشرفنامة ، وتوضح أن
(٢) مسالك الابصار جزء ثالث . مخطوط في أبا صوفيا .<noinclude>
{{حواشي}}</noinclude>
ox2wafvfyc40b3192mu6fnll4zqf0ps
صفحة:عشائر العراق 2.pdf/162
104
308562
626739
620035
2026-10-04T15:36:41Z
حبيشان
52457
تنسيق ويكي
626739
proofread-page
text/x-wiki
<noinclude><pagequality level="1" user="حبيشان" />{{وسط|١٥٨}}</noinclude>{{ع2|لواء كركوك}}
{{ع3|قبيلة صالحي
أو
ساله یی|١}}
يقولون أنهم أولاد صالح بن جميل الذي تنتسب اليه القبيلة المعروفة ( بنو جميل ))
وهؤلاء نسبوا إلى صالح المذكور فقيل ( صالحي » ، ونطقوا به ساله بي ، وفي
الكتب تسمى صالحي أو صالحية، وفراهم نحو خمسين قرية منها في لواء اربل ،
ومنها في لواء كركوك . رئيسهم ظاهر ابن شيخ سعيد . وهذه القبيلة كبيرة
جداً ، من القبائل المشهورة في لواء كركوك . وهى كسائر قبائل الكرد متدينة ،
وعقيدتها جيدة ، ومن السهل أن يتولاها رجال الدين ، أو أصحاب الطرق لادارة
شئونها كما وقع فعلاً ، فقد ولي رياستها أناس اشتهروا بالتصوف وذلك أن
من
رؤساء هذه القبيلة أصلهم من الهند ، جاؤا منذ مائة وخمسين سنة ، وأول
جاء هدي اسمه الشيخ أسعد ، مدفون في عقرة ، جاء الى ناحية ( التون
كوبري » ، وعمل له تكيه صومعة او مكان عبادة في أنحاء قرية ( قرادره ) الواقعة
على وادي قرادره وأن هذه الصومعة كهف يسمى الآن ( تكية ) بدأ فيها
بالزهد والتقوى ، وتسلط على روحية هذه المشيرة ...
ولما مات خلفه ابنه الشيخ سعد الدين فولي المشيخة مكانه . وله أولاد آخرون<noinclude></noinclude>
pkjoz4mq5peugkhkapo01zoycwgk9vf
صفحة:عشائر العراق 2.pdf/165
104
308565
626740
620038
2026-10-04T15:37:46Z
حبيشان
52457
626740
proofread-page
text/x-wiki
<noinclude><pagequality level="1" user="حبيشان" />{{وسط|١٦١}}</noinclude>{{ع3|عشيرة شيخ بزینی|٢}}
هذه القبيلة لم أجد لها ذكراً قديماً ، ولم أر من تعرض لذكرها الا أن صاحب
الشرفنامة {{حا|الشرفنامة ص ١٥٩ .}} قد ذكر عشيرة شيخ بزني وعدها من عشائر الجزيرة ولا يبعدان
تكون قد مالت الى مواطنها في كركوك، واربل لأمور اقتضت ذلك، وضرورات
قاهرة ، ولها نظائر كثيرة ... وتعد أكبر من قبيلة ساله يي . ولا شك أن في هذا
مبالغة ظاهرة ومواطنها في ناحية شوان وهي ١٣٠ قرية ، ورئيسهم في أنحاء
كركوك كريم انا ابن عمر انا ، وعلي بن توفيق انا ومنهم من يعد الك منهم
وليس بصواب . ورئيسهم في أطراف كويسنجق شريف انا وقسم منهم تابع
لجمجمال في طقطق من كركوك .
وتتفرع الى :
١- حاجي حمزي .
٢- ملا عباسي.
والظاهر أنها حديثة التكون أو الورود الى هذا الدواء ولم تقطع فيما ترجع
اليه من القبائل الكبرى .
والمسموع أن قبيلة اللك تتفرع الى :
١ روزبهاني .
٢ شیخ بزيني .
ولهذا تكون من قبائل اللك ، وهو الأقرب ، وان نسبتهم إلى الجزيرة بعيدة
وان كانت غير مستحيلة .<noinclude>
{{حواشي}}</noinclude>
5o13k8oqum65fiezsma4k2bcfga6r5k
صفحة:عشائر العراق 2.pdf/167
104
308567
626741
620040
2026-10-04T15:38:25Z
حبيشان
52457
626741
proofread-page
text/x-wiki
<noinclude><pagequality level="1" user="حبيشان" />{{وسط|١٦٣}}</noinclude>٢٣- لك .
ومن هنا يلاحظ أن القبائل مختلطة لا في هذه القبيلة وحدها ، وان اللك
دخلوا بينهم ، وليسوا منهم ، وربما كان قد اختلط بهم آخرون . وقد سبق أن
ذكرنا أن القرية هي المجتمع الصغير ، ومن مجموع قرى تكونت القبيلة ، فالامارة ،
فلا ينبغي أن تفكر في الأصول والفروع كثيراً .
{{ع3|قبيلة شوان|٣}}
وهذه قبيلة كبيرة من القبائل الكردية ، ويقال ان أصلهم قبيلة ( شهوان )
العربية ، ومنهم من يقول ( شوان ) بمعنى الراعي، واللفظة مأخوذة منه . وكلهم
اليوم كرد . وتتكون هذه القبيلة من ٧٢ قرية ، وتسمى الناحية باسمها (شوان)
وهي تابعة لمركز قضاء كركوك . ومركز الناحية ( ريدار ) ، وتقع على طريق
كركوك - كويسنجق ، وهى أقرب الى كركوك .
وتتفرع الى :
شوان كوشك . وينطق بها ( كيشك ) رئيسهم رجب بن رمضان
وتتفرع هذه الفرقة الى :
١ ) جليلي .
(٢) اسماعيلي ويقال نجه خاني.
٣) ابراهيم اغابي .
شوان سر خاصه . وهذه تتفرع الى :<noinclude></noinclude>
h65cba345t1cxdxhdsbcd8p73ro7x1f
صفحة:عشائر العراق 2.pdf/168
104
308568
626742
620041
2026-10-04T15:39:34Z
حبيشان
52457
626742
proofread-page
text/x-wiki
<noinclude><pagequality level="1" user="حبيشان" />{{وسط|١٦٤}}</noinclude>١) ابراهیم آغايي .
(٢) جليلي .
هذا . وان غالب فرقة كيشك تنتسب الى الطريقة النقشبندية من اتباع
الشيخ عبدالكريم شوده له وكانوا على الطريقة القادرية وغالب معيشتها على تربية
المواشي والزراعة ..
{{ع3|قبيلة جباري|٤}}
ساده کرد. رئيسهم سيد محمد والآن ابنه يسكنون في كل {{حا|كانت ناحية والآن قرية ، وفيها نفط وتلفظ (كيل ) .}} ، في قرية
هناك ، وهؤلاء وان كانوا سادة لا يعرفون من لغتهم العربية شيئاً ، وقد مجاهم
الشيخ رضا الطالباني من جراء العداء الذي كان بينهم وبين الطالبانية .
وهؤلاء في أنحاء كركوك ، وهم من العشائر المعروفة ... ولهم المكانة في
اللواء ، ولا يختلفون عن سائر القبائل والاستاذ معروف الرصافي الشاعر أصله
من هذه القبيلة .<noinclude>
{{حواشي}}</noinclude>
b6fz57dzzxgeo728dlrbc0wokz96a99
صفحة:عشائر العراق 2.pdf/169
104
308569
626743
620042
2026-10-04T15:40:25Z
حبيشان
52457
626743
proofread-page
text/x-wiki
<noinclude><pagequality level="1" user="حبيشان" />{{وسط|١٦٥}}</noinclude>{{ع3|قبائل داوده|٥}}
ويقال داوودي . وهؤلاء من عشائر العراق ، وقراهم عديدة ، ومجموعتهم
كبيرة جداً ، يسكنون في لواء كركوك قسم منهم في انحاء طاووق ( دقوقا ) ،
وآخرون في طوز خورماتو . وهذه القبيلة تكاد تعادل أصلها وهي من قبائل
( کلهر ) {{حا|يأتي الكلام عليها عند ذكر قبائل الحدود .}} ، ورؤساؤها وردوا العراق من نحو مائة وخمسين سنة لما حدث بين
امرائهم من حالات نفرة وعداء ، فتولوا رئاسة قراهم العديدة التي كانت متوطنة .
العراق .
وأول من جاء حتي بك وهو من الامراء ومنه تفرع الرؤساء . وهذه سلسلة
نسبهم
مصطف
محمد
عبدالرحمن اغا
اسماعیل
ناصر اغا
علي اغا ، ابراهيم ، محمد باقر ، رفعة .
محمد بك اسماعيل محمد خورشيد
عيسى انا |
دارا بك رفعة
محمد أمين
عزيز اغا<noinclude>
{{حواشي}}</noinclude>
bjyf462e1wf8x249twtsvs4xp6af8ef
صفحة:عشائر العراق 2.pdf/175
104
308575
626745
620048
2026-10-04T15:41:50Z
حبيشان
52457
تنسيق ويكي
626745
proofread-page
text/x-wiki
<noinclude><pagequality level="1" user="حبيشان" />{{وسط|١٧١}}</noinclude>{{ع3|عشيرة الدلو|٦}}
يسكنون في أنحاء كفري ، وفي أنحاء خانقين ، وأصل رئيسهم في خانقين في
مقاطعة الكهريز، ومنهم بيت البيرقدار ، كان يحمل بيرق ( علم ) البابان والآن هذا
البيت يقيم في أنحاء الصلاحية ( كفري). وهم كرد رئيسهم محمود بك، وكان رئيسهم
قبله ويسي بك . وهذا توفي والآن ابنه علي بك وهم شافعية المذهب ، وعددهم
نحو خمسمائة بيت . يسكنون في قربة (آوه سبي ) .
ومنهم الشقي المشهور كمر خان عاث بالأمن مدة، وهؤلاء جميعاً أهل قرى...
وفرقهم :
١- جامويسي ورؤساؤهم ( اليكزاده ) رئيسهم محمود بك
٢ - كجي . رئيسهم حسن بن احمد بكر . وهم أصحاب الجص .
تلكه ولي . رئيسهم خسرو بن حسن نادر .
لوتي :
ه کاخور .
وهذه أشهر قراهم في كفري :
{{حا|تپه چرمك ( التل الابيض ) .
ه ) سر قلمه .}} کهریز
٢) کنگربان .
كلابه ) بتفخيم اللام ( أو كلاباد .<noinclude>
{{حواشي}}</noinclude>
5o21ftgjxfgqu5hm8u98rqf05nygmlf
صفحة:عشائر العراق 2.pdf/177
104
308577
626746
620050
2026-10-04T15:42:36Z
حبيشان
52457
تنسيق ويكي
626746
proofread-page
text/x-wiki
<noinclude><pagequality level="1" user="حبيشان" />{{وسط|١٧٣}}</noinclude>{{ع3|قبيلة الزند|٧}}
هؤلاء في العراق ، ورئيسهم كوخه غني ابن ملا درويش ، وهم سنة في
حين أن الإبرانيين منهم غلاة على مذهب ( الغرابية ) ، وقبيلتهم كردية منتشرة
كثيراً ، ومنها كريم خان الزند المتسلط على ايران، وكان قد استولى على البصرة
ويقيمون في العراق في مقاطعة زنكاباد ، وكانت هذه المقاطعة تعد لواء أيام
السلطان سليمان القانوني ، وفيها ( حق القرار ) معتبر في أراضيها الأميرية، وهي
على شاطيء ديالى
ومما يحكى ان أحمد باشا البابان كان قد مر بهم ومضى الى بغداد ففقد خرجه
المسمى بـ ( سيسه خانه » ، فدعا ٦٠٠ خيال من جيشه في السليمانية ، وعدهم ان
يحضروا في اليوم المعين ، فحا زنكاباد ، وفر ثيرانهم الى تل هناك ويراد به
شجعانهم ومن ثم سمي ( كلان {{حا|بالكاف العربية وتفخيم اللام .}} ، ولم يبق من زنكاباد أثراً .
و فراهم :
١- قله جو النهر الصغير .
سه تیان .
للبن
ا فيجي فريق ( مكسور الرجل ) ، ومنهم من يلفظها ( فرجي فريق )
ه قبة .
٦- بان صنوق ( فوق الصندوق ) .
حاجیلر .<noinclude>
{{حواشي}}</noinclude>
gnd4ftmg08mz4m4vp6zaeotz1l3188v
صفحة:عشائر العراق 2.pdf/179
104
308579
627462
620052
2026-10-04T16:38:14Z
حبيشان
52457
تنسيق ويكي
627462
proofread-page
text/x-wiki
<noinclude><pagequality level="1" user="حبيشان" />{{وسط|١٧٥}}</noinclude>{{ع٣|قبيلة زنكنه|٨}}
كان رئيسهم عبدالكريم انا ابن محمد انا ، وجلال ان عبدالكريم بن وادي ،
وغفور انا ابن جاسم اغا ، ويسكنون بين كفري والسليمانية ، ويقبعون (كل) ،
أو (كيل ) ، وتسمى اراضيهم خان ابراهيم خانجي في منطقة آوه سبي ( الماء
الابيض ) ، وكلهم لا ينطقون بغير اللغة الكردية الا ما كان بسبب المجاورة.
وفي مجلة يادكار لسنة ١٩٤٧ م جاء ذكر هذه القبيلة ، وبيان مكانتها في
ایران مع ذكر فروعها ومواطن سكناها ، وتفرقها وانتشارها .. فموضوع بحثنا
عشائر العراق وهذه القبيلة سكنت من امد بعيد جداً
وجاء ذكرها في الشرفنامة {{حا|الشرفنامة من ١٢٣ و ٤٣١ .}} ولم يفصل أحوالها كما فصلته بإذكار المذكورة
ولم يتعرض لأصلهم ... وفي عنوان المجد اكتفى بقوله كثيرة ولم يزد على
ذلك {{حا|عنوان المجد ص ١٦٦ .}}.
و يقال أن أصلهم من بني أسد ، ويعدون من اغنيائهم ولهذا عرفوا بهذا
الاسم ولم نجد ما يؤيد هذا القول . فهم اليوم لا يفترقون عن سائر الاكراد سواء
في لهجاتهم، أو في أوضاعهم وطباعهم ... ولا أثر للعربية فيهم ... وهم على
المذهب السني . وكان لهم اثر كبير ، ومكانة ممتازة بين القبائل .
وقراهم :
:
ا - ملاهوس .
٢- گراوي<noinclude>
{{حواشي}}</noinclude>
omrsnkvdwvlc2qly8jb8oqp4z7lyrza
صفحة:عشائر العراق 2.pdf/181
104
308581
626747
620054
2026-10-04T15:45:02Z
حبيشان
52457
626747
proofread-page
text/x-wiki
<noinclude><pagequality level="1" user="حبيشان" />{{وسط|١٧٧}}</noinclude>{{ع3|عشيرة كيج|٩}}
ويقال لهم ( كير ( ايضا وهو موطن حلوه فعرفوا به ، ويسكنون
يالغوز اناج في قره تپه ( في مقاطعة نارين ) . وهم في قلة ، الا أنهم كرد لا شائبة
فيهم . وجاء ذكرهم في الشرفنامة وانهم من عشائر ايران )
والمؤسف أننا لم نتمكن من معرفة الصلة بين هؤلاء وأصولهم او ما نفرعوا
عنه من قبائل الكرد الأصلية لما حدث من تبدل أو تحول في تلك الأنحاء من
تيارات الهجرة المختافة كما هو ثابت بوقائع كثيرة دعت الى الانتقال والاقامة في
مواطن نائية . ورئيسهم جاسم بن حسن بن سعيد ومن رؤسائهم كا كي ...
وهم :
١ بگزاده .
٢- گیج .
وقراهم :
١) سرهنك.
(٢) مرجان .
ولي حيدر . ويسكنها غيرهم .
كبير .
ه ) عمر اغا خان .
٦) بالفوزاناج .
(١) الشرفنامة ص ٤٢٤ .<noinclude></noinclude>
axm084nfeqby1t4uhfp584wcs121707
صفحة:عشائر العراق 2.pdf/182
104
308582
626748
620055
2026-10-04T15:45:45Z
حبيشان
52457
تنسيق ويكي
626748
proofread-page
text/x-wiki
<noinclude><pagequality level="1" user="حبيشان" />{{وسط|١٧٨}}</noinclude>{{ع3|پالانی|١٠}}
وهؤلاء في ( محنة آباد ) التابعة لكفري ) الصلاحية ) ، ومواطنهم بين
الكروية والزند ، على كتف ديالى ، ورئيسهم رسم انا ابن عبد الرحمن اغا ، ويقيم
في قرية ( شيخ بابا ) ، وهناك مزار معروف بهذا الاسم ، وفيه غابة وعين ماء ،
واكثر من روعاتهم الأرز ، ومذهبهم سني .
ومن قرام في قره تپه :
١) علوش .
٢ ) أمين حبيب .
٣) شیخ بابا .
٤ ) قدهم معروف .
ه کنه سور .
٦) تپه چرميك .
(٧) بیانلو .
(٨) پنبه باغ .<noinclude></noinclude>
hpwzb4fqldr6jxahbnv74dakbhsiggi
فهرس:عشائر العراق 3.pdf
106
308600
627497
621083
2026-10-05T10:26:56Z
حبيشان
52457
627497
proofread-index
text/x-wiki
{{:MediaWiki:Proofreadpage_index_template
|النوع=book
|العنوان=عشائر العراق
|Language=ar
|الجزء=3
|المؤلف=[[مؤلف:عباس العزاوي|عباس العزاوي]]
|المترجم=
|المحقق=
|المحرر=
|الرسام=
|المدرسة=
|الناشر=مطبعة المعارف
|المكان=بغداد
|السنة=1374هـ - 1955م
|Key=
|ISBN=
|OCLC=4770915978
|LCCN=
|BNF_ARK=
|ARC=
|DOI=
|المصدر=pdf
|الصورة=7
|الحالة=MS
|Transclusion=no
|Validation_date=
|الصفحات=<pagelist
7="غلاف"
1to6="-"
8="-"
9="غلاف"
10="2"
401to406="-"
10to399="arab"
400="غلاف"
399="-"
397to398="إعلان"
396="-"
17="img"
18="-"
19="9"
27="img"
28="-"
29="17"
37="img"
38="-"
39="25"
47="img"
48="-"
49="33"
57="img"
58="-"
59="41"
67="img"
68="-"
69="49"
77="img"
78="-"
79="57"
87="img"
88="-"
89="65"
97="img"
98="-"
99="73"
107="img"
108="-"
109="81"
125="img"
126="-"
127="97"
143="img"
144="-"
145="113"
161="img"
162="-"
163="129"
179="img"
180="-"
181="145"
197="img"
198="-"
199="161"
215="img"
216="-"
217="177"
233="img"
234="-"
235="193"
251="img"
252="-"
253="209"
269="img"
270="-"
271="225"
287="img"
288="-"
289="241"
305="img"
306="-"
307="257"
323="img"
324="-"
325="273"
341="img"
342="-"
343="289"
359="img"
360="-"
361="305"
377="img"
378="-"
379="321"
395="img"
413="img"
414="-"
415="353"
431="img"
432="-"
433="369"
449="img"
450="-"
451="385"
467="img"
468="-"
469="401" />
|الأجزاء=<div>{{وصلة إنجاز فهرس|فهرس:عشائر العراق 1.pdf|1}}
• {{وصلة إنجاز فهرس|فهرس:عشائر العراق 2.pdf|2}}
• {{وصلة إنجاز فهرس|فهرس:عشائر العراق 3.pdf|3}}
• {{وصلة إنجاز فهرس|فهرس:عشائر العراق 4.pdf|4}}
</div>
|الملاحظات=عام:تنسيق أرقام الصفحات=مشرقية
{{!}}جدول محتويات:فاصل=**
{{!}}جدول محتويات:نمط الجدول=صفحة مدخل
|Width=
|Header={{وسط|{{{pagenum}}}}}
|Footer=
|wikidata=Q120096684
|NumberFormat=arab
}}
[[تصنيف:أنساب]]
[[تصنيف:العراق]]
4b4jgqeqs10kg8v47l0hguvfrxptz3o
نقاش المستخدم:يحيى الركيبات
3
309750
626744
621494
2026-10-04T15:40:27Z
MenoBot
1263
بوت: إصلاح التحويلة المكسورة من نقاش المستخدم:AhmedX2q22 إلى صفحة الهدف المنقولة [[نقاش المستخدم:Renamed user 83c13cdb924ab8bbd3057d5cc2445cdd]]
626744
wikitext
text/x-wiki
#تحويل [[نقاش المستخدم:Renamed user 83c13cdb924ab8bbd3057d5cc2445cdd]]
6htn9b4jqg00dmu202lru1c9g59f64g
فهرس:عشائر العراق 2.pdf/styles.css
106
314315
626723
2026-10-04T13:59:04Z
حبيشان
52457
أنشأ الصفحة ب'.references::before { content: ""; display: block; width: 30%; /* عدل حسب عرض الخط الفاصل للحواشي */ height: 2px; background-color: black; margin-bottom: 10px; margin-right: -1.3em; } h2, .mw-heading2, h3, .mw-heading3 { text-align: center; border: none; font-family: Amiri; }'
626723
sanitized-css
text/css
.references::before {
content: "";
display: block;
width: 30%; /* عدل حسب عرض الخط الفاصل للحواشي */
height: 2px;
background-color: black;
margin-bottom: 10px;
margin-right: -1.3em;
}
h2, .mw-heading2,
h3, .mw-heading3 {
text-align: center;
border: none;
font-family: Amiri;
}
t2nvelttqscnw4v7h8n3wx9o8u66d2o
فهرس:عشائر العراق 3.pdf/styles.css
106
314316
626724
2026-10-04T14:06:25Z
حبيشان
52457
أنشأ الصفحة ب'.references::before { content: ""; display: block; width: 30%; /* عدل حسب عرض الخط الفاصل للحواشي */ height: 2px; background-color: black; margin-bottom: 10px; margin-right: -1.3em; } h2, .mw-heading2, h3, .mw-heading3 { text-align: center; border: none; font-family: Amiri; }'
626724
sanitized-css
text/css
.references::before {
content: "";
display: block;
width: 30%; /* عدل حسب عرض الخط الفاصل للحواشي */
height: 2px;
background-color: black;
margin-bottom: 10px;
margin-right: -1.3em;
}
h2, .mw-heading2,
h3, .mw-heading3 {
text-align: center;
border: none;
font-family: Amiri;
}
t2nvelttqscnw4v7h8n3wx9o8u66d2o
فهرس:عشائر العراق 4.pdf/styles.css
106
314317
626725
2026-10-04T14:06:42Z
حبيشان
52457
أنشأ الصفحة ب'.references::before { content: ""; display: block; width: 30%; /* عدل حسب عرض الخط الفاصل للحواشي */ height: 2px; background-color: black; margin-bottom: 10px; margin-right: -1.3em; } h2, .mw-heading2, h3, .mw-heading3 { text-align: center; border: none; font-family: Amiri; }'
626725
sanitized-css
text/css
.references::before {
content: "";
display: block;
width: 30%; /* عدل حسب عرض الخط الفاصل للحواشي */
height: 2px;
background-color: black;
margin-bottom: 10px;
margin-right: -1.3em;
}
h2, .mw-heading2,
h3, .mw-heading3 {
text-align: center;
border: none;
font-family: Amiri;
}
t2nvelttqscnw4v7h8n3wx9o8u66d2o
تصنيف:Author-PD-old-80-US
14
314318
626752
2026-10-04T16:24:37Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
626752
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:Block based templates
14
314319
626753
2026-10-04T16:24:53Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
626753
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:Box templates
14
314320
626754
2026-10-04T16:24:54Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
626754
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:En
14
314321
626755
2026-10-04T16:24:55Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
626755
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:Exported templates used only on Mediawiki commons
14
314322
626756
2026-10-04T16:24:56Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
626756
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:Formatting templates
14
314323
626757
2026-10-04T16:24:57Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
626757
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:Index pages with pagelist tags with invalid intervals
14
314324
626758
2026-10-04T16:24:58Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
626758
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:Internal link templates
14
314325
626759
2026-10-04T16:24:59Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
626759
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:Interwiki category linking templates
14
314326
626760
2026-10-04T16:25:00Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
626760
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:Interwiki template linking templates
14
314327
626761
2026-10-04T16:25:01Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
626761
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:Interwiki template-links-tagging templates
14
314328
626762
2026-10-04T16:25:02Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
626762
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:Interwiki templates on all sisterprojects
14
314329
626763
2026-10-04T16:25:03Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
626763
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:Interwiki utility templates
14
314330
626764
2026-10-04T16:25:04Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
626764
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:Opted-out of message delivery
14
314331
626765
2026-10-04T16:25:05Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
626765
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:PD-UN
14
314332
626766
2026-10-04T16:25:06Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
626766
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:PD-old-60-US
14
314333
626767
2026-10-04T16:25:07Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
626767
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:Page breaks with a label
14
314334
626768
2026-10-04T16:25:08Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
626768
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:Page breaks with a non-default label
14
314335
626769
2026-10-04T16:25:09Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
626769
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:Pages with authority control data
14
314336
626770
2026-10-04T16:25:10Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
626770
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:Placeholder templates
14
314337
626771
2026-10-04T16:25:11Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
626771
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:Programming templates
14
314338
626772
2026-10-04T16:25:12Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
626772
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:Sidenotes templates
14
314339
626773
2026-10-04T16:25:13Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
626773
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:Span based templates
14
314340
626774
2026-10-04T16:25:14Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
626774
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:Template documentation
14
314341
626775
2026-10-04T16:25:15Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
626775
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:Template templates
14
314342
626776
2026-10-04T16:25:16Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
626776
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:Templates used in categories
14
314343
626777
2026-10-04T16:25:17Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
626777
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:Typing-aid templates
14
314344
626778
2026-10-04T16:25:18Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
626778
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:UN Security Council Resolutions in 2010
14
314345
626779
2026-10-04T16:25:19Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
626779
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:UN Security Council Resolutions in 2011
14
314346
626780
2026-10-04T16:25:20Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
626780
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:UN Security Council Resolutions in 2012
14
314347
626781
2026-10-04T16:25:21Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
626781
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:WikiProject Portals
14
314348
626782
2026-10-04T16:25:22Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
626782
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:WikiProject template sharing loose ends
14
314349
626783
2026-10-04T16:25:23Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
626783
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:Wikimedia Foundation staff
14
314350
626784
2026-10-04T16:25:24Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
626784
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:Wikimedians banned by the WMF
14
314351
626785
2026-10-04T16:25:25Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
626785
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:Wikipedia pages with incorrect protection templates
14
314352
626786
2026-10-04T16:25:26Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
626786
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:Wikipedia pages with strange
14
314353
626787
2026-10-04T16:25:27Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
626787
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:أبو حيان الغرناطي
14
314354
626788
2026-10-04T16:25:28Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
626788
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:أبو دلامة
14
314355
626789
2026-10-04T16:25:29Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
626789
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:أبو مسلم البهلاني العماني
14
314356
626790
2026-10-04T16:25:30Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
626790
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:أبو منصور الثعالبي
14
314357
626791
2026-10-04T16:25:31Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
626791
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:أبو يعقوب السكاكي
14
314358
626792
2026-10-04T16:25:38Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
626792
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:أحياء
14
314359
626793
2026-10-04T16:25:39Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
626793
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:أدوات تصنيف ويكي مصدر
14
314360
626794
2026-10-04T16:25:40Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
626794
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:أدوات ويكي مصدر
14
314361
626795
2026-10-04T16:25:42Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
626795
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:أسئلة ويكي مصدر المتكررة
14
314362
626796
2026-10-04T16:25:44Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
626796
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:أشخاص على قيد الحياة
14
314363
626797
2026-10-04T16:25:45Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
626797
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:أشخاص من قبيلة مطير
14
314364
626798
2026-10-04T16:25:46Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
626798
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:أشعاار عباس العقاد
14
314365
626799
2026-10-04T16:25:47Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
626799
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:أعلام كتّاب لبنانيون اديب وروائي لبناني
14
314366
626800
2026-10-04T16:25:48Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
626800
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:أعمال 1286هـ
14
314367
626801
2026-10-04T16:25:49Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
626801
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:أعمال 13 أكتوبر 2025
14
314368
626802
2026-10-04T16:25:50Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
626802
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:أعمال 1348 هـ
14
314369
626803
2026-10-04T16:25:51Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
626803
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:أعمال 1349هـ
14
314370
626804
2026-10-04T16:25:53Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
626804
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:أعمال 1351 هـ
14
314371
626805
2026-10-04T16:25:54Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
626805
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:أعمال 2020
14
314372
626806
2026-10-04T16:25:56Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
626806
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:أعمال 2021
14
314373
626807
2026-10-04T16:25:58Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
626807
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:أعمال 2022
14
314374
626808
2026-10-04T16:25:59Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
626808
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:أعمال 2023
14
314375
626809
2026-10-04T16:26:00Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
626809
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:أعمال 2024
14
314376
626810
2026-10-04T16:26:01Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
626810
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:أعمال 2025
14
314377
626811
2026-10-04T16:26:02Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
626811
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:أعمال 2026
14
314378
626812
2026-10-04T16:26:03Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
626812
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:أعمال أحمد محمد قايد ناجي
14
314379
626813
2026-10-04T16:26:04Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
626813
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:أعمال القرن 21 ق م
14
314380
626814
2026-10-04T16:26:05Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
626814
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:أعمال في الملكية العامة في المغرب
14
314381
626815
2026-10-04T16:26:06Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
626815
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:أعمال قرن 1
14
314382
626816
2026-10-04T16:26:07Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
626816
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:أفنون التغلبي
14
314383
626817
2026-10-04T16:26:08Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
626817
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:أمين تقي الدين
14
314384
626818
2026-10-04T16:26:09Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
626818
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:أَبو الحسن المُنَجّم
14
314385
626819
2026-10-04T16:26:10Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
626819
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:إبراهيم الأسطى
14
314386
626820
2026-10-04T16:26:11Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
626820
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:إبراهيم العاملي
14
314387
626821
2026-10-04T16:26:12Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
626821
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:إبراهيم بن المهدي
14
314388
626822
2026-10-04T16:26:13Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
626822
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:إبراهيم بن عبد القادر الرِّيَاحي
14
314389
626823
2026-10-04T16:26:14Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
626823
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:إبراهيم بن قيس
14
314390
626824
2026-10-04T16:26:15Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
626824
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:إبراهيم بن محمد الخليفة
14
314391
626825
2026-10-04T16:26:16Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
626825
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:إبراهيم مرزوق
14
314392
626826
2026-10-04T16:26:17Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
626826
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:إتفاقية أوسلو
14
314393
626827
2026-10-04T16:26:18Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
626827
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:إدارة ويكي مصدر
14
314394
626828
2026-10-04T16:26:19Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
626828
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:إرشاد الفحول إلى تحقيق الحق من علم الأصول:مطبوع
14
314395
626829
2026-10-04T16:26:20Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
626829
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:إرشادات محتوى ويكي مصدر
14
314396
626830
2026-10-04T16:26:21Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
626830
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:إسحاق نيوتن
14
314397
626831
2026-10-04T16:26:22Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
626831
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:إلياس أبو شبكة
14
314398
626832
2026-10-04T16:26:23Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
626832
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:إنذار واستتابة ويل للعرب من شر قد اقترب:مطبوع
14
314399
626833
2026-10-04T16:26:24Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
626833
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:ابراهيم الأسود
14
314400
626834
2026-10-04T16:26:25Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
626834
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:ابن أبي داود
14
314401
626835
2026-10-04T16:26:26Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
626835
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:ابن الزقاق البلنسي
14
314402
626836
2026-10-04T16:26:28Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
626836
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:ابن الزيات
14
314403
626837
2026-10-04T16:26:29Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
626837
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:ابن الفارض
14
314404
626838
2026-10-04T16:26:30Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
626838
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:ابن باجة
14
314405
626839
2026-10-04T16:26:31Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
626839
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:ابن بدران
14
314406
626840
2026-10-04T16:26:32Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
626840
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:ابن حجاج
14
314407
626841
2026-10-04T16:26:33Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
626841
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:ابن حيوس
14
314408
626842
2026-10-04T16:26:34Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
626842
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:ابن زريق البغدادي
14
314409
626843
2026-10-04T16:26:35Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
626843
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:ابن شهاب
14
314410
626844
2026-10-04T16:26:36Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
626844
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:ابن شيخان السالمي
14
314411
626845
2026-10-04T16:26:37Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
626845
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:ابن عرفة
14
314412
626846
2026-10-04T16:26:38Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
626846
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:ابن عنين
14
314413
626847
2026-10-04T16:26:39Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
626847
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:ابن مشرف
14
314414
626848
2026-10-04T16:26:40Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
626848
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:اتفاقية المرسى
14
314415
626849
2026-10-04T16:26:41Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
626849
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:الأمالي الشجرية:مطبوع
14
314416
626850
2026-10-04T16:26:42Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
626850
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:الأمالي للقاسم القالي البغدادي:مطبوع
14
314417
626851
2026-10-04T16:26:43Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
626851
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:الأنساب للسمعاني:مطبوع
14
314418
626852
2026-10-04T16:26:45Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
626852
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:الإدريسي
14
314419
626853
2026-10-04T16:26:46Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
626853
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:الإمام الثاني عشر
14
314420
626854
2026-10-04T16:26:47Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
626854
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:البتاني
14
314421
626855
2026-10-04T16:26:48Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
626855
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:البرهان القاطع في إثبات الصانع وجميع ما جاءت به الشرائع:مطبوع
14
314422
626856
2026-10-04T16:26:49Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
626856
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:البوصيري
14
314423
626857
2026-10-04T16:26:50Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
626857
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:التحف في مذاهب السلف:مطبوع
14
314424
626858
2026-10-04T16:26:51Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
626858
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:التعليق الفخري:مطبوع
14
314425
626859
2026-10-04T16:26:52Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
626859
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:التفـسيرات الأحمدية في بيان الآيات الشرعية:مطبوع
14
314426
626860
2026-10-04T16:26:53Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
626860
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:التنبئة لمن يبعث الله على رأس كل مائة
14
314427
626861
2026-10-04T16:26:54Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
626861
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:التنبيه لأبي عبيد البكري:مطبوع
14
314428
626862
2026-10-04T16:26:55Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
626862
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:الجريدة الرسمية الاردنية
14
314429
626863
2026-10-04T16:26:56Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
626863
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:الجنسين
14
314430
626864
2026-10-04T16:26:57Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
626864
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح:مطبوع
14
314431
626865
2026-10-04T16:26:58Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
626865
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:الجواب الفسيح لما لفقه عبد المسيح:مطبوع
14
314432
626866
2026-10-04T16:26:59Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
626866
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:الحبل المتين على نظم المرشد المعين على الضروري من علوم الدين في مذهب الإمام مالك:مطبوع
14
314433
626867
2026-10-04T16:27:00Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
626867
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:الحداد القيسي
14
314434
626868
2026-10-04T16:27:01Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
626868
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:الحصري القيرواني
14
314435
626869
2026-10-04T16:27:02Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
626869
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:الحلاج
14
314436
626870
2026-10-04T16:27:03Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
626870
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:الخالديان
14
314437
626871
2026-10-04T16:27:04Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
626871
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:الخلاصة اللاهوتية
14
314438
626872
2026-10-04T16:27:05Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
626872
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:الدراري المضية شرح الدرر البهية:مطبوع
14
314439
626873
2026-10-04T16:27:06Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
626873
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:الديباج لأبي عبيدة
14
314440
626874
2026-10-04T16:27:07Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
626874
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:الرياض المستطابة في جملة من روى في الصحيحين من الصحابة:مطبوع
14
314441
626875
2026-10-04T16:27:08Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
626875
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:الرياضيات
14
314442
626876
2026-10-04T16:27:09Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
626876
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:السهروردي المقتول
14
314443
626877
2026-10-04T16:27:10Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
626877
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:السياسة الاسلامية
14
314444
626878
2026-10-04T16:27:11Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
626878
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:السيد الحميري
14
314445
626879
2026-10-04T16:27:12Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
626879
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:الشرع واللغة:مطبوع
14
314446
626880
2026-10-04T16:27:13Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
626880
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:الشريف الجرجاني
14
314447
626881
2026-10-04T16:27:14Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
626881
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:الشماخ بن ضرار
14
314448
626882
2026-10-04T16:27:16Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
626882
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:الصفحات التي تستخدم سمات enclose مهجورة
14
314449
626883
2026-10-04T16:27:18Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
626883
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:الصفحات التي تستخدم علامات المصدر الموقوفة
14
314450
626884
2026-10-04T16:27:19Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
626884
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:العباس بن الأحنف
14
314451
626885
2026-10-04T16:27:20Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
626885
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:العلاقات الإسرائيلية السعودية
14
314452
626886
2026-10-04T16:27:21Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
626886
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:الفتح الكبير في ضم الزيادة إلى الجامع الصغير:مطبوع
14
314453
626887
2026-10-04T16:27:22Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
626887
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:الفلسفة الاسلامية
14
314454
626888
2026-10-04T16:27:23Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
626888
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:الفوائد البهية في تراجم الحنفية:مطبوع
14
314455
626889
2026-10-04T16:27:24Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
626889
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:القاموس الانسكلوبيدي
14
314456
626890
2026-10-04T16:27:25Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
626890
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:القرن التاسع عشر
14
314457
626891
2026-10-04T16:27:26Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
626891
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:القول الحسن شرح بدائع المنن:مطبوع
14
314458
626892
2026-10-04T16:27:27Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
626892
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:القول المفيد في أدلة الاجتهاد والتقليد:مطبوع
14
314459
626893
2026-10-04T16:27:28Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
626893
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:الكفاية في علم الرواية:مطبوع
14
314460
626894
2026-10-04T16:27:29Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
626894
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:المجلس السادس والأربعون من أمالي ابن عساكر
14
314461
626895
2026-10-04T16:27:30Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
626895
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:المراجعات
14
314462
626896
2026-10-04T16:27:31Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
626896
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:المسابقة العربية المشتركة - ويكي تغير المناخ
14
314463
626897
2026-10-04T16:27:32Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
626897
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:المنتقى شرح الموطأ:مطبوع
14
314464
626898
2026-10-04T16:27:33Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
626898
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:المنهل العذب المورود شرح سنن أبي داود:مطبوع
14
314465
626899
2026-10-04T16:27:34Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
626899
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:الميرزا علي الإحقاقي الحائري
14
314466
626900
2026-10-04T16:27:35Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
626900
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:النقد الأدبي
14
314467
626901
2026-10-04T16:27:36Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
626901
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:الواحدي النيسابوري
14
314468
626902
2026-10-04T16:27:37Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
626902
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:الورغي
14
314469
626903
2026-10-04T16:27:38Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
626903
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:الوسيط في المذهب
14
314470
626904
2026-10-04T16:27:39Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
626904
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:باحثة البادية
14
314471
626905
2026-10-04T16:27:40Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
626905
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:بحاجة إلى فحص التضمين
14
314472
626906
2026-10-04T16:27:41Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
626906
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:بدائع المنن في جمع وترتيب مسند الشافعي والسنن:مطبوع
14
314473
626907
2026-10-04T16:27:42Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
626907
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:بروج
14
314474
626908
2026-10-04T16:27:43Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
626908
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:بلغة الأريب في مصطلح آثار الحبيب:مطبوع
14
314475
626909
2026-10-04T16:27:44Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
626909
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:بوابة السودان/مقالات متعلقة
14
314476
626910
2026-10-04T16:27:45Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
626910
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:تاريخ أوروبا
14
314477
626911
2026-10-04T16:27:46Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
626911
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:تاريخ غزة
14
314478
626912
2026-10-04T16:27:47Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
626912
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:تاريخ ليبيا
14
314479
626913
2026-10-04T16:27:48Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
626913
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:تحذير الخواص من أكاذيب القصاص
14
314480
626914
2026-10-04T16:27:49Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
626914
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:تحفة الأحوذي شرح جامع الترمذي:مطبوع
14
314481
626915
2026-10-04T16:27:50Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
626915
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:تحقيق مبادئ العلوم الأحد عشر:مطبوع
14
314482
626916
2026-10-04T16:27:51Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
626916
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:تخريب ويكي مصدر
14
314483
626917
2026-10-04T16:27:53Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
626917
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:ترجمات 2010
14
314484
626918
2026-10-04T16:27:54Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
626918
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:ترجمات 3
14
314485
626919
2026-10-04T16:27:55Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
626919
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:ترجمات Ghainmem
14
314486
626920
2026-10-04T16:27:56Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
626920
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:ترجمات أحمد أبو الخضر منسي
14
314487
626921
2026-10-04T16:27:57Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
626921
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:ترجمات أحمد أحمد بدوي
14
314488
626922
2026-10-04T16:27:58Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
626922
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:ترجمات أحمد الطاهر
14
314489
626923
2026-10-04T16:27:59Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
626923
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:ترجمات أحمد بدران
14
314490
626924
2026-10-04T16:28:00Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
626924
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:ترجمات أحمد حسن الزيات
14
314491
626925
2026-10-04T16:28:01Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
626925
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:ترجمات أحمد عبد الرحمن
14
314492
626926
2026-10-04T16:28:02Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
626926
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:ترجمات أحمد غربية
14
314493
626927
2026-10-04T16:28:03Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
626927
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:ترجمات أزاد نوري محمود
14
314494
626928
2026-10-04T16:28:04Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
626928
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:ترجمات أسعد داغر
14
314495
626929
2026-10-04T16:28:05Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
626929
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:ترجمات أنور المعداوي
14
314496
626930
2026-10-04T16:28:06Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
626930
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:ترجمات أنور لوقا
14
314497
626931
2026-10-04T16:28:07Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
626931
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:ترجمات إبراهيم عبد الرحمن خليل
14
314498
626932
2026-10-04T16:28:08Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
626932
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:ترجمات إبراهيم عبد القادر المازني
14
314499
626933
2026-10-04T16:28:09Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
626933
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:ترجمات إيزاك شموس
14
314500
626934
2026-10-04T16:28:10Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
626934
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:ترجمات ابزاك شموش
14
314501
626935
2026-10-04T16:28:11Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
626935
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:ترجمات ابن عبد الملك
14
314502
626936
2026-10-04T16:28:12Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
626936
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:ترجمات بدر توفيق
14
314503
626937
2026-10-04T16:28:13Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
626937
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:ترجمات بشير الشريقي
14
314504
626938
2026-10-04T16:28:14Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
626938
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:ترجمات بولس سلامة
14
314505
626939
2026-10-04T16:28:15Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
626939
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:ترجمات بولس عبد الملك
14
314506
626940
2026-10-04T16:28:17Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
626940
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:ترجمات جمال الدين الحجازي
14
314507
626941
2026-10-04T16:28:18Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
626941
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:ترجمات حبيب المعوشي
14
314508
626942
2026-10-04T16:28:19Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
626942
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:ترجمات حسن حجازي
14
314509
626943
2026-10-04T16:28:20Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
626943
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:ترجمات حسن محمد حبشي
14
314510
626944
2026-10-04T16:28:21Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
626944
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:ترجمات حسين أحمد أمين
14
314511
626945
2026-10-04T16:28:22Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
626945
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:ترجمات حلمي مراد
14
314512
626946
2026-10-04T16:28:23Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
626946
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:ترجمات خليل مطران
14
314513
626947
2026-10-04T16:28:24Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
626947
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:ترجمات خليل هنداوي
14
314514
626948
2026-10-04T16:28:25Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
626948
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:ترجمات د. يوسف حطيني في 18
14
314515
626949
2026-10-04T16:28:26Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
626949
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:ترجمات دريني خشبة
14
314516
626950
2026-10-04T16:28:28Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
626950
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:ترجمات رشا صلاح الدخاخني
14
314517
626951
2026-10-04T16:28:29Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
626951
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:ترجمات رمزي مزيغيت
14
314518
626952
2026-10-04T16:28:30Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
626952
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:ترجمات رمزي مزييغت
14
314519
626953
2026-10-04T16:28:31Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
626953
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:ترجمات روسيا اليوم
14
314520
626954
2026-10-04T16:28:32Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
626954
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:ترجمات زكريا أحمد قليبو
14
314521
626955
2026-10-04T16:28:33Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
626955
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:ترجمات زكي شنودة
14
314522
626956
2026-10-04T16:28:34Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
626956
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:ترجمات سعد رضوان
14
314523
626957
2026-10-04T16:28:35Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
626957
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:ترجمات سلوى الحوماني
14
314524
626958
2026-10-04T16:28:36Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
626958
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:ترجمات سليمان بخيت
14
314525
626959
2026-10-04T16:28:37Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
626959
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:ترجمات شكري محمد عياد
14
314526
626960
2026-10-04T16:28:38Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
626960
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:ترجمات صفاء خلوصي
14
314527
626961
2026-10-04T16:28:39Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
626961
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:ترجمات صلاح الدين التهامي
14
314528
626962
2026-10-04T16:28:41Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
626962
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:ترجمات صلاح عبد العزيز مفتاح
14
314529
626963
2026-10-04T16:28:42Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
626963
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:ترجمات طه حسين
14
314530
626964
2026-10-04T16:28:43Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
626964
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:ترجمات عادل زعيتر
14
314531
626965
2026-10-04T16:28:44Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
626965
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:ترجمات عادل صالح الزبيدي
14
314532
626966
2026-10-04T16:28:45Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
626966
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:ترجمات عارف قياسة
14
314533
626967
2026-10-04T16:28:46Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
626967
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:ترجمات عبد العزيز أمين الخانجي
14
314534
626968
2026-10-04T16:28:47Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
626968
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:ترجمات عبد العزيز السيد مطر
14
314535
626969
2026-10-04T16:28:48Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
626969
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:ترجمات عبد الغني العطري
14
314536
626970
2026-10-04T16:28:49Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
626970
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:ترجمات عبد القادر حسن حميدة
14
314537
626971
2026-10-04T16:28:50Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
626971
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:ترجمات عبد القادر صالح
14
314538
626972
2026-10-04T16:28:53Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
626972
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:ترجمات عبد اللطيف النشار
14
314539
626973
2026-10-04T16:28:54Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
626973
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:ترجمات عبد اللطيف حسين الأرناؤوط
14
314540
626974
2026-10-04T16:28:55Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
626974
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:ترجمات عبد الله بن المقفع
14
314541
626975
2026-10-04T16:28:58Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
626975
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:ترجمات عبد الموجود عبد الحافظ
14
314542
626976
2026-10-04T16:28:59Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
626976
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:ترجمات عبد الواحد الخطيب
14
314543
626977
2026-10-04T16:29:00Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
626977
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:ترجمات عبد الوهاب مصطفى
14
314544
626978
2026-10-04T16:29:01Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
626978
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:ترجمات عدي الحربش
14
314545
626979
2026-10-04T16:29:02Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
626979
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:ترجمات علي أفندي أدهم
14
314546
626980
2026-10-04T16:29:03Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
626980
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:ترجمات علي محمد سرطاوي
14
314547
626981
2026-10-04T16:29:04Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
626981
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:ترجمات عن اللغة الإنجليزية
14
314548
626982
2026-10-04T16:29:05Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
626982
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:ترجمات فؤاد نور الدين
14
314549
626983
2026-10-04T16:29:06Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
626983
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:ترجمات فايقة جرجس حنا
14
314550
626984
2026-10-04T16:29:07Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
626984
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:ترجمات فوزي الشتوي
14
314551
626985
2026-10-04T16:29:08Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
626985
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:ترجمات كارنيك جورج
14
314552
626986
2026-10-04T16:29:09Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
626986
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:ترجمات كمال الحريري
14
314553
626987
2026-10-04T16:29:10Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
626987
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:ترجمات كمال الدين الحجازي
14
314554
626988
2026-10-04T16:29:11Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
626988
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:ترجمات كمال رستم
14
314555
626989
2026-10-04T16:29:12Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
626989
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:ترجمات لا
14
314556
626990
2026-10-04T16:29:13Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
626990
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:ترجمات م. كمال جلبي
14
314557
626991
2026-10-04T16:29:14Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
626991
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:ترجمات محمد أفندي لطفي
14
314558
626992
2026-10-04T16:29:15Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
626992
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:ترجمات محمد السباعي
14
314559
626993
2026-10-04T16:29:16Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
626993
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:ترجمات محمد عبد اللطيف حسن
14
314560
626994
2026-10-04T16:29:17Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
626994
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:ترجمات محمد فتحي عبد الوهاب
14
314561
626995
2026-10-04T16:29:18Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
626995
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:ترجمات محمد قطب
14
314562
626996
2026-10-04T16:29:19Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
626996
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:ترجمات محمد كزما
14
314563
626997
2026-10-04T16:29:20Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
626997
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:ترجمات محمد ناجي الطنطاوي
14
314564
626998
2026-10-04T16:29:21Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
626998
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:ترجمات محمود البدوي
14
314565
626999
2026-10-04T16:29:23Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
626999
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:ترجمات محمود عزت عرفة
14
314566
627000
2026-10-04T16:29:25Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627000
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:ترجمات مراد الكرداني
14
314567
627001
2026-10-04T16:29:26Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627001
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:ترجمات مصطفى جميل مرسي
14
314568
627002
2026-10-04T16:29:27Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627002
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:ترجمات مصطفي جميل مرسي
14
314569
627003
2026-10-04T16:29:28Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627003
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:ترجمات مظفر البقاعي
14
314570
627004
2026-10-04T16:29:29Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627004
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:ترجمات يعقوب صروف
14
314571
627005
2026-10-04T16:29:32Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627005
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:ترجمات يوسف جبرا
14
314572
627006
2026-10-04T16:29:34Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627006
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:ترجمات يوسف روشا
14
314573
627007
2026-10-04T16:29:35Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627007
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:ترجمات يوسف يعقوب حداد
14
314574
627008
2026-10-04T16:29:37Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627008
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:ترجمة القرآن
14
314575
627009
2026-10-04T16:29:39Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627009
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:تصفح مساعدة ويكيبيديا
14
314576
627010
2026-10-04T16:29:40Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627010
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:تصنيف موسم سنة وعقد
14
314577
627011
2026-10-04T16:29:41Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627011
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:تصنيف موسم عقد وقرن
14
314578
627012
2026-10-04T16:29:42Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627012
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:تصنيف:مؤلفات جمال الدين القاسمي
14
314579
627013
2026-10-04T16:29:43Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627013
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:تصنيفات دون مقالات رئيسية
14
314580
627014
2026-10-04T16:29:44Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627014
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:تضمين الصفحات بسمات غير صالحة
14
314581
627015
2026-10-04T16:29:45Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627015
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:تفاسير سورة الفاتحة
14
314582
627016
2026-10-04T16:29:46Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627016
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:تفسير سورة الإخلاص لابن تيمية:مطبوع
14
314583
627017
2026-10-04T16:29:47Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627017
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:تقارير المشاركين في مسابقة ويكي مصدر والتراث العالمي
14
314584
627018
2026-10-04T16:29:48Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627018
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:تقارير مالية
14
314585
627019
2026-10-04T16:29:50Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627019
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:تنظيم إدارة ويكي مصدر
14
314586
627020
2026-10-04T16:29:51Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627020
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:تهذيب السجستاني فى غريب القرآن:مطبوع
14
314587
627021
2026-10-04T16:29:52Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627021
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:توافقات ويكي مصدر
14
314588
627022
2026-10-04T16:29:53Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627022
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:توثيق
14
314589
627023
2026-10-04T16:29:54Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627023
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:توثيق بيانات قالب
14
314590
627024
2026-10-04T16:29:55Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627024
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:توثيق قوالب
14
314591
627025
2026-10-04T16:29:56Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627025
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:جبر
14
314592
627026
2026-10-04T16:29:57Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627026
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:جبل طارق
14
314593
627027
2026-10-04T16:29:58Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627027
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:جماعات
14
314594
627028
2026-10-04T16:29:59Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627028
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:جمع النهاية في بدء الخير والغاية:مطبوع
14
314595
627029
2026-10-04T16:30:00Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627029
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:جمعيات
14
314596
627030
2026-10-04T16:30:01Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627030
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:جميع المقالات التي بحاجة لصيانة
14
314597
627031
2026-10-04T16:30:02Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627031
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:جميع المقالات التي بحاجة للتنسيق
14
314598
627032
2026-10-04T16:30:03Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627032
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:جميع المقالات غير المصنفة
14
314599
627034
2026-10-04T16:30:05Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627034
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:حاشية زاده على تفسير البيضاوي:مطبوع
14
314600
627035
2026-10-04T16:30:07Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627035
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:حياة النفس
14
314601
627036
2026-10-04T16:30:08Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627036
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:خسف
14
314602
627037
2026-10-04T16:30:09Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627037
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:خسف القمر
14
314603
627038
2026-10-04T16:30:11Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627038
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:خطاب البشير صفر في افتتاح تكية العجز بتونس في 1906:مطبوع
14
314604
627039
2026-10-04T16:30:12Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627039
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:خطاب سياسي
14
314605
627040
2026-10-04T16:30:13Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627040
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:خطابات سياسية في سنة 1965
14
314606
627041
2026-10-04T16:30:14Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627041
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:خطب الاجتماع الديمقراطي
14
314607
627042
2026-10-04T16:30:15Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627042
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:خطوط عثمانية
14
314608
627043
2026-10-04T16:30:16Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627043
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:خلف الأحمر
14
314609
627044
2026-10-04T16:30:17Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627044
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:خليل الخوري
14
314610
627045
2026-10-04T16:30:18Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627045
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:خيال
14
314611
627046
2026-10-04T16:30:19Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627046
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:دبلوماسية
14
314612
627047
2026-10-04T16:30:20Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627047
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:دساتير
14
314613
627048
2026-10-04T16:30:21Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627048
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:دستور 1861
14
314614
627049
2026-10-04T16:30:22Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627049
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:دعاة العروبة
14
314615
627050
2026-10-04T16:30:23Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627050
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:دعبل الخزاعي
14
314616
627051
2026-10-04T16:30:24Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627051
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:دلدار علي النقوي
14
314617
627052
2026-10-04T16:30:25Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627052
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:دوران حول الأرض
14
314618
627053
2026-10-04T16:30:26Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627053
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:دوقلة المنبجي
14
314619
627054
2026-10-04T16:30:27Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627054
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:دي ساسي
14
314620
627055
2026-10-04T16:30:28Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627055
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:ديك الجن
14
314621
627056
2026-10-04T16:30:29Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627056
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:رأس صفحة
14
314622
627057
2026-10-04T16:30:30Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627057
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:رأس صفحة فارغ
14
314623
627058
2026-10-04T16:30:31Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627058
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:رأس صفحة مع أكثر من 4 مداخل
14
314624
627059
2026-10-04T16:30:32Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627059
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:ربيعة الرقي
14
314625
627060
2026-10-04T16:30:33Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627060
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:رجوم الشياطين
14
314626
627061
2026-10-04T16:30:34Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627061
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:رسائل جامعية أردنية 1985
14
314627
627062
2026-10-04T16:30:36Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627062
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:رشيد أيوب
14
314628
627063
2026-10-04T16:30:37Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627063
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:رفاعة الطهطاوي
14
314629
627064
2026-10-04T16:30:38Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627064
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:رقائق
14
314630
627065
2026-10-04T16:30:39Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627065
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:زوائد الزبيدي
14
314631
627066
2026-10-04T16:30:40Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627066
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:سحنون بن سعيد التنوخي
14
314632
627067
2026-10-04T16:30:41Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627067
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:سلمة بن عياض
14
314633
627068
2026-10-04T16:30:42Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627068
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:سليمان الحرائري
14
314634
627069
2026-10-04T16:30:43Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627069
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:سمنون المحب
14
314635
627070
2026-10-04T16:30:44Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627070
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:سور منسوخة
14
314636
627071
2026-10-04T16:30:45Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627071
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:سياسات ويكي مصدر السلوكية
14
314637
627072
2026-10-04T16:30:46Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627072
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:سياسة السلوك الويكيبيدي
14
314638
627073
2026-10-04T16:30:47Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627073
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:سياسة عربية
14
314639
627074
2026-10-04T16:30:48Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627074
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:سياسة مصر
14
314640
627075
2026-10-04T16:30:49Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627075
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:سياسية
14
314641
627076
2026-10-04T16:30:50Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627076
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:سيدنا محمد
14
314642
627077
2026-10-04T16:30:51Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627077
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:سيف بن عمر التميمي
14
314643
627078
2026-10-04T16:30:52Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627078
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:شرح الأربعين النووية لابن دقيق العيد:مطبوع
14
314644
627079
2026-10-04T16:30:53Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627079
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:شرح تراجم أبواب صحيح البخاري:مطبوع
14
314645
627080
2026-10-04T16:30:54Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627080
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:شرح على منار الأنوار في أصول الفقه:مطبوع
14
314646
627081
2026-10-04T16:30:55Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627081
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:شعر مترجم
14
314647
627082
2026-10-04T16:30:56Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627082
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:شعر وجداني
14
314648
627083
2026-10-04T16:30:57Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627083
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:شعراء عراقيين
14
314649
627084
2026-10-04T16:30:58Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627084
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:شمال أفريقيا
14
314650
627085
2026-10-04T16:30:59Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627085
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:صحف
14
314651
627086
2026-10-04T16:31:00Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627086
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:صفحات الفهرس التي تحتوي على علامات قائمة الصفحات ذات الفترات غير الصالحة
14
314652
627087
2026-10-04T16:31:01Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627087
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:صفحات بها قالب بدلا من كلمة سحرية
14
314653
627088
2026-10-04T16:31:02Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627088
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:صفحات بوصلات خارجية بالعربية
14
314654
627089
2026-10-04T16:31:04Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627089
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:صفحات تحتاج إلى استكمال الترجمة
14
314655
627090
2026-10-04T16:31:05Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627090
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:صفحات تحتوي على معاملات formatnum غير عددية
14
314656
627091
2026-10-04T16:31:06Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627091
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:صفحات تستخدم خاصية P19
14
314657
627092
2026-10-04T16:31:07Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627092
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:صفحات تستخدم خاصية P569
14
314658
627093
2026-10-04T16:31:08Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627093
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:صفحات تستخدم قالب:تنبيه بوسائط غير معروفة
14
314659
627094
2026-10-04T16:31:09Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627094
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:صفحات تستخدم قالب:قا بوصلات قوالب غير موجودة
14
314660
627095
2026-10-04T16:31:11Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627095
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:صفحات تستخدم قالب:قائمة أعمدة مع وسائط غير معروفة
14
314661
627096
2026-10-04T16:31:12Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627096
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:صفحات تستخدم قوالب بوسائط غير معروفة
14
314662
627097
2026-10-04T16:31:13Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627097
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:صفحات توثيق وحدة
14
314663
627098
2026-10-04T16:31:14Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627098
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:صفحات فهارس لأعمال لغتها الأصلية مجهولة
14
314664
627099
2026-10-04T16:31:15Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627099
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:صفحات فهرس تحوي وسوم pagelist تحيل لملف غير موجود
14
314665
627100
2026-10-04T16:31:16Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627100
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:صفحات مشاع إبداعي
14
314666
627101
2026-10-04T16:31:17Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627101
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:صفحات مع صور خام
14
314667
627102
2026-10-04T16:31:18Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627102
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:صناديق تصفح بلا لوائح مسطحة
14
314668
627103
2026-10-04T16:31:19Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627103
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:صناديق تصفح ذات خلفيات ملونة
14
314669
627104
2026-10-04T16:31:20Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627104
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:صناديق رسائل ملفات
14
314670
627105
2026-10-04T16:31:22Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627105
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:صناديق مستخدم
14
314671
627106
2026-10-04T16:31:23Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627106
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:صندوق مستخدم دول ومدن
14
314672
627107
2026-10-04T16:31:24Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627107
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:صور الكواكب الثمانية والأربعين
14
314673
627108
2026-10-04T16:31:25Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627108
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:صيانة شريط تصنيف فشل في إنشاء صندوق شريط
14
314674
627109
2026-10-04T16:31:26Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627109
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:طرابلس
14
314675
627110
2026-10-04T16:31:27Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627110
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:عادل زعيتر
14
314676
627111
2026-10-04T16:31:28Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627111
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:عارضة الأحوذي شرح الترمذي:مطبوع
14
314677
627112
2026-10-04T16:31:30Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627112
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:عبد الصمد بن المعذل
14
314678
627113
2026-10-04T16:31:31Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627113
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:عبد القادر الجيلاني
14
314679
627114
2026-10-04T16:31:32Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627114
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:عبد الله الترجمان
14
314680
627115
2026-10-04T16:31:33Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627115
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:عبد الله الخفاجي
14
314681
627116
2026-10-04T16:31:34Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627116
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:عبد الله بن المبارك
14
314682
627117
2026-10-04T16:31:35Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627117
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:عبد الله بن عبد الحكم المصري
14
314683
627118
2026-10-04T16:31:36Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627118
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:عبد الله فكري
14
314684
627119
2026-10-04T16:31:37Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627119
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:عبد الوهاب عزام
14
314685
627120
2026-10-04T16:31:38Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627120
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:عبدالرحيم محمود
14
314686
627121
2026-10-04T16:31:39Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627121
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:عبقرية الامام علي
14
314687
627122
2026-10-04T16:31:40Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627122
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:عروة بن حزام
14
314688
627123
2026-10-04T16:31:41Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627123
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:عصر مجهول
14
314689
627124
2026-10-04T16:31:42Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627124
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:عفيف الدين التلمساني
14
314690
627125
2026-10-04T16:31:43Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627125
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:علاقات دولية
14
314691
627126
2026-10-04T16:31:44Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627126
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:علم اللاهوت
14
314692
627127
2026-10-04T16:31:46Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627127
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:علم النجوم وأصول الحركات السماوية
14
314693
627128
2026-10-04T16:31:47Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627128
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:علي الجارم
14
314694
627129
2026-10-04T16:31:49Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627129
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:علي الطنطاوي
14
314695
627130
2026-10-04T16:31:50Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627130
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:علي بن جبلة
14
314696
627131
2026-10-04T16:31:51Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627131
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:علي بن محمد التهامي
14
314697
627132
2026-10-04T16:31:52Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627132
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:علي محمود طه
14
314698
627133
2026-10-04T16:31:53Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627133
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:عماد الدين الأصبهاني
14
314699
627134
2026-10-04T16:31:54Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627134
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:عمليات ويكي مصدر
14
314700
627135
2026-10-04T16:31:55Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627135
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:عناصر مسرد ويكي مصدر
14
314701
627136
2026-10-04T16:31:56Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627136
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:فخر الدين الطريحي
14
314702
627137
2026-10-04T16:31:57Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627137
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:فض المنازعات في ويكي مصدر
14
314703
627138
2026-10-04T16:31:58Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627138
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:فهد العسكر
14
314704
627139
2026-10-04T16:31:59Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627139
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:في الحريات
14
314705
627140
2026-10-04T16:32:00Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627140
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:في الفلك
14
314706
627141
2026-10-04T16:32:01Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627141
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:قائمة لقوائم الأحداث
14
314707
627142
2026-10-04T16:32:02Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627142
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:قالب إعلاني
14
314708
627143
2026-10-04T16:32:03Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627143
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:قالب بوابة
14
314709
627144
2026-10-04T16:32:04Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627144
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:قالب صفحة مختارة
14
314710
627145
2026-10-04T16:32:05Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627145
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:قانون دولي
14
314711
627146
2026-10-04T16:32:06Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627146
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:قرارات مجلس الأمن
14
314712
627147
2026-10-04T16:32:07Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627147
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:قصائد عربية حديثة
14
314713
627148
2026-10-04T16:32:08Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627148
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:قصائد يمنية
14
314714
627149
2026-10-04T16:32:09Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627149
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:قطري بن الفجاءة
14
314715
627150
2026-10-04T16:32:10Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627150
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:قفو الأثر في صفو علوم الأثر:مطبوع
14
314716
627151
2026-10-04T16:32:11Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627151
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:قلائد المفاخر في غريب عوائد الأوائل والأواخر
14
314717
627152
2026-10-04T16:32:12Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627152
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:قوائم صناديق المستخدم
14
314718
627153
2026-10-04T16:32:13Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627153
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:قوالب أدبية
14
314719
627154
2026-10-04T16:32:14Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627154
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:قوالب أدوات إنترويكي
14
314720
627155
2026-10-04T16:32:15Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627155
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:قوالب أشرطة جانبية إسلامية
14
314721
627156
2026-10-04T16:32:16Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627156
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:قوالب أمثلة التنسيق
14
314722
627157
2026-10-04T16:32:17Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627157
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:قوالب أوسمة ونياشين
14
314723
627158
2026-10-04T16:32:18Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627158
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:قوالب إحصاء التاريخ
14
314724
627159
2026-10-04T16:32:20Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627159
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:قوالب إحصائيات
14
314725
627160
2026-10-04T16:32:21Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627160
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:قوالب إخفاء
14
314726
627161
2026-10-04T16:32:22Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627161
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:قوالب إدراج صور
14
314727
627162
2026-10-04T16:32:23Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627162
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:قوالب إدراج صور خاصة بويكيبيديا
14
314728
627163
2026-10-04T16:32:24Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627163
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:قوالب إشعار وإنذار
14
314729
627164
2026-10-04T16:32:26Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627164
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:قوالب إطارات
14
314730
627165
2026-10-04T16:32:27Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627165
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:قوالب إعلامات
14
314731
627166
2026-10-04T16:32:28Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627166
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:قوالب إنترويكي على المشاريع الشقيقة
14
314732
627167
2026-10-04T16:32:29Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627167
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:قوالب ارتباط داخلي
14
314733
627168
2026-10-04T16:32:30Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627168
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:قوالب اقتباس آيات
14
314734
627169
2026-10-04T16:32:31Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627169
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:قوالب الحاشية
14
314735
627170
2026-10-04T16:32:32Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627170
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:قوالب انظر أيضا
14
314736
627171
2026-10-04T16:32:33Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627171
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:قوالب تحذير مستخدم
14
314737
627172
2026-10-04T16:32:34Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627172
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:قوالب تدقيق مستخدم
14
314738
627173
2026-10-04T16:32:36Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627173
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:قوالب ترحيب
14
314739
627174
2026-10-04T16:32:37Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627174
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:قوالب تستخدم ParserFunctions
14
314740
627175
2026-10-04T16:32:38Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627175
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:قوالب تستخدم الدوال المجزئة
14
314741
627176
2026-10-04T16:32:39Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627176
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:قوالب تستخدم قالب بيانات القالب
14
314742
627177
2026-10-04T16:32:40Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627177
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:قوالب تستخدم وحدة بطاقة
14
314743
627178
2026-10-04T16:32:41Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627178
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:قوالب تضيف تصانيف تتبع
14
314744
627179
2026-10-04T16:32:42Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627179
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:قوالب تغيير وانتزاع اسم المستخدم
14
314745
627180
2026-10-04T16:32:43Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627180
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:قوالب تنبيه
14
314746
627181
2026-10-04T16:32:45Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627181
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:قوالب تنسيق التصانيف
14
314747
627182
2026-10-04T16:32:46Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627182
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:قوالب تنسيق القوائم
14
314748
627183
2026-10-04T16:32:47Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627183
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:قوالب تنسيق القوالب
14
314749
627184
2026-10-04T16:32:48Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627184
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:قوالب تنسيق المحتوى
14
314750
627185
2026-10-04T16:32:49Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627185
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:قوالب تنسيق ويكيمصدر
14
314751
627186
2026-10-04T16:32:50Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627186
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:قوالب تنظيم في ويكيبيديا
14
314752
627187
2026-10-04T16:32:52Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627187
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:قوالب توثيق انظر أيضا
14
314753
627188
2026-10-04T16:32:53Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627188
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:قوالب توحيد خلية جدول
14
314754
627189
2026-10-04T16:32:55Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627189
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:قوالب جدول محتويات
14
314755
627190
2026-10-04T16:32:56Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627190
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:قوالب حذف سريع
14
314756
627191
2026-10-04T16:32:57Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627191
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:قوالب حساب التواريخ
14
314757
627192
2026-10-04T16:32:58Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627192
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:قوالب حماية
14
314758
627193
2026-10-04T16:32:59Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627193
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:قوالب خواطر ويكيبيديا
14
314759
627194
2026-10-04T16:33:00Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627194
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:قوالب دمج
14
314760
627195
2026-10-04T16:33:01Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627195
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:قوالب دوال رياضية
14
314761
627196
2026-10-04T16:33:02Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627196
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:قوالب رأس صفحة نقاش
14
314762
627197
2026-10-04T16:33:03Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627197
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:قوالب رسائل المجتمع
14
314763
627198
2026-10-04T16:33:05Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627198
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:قوالب زمن وتاريخ وتقويم
14
314764
627199
2026-10-04T16:33:06Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627199
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:قوالب صفحات النقاش
14
314765
627200
2026-10-04T16:33:08Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627200
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:قوالب صلاحيات المستخدم
14
314766
627201
2026-10-04T16:33:09Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627201
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:قوالب صناديق معلومات شخصيات
14
314767
627202
2026-10-04T16:33:10Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627202
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:قوالب قاعدة بيانات
14
314768
627203
2026-10-04T16:33:11Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627203
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:قوالب قبعات الملاحظة
14
314769
627204
2026-10-04T16:33:12Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627204
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:قوالب متعددة الأعمدة
14
314770
627205
2026-10-04T16:33:13Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627205
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:قوالب محمية كليا
14
314771
627206
2026-10-04T16:33:14Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627206
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:قوالب مساعدة ويكيبيديا
14
314772
627207
2026-10-04T16:33:15Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627207
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:قوالب مستخدم لغات
14
314773
627208
2026-10-04T16:33:16Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627208
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:قوالب معجم البلدان
14
314774
627209
2026-10-04T16:33:17Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627209
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:قوالب معلومات
14
314775
627210
2026-10-04T16:33:18Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627210
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:قوالب معلومات شركات
14
314776
627211
2026-10-04T16:33:19Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627211
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:قوالب معلومات موسيقية
14
314777
627212
2026-10-04T16:33:21Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627212
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:قوالب مفيدة في ويكيبيديا
14
314778
627213
2026-10-04T16:33:22Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627213
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:قوالب مقالات
14
314779
627214
2026-10-04T16:33:23Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627214
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:قوالب ملاعب
14
314780
627215
2026-10-04T16:33:24Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627215
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:قوالب موسيقية
14
314781
627216
2026-10-04T16:33:25Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627216
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:قوالب نطاق الملفات
14
314782
627217
2026-10-04T16:33:26Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627217
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:قوالب نطاق صفحة مستخدم
14
314783
627218
2026-10-04T16:33:27Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627218
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:قوالب وصلات
14
314784
627219
2026-10-04T16:33:28Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627219
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:قوالب وصلات خارجية للأشخاص
14
314785
627220
2026-10-04T16:33:29Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627220
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:قوالب وصلات ويكي الاقتباس
14
314786
627221
2026-10-04T16:33:31Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627221
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:قوالب وصلات ويكي مصدر
14
314787
627222
2026-10-04T16:33:32Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627222
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:قوالب ويكي مصدر الإدارية
14
314788
627223
2026-10-04T16:33:33Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627223
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:قوالب ويكيبيديا
14
314789
627224
2026-10-04T16:33:34Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627224
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:قوالب يستخدمها لمح البصر
14
314790
627225
2026-10-04T16:33:35Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627225
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:قوانين 1969
14
314791
627226
2026-10-04T16:33:37Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627226
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:قوانين الجنسية
14
314792
627227
2026-10-04T16:33:38Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627227
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:قوانين الصحافة
14
314793
627228
2026-10-04T16:33:39Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627228
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:قوانين عام 1968
14
314794
627229
2026-10-04T16:33:40Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627229
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:قوانين عام 1984
14
314795
627230
2026-10-04T16:33:41Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627230
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:قوانين عام 1990
14
314796
627231
2026-10-04T16:33:42Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627231
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:قوانين عام 2012
14
314797
627232
2026-10-04T16:33:43Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627232
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:قوانين عام 2025
14
314798
627233
2026-10-04T16:33:44Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627233
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:قيد الاستخدام
14
314799
627234
2026-10-04T16:33:45Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627234
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:قيس لبنى
14
314800
627235
2026-10-04T16:33:46Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627235
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:كتاب نور اليقين في سيرة سيد المرسلين
14
314801
627236
2026-10-04T16:33:47Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627236
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:كتاب نور اليقين في سيرة سيّد المرسلين
14
314802
627237
2026-10-04T16:33:48Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627237
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:كتب بابلية
14
314803
627238
2026-10-04T16:33:49Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627238
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:كتب صوفية
14
314804
627239
2026-10-04T16:33:50Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627239
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:كتب فلك عربية
14
314805
627240
2026-10-04T16:33:52Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627240
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:كتب مترجمة عن الفرنسية
14
314806
627241
2026-10-04T16:33:53Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627241
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:كتبوا عن أبو هريرة
14
314807
627242
2026-10-04T16:33:54Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627242
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:كسف
14
314808
627243
2026-10-04T16:33:55Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627243
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:كشف الشبهات عن المشتبهات:مطبوع
14
314809
627244
2026-10-04T16:33:56Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627244
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:كوائف ويكي مصدر
14
314810
627245
2026-10-04T16:33:57Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627245
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:لبنانيون
14
314811
627246
2026-10-04T16:33:58Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627246
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:لسان غصن لبنان في انتقاد العربية العصرية
14
314812
627247
2026-10-04T16:33:59Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627247
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:لم تضمن الإعلانات
14
314813
627248
2026-10-04T16:34:00Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627248
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:لم تضمن الصور كاملا
14
314814
627249
2026-10-04T16:34:01Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627249
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:لويس شيخو
14
314815
627250
2026-10-04T16:34:02Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627250
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:ليلى الأخيلية
14
314816
627251
2026-10-04T16:34:03Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627251
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:مؤتمرات
14
314817
627252
2026-10-04T16:34:04Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627252
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:مؤرخوون
14
314818
627253
2026-10-04T16:34:05Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627253
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:مؤلفات أبو الحسن الأشعري
14
314819
627254
2026-10-04T16:34:06Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627254
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:مؤلفات أبو القاسم مجير الدين الحنبلي
14
314820
627255
2026-10-04T16:34:08Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627255
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:مؤلفات ابن الجوزي
14
314821
627256
2026-10-04T16:34:09Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627256
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:مؤلفات ابن المقفع
14
314822
627257
2026-10-04T16:34:10Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627257
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:مؤلفات الطاهر الحداد
14
314823
627258
2026-10-04T16:34:11Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627258
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:مؤلفات الفارابي
14
314824
627259
2026-10-04T16:34:12Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627259
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:مؤلفات النفري
14
314825
627260
2026-10-04T16:34:14Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627260
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:مؤلفات سامي الدهان
14
314826
627261
2026-10-04T16:34:15Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627261
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:مؤلفات عبد الجبار الجومرد
14
314827
627262
2026-10-04T16:34:16Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627262
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:مؤلفات فلسفية يونانية قديمة
14
314828
627263
2026-10-04T16:34:18Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627263
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:مؤلفات نبوية موسى نسوية
14
314829
627264
2026-10-04T16:34:19Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627264
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:مؤلفو الولايات المتحدة
14
314830
627265
2026-10-04T16:34:21Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627265
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:مؤلفون يكتبون بالأردية
14
314831
627266
2026-10-04T16:34:22Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627266
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:مؤلفون يكتبون بالإنجليزية البريطانية
14
314832
627267
2026-10-04T16:34:24Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627267
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:مؤلفون يكتبون بالتركية
14
314833
627268
2026-10-04T16:34:25Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627268
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:مؤلفون يكتبون بالسريانية
14
314834
627269
2026-10-04T16:34:27Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627269
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:مؤلفون يكتبون بالسندية
14
314835
627270
2026-10-04T16:34:28Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627270
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:مؤلفون يكتبون بالسنسكريتية
14
314836
627271
2026-10-04T16:34:29Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627271
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:مؤلفون يكتبون بالفولانية
14
314837
627272
2026-10-04T16:34:30Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627272
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:مؤلفون يكتبون بالهوسية
14
314838
627273
2026-10-04T16:34:31Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627273
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:مؤلفون-2
14
314839
627274
2026-10-04T16:34:33Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627274
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:مؤلفون-B
14
314840
627275
2026-10-04T16:34:35Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627275
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:مؤلفون-C
14
314841
627276
2026-10-04T16:34:36Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627276
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:مؤلفون-D
14
314842
627277
2026-10-04T16:34:37Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627277
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:مؤلفون-G
14
314843
627278
2026-10-04T16:34:38Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627278
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:مؤلفون-H
14
314844
627279
2026-10-04T16:34:39Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627279
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:مؤلفون-M
14
314845
627280
2026-10-04T16:34:40Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627280
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:مؤلفون-N
14
314846
627281
2026-10-04T16:34:41Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627281
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:مؤلفون-P
14
314847
627282
2026-10-04T16:34:42Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627282
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:مؤلفون-S
14
314848
627283
2026-10-04T16:34:44Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627283
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:مؤلفون-T
14
314849
627284
2026-10-04T16:34:45Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627284
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:مؤلفون-U
14
314850
627285
2026-10-04T16:34:47Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627285
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:مؤلفون-V
14
314851
627286
2026-10-04T16:34:48Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627286
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:مؤلفون-Y
14
314852
627287
2026-10-04T16:34:49Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627287
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:مؤلفون-a
14
314853
627288
2026-10-04T16:34:51Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627288
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:مؤلفون-Т
14
314854
627289
2026-10-04T16:34:52Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627289
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:مؤلفون-ملفات ملكية عامة قديمة
14
314855
627290
2026-10-04T16:34:53Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627290
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:مجتمع ويكي مصدر
14
314856
627291
2026-10-04T16:34:54Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627291
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:مجمع اللغة العربية بدمشق
14
314857
627292
2026-10-04T16:34:55Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627292
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:محاسن الإسلام وشرائع الإسلام:مطبوع
14
314858
627293
2026-10-04T16:34:56Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627293
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:محتويات ويكي مصدر
14
314859
627294
2026-10-04T16:34:58Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627294
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:محمد أبو العلا
14
314860
627295
2026-10-04T16:34:59Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627295
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:محمد بن بشير الخارجي
14
314861
627296
2026-10-04T16:35:00Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627296
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:محمد بن عثيمين
14
314862
627297
2026-10-04T16:35:01Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627297
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:محمد بن ناماور الخونجي
14
314863
627298
2026-10-04T16:35:02Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627298
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:محمد حسن أبو المحاسن
14
314864
627299
2026-10-04T16:35:03Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627299
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:محمد سعيد الحبوبي
14
314865
627300
2026-10-04T16:35:04Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627300
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:محمد سعيد العباسي
14
314866
627301
2026-10-04T16:35:05Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627301
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:محمد سعيد العريان
14
314867
627302
2026-10-04T16:35:07Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627302
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:مختصر تاريخ ابن الدبيثي:مطبوع
14
314868
627303
2026-10-04T16:35:08Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627303
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:مذهب دارون
14
314869
627304
2026-10-04T16:35:09Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627304
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:مراتب الإجماع:مطبوع
14
314870
627305
2026-10-04T16:35:10Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627305
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:مروان ابن أبي حفصة
14
314871
627306
2026-10-04T16:35:11Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627306
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:مزايا ويكي مصدر
14
314872
627307
2026-10-04T16:35:12Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627307
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:مسابقات ويكي
14
314873
627308
2026-10-04T16:35:13Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627308
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:مستثنى من الطباعة
14
314874
627309
2026-10-04T16:35:14Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627309
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:مستخدم fr-3
14
314875
627310
2026-10-04T16:35:15Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627310
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:مستخدم ko-N
14
314876
627311
2026-10-04T16:35:16Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627311
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:مستخدم zh-3
14
314877
627312
2026-10-04T16:35:17Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627312
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:مستخدمو ويكي مصدر
14
314878
627313
2026-10-04T16:35:19Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627313
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:مصادر منقولة من موسوعة المعرفة
14
314879
627314
2026-10-04T16:35:20Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627314
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:معاهدة باردو 1881:مطبوع
14
314880
627315
2026-10-04T16:35:22Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627315
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:معتصر المختصر من مشكل الآثار:مطبوع
14
314881
627316
2026-10-04T16:35:23Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627316
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:مفتاح التفاسير ومصباح الآيات:مطبوع
14
314882
627317
2026-10-04T16:35:24Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627317
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:مقالات أبو طالب زيان
14
314883
627318
2026-10-04T16:35:26Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627318
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:مقالات أحمد مصطفى طاحون
14
314884
627319
2026-10-04T16:35:27Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627319
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:مقالات احمد أمين
14
314885
627320
2026-10-04T16:35:29Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627320
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:مقالات بحاجة للتنسيق
14
314886
627321
2026-10-04T16:35:30Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627321
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:مقالات تحوي نصا بالألمانية
14
314887
627322
2026-10-04T16:35:31Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627322
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:مقالات تحوي نصا بالإنجليزية
14
314888
627323
2026-10-04T16:35:32Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627323
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:مقالات تحوي نصا بالفارسية
14
314889
627324
2026-10-04T16:35:34Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627324
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:مقالات تحوي نصا بالفرنسية
14
314890
627325
2026-10-04T16:35:36Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627325
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:مقالات تحوي نصا بالهولندية
14
314891
627326
2026-10-04T16:35:38Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627326
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:مقالات دريني خشبة
14
314892
627327
2026-10-04T16:35:39Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627327
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:مقالات سيد حنفي
14
314893
627328
2026-10-04T16:35:40Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627328
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:مقالات عباس خضر
14
314894
627329
2026-10-04T16:35:41Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627329
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:مقالات علي متولي صلاح
14
314895
627330
2026-10-04T16:35:42Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627330
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:مقالات غير مصنفة
14
314896
627331
2026-10-04T16:35:44Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627331
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:مقالات كوركيس عواد
14
314897
627332
2026-10-04T16:35:45Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627332
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:مقالات محمد عكاوي
14
314898
627333
2026-10-04T16:35:47Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627333
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:مقالات محمد مندور
14
314899
627334
2026-10-04T16:35:49Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627334
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:مقالات منصور فهمي
14
314900
627335
2026-10-04T16:35:54Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627335
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:ملاعب وحدات
14
314901
627336
2026-10-04T16:35:56Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627336
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:منتهى المقال
14
314902
627337
2026-10-04T16:35:57Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627337
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:منظمات حسب النوع
14
314903
627338
2026-10-04T16:35:58Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627338
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:مهدي الأصفهاني الكاظمي
14
314904
627339
2026-10-04T16:35:59Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627339
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:موائد العوائد من عيون الأخبار والفوائد:مطبوع
14
314905
627340
2026-10-04T16:36:00Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627340
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:مواضيع إسلامية مسيحية
14
314906
627341
2026-10-04T16:36:01Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627341
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:مواليد 1048 هـ
14
314907
627342
2026-10-04T16:36:02Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627342
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:مواليد 1103 هـ
14
314908
627343
2026-10-04T16:36:03Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627343
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:مواليد 113 هـ
14
314909
627344
2026-10-04T16:36:04Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627344
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:مواليد 1195 هـ
14
314910
627345
2026-10-04T16:36:05Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627345
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:مواليد 1198 هـ
14
314911
627346
2026-10-04T16:36:07Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627346
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:مواليد 1201 هـ
14
314912
627347
2026-10-04T16:36:09Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627347
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:مواليد 1287 هـ
14
314913
627348
2026-10-04T16:36:10Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627348
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:مواليد 1372 هـ
14
314914
627349
2026-10-04T16:36:11Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627349
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:مواليد 1381 هـ
14
314915
627350
2026-10-04T16:36:12Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627350
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:مواليد 1403 هـ
14
314916
627351
2026-10-04T16:36:13Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627351
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:مواليد 271 هـ
14
314917
627352
2026-10-04T16:36:14Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627352
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:مواليد 306 هـ
14
314918
627353
2026-10-04T16:36:15Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627353
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:مواليد 309 هـ
14
314919
627354
2026-10-04T16:36:16Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627354
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:مواليد 320 هـ
14
314920
627355
2026-10-04T16:36:17Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627355
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:مواليد 383 هـ
14
314921
627356
2026-10-04T16:36:18Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627356
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:مواليد 456 هـ
14
314922
627357
2026-10-04T16:36:19Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627357
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:مواليد 519 هـ
14
314923
627358
2026-10-04T16:36:21Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627358
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:مواليد 585 هـ
14
314924
627359
2026-10-04T16:36:22Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627359
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:مواليد 603 هـ
14
314925
627360
2026-10-04T16:36:23Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627360
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:مواليد 612 هـ
14
314926
627361
2026-10-04T16:36:24Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627361
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:مواليد 645 هـ
14
314927
627362
2026-10-04T16:36:25Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627362
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:مواليد 760 هـ
14
314928
627363
2026-10-04T16:36:26Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627363
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:موسيقى إلكترونية
14
314929
627364
2026-10-04T16:36:27Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627364
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:موسيقيون
14
314930
627365
2026-10-04T16:36:29Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627365
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:مي زيادة
14
314931
627366
2026-10-04T16:36:30Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627366
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:ميمية ابن القيم
14
314932
627367
2026-10-04T16:36:31Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627367
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:ناصيف اليازجي
14
314933
627368
2026-10-04T16:36:32Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627368
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:نحويون
14
314934
627369
2026-10-04T16:36:33Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627369
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:نصوص للتقسيم
14
314935
627370
2026-10-04T16:36:34Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627370
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:نصوص مسموعة
14
314936
627371
2026-10-04T16:36:35Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627371
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:نصوص مع صور خام
14
314937
627372
2026-10-04T16:36:36Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627372
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:نطاقات ويكي مصدر
14
314938
627373
2026-10-04T16:36:37Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627373
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:نقد مراتب الإجماع:مطبوع
14
314939
627374
2026-10-04T16:36:38Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627374
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:نماذج للتحرير
14
314940
627375
2026-10-04T16:36:39Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627375
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:نهج البلاغة
14
314941
627376
2026-10-04T16:36:40Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627376
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:نواقض الإسلام
14
314942
627377
2026-10-04T16:36:41Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627377
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:نور الدين السالمي
14
314943
627378
2026-10-04T16:36:42Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627378
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:نيل المرام من تفسير آيات الأحكام:مطبوع
14
314944
627379
2026-10-04T16:36:43Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627379
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:هدية النملة إلى مرجع الملة
14
314945
627380
2026-10-04T16:36:44Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627380
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:وثائق فلسطين
14
314946
627381
2026-10-04T16:36:45Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627381
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:وثيقة عهد الأمان:مطبوع
14
314947
627382
2026-10-04T16:36:46Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627382
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:وحدات طُورت محليًا
14
314948
627383
2026-10-04T16:36:47Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627383
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:وحدات فرعية لبطاقة
14
314949
627384
2026-10-04T16:36:48Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627384
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:وحدات لا تقبل الاستدعاء من القوالب
14
314950
627385
2026-10-04T16:36:49Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627385
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:وحدات محمية جزئيا
14
314951
627386
2026-10-04T16:36:50Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627386
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:وحدات ويكيبيديا متعلقة باللغات
14
314952
627387
2026-10-04T16:36:51Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627387
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:وحدة بطاقة/بيانات قالب
14
314953
627388
2026-10-04T16:36:52Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627388
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:وديع عقل
14
314954
627389
2026-10-04T16:36:53Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627389
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:وسيط صندوق رسالة بحاجة لإصلاح
14
314955
627390
2026-10-04T16:36:54Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627390
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:وصايا
14
314956
627391
2026-10-04T16:36:55Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627391
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:وفيات -4 هـ
14
314957
627392
2026-10-04T16:36:56Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627392
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:وفيات 1049 هـ
14
314958
627393
2026-10-04T16:36:57Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627393
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:وفيات 1078 هـ
14
314959
627394
2026-10-04T16:36:58Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627394
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:وفيات 1112 هـ
14
314960
627395
2026-10-04T16:36:59Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627395
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:وفيات 116 هـ
14
314961
627396
2026-10-04T16:37:00Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627396
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:وفيات 1171 هـ
14
314962
627397
2026-10-04T16:37:01Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627397
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:وفيات 1205 هـ
14
314963
627398
2026-10-04T16:37:02Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627398
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:وفيات 1221 هـ
14
314964
627399
2026-10-04T16:37:03Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627399
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:وفيات 1252 هـ
14
314965
627400
2026-10-04T16:37:04Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627400
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:وفيات 1259 هـ
14
314966
627401
2026-10-04T16:37:05Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627401
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:وفيات 1284 هـ
14
314967
627402
2026-10-04T16:37:06Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627402
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:وفيات 132 هـ
14
314968
627403
2026-10-04T16:37:07Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627403
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:وفيات 1382 هـ
14
314969
627404
2026-10-04T16:37:08Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627404
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:وفيات 1426 هـ
14
314970
627405
2026-10-04T16:37:09Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627405
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:وفيات 15 هـ
14
314971
627406
2026-10-04T16:37:10Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627406
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:وفيات 172 هـ
14
314972
627407
2026-10-04T16:37:11Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627407
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:وفيات 178 هـ
14
314973
627408
2026-10-04T16:37:12Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627408
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:وفيات 209 هـ
14
314974
627409
2026-10-04T16:37:13Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627409
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:وفيات 214 هـ
14
314975
627410
2026-10-04T16:37:14Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627410
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:وفيات 215 هـ
14
314976
627411
2026-10-04T16:37:15Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627411
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:وفيات 225 هـ
14
314977
627412
2026-10-04T16:37:17Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627412
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:وفيات 232 هـ
14
314978
627413
2026-10-04T16:37:18Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627413
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:وفيات 242 هـ
14
314979
627414
2026-10-04T16:37:20Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627414
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:وفيات 243 هـ
14
314980
627415
2026-10-04T16:37:22Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627415
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:وفيات 26 هـ
14
314981
627416
2026-10-04T16:37:23Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627416
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:وفيات 260 هـ
14
314982
627417
2026-10-04T16:37:24Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627417
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:وفيات 270 هـ
14
314983
627418
2026-10-04T16:37:25Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627418
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:وفيات 275 هـ
14
314984
627419
2026-10-04T16:37:26Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627419
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:وفيات 290 هـ
14
314985
627420
2026-10-04T16:37:27Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627420
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:وفيات 295 هـ
14
314986
627421
2026-10-04T16:37:29Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627421
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:وفيات 302 هـ
14
314987
627422
2026-10-04T16:37:30Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627422
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:وفيات 306 هـ
14
314988
627423
2026-10-04T16:37:31Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627423
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:وفيات 309 هـ
14
314989
627424
2026-10-04T16:37:32Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627424
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:وفيات 310 هـ
14
314990
627425
2026-10-04T16:37:34Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627425
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:وفيات 315 هـ
14
314991
627426
2026-10-04T16:37:35Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627426
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:وفيات 325 هـ
14
314992
627427
2026-10-04T16:37:36Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627427
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:وفيات 350 هـ
14
314993
627428
2026-10-04T16:37:37Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627428
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:وفيات 36 هـ
14
314994
627429
2026-10-04T16:37:38Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627429
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:وفيات 367 هـ
14
314995
627430
2026-10-04T16:37:39Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627430
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:وفيات 386 هـ
14
314996
627431
2026-10-04T16:37:40Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627431
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:وفيات 390 هـ
14
314997
627432
2026-10-04T16:37:41Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627432
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:وفيات 407 هـ
14
314998
627433
2026-10-04T16:37:42Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627433
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:وفيات 443 هـ
14
314999
627434
2026-10-04T16:37:43Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627434
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:وفيات 506 هـ
14
315000
627435
2026-10-04T16:37:44Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627435
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:وفيات 54 هـ
14
315001
627436
2026-10-04T16:37:45Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627436
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:وفيات 543 هـ
14
315002
627437
2026-10-04T16:37:46Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627437
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:وفيات 566 هـ
14
315003
627438
2026-10-04T16:37:47Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627438
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:وفيات 627 هـ
14
315004
627439
2026-10-04T16:37:48Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627439
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:وفيات 642 هـ
14
315005
627440
2026-10-04T16:37:49Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627440
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:وفيات 649 هـ
14
315006
627441
2026-10-04T16:37:50Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627441
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:وفيات 680 هـ
14
315007
627442
2026-10-04T16:37:51Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627442
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:وفيات 686 هـ
14
315008
627443
2026-10-04T16:37:52Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627443
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:وفيات 7 هـ
14
315009
627444
2026-10-04T16:37:53Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627444
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:وفيات 701 هـ
14
315010
627445
2026-10-04T16:37:55Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627445
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:وفيات 802 هـ
14
315011
627446
2026-10-04T16:37:56Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627446
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:وفيات 90 هـ
14
315012
627447
2026-10-04T16:37:57Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627447
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:وفيات عقد 0 هـ
14
315013
627448
2026-10-04T16:37:58Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627448
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:وفيات عقد 2020
14
315014
627449
2026-10-04T16:37:59Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627449
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:وليم ويردزويرث
14
315015
627450
2026-10-04T16:38:00Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627450
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:ويكي مصدريون غير مسؤولين عن نهاية العالم
14
315016
627451
2026-10-04T16:38:01Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627451
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:ويكيبيديون آسيويون
14
315017
627452
2026-10-04T16:38:02Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627452
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:ويكيبيديون يشغلون بوت
14
315018
627453
2026-10-04T16:38:03Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627453
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:يموت بن مزرع
14
315019
627454
2026-10-04T16:38:04Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627454
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:1 ابريل 2014
14
315020
627455
2026-10-04T16:38:06Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627455
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:538 هـ
14
315021
627456
2026-10-04T16:38:07Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627456
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:Wikisource
14
315022
627457
2026-10-04T16:38:08Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627457
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:أبزون العماني
14
315023
627458
2026-10-04T16:38:09Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627458
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:أبو الأسد
14
315024
627459
2026-10-04T16:38:11Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627459
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:أبو الحسين النوري
14
315025
627460
2026-10-04T16:38:12Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627460
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:أبو العرب التميمي
14
315026
627461
2026-10-04T16:38:13Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627461
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:أبو الفرج الأصبهاني
14
315027
627463
2026-10-04T16:38:14Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627463
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:أبو الفضل الدرامي
14
315028
627464
2026-10-04T16:38:15Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627464
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:أبو الفضل الميكالي
14
315029
627465
2026-10-04T16:38:16Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627465
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:أبو الهدى الصيادي
14
315030
627466
2026-10-04T16:38:17Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627466
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:أبو الهندي
14
315031
627467
2026-10-04T16:38:18Z
MenoBot
1263
بوت: إنشاء تصنيف مطلوب
627467
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:مصطفى وهبي التل (عرار)
14
315032
627468
2026-10-04T16:39:34Z
Meno25
3370
+
627468
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:عبقرية الامام علي (دار الكتاب العربي 1967)
14
315033
627469
2026-10-04T16:39:52Z
Meno25
3370
+
627469
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:أعمال 1969 (نشر أول مرة سنة 1954)
14
315034
627470
2026-10-04T16:39:58Z
Meno25
3370
+
627470
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:النقد الأدبي (1954)
14
315035
627471
2026-10-04T16:40:31Z
Meno25
3370
+
627471
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:Wikipedia pages with strange ((documentation)) usage
14
315036
627472
2026-10-04T16:40:55Z
Meno25
3370
+
627472
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:اتفاقية المرسى (8 جوان 1883):مطبوع
14
315037
627473
2026-10-04T16:41:14Z
Meno25
3370
+
627473
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:ترجمات أحمد غربية (8 أكتوبر 2005)
14
315038
627474
2026-10-04T16:41:35Z
Meno25
3370
+
627474
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
تصنيف:دستور 1861 (تونس):مطبوع
14
315039
627475
2026-10-04T16:42:00Z
Meno25
3370
+
627475
wikitext
text/x-wiki
{{فهرس تصنيف}}
0rfh2wqq07lzh4fuvwcvnz564yfids4
ميدياويكي:Gadget-EasternNumbers-Switch.js
8
315040
627476
2026-10-04T17:25:08Z
حبيشان
52457
أنشأ الصفحة ب'(function () { var easternDigits = "٠١٢٣٤٥٦٧٨٩"; var conversionEnabled = true; var boundEditors = new WeakSet(); var toolbarEditors = new WeakSet(); function convertTypedDigit(editor, event) { if (!conversionEnabled || event.inputType !== "insertText" || !/^[0-9]$/.test(event.data || "")) { return; } var digitStart = editor.selectionStart - 1; if (digitStart < 0 || editor.value.charAt(digitStart) !== event.data) { return; } edit...'
627476
javascript
text/javascript
(function () {
var easternDigits = "٠١٢٣٤٥٦٧٨٩";
var conversionEnabled = true;
var boundEditors = new WeakSet();
var toolbarEditors = new WeakSet();
function convertTypedDigit(editor, event) {
if (!conversionEnabled || event.inputType !== "insertText" || !/^[0-9]$/.test(event.data || "")) {
return;
}
var digitStart = editor.selectionStart - 1;
if (digitStart < 0 || editor.value.charAt(digitStart) !== event.data) {
return;
}
editor.setRangeText(easternDigits.charAt(Number(event.data)), digitStart, editor.selectionStart, "end");
}
function bindSourceEditor() {
var editor = document.getElementById("wpTextbox1");
if (!editor || boundEditors.has(editor)) {
return;
}
boundEditors.add(editor);
editor.addEventListener("input", function (event) {
convertTypedDigit(editor, event);
});
}
function addConversionToggle($textarea) {
var editor = $textarea[0];
if (!editor || editor.id !== "wpTextbox1" || toolbarEditors.has(editor)) {
return;
}
toolbarEditors.add(editor);
$textarea.wikiEditor("addToToolbar", {
section: "main",
group: "insert",
tools: {
EasternNumbersSwitch: {
label: "أرقام مشرقية",
type: "toggle",
oouiIcon: "language",
action: {
type: "callback",
execute: function (context) {
conversionEnabled = !conversionEnabled;
context.modules.toolbar.$toolbar
.find('[rel="EasternNumbersSwitch"]')
.data("setActive")(conversionEnabled);
}
}
}
}
});
$textarea.closest(".wikiEditor-ui")
.find('.wikiEditor-ui-toolbar [rel="EasternNumbersSwitch"]')
.data("setActive")(conversionEnabled);
}
mw.hook("wikipage.editform").add(bindSourceEditor);
mw.hook("wikiEditor.toolbarReady").add(addConversionToggle);
})();
d5kd37gbqhfuplfjpfeu7s4xgrjd3cb
627483
627476
2026-10-04T18:54:07Z
حبيشان
52457
تعديل أيقونة
627483
javascript
text/javascript
(function () {
var easternDigits = "٠١٢٣٤٥٦٧٨٩";
var conversionEnabled = true;
var boundEditors = new WeakSet();
var toolbarEditors = new WeakSet();
function convertTypedDigit(editor, event) {
if (!conversionEnabled || event.inputType !== "insertText" || !/^[0-9]$/.test(event.data || "")) {
return;
}
var digitStart = editor.selectionStart - 1;
if (digitStart < 0 || editor.value.charAt(digitStart) !== event.data) {
return;
}
editor.setRangeText(easternDigits.charAt(Number(event.data)), digitStart, editor.selectionStart, "end");
}
function bindSourceEditor() {
var editor = document.getElementById("wpTextbox1");
if (!editor || boundEditors.has(editor)) {
return;
}
boundEditors.add(editor);
editor.addEventListener("input", function (event) {
convertTypedDigit(editor, event);
});
}
function addConversionToggle($textarea) {
var editor = $textarea[0];
if (!editor || editor.id !== "wpTextbox1" || toolbarEditors.has(editor)) {
return;
}
toolbarEditors.add(editor);
$textarea.wikiEditor("addToToolbar", {
section: "main",
group: "insert",
tools: {
EasternNumbersSwitch: {
label: "أرقام مشرقية",
type: "toggle",
action: {
type: "callback",
execute: function (context) {
conversionEnabled = !conversionEnabled;
context.modules.toolbar.$toolbar
.find('[rel="EasternNumbersSwitch"]')
.data("setActive")(conversionEnabled);
}
}
}
}
});
$textarea.closest(".wikiEditor-ui")
.find('.wikiEditor-ui-toolbar [rel="EasternNumbersSwitch"]')
.data("setActive")(conversionEnabled);
}
mw.hook("wikipage.editform").add(bindSourceEditor);
mw.hook("wikiEditor.toolbarReady").add(addConversionToggle);
})();
s8lnzhf37b36md24ojbl5tl3lq3r4t2
627488
627483
2026-10-04T19:24:50Z
حبيشان
52457
خاصية الفهرس
627488
javascript
text/javascript
(function () {
let easternDigits = "٠١٢٣٤٥٦٧٨٩";
let conversionEnabled = ! (mw.config.get('prpIndexFields').NumberFormat !== "arab");
let boundEditors = new WeakSet();
let toolbarEditors = new WeakSet();
function convertTypedDigit(editor, event) {
if (!conversionEnabled || event.inputType !== "insertText" || !/^[0-9]$/.test(event.data || "")) {
return;
}
let digitStart = editor.selectionStart - 1;
if (digitStart < 0 || editor.value.charAt(digitStart) !== event.data) {
return;
}
editor.setRangeText(easternDigits.charAt(Number(event.data)), digitStart, editor.selectionStart, "end");
}
function bindSourceEditor() {
let editor = document.getElementById("wpTextbox1");
if (!editor || boundEditors.has(editor)) {
return;
}
boundEditors.add(editor);
editor.addEventListener("input", function (event) {
convertTypedDigit(editor, event);
});
}
function addConversionToggle($textarea) {
let editor = $textarea[0];
if (!editor || editor.id !== "wpTextbox1" || toolbarEditors.has(editor)) {
return;
}
toolbarEditors.add(editor);
$textarea.wikiEditor("addToToolbar", {
section: "main",
group: "insert",
tools: {
EasternNumbersSwitch: {
label: "أرقام مشرقية",
type: "toggle",
action: {
type: "callback",
execute: function (context) {
conversionEnabled = !conversionEnabled;
context.modules.toolbar.$toolbar
.find('[rel="EasternNumbersSwitch"]')
.data("setActive")(conversionEnabled);
}
}
}
}
});
$textarea.closest(".wikiEditor-ui")
.find('.wikiEditor-ui-toolbar [rel="EasternNumbersSwitch"]')
.data("setActive")(conversionEnabled);
}
mw.hook("wikipage.editform").add(bindSourceEditor);
mw.hook("wikiEditor.toolbarReady").add(addConversionToggle);
})();
di4t7bkhg7h6plkzc4rmvinbq6u7wrw
627490
627488
2026-10-04T20:36:26Z
حبيشان
52457
دعم codeMirror
627490
javascript
text/javascript
(function () {
let easternDigits = "٠١٢٣٤٥٦٧٨٩";
let conversionEnabled = ! (mw.config.get('prpIndexFields').NumberFormat !== "arab");
let sourceEditorIds = ["wpTextbox1", "wpHeaderTextbox", "wpFooterTextbox"];
let boundEditors = new WeakSet();
let boundCodeMirrorViews = new WeakSet();
let toolbarEditors = new WeakSet();
function convertTypedDigit(editor, event) {
if (!conversionEnabled || event.inputType !== "insertText" || !/^[0-9]$/.test(event.data || "")) {
return;
}
let digitStart = editor.selectionStart - 1;
if (digitStart < 0 || editor.value.charAt(digitStart) !== event.data) {
return;
}
editor.setRangeText(easternDigits.charAt(Number(event.data)), digitStart, editor.selectionStart, "end");
}
function bindSourceEditor() {
sourceEditorIds.forEach(function (editorId) {
let editor = document.getElementById(editorId);
if (!editor || boundEditors.has(editor)) {
return;
}
boundEditors.add(editor);
editor.addEventListener("input", function (event) {
convertTypedDigit(editor, event);
});
});
}
function bindCodeMirror(cm) {
let editor = cm.textarea;
let view = cm.view;
console.log("bindCodeMirror", cm);
if (!editor || sourceEditorIds.indexOf(editor.id) === -1 || !view || boundCodeMirrorViews.has(view)) {
return;
}
boundCodeMirrorViews.add(view);
view.contentDOM.addEventListener("beforeinput", function (event) {
if (!conversionEnabled || event.inputType !== "insertText" || !/^[0-9]$/.test(event.data || "")) {
return;
}
event.preventDefault();
let transaction = Object.assign({}, view.state.replaceSelection(easternDigits.charAt(Number(event.data))), {
userEvent: "input.type"
});
view.dispatch(transaction);
}, true);
}
function addConversionToggle($textarea) {
let editor = $textarea[0];
if (!editor || sourceEditorIds.indexOf(editor.id) === -1 || toolbarEditors.has(editor)) {
return;
}
toolbarEditors.add(editor);
$textarea.wikiEditor("addToToolbar", {
section: "main",
group: "insert",
tools: {
EasternNumbersSwitch: {
label: "أرقام مشرقية",
type: "toggle",
action: {
type: "callback",
execute: function (context) {
conversionEnabled = !conversionEnabled;
context.modules.toolbar.$toolbar
.find('[rel="EasternNumbersSwitch"]')
.data("setActive")(conversionEnabled);
}
}
}
}
});
$textarea.closest(".wikiEditor-ui")
.find('.wikiEditor-ui-toolbar [rel="EasternNumbersSwitch"]')
.data("setActive")(conversionEnabled);
}
mw.hook("wikipage.editform").add(bindSourceEditor);
mw.hook("wikiEditor.toolbarReady").add(addConversionToggle);
mw.hook("ext.CodeMirror.ready").add(bindCodeMirror);
})();
t7m7xwtncv5mmjdy4cinjclz8f2s6ik
ميدياويكي:Gadget-EasternNumbers-Switch.css
8
315041
627477
2026-10-04T17:26:25Z
حبيشان
52457
أنشأ الصفحة ب'[rel="EasternNumbersSwitch"] a[role="button"] span.oo-ui-iconElement-icon { Background-image: url('data:image/svg+xml;utf8,<svg width="20" height="20" version="1.1" viewBox="0 0 20 20" xmlns="http://www.w3.org/2000/svg"><path d="m9.53 6.83c-1.2-0.12-2.46-0.313-3.61 0.145-0.744 0.104-0.863 0.901-0.356 1.37 1.53 2.27 2.72 4.93 2.65 7.71 0.107 0.336-0.216 1.52-0.576 0.83-0.436-1.64-0.97-3.28-1.84-4.75-0.801-1.5-1.89-3.03-1.76-4.82 0.0931-1.22 0.629-2.5 1.75-3.12 1.3...'
627477
css
text/css
[rel="EasternNumbersSwitch"] a[role="button"] span.oo-ui-iconElement-icon {
Background-image: url('data:image/svg+xml;utf8,<svg width="20" height="20" version="1.1" viewBox="0 0 20 20" xmlns="http://www.w3.org/2000/svg"><path d="m9.53 6.83c-1.2-0.12-2.46-0.313-3.61 0.145-0.744 0.104-0.863 0.901-0.356 1.37 1.53 2.27 2.72 4.93 2.65 7.71 0.107 0.336-0.216 1.52-0.576 0.83-0.436-1.64-0.97-3.28-1.84-4.75-0.801-1.5-1.89-3.03-1.76-4.82 0.0931-1.22 0.629-2.5 1.75-3.12 1.32-0.797 2.97-0.571 4.38-0.149-0.192 0.924-0.381 1.85-0.571 2.77l-0.0578 3e-7z" stroke-width=".657"/><path d="m13.4 3.93c2.26 2.9 3.83 6.45 3.92 10.2-0.0141 0.975-0.0612 1.98-0.397 2.9-0.501 0.641-0.499-0.607-0.517-0.961-0.228-3.24-1.57-6.3-3.37-8.97-0.6-0.512-0.379-1.28-0.257-1.95 0.146-0.266 0.127-1.59 0.616-1.18z" stroke-width=".657"/><rect x=".827" y=".723" width="18.6" height="1.55" style="paint-order:fill markers stroke"/><rect x=".731" y="18" width="18.6" height="1.55" style="paint-order:fill markers stroke"/></svg>');
}
jntk1qqo3rhvw89myf2m1dw4qcq7uri
627484
627477
2026-10-04T18:55:35Z
حبيشان
52457
تغيير أيقونة
627484
css
text/css
.tool-button[rel="EasternNumbersSwitch"] {
Background-image: url('data:image/svg+xml;utf8,<svg width="20" height="20" version="1.1" viewBox="0 0 20 20" xmlns="http://www.w3.org/2000/svg"><path d="m9.53 6.83c-1.2-0.12-2.46-0.313-3.61 0.145-0.744 0.104-0.863 0.901-0.356 1.37 1.53 2.27 2.72 4.93 2.65 7.71 0.107 0.336-0.216 1.52-0.576 0.83-0.436-1.64-0.97-3.28-1.84-4.75-0.801-1.5-1.89-3.03-1.76-4.82 0.0931-1.22 0.629-2.5 1.75-3.12 1.32-0.797 2.97-0.571 4.38-0.149-0.192 0.924-0.381 1.85-0.571 2.77l-0.0578 3e-7z" stroke-width=".657"/><path d="m13.4 3.93c2.26 2.9 3.83 6.45 3.92 10.2-0.0141 0.975-0.0612 1.98-0.397 2.9-0.501 0.641-0.499-0.607-0.517-0.961-0.228-3.24-1.57-6.3-3.37-8.97-0.6-0.512-0.379-1.28-0.257-1.95 0.146-0.266 0.127-1.59 0.616-1.18z" stroke-width=".657"/><rect x=".827" y=".723" width="18.6" height="1.55" style="paint-order:fill markers stroke"/><rect x=".731" y="18" width="18.6" height="1.55" style="paint-order:fill markers stroke"/></svg>');
}
bntnhmpxjrl4h89f0q6okumzr3x1hoj
ميدياويكي:Gadget-EasternNumbers-Switch
8
315042
627479
2026-10-04T17:43:39Z
حبيشان
52457
أنشأ الصفحة ب'إدخال الأرقام المشرقية عبر المحرر'
627479
wikitext
text/x-wiki
إدخال الأرقام المشرقية عبر المحرر
navec5ji5vc2yby3lof8d7sx71dae41